
منى ثابت - مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية - القاهرة
انطلقت فعاليات مؤتمر مجمع اللغة العربية في دورته الحادية والثمانين بمقر المجمع بحي الزمالك بالقاهرة، تحت عنوان “اللغة العربية وعالم المعرفة” حيث يشارك فيه أكثر من 20 عالمًا وباحثًا من أعضاء المجمع، من المصريين ومن العرب والمستعربين، من أكثر من 15 دولة، إضافة إلى شخصيات عامة من مصر والخارج،، ويمتد حتى 6 أبريل/ نيسان المقبل.
ويناقش المؤتمر- الذي بدأ صباح الاثنين 23مارس/آذار2015م – في جلسات يومية، مغلقة وعلنية، عددًا من المحاور منها: التخطيط اللغوى والتنمية اللغوية، قضايا الترجمة والتعريب، اللغة العربية في وسائل الاتصال الإلكتروني، إضافة إلى مقترحات عملية للتقريب بين المجامع العربية في موضوعات: المصطلح العلمي، الأرقام، كتابة الحروف، الرسم الإملائي، أسماء الشهور.
واستُهل المؤتمر بكلمة رئيس المجمع الدكتور حسن الشافعي والتي رحب فيها بالعلماء والضيوف، من أعضاء المجمع العاملين والمراسلين، من العرب والمستعربين، ومن الخبراء والباحثين والعاملين والإداريين، وكل مَنْ أسهموا في عرس العربية السنوي، ومهرجانها القومي، وملتقاها العلمي للعام الحادي والثمانين، من عمر هذه المؤسسة العتيدة، التي أقامتها مصر حِصْنًا للغة الضاد.
وقال الشافعي إن العلم والمعرفة يرتبطان منذ البداية، بالحرف والكلمة والأسماء واللغة، والإفصاح والبيان، ولم تكتمل دائرة الخلق، ومناط الحكمة من الوجود، إلا بخلق الإنسان: { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ( الرحمن 1-4).
وعندما خفيت هذه الحكمة على بعض الخلق، أظهرها الله عزّ وجَلّ في صورة واقعية، شاهدًا على كرامة الكائن، واستحقاقه للتكريم من هؤلاء المتسائلين: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة 30 ـــــ 34).
ويضيف الشافعي: تلك هي خطورة المعرفة الصادقة، وجلالة العلم والعلماء منذ فجر الإنسانية، أو ظهور الإنسان خليفة في الأرض، يعمرها ويطورها، ويقودها ويرعى الأمانة فيها، سعيًا إلى الكمال في المعرفة والحكمة، والعبادة والرحمة. فللإنسان وظيفة بما هو الخليفة، وله غاية وهي العمارة والعبادة، وله في ذلك وسيلة هي العلم والمعرفة.
وما برح الإنسان ـــ منذ رحلته الدائبة على هذه البسيطةــ يطوِّر أدوات المعرفة ومناهجها، ويتوسَّع في حقولها ومجالاتها، ويسخِّر ما زوَّده الله به من قواها وملكاتها، للكشف والتجربة والمعرفة والحكمة، ويورثها أجياله المتعاقبة، حتى بلغ في ذلك شأوًا لم يبلغه من قبل. ولكنه بحاجةٍ ـــ مع هذا كله ـــ إلى نور القلب، وصفاء الروح، وثبات الخطو، واستقامة الضمير، ولن يجد ذلك إلا في هدي الأنبياء، وحكمة العرفاء، وإخلاص الربانيين من العلماء. وفي البدء من هذا كله كانت الكلمة، وهي كذلك إلى حين الختم والانتهاء.
وملتقاكم الراهن يستشرف هذه الرحلة الإنسانية الظافرة في عالم المعرفة، وما تحقق فيها من ثمرات، ونشأ فيها من صعوبات وتحديات. والعربية في دنيا الناس اليوم ليست بعيدة عن غبار المعارك الحضارية، والتدافع البشرى سلبًا وإيجابًا، بل في خضم ذلك كله، تذوق ثماره حلوًا ومرًّا، وتدفع أثمانه برًّا وبحرًا، وتلاحق مسيرته، فتنجح أحيانًا وتفشل أخرى، وإلى الله عاقبة الأمور.
ومن ناحيته أكد الأمين العام للمجمع الشاعر فاروق شوشة: أنه لا يمكن للغة العربية أن تقتحم عالم المعرفة، ما لم تكن لغة اليوم، بكل تجلياته الحداثية والعصرية، في العلم والتقنية والفنون والآداب، حتى لا تكون مجرد لغة مرتبطة بالتاريخ وبالماضي فقط. وما لم تتخلص من انعزالها عن اللغات الأخرى، فلا بد من التلاقح واستعارة بعضها من بعض. ولا بد من العناية بتمكين اللغة العربية في بيئتها، بوصفها مدخلاً سياسيًّا ومجتمعيًّا وثقافيًّا، وأساسًا للتقدم والتنمية.
ويرى شوشة: أن هذا التمكين اللغوي يخضع للسياسة اللغوية التي ترتبط بالتخطيط الاجتماعي، ومدى مراعاة هذه السياسة في ظل عالم قادم ستصبح اللغات المهيمنة فيه- في منتصف الألفية الثالثة- هي الإنجليزية والصينية والإسبانية والهند وأوردو، والعربية. علمًا بأن الإنجليزية هي المهيمنة الآن لارتباطها بعالم المعرفة والتكنولوجيا.
ويقول شوشة: نحن نريد أن تكون اللغة العربية سيدة على أرضها كما يقول العالم اللغوي المغربي الدكتور عبد القادر الفاسي – في كتابه عن السياسة اللغوية – غير مهانة أو منبوذة أو بعيدة عن التداول والاستخدام، وهو ما يُسمى بالتهميش. وفي المقابل هل اللغة العربية وحدها كافية علميًّا وثقافيًّا وتواصليًّا؟ أم لا بد من إقرار التعدد اللغوي في التعليم؟ وإن الاتحاد الأوربي يقدم وصفة ثلاثية في تعليم اللغات:
- لغة أولى هي اللغة الوطنية أو الرسمية.
- لغة عالمية أو بيْنية هي الإنجليزية.
- لغة ثالثة متروكة لاختيار من يتعلم.
وفي المغرب – على سبيل المثال – كما يقول عبد القادر الفاسي: العربية هي اللغة الرسمية للدولة، تعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، والأمازيغية أيضًا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء.
ويتساءل شوشة: هل نحن مقبلون – في سائر أقطار الوطن العربي – على مثل هذه الازدواجية؟ وهل آن الأوان لتوسيع المعجم العام للعربية، بقصد استيعاب المفردات المعبرة عن الحياة اليومية بتفصيح العاميّ وتعريب الدخيل وتوسيع معجم مصطلحات العلوم؟
لندع لهذا المؤتمر مهمة الإجابة عن مثل هذه التساؤلات ونحن نحاول التحليق بالعربية في فضاءات عالم المعرفة.
وفي كلمة وزير التعليم العالي د. السيد أحمد عبد الخالق: يؤكد أنه لا خِلافَ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ هِيَ قَنَاةَ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْبَشَر، وَأَدَاةَ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَة، وَكَانَتِ الْعَرَبِيَّةُ هِيَ تِلْكَ الْقَنَاةَ وَالأَدَاةَ لِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ مِلْيُونٍ مِنَ الْعَرَب، فَضْلاً عَن مَلايِينَ آخَرِينَ يَتَحَدَّثُونَهَا مِنْ غَيْرِهِم.. غَيْرَ أَنَّ نَظْرَةً سَرِيعَةً عَلَى أَحْوَالِ هَذِهِ الْقَنَاةِ وَالأَدَاةِ فِي بِلادِنَا، تَضَعُنَا أَمَامَ مُشْكِلَةٍ لا تَبْدَأُ بِأَزْمَةِ ثُنَائِيَّةِ الاسْتِخْدَامِ اللُّغَوِيّ، وَلا تَنتَهِي بِانْعِدَامِ الْمُشَارَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَطَوُّرِ مَسِيرَةِ التَّقَدُّمِ الإِنسَانِيّ..
ولفت د. السيد أَنَّ جَوْهَرَ الْمُشْكِلَةِ لا يَكْمُنُ فِي ذَاتِ اللُّغَة، وَلَكِنَّنَا لا نَسْتَطِيعُ إِعْفَاءَ اللُّغَوِيِّينَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ عَمَّا آلَتْ إِلَيْهِ حَالُ لُغَتِنَا وَأَهْلِهَا، وَلا عَن بَعْضِ التَفَاصِيل الْمُؤْلِمَة، الَّتِي أَذْكُرُ مِنْهَا الْمُسْتَوَى الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ شَبَابُنَا فِي اسْتِخْدَامِ اللُّغَة.. وَأَنَا هُنَا أَتَحَدَّثُ بِصِفَتِي أُسْتَاذًا جَامِعِيًّا، قَبْلَ أَنْ أَكُونَ مَسْؤُولاً عَنِ التَّعْلِيمِ الْعَالِي.. فَمْن بَيْنِ نَحْوِ ثَلاثَةِ مَلايِينِ طَالِبٍ يَدْرُسُونَ فِي نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ جَامِعَةٍ وَمَعْهَدٍ فِي مِصْر، يُصْدَمُ الأَسَاتِذَةُ بِرَدَاءَةِ خَطِّ الطُّلاَّب، وَالْكَمِّ الْفَادِحِ مِنَ الأَخْطَاءِ النَّحْوِيَّةِ وَالإِمْلائِيَّةِ فِي بُحُوثِهِم وَأَوْرَاقِ إِجَابَاتِهِم، فَضْلاً عَن مُسْتَوَى وَعْيِهِم بِالْقَضَايَا الَّتِي يُنَاقِشُونَهَا.. وَلَنْ أَتَطَرَّقَ إِلَى مَا فِي الْكُتُبِ الدِّرَاسِيَّةِ لِلْمَرَاحِلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ أَخْطَاءٍ يَخْجَلُ مِنْهَا كُلُّ غَيُورٍ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ الشَّرِيفَة، وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلى جُهْدٍ مُؤَسَّسِيٍّ مُتَضَافِرٍ مِن كَافَّةِ الْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّة، يَقُودُهُ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ، وَيَنتَهِي إِلَى وَضْعِ خُطَّةٍ نَسِيرُ عَلَيْهَا، وَمَنْهَجٍ نَهْتَدِي بِهِ لِلارْتِقَاءِ بِمُسْتَوَى شَبَابِنَا فِي اللُّغَة، وُصُولاً إِلَى الارْتِقَاءِ بِمُسْتَوَى تَفْكِيرِهِمْ وَتَحْصِيلِهِمُ الْعِلْمِيّ.
ويرى وزير التعليم: أن الْمُؤْتَمَرَ فُرْصَةً جَيِّدَةً لِيَتَبَنَّى الْمَجْمَعُ مَشْرُوعًا قَوْمِيَّا طَمُوحًا تَدْعَمُهُ الْجَامِعَات، لِمُضَاعَفَةِ نَشَاطِ التَّرْجَمَةِ وَتَعْرِيبِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَة، وَرَبْطِ الْعَرَبِيَّةِ بِوَسَائِلِ الاتِّصَالِ الإلِكْتِرُونِيّ، الَّتِي بَاتَتْ أَهَمَّ قَنَوَاتِ تَدَفُّقِ الْمَعْلُومَاتِ حَوْلَ الْعَالَم، مِن خِلالِ جُهْدٍ أَكْبَرَ فِيِ مَجَالاتِ الْبَرْمَجَة، وَتَعْرِيبِ اصْطِلاحَاتِ عُلُومِ الْحَاسِبَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَالاتِّصَال، وَالْوُصُولِ إِلَى صِيغَةٍ جَدِيدَةٍ لإعَادَةِ دِرَاسَةِ تُرَاثِنَا بِاسْتِخْدَامِ أَدَوَاتِ هَذِهِ الْعُلُوم، فِي ضَوْءِ مَا شَهِدَهُ الْعَقْدَانِ الَمِاضِيَانِ مِن تَحْوِيلٍ لِلْمُصَنَّفَاتِ التُّرَاثِيَّةِ إِلَى مَوَادَّ إِلِكْتِرُونِيَّة.
وبدوره أشار د. محمود فهمي حجازي عضو المجمع إلى أن هذا المؤتمر له رؤية مستقبلية، تظهر في أكثر بحوثه اتجاهات التخطيط اللغوي من أجل مستقبل لغوي أفضل. وهناك بحوث فيها ربط بالتراث العربي.
ويعد مجمع اللغة العربية بالقاهرة رمزًا علميًّا لمكانة مصر ودورها. وتُعرض على المؤتمر أعمال اللجان الكثيرة اللغوية والعلمية؛ اللغوية فيها بحث وإقرار لكلمات معاصرة جديدة وبحث لقضية تفصيح العامية في أعمال نجيب محفوظ. أما لجان المصطلحات فقد أنجزت الكثير من المصطلحات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والرياضية. ومن أكبر إنجازات المجمع هذا العام نحو ألف صفحة من المعجم الكبير الذي خطط المجمع لإنجازه في خمس سنوات. وهذا المؤتمر يأتي وقته لتأكيد مكانة مصر ثقافيًّا.
وفي حديث خاص “لمجمع اللغة على الشبكة العالمية” قال أستاذ الجيولوجيا بكلية علوم عين شمس وعضو المجمع د. حافظ شمس الدين:
إن توظيف العربية في العلوم ييسّر للطالب والباحث العربي العملية العلمية والتعليمية، ويساعدها على سرعة الفهم والتحصيل والإنتاج. ومنطق الأشياء يقرر أن الإنسان مهما جادت حصيلته من اللغة الأجنبية، فلن يقوى على التعامل بها أو توظيفها بالقدر الذي يمنحه لسان أُمّه الذي استقر في عقله ووجدانه ولازمه منذ نعومة أظافره، والثابت في كتب تاريخ الطب في مصر أن “كلوت” بك ناظر مدرسة الطب المصرية في عهودها الأولى، كان حريصًا على ترجمة المواد الطبية من الفرنسية إلى العربية. ويقول في ذلك “إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، كما لا ينتج عنه توطيد العلم أو تعميم نفعه”.
وهناك شيء جدير بالذكر، وهو أن التعليم الجامعي في مصر مقرر له أن يكون باللغة العربية (هذا قانون منذ إنشاء الجامعة المصرية)، وأجاز القانون إمكانية تدريس بعض المقررات بلغة أجنبية (بصورة مؤقتة)، والآن أصبح الاستثناء قاعدة، حيث تُدرس غالبية العلوم باللغات الأجنبية. وبالطبع كل ذلك على حساب العربية.
ولا نستطيع أن ننكر أن اهتمامنا باللغة العربية ينبع من عقيدة دينية، ثم من عقيدة وطنية وقيم حضارية وموروثات اجتماعية. فاللغة هي وعاء الفكر بل هي الفكر بعينه، وهي وسيلة الاتصال والتفاهم. والأهم من ذلك فهي رابطة قومية ترسخ جذور الانتماء للوطن.
انطلقت فعاليات مؤتمر مجمع اللغة العربية في دورته الحادية والثمانين بمقر المجمع بحي الزمالك بالقاهرة، تحت عنوان “اللغة العربية وعالم المعرفة” حيث يشارك فيه أكثر من 20 عالمًا وباحثًا من أعضاء المجمع، من المصريين ومن العرب والمستعربين، من أكثر من 15 دولة، إضافة إلى شخصيات عامة من مصر والخارج،، ويمتد حتى 6 أبريل/ نيسان المقبل.
ويناقش المؤتمر- الذي بدأ صباح الاثنين 23مارس/آذار2015م – في جلسات يومية، مغلقة وعلنية، عددًا من المحاور منها: التخطيط اللغوى والتنمية اللغوية، قضايا الترجمة والتعريب، اللغة العربية في وسائل الاتصال الإلكتروني، إضافة إلى مقترحات عملية للتقريب بين المجامع العربية في موضوعات: المصطلح العلمي، الأرقام، كتابة الحروف، الرسم الإملائي، أسماء الشهور.
واستُهل المؤتمر بكلمة رئيس المجمع الدكتور حسن الشافعي والتي رحب فيها بالعلماء والضيوف، من أعضاء المجمع العاملين والمراسلين، من العرب والمستعربين، ومن الخبراء والباحثين والعاملين والإداريين، وكل مَنْ أسهموا في عرس العربية السنوي، ومهرجانها القومي، وملتقاها العلمي للعام الحادي والثمانين، من عمر هذه المؤسسة العتيدة، التي أقامتها مصر حِصْنًا للغة الضاد.
وقال الشافعي إن العلم والمعرفة يرتبطان منذ البداية، بالحرف والكلمة والأسماء واللغة، والإفصاح والبيان، ولم تكتمل دائرة الخلق، ومناط الحكمة من الوجود، إلا بخلق الإنسان: { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ( الرحمن 1-4).
وعندما خفيت هذه الحكمة على بعض الخلق، أظهرها الله عزّ وجَلّ في صورة واقعية، شاهدًا على كرامة الكائن، واستحقاقه للتكريم من هؤلاء المتسائلين: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة 30 ـــــ 34).
ويضيف الشافعي: تلك هي خطورة المعرفة الصادقة، وجلالة العلم والعلماء منذ فجر الإنسانية، أو ظهور الإنسان خليفة في الأرض، يعمرها ويطورها، ويقودها ويرعى الأمانة فيها، سعيًا إلى الكمال في المعرفة والحكمة، والعبادة والرحمة. فللإنسان وظيفة بما هو الخليفة، وله غاية وهي العمارة والعبادة، وله في ذلك وسيلة هي العلم والمعرفة.
وما برح الإنسان ـــ منذ رحلته الدائبة على هذه البسيطةــ يطوِّر أدوات المعرفة ومناهجها، ويتوسَّع في حقولها ومجالاتها، ويسخِّر ما زوَّده الله به من قواها وملكاتها، للكشف والتجربة والمعرفة والحكمة، ويورثها أجياله المتعاقبة، حتى بلغ في ذلك شأوًا لم يبلغه من قبل. ولكنه بحاجةٍ ـــ مع هذا كله ـــ إلى نور القلب، وصفاء الروح، وثبات الخطو، واستقامة الضمير، ولن يجد ذلك إلا في هدي الأنبياء، وحكمة العرفاء، وإخلاص الربانيين من العلماء. وفي البدء من هذا كله كانت الكلمة، وهي كذلك إلى حين الختم والانتهاء.
وملتقاكم الراهن يستشرف هذه الرحلة الإنسانية الظافرة في عالم المعرفة، وما تحقق فيها من ثمرات، ونشأ فيها من صعوبات وتحديات. والعربية في دنيا الناس اليوم ليست بعيدة عن غبار المعارك الحضارية، والتدافع البشرى سلبًا وإيجابًا، بل في خضم ذلك كله، تذوق ثماره حلوًا ومرًّا، وتدفع أثمانه برًّا وبحرًا، وتلاحق مسيرته، فتنجح أحيانًا وتفشل أخرى، وإلى الله عاقبة الأمور.
ومن ناحيته أكد الأمين العام للمجمع الشاعر فاروق شوشة: أنه لا يمكن للغة العربية أن تقتحم عالم المعرفة، ما لم تكن لغة اليوم، بكل تجلياته الحداثية والعصرية، في العلم والتقنية والفنون والآداب، حتى لا تكون مجرد لغة مرتبطة بالتاريخ وبالماضي فقط. وما لم تتخلص من انعزالها عن اللغات الأخرى، فلا بد من التلاقح واستعارة بعضها من بعض. ولا بد من العناية بتمكين اللغة العربية في بيئتها، بوصفها مدخلاً سياسيًّا ومجتمعيًّا وثقافيًّا، وأساسًا للتقدم والتنمية.
ويرى شوشة: أن هذا التمكين اللغوي يخضع للسياسة اللغوية التي ترتبط بالتخطيط الاجتماعي، ومدى مراعاة هذه السياسة في ظل عالم قادم ستصبح اللغات المهيمنة فيه- في منتصف الألفية الثالثة- هي الإنجليزية والصينية والإسبانية والهند وأوردو، والعربية. علمًا بأن الإنجليزية هي المهيمنة الآن لارتباطها بعالم المعرفة والتكنولوجيا.
ويقول شوشة: نحن نريد أن تكون اللغة العربية سيدة على أرضها كما يقول العالم اللغوي المغربي الدكتور عبد القادر الفاسي – في كتابه عن السياسة اللغوية – غير مهانة أو منبوذة أو بعيدة عن التداول والاستخدام، وهو ما يُسمى بالتهميش. وفي المقابل هل اللغة العربية وحدها كافية علميًّا وثقافيًّا وتواصليًّا؟ أم لا بد من إقرار التعدد اللغوي في التعليم؟ وإن الاتحاد الأوربي يقدم وصفة ثلاثية في تعليم اللغات:
- لغة أولى هي اللغة الوطنية أو الرسمية.
- لغة عالمية أو بيْنية هي الإنجليزية.
- لغة ثالثة متروكة لاختيار من يتعلم.
وفي المغرب – على سبيل المثال – كما يقول عبد القادر الفاسي: العربية هي اللغة الرسمية للدولة، تعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، والأمازيغية أيضًا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء.
ويتساءل شوشة: هل نحن مقبلون – في سائر أقطار الوطن العربي – على مثل هذه الازدواجية؟ وهل آن الأوان لتوسيع المعجم العام للعربية، بقصد استيعاب المفردات المعبرة عن الحياة اليومية بتفصيح العاميّ وتعريب الدخيل وتوسيع معجم مصطلحات العلوم؟
لندع لهذا المؤتمر مهمة الإجابة عن مثل هذه التساؤلات ونحن نحاول التحليق بالعربية في فضاءات عالم المعرفة.
وفي كلمة وزير التعليم العالي د. السيد أحمد عبد الخالق: يؤكد أنه لا خِلافَ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ هِيَ قَنَاةَ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْبَشَر، وَأَدَاةَ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَة، وَكَانَتِ الْعَرَبِيَّةُ هِيَ تِلْكَ الْقَنَاةَ وَالأَدَاةَ لِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ مِلْيُونٍ مِنَ الْعَرَب، فَضْلاً عَن مَلايِينَ آخَرِينَ يَتَحَدَّثُونَهَا مِنْ غَيْرِهِم.. غَيْرَ أَنَّ نَظْرَةً سَرِيعَةً عَلَى أَحْوَالِ هَذِهِ الْقَنَاةِ وَالأَدَاةِ فِي بِلادِنَا، تَضَعُنَا أَمَامَ مُشْكِلَةٍ لا تَبْدَأُ بِأَزْمَةِ ثُنَائِيَّةِ الاسْتِخْدَامِ اللُّغَوِيّ، وَلا تَنتَهِي بِانْعِدَامِ الْمُشَارَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَطَوُّرِ مَسِيرَةِ التَّقَدُّمِ الإِنسَانِيّ..
ولفت د. السيد أَنَّ جَوْهَرَ الْمُشْكِلَةِ لا يَكْمُنُ فِي ذَاتِ اللُّغَة، وَلَكِنَّنَا لا نَسْتَطِيعُ إِعْفَاءَ اللُّغَوِيِّينَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ عَمَّا آلَتْ إِلَيْهِ حَالُ لُغَتِنَا وَأَهْلِهَا، وَلا عَن بَعْضِ التَفَاصِيل الْمُؤْلِمَة، الَّتِي أَذْكُرُ مِنْهَا الْمُسْتَوَى الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ شَبَابُنَا فِي اسْتِخْدَامِ اللُّغَة.. وَأَنَا هُنَا أَتَحَدَّثُ بِصِفَتِي أُسْتَاذًا جَامِعِيًّا، قَبْلَ أَنْ أَكُونَ مَسْؤُولاً عَنِ التَّعْلِيمِ الْعَالِي.. فَمْن بَيْنِ نَحْوِ ثَلاثَةِ مَلايِينِ طَالِبٍ يَدْرُسُونَ فِي نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ جَامِعَةٍ وَمَعْهَدٍ فِي مِصْر، يُصْدَمُ الأَسَاتِذَةُ بِرَدَاءَةِ خَطِّ الطُّلاَّب، وَالْكَمِّ الْفَادِحِ مِنَ الأَخْطَاءِ النَّحْوِيَّةِ وَالإِمْلائِيَّةِ فِي بُحُوثِهِم وَأَوْرَاقِ إِجَابَاتِهِم، فَضْلاً عَن مُسْتَوَى وَعْيِهِم بِالْقَضَايَا الَّتِي يُنَاقِشُونَهَا.. وَلَنْ أَتَطَرَّقَ إِلَى مَا فِي الْكُتُبِ الدِّرَاسِيَّةِ لِلْمَرَاحِلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ أَخْطَاءٍ يَخْجَلُ مِنْهَا كُلُّ غَيُورٍ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ الشَّرِيفَة، وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلى جُهْدٍ مُؤَسَّسِيٍّ مُتَضَافِرٍ مِن كَافَّةِ الْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّة، يَقُودُهُ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ، وَيَنتَهِي إِلَى وَضْعِ خُطَّةٍ نَسِيرُ عَلَيْهَا، وَمَنْهَجٍ نَهْتَدِي بِهِ لِلارْتِقَاءِ بِمُسْتَوَى شَبَابِنَا فِي اللُّغَة، وُصُولاً إِلَى الارْتِقَاءِ بِمُسْتَوَى تَفْكِيرِهِمْ وَتَحْصِيلِهِمُ الْعِلْمِيّ.
ويرى وزير التعليم: أن الْمُؤْتَمَرَ فُرْصَةً جَيِّدَةً لِيَتَبَنَّى الْمَجْمَعُ مَشْرُوعًا قَوْمِيَّا طَمُوحًا تَدْعَمُهُ الْجَامِعَات، لِمُضَاعَفَةِ نَشَاطِ التَّرْجَمَةِ وَتَعْرِيبِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَة، وَرَبْطِ الْعَرَبِيَّةِ بِوَسَائِلِ الاتِّصَالِ الإلِكْتِرُونِيّ، الَّتِي بَاتَتْ أَهَمَّ قَنَوَاتِ تَدَفُّقِ الْمَعْلُومَاتِ حَوْلَ الْعَالَم، مِن خِلالِ جُهْدٍ أَكْبَرَ فِيِ مَجَالاتِ الْبَرْمَجَة، وَتَعْرِيبِ اصْطِلاحَاتِ عُلُومِ الْحَاسِبَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَالاتِّصَال، وَالْوُصُولِ إِلَى صِيغَةٍ جَدِيدَةٍ لإعَادَةِ دِرَاسَةِ تُرَاثِنَا بِاسْتِخْدَامِ أَدَوَاتِ هَذِهِ الْعُلُوم، فِي ضَوْءِ مَا شَهِدَهُ الْعَقْدَانِ الَمِاضِيَانِ مِن تَحْوِيلٍ لِلْمُصَنَّفَاتِ التُّرَاثِيَّةِ إِلَى مَوَادَّ إِلِكْتِرُونِيَّة.
وبدوره أشار د. محمود فهمي حجازي عضو المجمع إلى أن هذا المؤتمر له رؤية مستقبلية، تظهر في أكثر بحوثه اتجاهات التخطيط اللغوي من أجل مستقبل لغوي أفضل. وهناك بحوث فيها ربط بالتراث العربي.
ويعد مجمع اللغة العربية بالقاهرة رمزًا علميًّا لمكانة مصر ودورها. وتُعرض على المؤتمر أعمال اللجان الكثيرة اللغوية والعلمية؛ اللغوية فيها بحث وإقرار لكلمات معاصرة جديدة وبحث لقضية تفصيح العامية في أعمال نجيب محفوظ. أما لجان المصطلحات فقد أنجزت الكثير من المصطلحات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والرياضية. ومن أكبر إنجازات المجمع هذا العام نحو ألف صفحة من المعجم الكبير الذي خطط المجمع لإنجازه في خمس سنوات. وهذا المؤتمر يأتي وقته لتأكيد مكانة مصر ثقافيًّا.
وفي حديث خاص “لمجمع اللغة على الشبكة العالمية” قال أستاذ الجيولوجيا بكلية علوم عين شمس وعضو المجمع د. حافظ شمس الدين:
إن توظيف العربية في العلوم ييسّر للطالب والباحث العربي العملية العلمية والتعليمية، ويساعدها على سرعة الفهم والتحصيل والإنتاج. ومنطق الأشياء يقرر أن الإنسان مهما جادت حصيلته من اللغة الأجنبية، فلن يقوى على التعامل بها أو توظيفها بالقدر الذي يمنحه لسان أُمّه الذي استقر في عقله ووجدانه ولازمه منذ نعومة أظافره، والثابت في كتب تاريخ الطب في مصر أن “كلوت” بك ناظر مدرسة الطب المصرية في عهودها الأولى، كان حريصًا على ترجمة المواد الطبية من الفرنسية إلى العربية. ويقول في ذلك “إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، كما لا ينتج عنه توطيد العلم أو تعميم نفعه”.
وهناك شيء جدير بالذكر، وهو أن التعليم الجامعي في مصر مقرر له أن يكون باللغة العربية (هذا قانون منذ إنشاء الجامعة المصرية)، وأجاز القانون إمكانية تدريس بعض المقررات بلغة أجنبية (بصورة مؤقتة)، والآن أصبح الاستثناء قاعدة، حيث تُدرس غالبية العلوم باللغات الأجنبية. وبالطبع كل ذلك على حساب العربية.
ولا نستطيع أن ننكر أن اهتمامنا باللغة العربية ينبع من عقيدة دينية، ثم من عقيدة وطنية وقيم حضارية وموروثات اجتماعية. فاللغة هي وعاء الفكر بل هي الفكر بعينه، وهي وسيلة الاتصال والتفاهم. والأهم من ذلك فهي رابطة قومية ترسخ جذور الانتماء للوطن.



د. حافظ شمس الدين في حديث خاصّ لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

د. محمود فهمي حجازي
