خُلُوف لا خَلُوف

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالحميد قشطة
    عضو نشيط
    • Dec 2014
    • 446

    #1

    خُلُوف لا خَلُوف

    خُلُوف لا خَلُوف


    محمد تبركان
    ثبتَ في الصّحيحين[1] وغيرِهما أنّ النَّبيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (لَخُلُوفُ فَمِ الصّائمِ أَطيبُ عند اللّهِ من ريحِ المِسْكِ). كذا (لَخُلُوفُ) بضمِّ الخاءِ، وأمّا مَن رواهُ من المحدِّثينَ والفقهاء (لَخَلُوفُ) بفتح الخاء فغلطٌ يجب الاحترازُ منه، وصيانة حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مَعَرَّتِهِ؛ لِمُنابذته لكلام العرب، وفصيح اللّغة.

    على أنّ العلماء - رحمهم اللّه تعالى - قد نبّهوا عليه، وأعذروا إلى اللّه بذلك؛ فلا يسوغُ والحال كذلك أن نقع في هذا الغلط، وأمثاله ممّا يتعلّق بألفاظ الأحاديث النّبويّة الشّريفة.

    فمن هؤلاء العلماء:
    1. الخطّابي في إصلاح غلط المحدّثين، وقد جاء فيه قوله (ص101 - 102 رقم 58 الرّديني): (لَخُلوُفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. أصحابُ الحديث يقولون: خَلُوف بفتح الخاء، وإنّما هو خُلُوف مضموم الخاء، مصدر خَلَفَ فَمُهُ يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا تَغيَّرَ. فأمّا الخَلُوف فهو الّذي يَعِدُ ثمّ يُخْلِفُ. قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَب[2]:
    جَزَى اللَهُ عَنَّا جَمْرَةَ اِبْنَةَ نَوْفَلٍ
    جَزاءَ خَلُوفٍ بالخِلافَةِ[3] كاذِبِ


    2. الزّبيدي في تاج العروس (23 /266): (خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ خُلُوفاً وخُلُوفَةً بضَمِّهِمَا على الصَّوابِ ولو أَنَّ إِطْلاقَ المُصَنِّفِ يقْتَضِي فَتْحَهُمَا وعلَى الأَوَّلِ اقْتَصَرَ الجَوْهَرِيُّ[4]، وكذا خِلْفَةً بالكَسْرِ كما في اللِّسَانِ[5]: تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ ومنه الحدِيثُ: " لَخُلُوفُ فَمَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ "، قال شيخُنَا: الخُلُوفُ بالضَّمِّ بمعنَى[6] تَغَيُّرِ الفَمِ، هو المَشْهُورُ الّذي صّرَّحَ به أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، وحكَى بعضُ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثين فَتْحَهَا، واقْتَصَرَ عليه الدَّمِيرِيُّ في شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وأَظُّنُّه غَلَطاً كما صرَّح به جَمَاعَةٌ، وقال آخَرُونَ: الفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، واللهُ أَعلمُ. وفي رِوايَةِ: " خِلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ "، وسُئِلَ[7] عليٌّ رضي الله عنه عن القُبْلَةِ للصَّائمِ فقال: " ومَا أَرَبُكَ إِلَى خُلُوفِ فِيهَا؟ ").

    وقال في (20 /5831): (خَلَفَ فُوهُ خُلُوفاً وخُلُوفَةً بِضَمِّهِمَا: إِذا تَغَيَّرَ، وضَمُّ المَصْدَرَيْنِ كما ضَبَطَهما هو الصَّوابُ الّذي صَرِّح به الأَئِمَّةُ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه آنِفاً).

    3. ابن منظور، ونورد له فقرات من معجمه الفذّ (لسان العرب) تُثبت صحّةَ هذا الضّبط (الخُلُوف) بضمّ الخاء، قال – رحمه اللّه تعالى – في: (9/92 – 93 خلف):
    • وخلَفَ اللَّبَنُ وغيرُه وخَلُفَ يَخْلُفُ خُلُوفاً فيهما: تغَيَّر طَعْمُه وريحُه.
    • وخلَفَ اللَّبَنُ يَخْلُفُ خُلُوفاً إذا أُطيلَ إنْقاعُهُ حتى يَفْسُدَ.
    • وخَلَفَ فُوهُ يَخْلُفُ خُلُوفاً وخُلوفَةً.
    • وقال اللّحيانيّ خَلَف الطَّعامُ والفمُ وما أَشبهَهُما يَخْلُفُ خُلُوفاً: إذا تغيَّر.
    • وخلَفَ فَمُ الصّائِمِ خُلُوفاً أَي تغيَّرَتْ رائِحتُهُ.
    • وخلَف فمُه يَخلُفُ خِلْفةً وخُلُوفاً.
    • قال أبو عُبيد: الخُلُوفُ تغيُّر طعم الفم لِتأخُّر الطّعام.
    • ويُقال: خَلَفَتْ نفْسُه عن الطّعام فهي تَخْلُفُ خُلُوفاً إذا أَضرَبَتْ عن الطّعام من مرض.
    • ويُقال: خلَفَ الرّجل عن خُلُقِ أَبيه يَخْلُفُ خُلوفاً إذا تغَيَّر عنه.

    4. ابن الجوزيّ في غريب الحديث (1 /298): (قوله لَخُلُوف فم الصّائم، الخاء مضمومة، وهو تغيُّره بالصّوم).

    5. ابن حجر في فتح الباري (4 /596): (قَوْلُه: (لَخُلُوف) بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا فَاء، قَالَ عِيَاض: هَذِهِ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، وَبَعْض الشُّيُوخ يَقُولهُ بِفَتْحِ الْخَاء، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأ، وَحَكَى الْقَابِسِيّ الْوَجْهَيْنِ، وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فِي " شَرْح الْمُهَذَّب[8] " فَقَالَ لَا يَجُوز فَتْح الْخَاء، وَاحْتَجَّ غَيْرُه لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمَصَادِر الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعُول - بِفَتْحِ أَوَّله - قَلِيلَة ذَكَرهَا سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُه، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ تَغَيُّر رَائِحَة فَم الصَّائِم بِسَبَبِ الصِّيَام).

    6. النّوويّ في المنهاج[9] (4 /8 /29 - 30): (قَوْله صلّى اللّه عليه وسلّم: " لَخُلْفَةُ فَم الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك يَوْم الْقِيَامَة "، وَفِي رِوَايَة: (لَخُلُوف) وهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِيهِ بِضَمِّ الْخَاء كما ذكرناه، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وغيره مِنْ أَهْل الْغَرِيب، وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي كُتُب اللُّغَة، وَقَالَ الْقَاضِي: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِضَمِّ الْخَاء، قَالَ: وَكَثِير مِنْ الشُّيُوخ يَرْوِيهِ بِفَتْحِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ خَطَأٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَحُكِيَ عَنْ الْفَارِسِيّ فِيهِ الْفَتْح وَالضَّمّ، وَقَالَ: أَهْل الْمَشْرِق يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَالصَّوَاب: الضَّمّ ... ).

    7. الصَّبّان محمّد بن عليّ في حاشيته على شرح الأشمونيّ عليّ بن محمّد على ألفيّة ابن مالك، وفيها يقول: (1 /165 المقدّمة): (قوله: " لَخُلُوف فم الصّائم " بضمّ الخاء وقد تُفتحُ لكنّ الفتح لغة شاذّة كما في تحفة ابن حجر بل قيل خطأ: أي تغيّر رائحته بعد الزّوال).

    وعلى نحو هذا البيان جرى أصحابُ الفضيلة في المعجم الوسيط (ص250 ع3).

    ومعنى[10] (الخُلُوف): بضمّ الخاء هو تغيُّر طعم الفم ورائحته لخلوِّ المعدة بسبب الإمساك عن الطّعام. وهو من حدِّ[11] نَصَرَ يَنْصُرُ، ورُوِيَ خَلُفَ ككَرُمَ يَكْرُمُ، خُلُوفًا فيهما. وأَخْلَفَ فُوهُ لغةٌ في خَلَفَ.

    وفي أصل اشتقاقها[12] قال في النّهاية (2 /67 حرف الخاء): (الخِلْفَة بالكسر: تَغَيُّر ريح الفَمِ. وأصلها في النَّبَات أن يَنْبُت الشّيءُ بَعْدَ الشّيءِ؛ لأنّها رائحةٌ حَدَثتْ بعد الرّائحة الأولى. يُقال خَلَف فمُه يَخْلُفُ خِلْفةً وخُلُوفًا، ومنه الحديث: " لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِند اللّهِ مِن ريحِ المِسْكِ ").


    ويُراجع:
    1. أساس البلاغة (ص119 ع2).
    2. إعراب المحيط (سورة التّوبة/81).
    3. تاج العروس (23 /266 خلف).
    4. جمهرة اللّغة (2 /237 خ ف ل).
    5. الصّحاح (4 /1356 خلف).
    6. العُباب الزّاخر (ص168 حرف الفاء/خلف).
    7. عمدة القاري (10 /277 – 278) و(25 /156 - 157).
    8. العين (4 /265، 267).
    9. الفائق (1 /387).
    10. فقه اللّغة (ص80).
    11. فيض القاري (4 /251 رقم 5199).
    12. القاموس المحيط (ص808 خلف).
    13. اللّسان (9 /92 - 93).
    14. مجمع الأمثال والحكم (1 /247، 253).
    15. المحكم والمحيط الأعظم (5 /203 الخاء واللّام والفاء).
    16. المحيط في اللّغة (4 /345 - 346 خلف).
    17. مختار الصّحاح (ص186 ع2).
    18. مرقاة المفاتيح (4 /461).
    19. معجم المقاييس في اللّغة (2 /210 – 213 خلف).
    20. النّهاية (2 /67).
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
    [1] صحيح البخاري (4 /594 رقم 1894 و4 /612 رقم 1904 فتح)، مسلم (4 /8 /31 رقم 163 - 165 نوويّ)، اللّسان (9/ 93)، تاج العروس (23 /266)، معجم المقاييس في اللّغة (2 /212 خلف)، المصباح المنير (ص340)، غريب الحديث لابن الجوزي (1 /298)، النّهاية (2 /67)، الفائق (1 /387)، جمهرة اللّغة (2 /237 خ ف ل).
    [2] البيت في ديوانه (ص41 المقطوعة 6 رقم 1)، و: اللّسان (11 /499)، ومعجم المقاييس في اللّغة (4 /376 باب الغين واللّام وما معهما)، وغريب الحديث لابن سلاّم (1 /199)، والأغاني (22 /277)، وإصلاح المنطق (1 /266).
    [3] رواية الدّيوان (ص41) ومعجم المقاييس (4 /376): (مُغِلٍّ بالأمانة) بدل (خَلُوفٍ بالخِلافَةِ).
    [4] في الصِّحاح (4 /1356 خلف).
    [5] (9 /82).
    [6] قال أَبو عبيد: الخُلوف تغيُّر طعم الفم لتأَخُّرِ الطعام، ومنه حديث عليّ عليه السلام حين سُئل عن القُبْلة للصّائم فقال: وما أَرَبُك إلى خُلوف فيها). - اللّسان 9 /82 -.
    [7] أخرجه عبد الرزّاق في المصنّف (4 /187 رقم 7428)، وذكره ابن حزم في المحلّى (6 /209) بزيادة: (دعها حتّى تُفطِر)، وهو في اللّسان (9 /82)، وتاج العروس (23 /266، 358)، والنّهاية (2 /67)، وغريب الحديث لابن الجوزي (1 / 298).
    [8] (1 /275 باب السِّواك).
    [9] شرح صحيح مسلم.
    [10] اللّسان (9 /92)، الزّاهر (1 /167)، تحفة الأحوذيّ (3 /360 كتاب الصّوم)، فيض القدير (2 /308).
    [11] تاج العروس (23 /266).

    [12] اللّسان (9 /93).

    (ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ، وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها، وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    من موقع أهل التفسير زهدي جمال الدين

    لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ

    إن عبادة الصوم عبادة فريدة من نوعها، سواء في طريقة إتيانها أم في تحصيل ثوابها، أما في طريقة إتيانها فهي عبادة سلبية، بمعنى أنها تقوم على المنع والكف والحبس، وليس ذلك في عبادة غيرها، وأما في تحصيل ثوابها فهذا يوضحه قول الله كما جاء في الحديث القدسي:
    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَصْخَبُ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرِحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ . رواه البخاري.

    والحق أن الصوم وإن كان ما له من المقاصد والحكم، إلا أن تحقيق التقوى يظل هو المقصد الأهم، والحكمة الأولى، وهذا أمر واضح للعيان من خلال آيات الصيام بقوله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، والآية الأخيرة بقوله تعالى:( كذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، وقد أحسن ابن القيم حين قال عن الصيام: فهو لجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين.
    وفي الحقيقة أنني كنت في شبابي أتحرج كثيراً من ذكر حديث الصيام المشهور والذي ذكرته قبل قليل.
    لماذا؟..لأن هذا الحديث حفظناه صغاراً من على المنابر ومن كثرة ترديده في كافة وسائل الإعلام..والمشكلة كانت تكمن في نطق بعض الكلمات في الحديث خطأ الأمر الذي أدى معه إلى تغيير المعنى تماما وبناء عليه تم إثبات صفة لله جل علاه في الحديث لم يثبتها لنفسه،وعليه فلقد أنشئوا واقعا ترتبت عليه أحكاماً فقهية خطأ وكلها تتعلق بالصيام.
    إذن فأين يكمن الخطأ..إنه يكمن في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)..
    حيث قرأ المشايخ الحديث من فوق المنابر وفي الفضائيات خطأ فقالوا(لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ)..
    وبهذا أخرجوا الحديث عن معناه المقصود ..إذ أن معنى الخَلُوفُ بِفَتْحِ الْخَاءِ هو المُخَلّف هو المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد وهو مشتق من الخلف وضده المقدم..
    قال (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) الفتح: 11
    وقال : ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) الفتح:15.

    وقال (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)من سورة مريم :59
    وقال ( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ )التوبة87
    (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) التوبة93
    رضي هؤلاء المنافقون لأنفسهم بالعار, وهو أن يقعدوا في البيوت مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار, وختم الله على قلوبهم; بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد والخروج مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبيل الله, فهم لا يفقهون ما فيه صلاحهم ورشادهم.
    الخوالفهم المنافقون والمعذرون والمخلفون الذين تخلفوا عن الجهاد والخروج في سبيل الله مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    والخوالف قد وصموا أنفسهم بالعار حينما رضوا بالقعود في البيوت مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار, فختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد والخروج مع رسول الله . صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذن فالخَلْفُ صفة ذم كيف تنسب إلى الله العزيز الحميد.

    والخوالف قد وصموا أنفسهم بالعار حينما رضوا بالقعود في البيوت مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار, فختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد والخروج مع رسول الله . صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذن فالخَلْفُ صفة ذم كيف تنسب إلى الله العزيز الحميد.

    مستحيل لابد وان في الأمر شيء..

    والمصيبة أنهم بهذا الحديث قد أنشئوا واقعاً ترتبت عليه أحكاما.. كحرمة استخدام السواك والعطور في نهار رمضان باعتبار أن هذه الروائح تفسد رائحة محببة إلى الله جل علاه.

    في حين أن هذا الحديث في حقيقة أمره يُذكر في فضائل الأعمال فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَاسْتِقْذَارِ الرَّوَائِحِ الْخَبِيثَةِ لأنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ طَبَائِعُ تَمِيلُ إلَى شَيْءٍ فَتَسْتَطِيبُهُ وَتَنْفِرُ مِنْ شَيْءٍ فَتَتَقَذَّرُهُ ..

    فالحديث هُوَ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَتْنَا بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .. فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ إنَّهُ يُقَرِّبُ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ.

    وعليه فيكون مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجْزِيهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَمِنْ رِيحِ الْمِسْكِ كَمَا قَالَ فِي الْمَكْلُومِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
    فقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ وهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَلَمْ يَذْكُرُوا سِوَاهُ .

    أما قولهم بِفَتْحِ الْخَاءِ فهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ..
    وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ الضَّمَّ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ.
    ولقد أخرج الإمام أحمد في مسنده رقم(17344) قال : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ مُوسَى بْنُ خَلَفٍ ـ كَانَ يُعَدُّ مِنَ الْبُدَلاءِ ـ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلامٍ ، عَنْ جَدِّهِ مَمْطُورٍ ، عَنِ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ ، فَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى : إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ تَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ ، فَإِمَّا أَنْ تُبَلِّغَهُنَّ ، وَإِمَّا أُبَلِّغَهُنَّ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَخِي إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ ، أَوْ يُخْسَفَ بِي . قَالَ : فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، حَتَّى امْتَلأَ الْمَسْجِدُ وَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ ، أَوْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي عَمَلَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَاعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلا تَلْتَفِتُوا ، وَأَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ ، وَإِنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَأَمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَدُّوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ وَقَرَّبُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ ، فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ ، وَأَمَرَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ ؛ بِالْجَمَاعَةِ ، وَبِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَالْهِجْرَةِ ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى ؟ قَالَ : وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا سَمَّاهُمُ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
    وأخرجه الترمذي بطوله عن الحارث الأشعري في كتاب الأمثال باب ما جاء مثل الصلاة والصيام والصدقة رقم (2863) وقال : حديث حسن صحيح غريب .

    إنما مثل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بصاحب الصرة التي فيهاالمسك لأنها مستورة عن العيون مخبوءة تحت ثيابه كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا تدركه حواسهم .
    والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور ،
    وبطنه عن الطعام والشراب ، وفرجه عن الرفث . فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه ، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه ،فيخرج كلامه كله نافعاً صالحاً ، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جَالسَ حامل المسك ، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم.
    هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" وفي الحديث "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" .

    فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام ، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته ، فتصيره بمنزلة من لم يصم .
    وعليه فإن وجود هذه الرائحة من الصائم هي في الآخرة: ويشهد لقوله الحديث المتفق عليه "والذي نفسي بيده ما من مكلوم يكلم في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى : اللون لون دم ، والريح ريح المسك" فأخبر عن رائحة كلم المكلوم في سبيل الله بأنها كريح المسك يوم القيامة ، وهو نظير إخباره عن خلوف فم الصائم ، فإن الحس يدل على أن هذا دم في الدنيا وهذا خلوف له ، ولكن يجعل الله تعالى رائحة هذا وهذا مسكاً يوم القيامة .

    ونسبة استطابة ذلك إليه كنسبة سائرصفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين ، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكرهه وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك ، كما أن ذاته لا تشبه ذوات خلقه وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم . وهو يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه ، والعمل الصالح فيرفعه . وليست هذه الاستطالة كاستطابتنا .

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      هذا البحث "خُلوف لا خَلوف"
      محمد تبركان على شبكة اللوكة

      تاريخ الإضافة: 20/1/2015 ميلادي - 30/3/1436 هجري

      تعليق

      يعمل...