تقنيات القصيدة المعاصرة اعتمدت الرمزية لتعميق الرؤية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالحميد قشطة
    عضو نشيط
    • Dec 2014
    • 446

    #1

    تقنيات القصيدة المعاصرة اعتمدت الرمزية لتعميق الرؤية

    تقنيات القصيدة المعاصرة اعتمدت الرمزية لتعميق الرؤية


    حاول رواد الشعر العربي الجديد منذ البدايات تقديم بنية شعرية تعتمد على الاختلاف مع السائد الشعري في واقعهم مع انتصاف القرن المنصرم، وكانت لديهم أسبابهم نحو النزوع إلى الجديد، سواء على مستوى اختيار المعجم اللفظي، أو عبر مستوى الصورة الشعرية، أو على مستوى البنية الموسيقية والإيقاعية، وكان الأهم من ذلك اتخاذ تقنيات رمزية أكثر تطورا وحداثة مقارنة بالأبنية الشعرية السابقة عليهم والمعاصرة لهم من مجايليهم، ووجد هؤلاء الشعراء ضالتهم في البنى الرمزية المتنوعة التي يمكن توظيفها فنيا عبر المتن الشعري، لتصبح هذه البنى التقنيات الأساسية للقصيدة العربية الحديثة والمعاصرة.
    الدكتور عبد الناصر حسن محمد، خصص كتابه الصادر عن مكتبة "الآداب" لدراسة "تقنيات القصيدة المعاصرة" عبر رحلة نقدية عالجت في 362 صفحة من القطع الكبير العديد من القضايا ذات الصلة، لتكشف عن آليات التوظيف الرمزي لهذه التقنيات ومن بينها: تقنيات العنوان، وتوظيف الشخصية التراثية، والتناص عند عبد الوهاب البياتي، وتوظيف القناع في الشعر الحديث عند بدر شاكر السياب، وتقنية المفارقة في شعر صلاح عبد الصبور، وتقنية صناعة الشاعر لأسطورته عبر قصيدة "لعاذر 1962" لخليل حاوي، وصناعة الرمز الشخصي عند عبد المنعم عواد يوسف، وتقنيات الغموض عند عفيفي مطر، الأمر الذي يضعنا وجها لوجه أمام هذه التقنيات التي تعتمد على الرمز عند هؤلاء الشعراء، لنكتشف أن هذه التقنيات أهم الإضافات الحقيقية التي أكسبت القصيدة الحديثة مستوى جديدا من العمق والرؤية، وأن هؤلاء الشعراء كانوا على وعي شديد الحساسية بأهمية مثل هذه التقنيات أو تلك البنى الرمزية التي أصبحت هدفا مهما من أهدافهم.
    يلفت الكتاب إلى أن عملية توظيف الرمز توظيفا فنيا ناجحا كان أحد أهم الأهداف التي سعى إليها الشعر العربي الجديد، وربما كانت مطمحا يلح في الوصول إليه، يقول البياتي: " أما ديواني (الموت في الحياة) فيعد قصيدة واحدة مقسمة إلى أجزاء، وأنا أعتبره من أخطر أعمالي الشعرية، لأنني أعتقد أنني حققت فيه بعض ما كنت أطمح أن أحققه، فمن خلال الرمز الذاتي والجماعي، ومن خلال الأسطورة والشخصيات التاريخية القديمة والمعاصرة .. عبرت عن سنوات الرعب والنفي والانتظار التي عاشتها الإنسانية عامة، والأمة العربية خاصة"، ويتساءل أدونيس: "ماذا بقى من الشعر الذي كتب حول الأحداث الوطنية العربية في نصف القرن الأخير؟ بقى الشعر الذي اخترق الحدث محولا إياه إلى رمز"، ويقول صلاح عبد الصبور: " يكفي أن نقر بأن الألفاظ رموز لمعان، وبهذا الإقرار نعرف أن اللغة الفقيرة تعني فكرا فقيرا، فالجبل والوادي لم يوجدا وجودا حقيقيا بالنسبة للإنسان إلا حين أطلق على هذا الركام العالي من الصخر رمز "الجبل" وأطلق على هذه المساحة الواسعة من الأرض الهابطة عنه رمز "الوادي"، واللغات الفنية هي اللغات التي نجد فيها رمزا لكل المدركات الحسية والوجدانية التي يواجهها الإنسان، لا رموزا ميتة محنطة في القواميس، ولكن رموز حية جارية الاستعمال في الحياة اليومية"، وفي مقابلة مع خليل حاوي نشرت في مجلة "البيان" عام 1978، وفي حديثه عن خلق الأسطورة في الشعر، عن الخبرة الوجودية، كان من رأيه: "أن القدر الأعظم من هذه الخبرة كان يعتمد على استخدامه للرمز بوصفه الأساس في خلق الوحدة العضوية للعمل الشعري"، ويرى السياب أن من أهم دوافع الاستخدام الرمزي ما كان يموج به المجتمع العربي من مواقف سياسية مضطربة، حيث ساعدت الظروف السياسية التي كانت البلدان العربية تمر بها، حيث الإرهاب الفكري، وانعدام الحرية إلى اللجوء إلى الرمز، يعبرون بواسطته – أي الشعراء- عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء، وعن أملهم في انبعاث جديد ينتشلها من موتها".
    وأيا ما كان الأمر فإن مثل هذا الفهم الواعي للتوظيف الرمزي عند الشعراء العرب المجددين يثري القصيدة ويزيد في قوتها، ومدى تأثيرها في نفس المتلقي، وذلك بأن الرمز يمكن أن يقوم بأكثر من وظيفة عند استخدامه، ووفقا لمؤلف الكتاب، لم تتبع هذه الأهمية البعد السياسي فقط بل ربما كان الوعي الفني بضرورة التجاوز هو السبب الرئيسي، يقول السياب منذ وقت مبكر "1957": إن اللجوء للأساطير والرموز الحكائية يعد من أهم الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي، فنحن لم نكن في حاجة ماسة إليها مثل الآن، فنحن نعيش عالما تحكمه الماديات، ولا مكان فيه للروحيات، وبهذا فإن الشعراء ينسحب البساط من تحت أقدامهم، لذلك فإن ما يجب على الشاعر فعله هو أن يعود إلى الأساطير والحكايات الشعبية التي ما زالت تحتفظ بدفئها، لأنها ليست جزءا من هذا العالم الذي نعيشه، يعود إليها ليوظفها بوصفها رموزا" على أن اختيار مثل هذه التقنيات كان يخضع عند هؤلاء الشعراء لحسابات دقيقة تعكس وعيهم الشديد بمقتضيات فنهم من ناحية، ووعيهم بتراثهم وعيا عميقا من ناحية أخرى، فعلى سبيل المثال يرى البياتي أنه "يجب البحث عن السمات الدالة في الشخصية أو الأسطورة وأن يربط الشاعر ربطا موفقا بينها وبين ما يريد أن يعبر عنه من أفكار، ويراعى في ذلك أيضا "الحداثة" و "السمة المتجددة" التي تحملها الشخصية التاريخية أو الأسطورية، فبعض الشخصيات التاريخية أو الأسطورية لا تصلح موضوعا معاصرا على الإطلاق، وذلك لانعدام السمة الدالة منها، ومن هنا تنشأ الصعوبة، ذلك أنه لابد للشاعر من قراءة التراث قراءة عميقة من خلال رؤية علمية فلسفية شاملة" ويترتب على هذا الوعي العميق أن الرمزية التي يستخدمها الشاعر المعاصر بعد أن يستكشف لها بعدا نفسيا خاصا في واقع تجربته الشعرية يرتبط معظمها بتقنيات متنوعة مثل التوظيف الأسطوري والقناع وصناعة الرمز الشعري والمفارقة وصناعة الأسطورة والغموض.

    الشرق:


    (ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ، وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها، وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
يعمل...