التَّصحيف والتَّحرِيف :
وهما أكبر آفة منيت بها الآثار العلمية ، فلا يكاد كتاب منها يسلم من ذلك . وبعض العلماء الأقدمين يفرقون بين مدلولي الكلمتين . فالعسكري ، وهو الحسن بن عبدالله بن سعيد (293-382) وهو من أقدم من ألَّف في هذا الفن يضع حدًّا فاصلا بينهما . ويقول في صدر كتابه (1) : " شرحتُ في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ، ويدخلها التحريف " .
ويقول أيضا (2) : " فأمَّا معنى قولهم الصحفي والتصحيف فقد قال الخليل : إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصُّحف بأشباه الحروف . وقال غيره : أصل هذا أنَّ قوما قد أخذوا العلم عن الصُحف من غير أن يَلْقَوْا فيه العلماء ، فكان يقع فيما يروونه التغيير ، فيُقال عنده : قد صَحَّفوا ، أي ردَّدوه عن الصُّحف ، وهم مُصَحِّفون ، والمصدر التصحيف " .
وجاء في جمهرة ابن دريد (3) : " أنَّ الماء يؤنه أنا : صبَّه . وفي كلام للقمان ابن عاد : أنَّ ماء وأغله (4) . أي صبَّ ماء وأغله . وكان ابن الكلبي يقول : أزماء ، ويزعم أن أنَّ تصحيف " .
فهذه النصوص تجعل كل تغير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط تصحيفا .
ويقول العسكري (5) في قول ابن أحمر الذي روى على هذا الوجه :
فلا تُصَلِّ بمطروق إذا ما سرى بالقوم أصبح مستكينَا
إنما هو " إذا ماسرى في الحي" . ثم يقول : " وهذا من التحريف لا من التصحيف " . وفي كتابه أيضا (6) : " سأل أبو زيد الأخفش فقال : كيف تقول يوم الترْوية (7) . أتهمز؟ قال : نعم . قال : ولم ؟ قال : أني أقول : روأت في الأمر. قال : أخطأت ، إنما هو ترويت من الماء غير مهموز . قال الشيخ - العسكري - : وهذا من التبديل لا من التصحيف " . يريد أنه من التحريف ، لأنه ليس ناشئًا من تشابه الحروف في النقط ، بل هو من تغيير الياء بالهمز .
ومن نماذج التحريف بمعنى الخطأ ماجاء في اللسان ( ضيف 113) في إنشاد قول البعيث :
لَقى حملته أمه وهي ضيفة فجاءت بيَتْنٍ للضيافة أرشما
قال : " وحرفه أبو عبيد (8) فعزاه إلى جرير" .
ثم إننا نجد السيوطي (849-911) في المزهر (9) يعقد فصلا في التصحيف والتحريف ، لم يفصل بينهما فصلا دقيقا ، فلم يكن ضابط دقيق عنده لما يسمى تحريفا وما يسمى تصحيفا . وكذلك نجد بعض المؤلفين الأقدمين لايفرقون بين التحريف والتصحيف ، يجعلونهما مترادفين .
أما ابن حجر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (10) فيفرق بين النوعين فرقا واضحا . قال : " إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق . فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف ، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحرَّف" .
فهو يجعل التصحيف خاصًّا بالالتباس في نقط الحروف المتشابهة في الشكل كالباء والتاء والثاء ، والجيم والحاء والخاء ، والدال والذال والراء والزاي ، والسين والشين ، والصاد والضاد ، والطاء والظاء . فإن صور تلك الحروف واحدة ، ولايفرق بعضها عن بعض في الكتابة الحديثة إلا النقط أو مقدارها .
وأما التحريف فهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها كالدال والراء ، والدال واللام ، والنون والزاي في الحروف المتقاربة الصورة ؛ والميم والقاف ، واللام والعين في الحروف المتباعدة الصورة .
ومن التصحيف الناجم عن سوء القراءة ماجاء في سير النبلاء للذهبي في ترجمة عبدالرازق بن همام ، في حديث روى عنه مصحَّفًا : "النار جبار" . قال الذهبي : أظنها تصحفت عليهم ، فإن النار تكتب "النير" على الإمالة بياء ، على هيئة "البئر" ، فوقع التصحيف (11) .
وصواب نص هذا الحديث : "البئر جُبار" أي هدر ، إذا سقط إنسان فيها فهلك فدمه هدر . وتمام الحديث : "المعدِن جُبار ، والبئر جبار ، والعجماء جُبار" (12) .
ومن التصحيف والتحريف مايكون نتاجًا لخطأ السمع لا لخطأ القراءة ، كأن يملي المملي كلمة "ثابت" فيسمعها الكاتب ويكتبها "نابت" ، أو "احتجم" فيسمعها الكاتب "احتجب" . ومن هذا ماجاء في قول الراجز :
كأن في ريقه لما ابتسم بلقاءةً في الخيل عن طفل مُتِمْ
إنما هي : "بلقاءَ تنفى الخيل" .
ومنه ماورد في الطبعة الأولى من الصحاح في مادة (سلت) قال : " وسلتُّه مائة سوط ، أي جلدته ، مثل حلدته " . وصوابها "حلته" كما في مخطوطات الصحاح واللسان ومادة (حلت) من الصحاح نفسه ، وفيه : "قال الأصمعي : حلته مائة سوط : جلدته " .
ومما اجتمع فيه تصحيف الخط ، وتصحيف السمع ماجاء في الإصابة لابن حجر ، في ترجمة "فرات بن ثعلبة البهراني" ، إذ وقع في بعض نسخ كتاب ابن منده "النحراني" . قال ابن حجر : "النجراني وقع في النسخ المعتمدة من كتاب ابن منده بنون وجيم ، والصواب بموحدة ثم مهملة ، يعني -البحراني - فوقع فيه تصحيفان : خطي وسمعي . أما الخطي فهذا . وأما السمعي فإنه بالهاء لا بالحاء" .
وفي ذلك يروون هذه الطريقة عن كيسان مُستملي أبي عبيدة (13) : أنه كان يكتب غير مايسمع ، ثم ينقل عن ذلك غير ماكتبه في أول الأمر ، ثم يحفظ غير ماكتب ، ثم يحدِّث غير ماحفظ .
ومنه مايكون خطأ في الفهم كقول السيوطي (14) : " كحديث الزهري عن سفيان الثوري " وهو خطأ غريب ، فإن الزهري أقدم كثيرا من الثوري ، ولم يذكر أحد أنه روى عنه . والصواب : " كحديث أبي شهاب عن سُفيان الثوري " فالتبس على السيوطي أبو شهاب الحنَّاط بابن شهاب الزهري . والذي يروي عن سفيان إنما هو أبو شهاب الحناط ، واسمه عبد ربه بن نافع الكناني . وأما ابن شهاب الزهري فهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب . ومن ذلك ماذكره الجاحظ في البيان (15) : " قال يونس بن حبيب : ماجاءنا من أحد من روائع الكلم ماجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم " جاء في حاشية قديمة من إحدى نسخه تعليقا على ذلك :
هذا مما صحفه الجاحظ وأخطأ فيه ، لأن يونس إنما قال : عن البتي ، وهو عثمان البتي ، فلما لم يذكر عثمان التبس البتي فصحفه الجاحظ بالنبي ، ثم جعل مكان النبي الرسول . وكان البتي من الفصحاء " .والبتي هو عثمان بن مسلم البصري البتي .
ومن طريف التصحيف ماورد في إحدى مخطوطات الحيوان (16) في خطبة من خطب الحجاج بن يوسف : " يا أهل الشام أنتم الجبة والرداء " ، وإنما هي " الجُنَّة " بالجيم المضمومة والنون المشددة ، وهي ماواراك من السلاح واستترت به .
ومن طريفه أيضا ماورد في مخطوطة مقاييس اللغة (مادة عبد) : يُقال هذا ثوبٌ له عَبَدَةٌ ، إذا كان ضعيفا قويًّا ! " ، والصواب "صفيقًا قويًّا ".
كُتُب التَّصحيف والتَّحْريف :
ومن أقدم كتب التصحيف والتحريف ماصنعه أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري 293-382 وقد طبع نحو نصفه بمصر سنة 1326 ثم طبع كاملا بتحقيق الأستاذ عبدالعزيز أحمد سنة 1383 . وماصنعه الحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفي سنة 385 . ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي .
ومما يصح أن يجعل بين كتب التصحيف والتحريف كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة (17)، لعلي بن حمزة البصري المتوفي سنة 375 وإن كان لم يسم كتابه بما يدل على ذلك . وكذا كتاب التنبيه على حدوث التصحيف (18) لحمزة بن حسن الأصفهاني .
تاريخه :
وتاريخ التصحيف والتحريف قديم جدا ، وقد وقع فيه جماعة من الفضلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : " ومن يعري من الخطأ والتصحيف(19) " ؟! .
ففي كتاب الله قرأ عثمان بن أبي شيبة : " جعل السفينة في رجل أخيه " (20) .
وقرأ أيضا : " ألم . تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " (21)شوكان حمزة الزيات يتلو القرآن من المصحف ، فقرأ يومًا وأبوه يسمع : " الم . ذلك الكتاب لازيت فيه " فقال أبوه : دع المصحف وتلقَّنْ من أفواه الرجال " (22)!
وقرأ بعضهم : " قال الله عن رجل " .
وفي الحديث صحف بعضهم : " صلاة في إثر كتاب في عليِّين " فقال : " كنازٍ في غلس " . وصحَّف آخر : " يا أبا عمير ، مافعل النغير " ، فقال : " مافعل البعير " (23) .
وقد ورد كثير من ذلك في اللغة والشعر والأعلام مما يطول الحديث فيه ، وقد عمَّت هذه البلوى حتى قالوا : لاتأخذوا القرآن من مُصحفي ، ولا العلم من صُحفي (24) وكما كانوا يهجون الصحفيين كانوا يمدحون من لايعتمد على الصحف في علمه . وفي ذلك يقول أبو نواس في رثاء خلف الأحمر :
لايَهِمُ الحاء في القراءة بالخا ء ولا يأخذ إسناده عن الصُّحُفِ (25) .
ولخشية التصحيف نجد بعض المؤلفين يلجئون إلى مخالفة المعروف في اللغة ليتوقَّوْا وقوع غيرهم في الخطأ جاء في صحاح الجوهري ص685 في مادة (سعتر) " السعتر : نبت ، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب لئلا يلتبس بالشعير " .
كُتُب المُؤْتَلِف وَالْمُخَتَلِف :
وكان من الطبيعي أن تقاوم هذه الآفة العلمية بما يقضي عليها أو يخفف من حدَّتها ، فلجأ العلماء إلى تأليف الكتب التي تبحث في المؤتلف والمختلف ، فمنها ماهو في أسماء الرجال ، وقد ألَّف في ذلك الدارقطني المتوفي سنة 385 ، وأحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفي سنة 463 ، وابن ماكولا المتوفي سنة 487 ، وابن نقطة الحنبلي المتوفي سنة 629 ، والذهبي المتوفي سنة 748 في كتابه المشتبه .
ومنها ماهو في أسماء الشعراء ، وقد ألَّف فيه الحسن بن بشر الآمدي المتوفي سنة 307 .
ومنها ماهو في أسماء القبائل ، وقد ألَّف فيه محمد بن حبيب المتوفي سنة 215 . وغير ذاك كثير .
(1) (التصحيف والتحريف ص 1) .
(2) (التصحيف والتحريف ص13) .
(3) (الجمهرة 1:22) .
(4) ( ويروي : "وغله " بالتضعيف ، يُقال أغلى الماء وغلاه بالتضعيف أيضا ) .
(5) (ص77) .
(6) (ص88) .
(7) (يوم التروية هو ثامن ذي الحجة ، لأن الحجاج كانوا يتروون فيه من الماء وينهضون إلى منى ولا ماء بها ) .
(8) (انظر تهذيب اللغة 12:75. وفي اللسان : "أبو عبيدة" تحريف . وصواب مافي التهذيب : "قول جرير يهجو البعيث" .
(9) (ج2ص 353-394) .
(10) (شرح نخبة الفكر32) .
(11) (التصحيف ص176) .
(12) ( انظر اللسان (جبر186) والألف المختارة 862 .
(13) (بغية الوعاة ص 382) .
(14) (الباعث الحثيث 75) .
(15) (البيان 2:18) .
(16) ( الحيوان 6:354) .
(17) ( نشر في دار المعارف سنة 1387 بتحقيق الميمني مع كتاب المنقوص والممدود للفرَّاء ) .
(18) (نشر في بغداد 1387 بتحقيق محمد حسن آل ياسين .
(19) (المزهر 2:353) .
(20) (العسكري ص12) .
(21) (المزهر 2:369)
(22) (العسكري 12:13) .
(23)( الباعث الحثيث 193. النغير : مُصغر نغر، كصرد ، وهو طائر صغير أحمر المنقار يشبه العصفور).
(24) (العسكري 13) .
(25) (العسكري 18 . وفي الحيوان 3:494).
عبد السلام محمد هارون
تحقيق النصوص ونَشْرِها
أول كتاب عربي في هذا الفنِّ
يوضح مناهجه ويعالج مشكلاتهِ
الطبعة الخامسة
تمتاز بإضافات وتنقيحات ونماذج جديدة
مكتبة السُّنة
وهما أكبر آفة منيت بها الآثار العلمية ، فلا يكاد كتاب منها يسلم من ذلك . وبعض العلماء الأقدمين يفرقون بين مدلولي الكلمتين . فالعسكري ، وهو الحسن بن عبدالله بن سعيد (293-382) وهو من أقدم من ألَّف في هذا الفن يضع حدًّا فاصلا بينهما . ويقول في صدر كتابه (1) : " شرحتُ في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ، ويدخلها التحريف " .
ويقول أيضا (2) : " فأمَّا معنى قولهم الصحفي والتصحيف فقد قال الخليل : إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصُّحف بأشباه الحروف . وقال غيره : أصل هذا أنَّ قوما قد أخذوا العلم عن الصُحف من غير أن يَلْقَوْا فيه العلماء ، فكان يقع فيما يروونه التغيير ، فيُقال عنده : قد صَحَّفوا ، أي ردَّدوه عن الصُّحف ، وهم مُصَحِّفون ، والمصدر التصحيف " .
وجاء في جمهرة ابن دريد (3) : " أنَّ الماء يؤنه أنا : صبَّه . وفي كلام للقمان ابن عاد : أنَّ ماء وأغله (4) . أي صبَّ ماء وأغله . وكان ابن الكلبي يقول : أزماء ، ويزعم أن أنَّ تصحيف " .
فهذه النصوص تجعل كل تغير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط تصحيفا .
ويقول العسكري (5) في قول ابن أحمر الذي روى على هذا الوجه :
فلا تُصَلِّ بمطروق إذا ما سرى بالقوم أصبح مستكينَا
إنما هو " إذا ماسرى في الحي" . ثم يقول : " وهذا من التحريف لا من التصحيف " . وفي كتابه أيضا (6) : " سأل أبو زيد الأخفش فقال : كيف تقول يوم الترْوية (7) . أتهمز؟ قال : نعم . قال : ولم ؟ قال : أني أقول : روأت في الأمر. قال : أخطأت ، إنما هو ترويت من الماء غير مهموز . قال الشيخ - العسكري - : وهذا من التبديل لا من التصحيف " . يريد أنه من التحريف ، لأنه ليس ناشئًا من تشابه الحروف في النقط ، بل هو من تغيير الياء بالهمز .
ومن نماذج التحريف بمعنى الخطأ ماجاء في اللسان ( ضيف 113) في إنشاد قول البعيث :
لَقى حملته أمه وهي ضيفة فجاءت بيَتْنٍ للضيافة أرشما
قال : " وحرفه أبو عبيد (8) فعزاه إلى جرير" .
ثم إننا نجد السيوطي (849-911) في المزهر (9) يعقد فصلا في التصحيف والتحريف ، لم يفصل بينهما فصلا دقيقا ، فلم يكن ضابط دقيق عنده لما يسمى تحريفا وما يسمى تصحيفا . وكذلك نجد بعض المؤلفين الأقدمين لايفرقون بين التحريف والتصحيف ، يجعلونهما مترادفين .
أما ابن حجر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (10) فيفرق بين النوعين فرقا واضحا . قال : " إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق . فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف ، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحرَّف" .
فهو يجعل التصحيف خاصًّا بالالتباس في نقط الحروف المتشابهة في الشكل كالباء والتاء والثاء ، والجيم والحاء والخاء ، والدال والذال والراء والزاي ، والسين والشين ، والصاد والضاد ، والطاء والظاء . فإن صور تلك الحروف واحدة ، ولايفرق بعضها عن بعض في الكتابة الحديثة إلا النقط أو مقدارها .
وأما التحريف فهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها كالدال والراء ، والدال واللام ، والنون والزاي في الحروف المتقاربة الصورة ؛ والميم والقاف ، واللام والعين في الحروف المتباعدة الصورة .
ومن التصحيف الناجم عن سوء القراءة ماجاء في سير النبلاء للذهبي في ترجمة عبدالرازق بن همام ، في حديث روى عنه مصحَّفًا : "النار جبار" . قال الذهبي : أظنها تصحفت عليهم ، فإن النار تكتب "النير" على الإمالة بياء ، على هيئة "البئر" ، فوقع التصحيف (11) .
وصواب نص هذا الحديث : "البئر جُبار" أي هدر ، إذا سقط إنسان فيها فهلك فدمه هدر . وتمام الحديث : "المعدِن جُبار ، والبئر جبار ، والعجماء جُبار" (12) .
ومن التصحيف والتحريف مايكون نتاجًا لخطأ السمع لا لخطأ القراءة ، كأن يملي المملي كلمة "ثابت" فيسمعها الكاتب ويكتبها "نابت" ، أو "احتجم" فيسمعها الكاتب "احتجب" . ومن هذا ماجاء في قول الراجز :
كأن في ريقه لما ابتسم بلقاءةً في الخيل عن طفل مُتِمْ
إنما هي : "بلقاءَ تنفى الخيل" .
ومنه ماورد في الطبعة الأولى من الصحاح في مادة (سلت) قال : " وسلتُّه مائة سوط ، أي جلدته ، مثل حلدته " . وصوابها "حلته" كما في مخطوطات الصحاح واللسان ومادة (حلت) من الصحاح نفسه ، وفيه : "قال الأصمعي : حلته مائة سوط : جلدته " .
ومما اجتمع فيه تصحيف الخط ، وتصحيف السمع ماجاء في الإصابة لابن حجر ، في ترجمة "فرات بن ثعلبة البهراني" ، إذ وقع في بعض نسخ كتاب ابن منده "النحراني" . قال ابن حجر : "النجراني وقع في النسخ المعتمدة من كتاب ابن منده بنون وجيم ، والصواب بموحدة ثم مهملة ، يعني -البحراني - فوقع فيه تصحيفان : خطي وسمعي . أما الخطي فهذا . وأما السمعي فإنه بالهاء لا بالحاء" .
وفي ذلك يروون هذه الطريقة عن كيسان مُستملي أبي عبيدة (13) : أنه كان يكتب غير مايسمع ، ثم ينقل عن ذلك غير ماكتبه في أول الأمر ، ثم يحفظ غير ماكتب ، ثم يحدِّث غير ماحفظ .
ومنه مايكون خطأ في الفهم كقول السيوطي (14) : " كحديث الزهري عن سفيان الثوري " وهو خطأ غريب ، فإن الزهري أقدم كثيرا من الثوري ، ولم يذكر أحد أنه روى عنه . والصواب : " كحديث أبي شهاب عن سُفيان الثوري " فالتبس على السيوطي أبو شهاب الحنَّاط بابن شهاب الزهري . والذي يروي عن سفيان إنما هو أبو شهاب الحناط ، واسمه عبد ربه بن نافع الكناني . وأما ابن شهاب الزهري فهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب . ومن ذلك ماذكره الجاحظ في البيان (15) : " قال يونس بن حبيب : ماجاءنا من أحد من روائع الكلم ماجاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم " جاء في حاشية قديمة من إحدى نسخه تعليقا على ذلك :
هذا مما صحفه الجاحظ وأخطأ فيه ، لأن يونس إنما قال : عن البتي ، وهو عثمان البتي ، فلما لم يذكر عثمان التبس البتي فصحفه الجاحظ بالنبي ، ثم جعل مكان النبي الرسول . وكان البتي من الفصحاء " .والبتي هو عثمان بن مسلم البصري البتي .
ومن طريف التصحيف ماورد في إحدى مخطوطات الحيوان (16) في خطبة من خطب الحجاج بن يوسف : " يا أهل الشام أنتم الجبة والرداء " ، وإنما هي " الجُنَّة " بالجيم المضمومة والنون المشددة ، وهي ماواراك من السلاح واستترت به .
ومن طريفه أيضا ماورد في مخطوطة مقاييس اللغة (مادة عبد) : يُقال هذا ثوبٌ له عَبَدَةٌ ، إذا كان ضعيفا قويًّا ! " ، والصواب "صفيقًا قويًّا ".
كُتُب التَّصحيف والتَّحْريف :
ومن أقدم كتب التصحيف والتحريف ماصنعه أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري 293-382 وقد طبع نحو نصفه بمصر سنة 1326 ثم طبع كاملا بتحقيق الأستاذ عبدالعزيز أحمد سنة 1383 . وماصنعه الحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفي سنة 385 . ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي .
ومما يصح أن يجعل بين كتب التصحيف والتحريف كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة (17)، لعلي بن حمزة البصري المتوفي سنة 375 وإن كان لم يسم كتابه بما يدل على ذلك . وكذا كتاب التنبيه على حدوث التصحيف (18) لحمزة بن حسن الأصفهاني .
تاريخه :
وتاريخ التصحيف والتحريف قديم جدا ، وقد وقع فيه جماعة من الفضلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : " ومن يعري من الخطأ والتصحيف(19) " ؟! .
ففي كتاب الله قرأ عثمان بن أبي شيبة : " جعل السفينة في رجل أخيه " (20) .
وقرأ أيضا : " ألم . تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " (21)شوكان حمزة الزيات يتلو القرآن من المصحف ، فقرأ يومًا وأبوه يسمع : " الم . ذلك الكتاب لازيت فيه " فقال أبوه : دع المصحف وتلقَّنْ من أفواه الرجال " (22)!
وقرأ بعضهم : " قال الله عن رجل " .
وفي الحديث صحف بعضهم : " صلاة في إثر كتاب في عليِّين " فقال : " كنازٍ في غلس " . وصحَّف آخر : " يا أبا عمير ، مافعل النغير " ، فقال : " مافعل البعير " (23) .
وقد ورد كثير من ذلك في اللغة والشعر والأعلام مما يطول الحديث فيه ، وقد عمَّت هذه البلوى حتى قالوا : لاتأخذوا القرآن من مُصحفي ، ولا العلم من صُحفي (24) وكما كانوا يهجون الصحفيين كانوا يمدحون من لايعتمد على الصحف في علمه . وفي ذلك يقول أبو نواس في رثاء خلف الأحمر :
لايَهِمُ الحاء في القراءة بالخا ء ولا يأخذ إسناده عن الصُّحُفِ (25) .
ولخشية التصحيف نجد بعض المؤلفين يلجئون إلى مخالفة المعروف في اللغة ليتوقَّوْا وقوع غيرهم في الخطأ جاء في صحاح الجوهري ص685 في مادة (سعتر) " السعتر : نبت ، وبعضهم يكتبه بالصاد في كتب الطب لئلا يلتبس بالشعير " .
كُتُب المُؤْتَلِف وَالْمُخَتَلِف :
وكان من الطبيعي أن تقاوم هذه الآفة العلمية بما يقضي عليها أو يخفف من حدَّتها ، فلجأ العلماء إلى تأليف الكتب التي تبحث في المؤتلف والمختلف ، فمنها ماهو في أسماء الرجال ، وقد ألَّف في ذلك الدارقطني المتوفي سنة 385 ، وأحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفي سنة 463 ، وابن ماكولا المتوفي سنة 487 ، وابن نقطة الحنبلي المتوفي سنة 629 ، والذهبي المتوفي سنة 748 في كتابه المشتبه .
ومنها ماهو في أسماء الشعراء ، وقد ألَّف فيه الحسن بن بشر الآمدي المتوفي سنة 307 .
ومنها ماهو في أسماء القبائل ، وقد ألَّف فيه محمد بن حبيب المتوفي سنة 215 . وغير ذاك كثير .
(1) (التصحيف والتحريف ص 1) .
(2) (التصحيف والتحريف ص13) .
(3) (الجمهرة 1:22) .
(4) ( ويروي : "وغله " بالتضعيف ، يُقال أغلى الماء وغلاه بالتضعيف أيضا ) .
(5) (ص77) .
(6) (ص88) .
(7) (يوم التروية هو ثامن ذي الحجة ، لأن الحجاج كانوا يتروون فيه من الماء وينهضون إلى منى ولا ماء بها ) .
(8) (انظر تهذيب اللغة 12:75. وفي اللسان : "أبو عبيدة" تحريف . وصواب مافي التهذيب : "قول جرير يهجو البعيث" .
(9) (ج2ص 353-394) .
(10) (شرح نخبة الفكر32) .
(11) (التصحيف ص176) .
(12) ( انظر اللسان (جبر186) والألف المختارة 862 .
(13) (بغية الوعاة ص 382) .
(14) (الباعث الحثيث 75) .
(15) (البيان 2:18) .
(16) ( الحيوان 6:354) .
(17) ( نشر في دار المعارف سنة 1387 بتحقيق الميمني مع كتاب المنقوص والممدود للفرَّاء ) .
(18) (نشر في بغداد 1387 بتحقيق محمد حسن آل ياسين .
(19) (المزهر 2:353) .
(20) (العسكري ص12) .
(21) (المزهر 2:369)
(22) (العسكري 12:13) .
(23)( الباعث الحثيث 193. النغير : مُصغر نغر، كصرد ، وهو طائر صغير أحمر المنقار يشبه العصفور).
(24) (العسكري 13) .
(25) (العسكري 18 . وفي الحيوان 3:494).
عبد السلام محمد هارون
تحقيق النصوص ونَشْرِها
أول كتاب عربي في هذا الفنِّ
يوضح مناهجه ويعالج مشكلاتهِ
الطبعة الخامسة
تمتاز بإضافات وتنقيحات ونماذج جديدة
مكتبة السُّنة
