أسرارُ البَيَان في القُرآنِ:
البَيانُ في وضْعِ المفرَدِ موضعَ الجَمعِ في قولهِ تعالَى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
قرآن.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولهُ تعالىَ في سُورة (القَمَر): ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُـهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. تقرأُ الآيَة فيَستَوقفكَ هذا النّظمُ علَى غَير المألُوف منَ الكَلامِ؛ فأنتَ تَرى أنّ كلمةَ (مُنْتَصر)، جَاءَتْ على المفرَد. وقبلَها كلمَتان دالّتَان علَى الجَمْعِ: (نَحنُ -جَميع)، ولهُما بهَا عَلاقةٌ دلاليّةٌ ووَظيفيّة. فيَستوقفُك ذلكَ، ويَغلُب على ظنّك أنّها في الأَصل، يَنبغي أنْ تكونَ: ( نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرُونَ)؛ كمَا قالَ تعالَى في سُورَة (الشُّعَراء): ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾، وفي سُورة (يس): ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. والّذي يَرفعُ التّوتُّر النَّظميّ في الجُملة هوَ قوّة الدّلالةِ علَى الجَمْعِ في الضّمير (نَحْنُ)، وقُوّة مَوقعهِ الْـمُسَيطر في صَدرِ الجُملَة، ممّا يُهَيّـــئُ الفِكرَ لأنْ يَستَـتْـبعَ ذلكَ جَمْعٌ. فإذَا الأسلُوبُ يَخرُج إلى غَير مَا هوَ مُتوقَّع، وإذا الإفْرَاد يُدهشُكَ، ويَستَحثُّك للنّظَر والبَحث والتّدبُّر.
فإِذَا تَدبَّرتهُ، أفضَى بكَ إلى أفَانينَ منَ البَيانِ، وأدركْتَ أنّ التَّعبيرَ على هذَا الوجهِ، يُخفي دَقيقةً بلاغيّةً بَديعةً؛ ذلكَ أنّ كَلِمَة (جَمِيع)، لَهَا مَعَانٍ مُتعدّدَةٌ، تتَجلّى فيهَا حَسَب السّياقاتِ الّتي تَردُ فيها؛ فتَأتي صفَةً وتأتي اسْماً، وتكونُ تَوكيداً كمَا تكونُ حالاً. ومنْ دَقيق مَعانيها أنْ تَأتيَ بمَعنَى: (جَمْع) الّتي تكونُ في أصلهَا مَصدراً دالّا علَى حدَثٍ، كقولهِ تعالَى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾، ثمَّ تُنقَل إلى الاسْميّةِ، فَتصيرُ اسماً دالّا على ذاتٍ، كقولهِ تعَالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، فتكونُ بذلكَ من قَبيلِ (اسمِ الجَمْع)، ممّا يُعتَبرُ دالّا علَى الجَمعِ، وليسَ لهُ مفرَدّ من لَفظهِ. من مِثْل قولكَ: (رَهْط – فئة – نَفَر – جُنْد). وهيَ كلماتٌ، إذَا رُوعيَ لفظُها، اعتُبرتْ من المفرَد، وإذا رُوعيَ مَعناها دَخلتْ في الجَمْع، فتُوصَفُ بالمفرَد كمَا تُوصفُ بالجَمْع؛ فَتَقُولُ: (هُمْ جَمْعٌ مُنْتَصرٌ، أوْ مُنْتَصِرُونَ)، كما تَقولُ: (هُمْ جُنْدٌ مُنْتَصِرٌ، أَوْ مُنْتَصِرُونَ) ؛ قالَ تَعَالَى في سُورة (يَس): ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾، علَى الجَمْعِ، بَينمَا تجدُها في سُورةِ (ص)، في قولهِ تعالَى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، علَى الإفْرَادِ.
فلمّا كانَت كلمةُ (جَمِيع) قدْ وَافَقَت كلمةَ (جَمْع) في مَعناهَا، فقدْ أُجريَتْ مجرَاها، فاعْتُبرَت (اسمَ جَمْعٍ)، إنْ شِئتَ ضَمَمْتَ إليهَا مُفرَداً، وإنْ شئتَ أَوصَلتَها بجَمْعٍ، فتقولُ مثلاً: (هُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ)، أَوْ (هُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرُونَ)، وكأنَّك قلتَ: (هُمْ جَمَاعَةٌ تَنْتَصِرُ)، و(هُمْ جَمَاعَةٌ يَنْتَصِرُونَ)، كمَا قالَ تعالَى في سُورَة (آل عِمْرَان): ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، ثمَّ قالَ في سُورَة (الكَهْف): ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.
لكنَّ الارتِقاءَ البَلاغيّ لا يكونُ إلّا بِحَملِها علَى الإفرَادِ، وذلكَ لغلَبَة مَعنَى الجمْعِ عليْـها في المألُوف منَ التّصوُّر، لأنكَ إذا قُلتَ: ( جُنْدٌ، فِئَة، جَمْع، رَهْط..)، فَلا يَتصوّرُ الذّهنُ فرداً واحداً. فلمَّا صَرفتَ الكَلامَ إلَى غَيرِ مَألُوفهِ، جُزتَ بهِ إلى بَلاغةِ الانْزيَاح، وفي هَذا الانْزيَاح تَكمُن الْـمَزيّة البَيانيّة. فأنتَ مثَلاً، لا يَستَوقفُكَ قولهُ تعَالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾، وَلا ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ﴾، كمَا يَستوقفُكَ قولُه عَزّ وجَلّ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾، لفَجْأَةِ العُدُول، ودَهشَةِ الانْزياح.
ويزيدُ الأمرَ بيَاناً، أنّكَ إذَا ذَهبتَ إلى (النّصبِ)، فقُلتَ: (نَحْنُ جَمِيعاً)، خَرجْتَ إلَى (الْحَال)، وَاختَلفَ المعنَى اختِلافاً بَيّناً، وضاقَت الدّلالةُ؛ فَلا يَجُوزُ حِينئذٍ إلّا الجَمْع، فتقُولُ: (نَحْنُ جَمِيعاً مُنْتَصِرُونَ)، لَا تَتجَاوَزُهَا.
وأنتَ إذا تدبّرتَ الآيةَ، لاحَظتَ أنَّ الكلمَتينِ: (جَمِيع وجَمْع)، اسْتُعملَتا فيهَا علَى التَّعاقُب، فقالَ في الأوّل: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾، ثمَّ عاقبَ عليْـهَا بالأخْرَى فقالَ: ﴿سَيُـهْزَمُ الْجَمْعُ﴾. فهُما يَستويَان في المعنَى، فيكونُ الأمرُ وكَأَنَّهُمْ قَالُوا: (نَحْنُ جَمْعٌ مُنْتَصِرٌ)، فأبطلَ زعمَهُم بقولهِ: (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ)، فَكأنّ التَّعريفَ فيهَا للْعَهْد: (نَحْنُ جَمْعٌ، سيُهزَم الْجَمْعُ).
فإذَا أنعمتَ النّظر في اخْتِيار الإِفرادِ هَهُنا، تبيّنَ أنّ في التّعبير بالإفرَادِ مَزيةً بَيَانيّةً فريدةً؛ ذلكَ أنّ المشركينَ جَعَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ كُثر، كَأَنَّهُمْ رَجُلٌ واحدٌ، لاجتِمَاع قُلُوبهم علَى عَداوَة ومُحاربَة الرَّسُول، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، وزُيّنَ لهُم أنّهُم بذَلك غالبُونَ: (جَمِيعٌ مُنتَصرٌ). لكنّ اللهَ تعالَى كَشَفَ زَيْفَ اعتقادِهِمْ هَذا، بأنّهُم سَيُـهزَمونَ؛ ﴿سَيُـهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، في تَعبيرٍ بَلاغيّ مُعجزٍ؛ فجاءَ بالفعلِ مُسنداً إلى ضَمير الجَمعِ (يُوَلُّونَ)، وجَاءَ بالاسمِ دالّاً علَى المفرَد (الدُّبُر)، فكأنَّ هذَا (الجَمْعَ) الَّذِينَ ظنُّوا أنْفُسَهُمْ رجُلاً واحداً مجتمِعاً، قدْ تفَرَّقُوا عندَ اللقاءِ، أَشْتَاتاً، كلُّ واحدٍ منهُم قدْ ولَّى هارباً مُدبراً، فهمْ (يُولّونَ) ظَهْرَهُمْ فِي كُلِّ اتَّجَاهٍ ، لَكِنَّهُمْ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: لا تَرَى مِنهُم إلّا ظُهُورَهم، فكأنَّهُم، وقدْ تَوَحّدُوا فِي هَذِهِ الحَالَةِ الْـمُخزيَة، رجلٌ واحدٌ بدُبُرٍ واحدٍ. فكمَا أقبَلُوا بوَجهِهِم يَحسبُون أنفسَهُم رَجلاً وَاحِداً، علَى قلبٍ واحدٍ، فَقَدِ افْتُضِحُوا وَانْكَشَفُوا، فتولّوْا مَهزومينَ كلُّهُم، علَى صورَةٍ واحدَةٍ مُخزيَةٍ في الفِرارِ؛ صورة رجلٍ واحدٍ ذِي ظهْرٍ ودُبُرٍ واحدٍ: إفرَادُ تَظاهُرٍ زائفٍ في الإقبَالِ، وإفرادُ انْكشَافٍ مُخزٍ في الإدبَارِ. قالَ (الأخفَشُ) في (مَعاني القُرآن): «فجَعَلَ لِلْجمَاعةِ دُبُراً واحِداً في اللَّفظِ».ومثله قالَ (الفَخرُ الرّازيّ) بتَفصيلٍ في (مَفاتيحِ الغَيْب) حيثُ قالَ: «فقَولهُ: ﴿يُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، إِفْرَادُهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي التَّوْلِيَةِ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ عَنِ الْجَمْعِ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ لِلزَّحْفِ، فَهُمْ كَانُوا فِي التَّوْلِيَةِ كَدُبُرٍ وَاحِدٍ».
وعَلى نَفسِ الأسلوبِ منَ التّعبير تجدُ قولَه تعالَى في سُورَة (النِّسَاء): ﴿ومَنْ يُطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾، فَيستَوقفُك قولُه تعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾، حيثُ جمعَ بينَ الإشَارَة إلى الجَمعِ (أُولئكَ)، وبينَ المفرَد (رَفيقاً). والمعروفُ في الأصلِ أنَّ الجَمعَ يأتي مَعهُ الجَمعُ، والمفردَ يَعقبُهُ المفرَدُ. لذَا قالُوا: إنّ المقصودَ: (حَسُنَ أولئِكَ رُفَقَاء)، علَى الجَمْع. قالَ(أبُو عُبيدَة) في (مَجاز القُرآنِ): «﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾، أيْ رُفَقَاء، والعَرَبُ تَلفَظ بلَفظِ الوَاحدِ والمعنى يَقعُ علَى الجَمِيع». ومثلهُ قالَ (الأخفشُ) في (مَعاني القُرْآن): «وَ(الرّفِيقُ)، واحدٌ في مَعنَى جمَاعَة، مثلُ (هُمْ لي صَدِيقٌ)». وهَذا الأُسلُوبُ في اسْتعمَال صيغَةِ المفرَد للدَّلالَة علَى الجَمعِ، كمَا رأينَا، منَ الأسَاليبِ البَلاغيّةِ البَديعَة في اللُّغَة. وقدْ وَردَتْ كثِيراً في القُرآن؛ منهَا قولهُ تعالَى :﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ وقولُه تعَالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالْـمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
و(الرَّفِيقُ) فِيهِ مَعنَى الرِّفق والعَطفِ والرَّحْمةِ ولِين الجَانِب، وفيهِ مَعنى الصّاحِب والْـمُرَافق. فهوَ يجمعُ بينَ الصُّحبَة وتلكَ المعَاني الجَليلَة. لكنَّ مَجيئَه على صيغَة المفردِ دَالَّا عَلى الجَمْع، يُخْفِي لَطِيفَةً بَيَانِيةً بديعةً. فهيَ توحي بأنَّ كلَّ واحدٍ منْ أولئكَ المذكُورينَ، قدْ بَلغَ الكمالَ في هذهِ الصِّفَة، وأنهُم مُتسَاوُونَ فِيهَا، وكأنّهُم على قلبِ رجلٍ واحِدٍ، بنَفْسٍ واحدَةٍ فذَّةٍ مُفرَدَة. قالَ (محمّد أبو زُهرَة) في (زَهرَة التَّفاسِير): «فَهُمْ جَميعاً في مَعنَى رَفيقٍ وَاحدٍ، لتَشاكُل النُّفُوس وتَوافُقِهَا». وهذَا المعنَى لا يَتحصّلُ إذا اسْتُعْمِلَت (رُفقاء) بالجَمْع. ويَتكشّفُ لكَ ذلكَ بأنَّك إذا قُلتَ مثلاً: (أنْتُم أَصْدِقَاءُ)، وجئْتَ بالتَّعبير علَى الأَصلِ، لمْ تَزدْ في المعنَى المطلُوب شَيئاً، لكنْ إذا قُلتَ: (أنْتُمْ صَدِيقٌ)، خرجتَ إلى الزّيَادة في المعنَى بهذَا العُدُول والانزيَاح، فرفعتَ مُستَوى التَّعبير إلى الكَمَال في الصِّفَة، وتَساوَى المخاطَبونَ فِيها، وكأنّهُم شَخصٌ واحدٌ أُسندَت لهُ صفةُ (صَدِيق).
وهذهِ الآيةُ، إذَا أنتَ استعرَضْتَ بعضَ لَفظِها، تدَاعى إلى فِكركَ قولهُ تعالَى في سُورَة (الفَاتِحَة): ﴿صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهَؤُلاءِ هُمُ الأربعَةُ الـمَذكورُونَ، الَّذينَ أنعَمَ اللهُ عليْـهِم منَ (النَّبِيـئِينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهدَاء والصَّالحِين)، وهَؤلاءِ همُ (الرَّفيقُ الأعلَى)، وهمُ المقصُودُونَ بقولِ (النّبيّ) صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، لــمّا خُيّــرَ عندَ وفاتهِ: «بَلِ الرَّفِيق الأعْلَى مِنَ الجَنَّة»، أَيْ هَؤلاءِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم. معَ أنّ العبارَة، قدْ تَحتَمل أنّ المقصودَ منهَا، مَا يتَبادرُ إلى أذهَان النَّاسِ، منْ أنَّ (الرّفيقَ الأعلَى) هوَ اللهُ تعالَى. قالَ الإمامُ (النّوَويّ) في (المنهَاج شرحُ صَحيحِ مُسلِم بنِ الحَجّاج): «الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ الْـمُرَادَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْأَنْبِيَاءُ السَّاكِنُونَ أَعْلَى عَلِيِّينَ». وقدْ أوردَ (أبُو مَنصور الأزهَريّ) فـي (تَهذِيب اللُّغَة) كلاماً لبَعضِهمْ يقولُ فيهِ: «إنّهُ تبَارك وَتَعَالَى رَفيقٌ وَفِيقٌ،فَكَأنَّ مَعْنَاهُ:أَلْحِقْني بالرَّفيقِ،أَيْ:بِاللَّه». وَعقَّبَ عليهِ بقولهِ: «قلتُ:والعُلمَاءُ علَى أنَّ مَعْنَاهُ: أَلْحِقْني بِجَمَاعَة الْأَنْبِيَاء».
المصدر
البَيانُ في وضْعِ المفرَدِ موضعَ الجَمعِ في قولهِ تعالَى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾
قرآن.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولهُ تعالىَ في سُورة (القَمَر): ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُـهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. تقرأُ الآيَة فيَستَوقفكَ هذا النّظمُ علَى غَير المألُوف منَ الكَلامِ؛ فأنتَ تَرى أنّ كلمةَ (مُنْتَصر)، جَاءَتْ على المفرَد. وقبلَها كلمَتان دالّتَان علَى الجَمْعِ: (نَحنُ -جَميع)، ولهُما بهَا عَلاقةٌ دلاليّةٌ ووَظيفيّة. فيَستوقفُك ذلكَ، ويَغلُب على ظنّك أنّها في الأَصل، يَنبغي أنْ تكونَ: ( نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرُونَ)؛ كمَا قالَ تعالَى في سُورَة (الشُّعَراء): ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾، وفي سُورة (يس): ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. والّذي يَرفعُ التّوتُّر النَّظميّ في الجُملة هوَ قوّة الدّلالةِ علَى الجَمْعِ في الضّمير (نَحْنُ)، وقُوّة مَوقعهِ الْـمُسَيطر في صَدرِ الجُملَة، ممّا يُهَيّـــئُ الفِكرَ لأنْ يَستَـتْـبعَ ذلكَ جَمْعٌ. فإذَا الأسلُوبُ يَخرُج إلى غَير مَا هوَ مُتوقَّع، وإذا الإفْرَاد يُدهشُكَ، ويَستَحثُّك للنّظَر والبَحث والتّدبُّر.
فإِذَا تَدبَّرتهُ، أفضَى بكَ إلى أفَانينَ منَ البَيانِ، وأدركْتَ أنّ التَّعبيرَ على هذَا الوجهِ، يُخفي دَقيقةً بلاغيّةً بَديعةً؛ ذلكَ أنّ كَلِمَة (جَمِيع)، لَهَا مَعَانٍ مُتعدّدَةٌ، تتَجلّى فيهَا حَسَب السّياقاتِ الّتي تَردُ فيها؛ فتَأتي صفَةً وتأتي اسْماً، وتكونُ تَوكيداً كمَا تكونُ حالاً. ومنْ دَقيق مَعانيها أنْ تَأتيَ بمَعنَى: (جَمْع) الّتي تكونُ في أصلهَا مَصدراً دالّا علَى حدَثٍ، كقولهِ تعالَى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾، ثمَّ تُنقَل إلى الاسْميّةِ، فَتصيرُ اسماً دالّا على ذاتٍ، كقولهِ تعَالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، فتكونُ بذلكَ من قَبيلِ (اسمِ الجَمْع)، ممّا يُعتَبرُ دالّا علَى الجَمعِ، وليسَ لهُ مفرَدّ من لَفظهِ. من مِثْل قولكَ: (رَهْط – فئة – نَفَر – جُنْد). وهيَ كلماتٌ، إذَا رُوعيَ لفظُها، اعتُبرتْ من المفرَد، وإذا رُوعيَ مَعناها دَخلتْ في الجَمْع، فتُوصَفُ بالمفرَد كمَا تُوصفُ بالجَمْع؛ فَتَقُولُ: (هُمْ جَمْعٌ مُنْتَصرٌ، أوْ مُنْتَصِرُونَ)، كما تَقولُ: (هُمْ جُنْدٌ مُنْتَصِرٌ، أَوْ مُنْتَصِرُونَ) ؛ قالَ تَعَالَى في سُورة (يَس): ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾، علَى الجَمْعِ، بَينمَا تجدُها في سُورةِ (ص)، في قولهِ تعالَى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، علَى الإفْرَادِ.
فلمّا كانَت كلمةُ (جَمِيع) قدْ وَافَقَت كلمةَ (جَمْع) في مَعناهَا، فقدْ أُجريَتْ مجرَاها، فاعْتُبرَت (اسمَ جَمْعٍ)، إنْ شِئتَ ضَمَمْتَ إليهَا مُفرَداً، وإنْ شئتَ أَوصَلتَها بجَمْعٍ، فتقولُ مثلاً: (هُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ)، أَوْ (هُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرُونَ)، وكأنَّك قلتَ: (هُمْ جَمَاعَةٌ تَنْتَصِرُ)، و(هُمْ جَمَاعَةٌ يَنْتَصِرُونَ)، كمَا قالَ تعالَى في سُورَة (آل عِمْرَان): ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، ثمَّ قالَ في سُورَة (الكَهْف): ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.
لكنَّ الارتِقاءَ البَلاغيّ لا يكونُ إلّا بِحَملِها علَى الإفرَادِ، وذلكَ لغلَبَة مَعنَى الجمْعِ عليْـها في المألُوف منَ التّصوُّر، لأنكَ إذا قُلتَ: ( جُنْدٌ، فِئَة، جَمْع، رَهْط..)، فَلا يَتصوّرُ الذّهنُ فرداً واحداً. فلمَّا صَرفتَ الكَلامَ إلَى غَيرِ مَألُوفهِ، جُزتَ بهِ إلى بَلاغةِ الانْزيَاح، وفي هَذا الانْزيَاح تَكمُن الْـمَزيّة البَيانيّة. فأنتَ مثَلاً، لا يَستَوقفُكَ قولهُ تعَالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾، وَلا ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ﴾، كمَا يَستوقفُكَ قولُه عَزّ وجَلّ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾، لفَجْأَةِ العُدُول، ودَهشَةِ الانْزياح.
ويزيدُ الأمرَ بيَاناً، أنّكَ إذَا ذَهبتَ إلى (النّصبِ)، فقُلتَ: (نَحْنُ جَمِيعاً)، خَرجْتَ إلَى (الْحَال)، وَاختَلفَ المعنَى اختِلافاً بَيّناً، وضاقَت الدّلالةُ؛ فَلا يَجُوزُ حِينئذٍ إلّا الجَمْع، فتقُولُ: (نَحْنُ جَمِيعاً مُنْتَصِرُونَ)، لَا تَتجَاوَزُهَا.
وأنتَ إذا تدبّرتَ الآيةَ، لاحَظتَ أنَّ الكلمَتينِ: (جَمِيع وجَمْع)، اسْتُعملَتا فيهَا علَى التَّعاقُب، فقالَ في الأوّل: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾، ثمَّ عاقبَ عليْـهَا بالأخْرَى فقالَ: ﴿سَيُـهْزَمُ الْجَمْعُ﴾. فهُما يَستويَان في المعنَى، فيكونُ الأمرُ وكَأَنَّهُمْ قَالُوا: (نَحْنُ جَمْعٌ مُنْتَصِرٌ)، فأبطلَ زعمَهُم بقولهِ: (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ)، فَكأنّ التَّعريفَ فيهَا للْعَهْد: (نَحْنُ جَمْعٌ، سيُهزَم الْجَمْعُ).
فإذَا أنعمتَ النّظر في اخْتِيار الإِفرادِ هَهُنا، تبيّنَ أنّ في التّعبير بالإفرَادِ مَزيةً بَيَانيّةً فريدةً؛ ذلكَ أنّ المشركينَ جَعَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ كُثر، كَأَنَّهُمْ رَجُلٌ واحدٌ، لاجتِمَاع قُلُوبهم علَى عَداوَة ومُحاربَة الرَّسُول، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، وزُيّنَ لهُم أنّهُم بذَلك غالبُونَ: (جَمِيعٌ مُنتَصرٌ). لكنّ اللهَ تعالَى كَشَفَ زَيْفَ اعتقادِهِمْ هَذا، بأنّهُم سَيُـهزَمونَ؛ ﴿سَيُـهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، في تَعبيرٍ بَلاغيّ مُعجزٍ؛ فجاءَ بالفعلِ مُسنداً إلى ضَمير الجَمعِ (يُوَلُّونَ)، وجَاءَ بالاسمِ دالّاً علَى المفرَد (الدُّبُر)، فكأنَّ هذَا (الجَمْعَ) الَّذِينَ ظنُّوا أنْفُسَهُمْ رجُلاً واحداً مجتمِعاً، قدْ تفَرَّقُوا عندَ اللقاءِ، أَشْتَاتاً، كلُّ واحدٍ منهُم قدْ ولَّى هارباً مُدبراً، فهمْ (يُولّونَ) ظَهْرَهُمْ فِي كُلِّ اتَّجَاهٍ ، لَكِنَّهُمْ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: لا تَرَى مِنهُم إلّا ظُهُورَهم، فكأنَّهُم، وقدْ تَوَحّدُوا فِي هَذِهِ الحَالَةِ الْـمُخزيَة، رجلٌ واحدٌ بدُبُرٍ واحدٍ. فكمَا أقبَلُوا بوَجهِهِم يَحسبُون أنفسَهُم رَجلاً وَاحِداً، علَى قلبٍ واحدٍ، فَقَدِ افْتُضِحُوا وَانْكَشَفُوا، فتولّوْا مَهزومينَ كلُّهُم، علَى صورَةٍ واحدَةٍ مُخزيَةٍ في الفِرارِ؛ صورة رجلٍ واحدٍ ذِي ظهْرٍ ودُبُرٍ واحدٍ: إفرَادُ تَظاهُرٍ زائفٍ في الإقبَالِ، وإفرادُ انْكشَافٍ مُخزٍ في الإدبَارِ. قالَ (الأخفَشُ) في (مَعاني القُرآن): «فجَعَلَ لِلْجمَاعةِ دُبُراً واحِداً في اللَّفظِ».ومثله قالَ (الفَخرُ الرّازيّ) بتَفصيلٍ في (مَفاتيحِ الغَيْب) حيثُ قالَ: «فقَولهُ: ﴿يُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، إِفْرَادُهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي التَّوْلِيَةِ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ عَنِ الْجَمْعِ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ لِلزَّحْفِ، فَهُمْ كَانُوا فِي التَّوْلِيَةِ كَدُبُرٍ وَاحِدٍ».
وعَلى نَفسِ الأسلوبِ منَ التّعبير تجدُ قولَه تعالَى في سُورَة (النِّسَاء): ﴿ومَنْ يُطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾، فَيستَوقفُك قولُه تعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾، حيثُ جمعَ بينَ الإشَارَة إلى الجَمعِ (أُولئكَ)، وبينَ المفرَد (رَفيقاً). والمعروفُ في الأصلِ أنَّ الجَمعَ يأتي مَعهُ الجَمعُ، والمفردَ يَعقبُهُ المفرَدُ. لذَا قالُوا: إنّ المقصودَ: (حَسُنَ أولئِكَ رُفَقَاء)، علَى الجَمْع. قالَ(أبُو عُبيدَة) في (مَجاز القُرآنِ): «﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾، أيْ رُفَقَاء، والعَرَبُ تَلفَظ بلَفظِ الوَاحدِ والمعنى يَقعُ علَى الجَمِيع». ومثلهُ قالَ (الأخفشُ) في (مَعاني القُرْآن): «وَ(الرّفِيقُ)، واحدٌ في مَعنَى جمَاعَة، مثلُ (هُمْ لي صَدِيقٌ)». وهَذا الأُسلُوبُ في اسْتعمَال صيغَةِ المفرَد للدَّلالَة علَى الجَمعِ، كمَا رأينَا، منَ الأسَاليبِ البَلاغيّةِ البَديعَة في اللُّغَة. وقدْ وَردَتْ كثِيراً في القُرآن؛ منهَا قولهُ تعالَى :﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ وقولُه تعَالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالْـمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
و(الرَّفِيقُ) فِيهِ مَعنَى الرِّفق والعَطفِ والرَّحْمةِ ولِين الجَانِب، وفيهِ مَعنى الصّاحِب والْـمُرَافق. فهوَ يجمعُ بينَ الصُّحبَة وتلكَ المعَاني الجَليلَة. لكنَّ مَجيئَه على صيغَة المفردِ دَالَّا عَلى الجَمْع، يُخْفِي لَطِيفَةً بَيَانِيةً بديعةً. فهيَ توحي بأنَّ كلَّ واحدٍ منْ أولئكَ المذكُورينَ، قدْ بَلغَ الكمالَ في هذهِ الصِّفَة، وأنهُم مُتسَاوُونَ فِيهَا، وكأنّهُم على قلبِ رجلٍ واحِدٍ، بنَفْسٍ واحدَةٍ فذَّةٍ مُفرَدَة. قالَ (محمّد أبو زُهرَة) في (زَهرَة التَّفاسِير): «فَهُمْ جَميعاً في مَعنَى رَفيقٍ وَاحدٍ، لتَشاكُل النُّفُوس وتَوافُقِهَا». وهذَا المعنَى لا يَتحصّلُ إذا اسْتُعْمِلَت (رُفقاء) بالجَمْع. ويَتكشّفُ لكَ ذلكَ بأنَّك إذا قُلتَ مثلاً: (أنْتُم أَصْدِقَاءُ)، وجئْتَ بالتَّعبير علَى الأَصلِ، لمْ تَزدْ في المعنَى المطلُوب شَيئاً، لكنْ إذا قُلتَ: (أنْتُمْ صَدِيقٌ)، خرجتَ إلى الزّيَادة في المعنَى بهذَا العُدُول والانزيَاح، فرفعتَ مُستَوى التَّعبير إلى الكَمَال في الصِّفَة، وتَساوَى المخاطَبونَ فِيها، وكأنّهُم شَخصٌ واحدٌ أُسندَت لهُ صفةُ (صَدِيق).
وهذهِ الآيةُ، إذَا أنتَ استعرَضْتَ بعضَ لَفظِها، تدَاعى إلى فِكركَ قولهُ تعالَى في سُورَة (الفَاتِحَة): ﴿صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهَؤُلاءِ هُمُ الأربعَةُ الـمَذكورُونَ، الَّذينَ أنعَمَ اللهُ عليْـهِم منَ (النَّبِيـئِينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهدَاء والصَّالحِين)، وهَؤلاءِ همُ (الرَّفيقُ الأعلَى)، وهمُ المقصُودُونَ بقولِ (النّبيّ) صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، لــمّا خُيّــرَ عندَ وفاتهِ: «بَلِ الرَّفِيق الأعْلَى مِنَ الجَنَّة»، أَيْ هَؤلاءِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم. معَ أنّ العبارَة، قدْ تَحتَمل أنّ المقصودَ منهَا، مَا يتَبادرُ إلى أذهَان النَّاسِ، منْ أنَّ (الرّفيقَ الأعلَى) هوَ اللهُ تعالَى. قالَ الإمامُ (النّوَويّ) في (المنهَاج شرحُ صَحيحِ مُسلِم بنِ الحَجّاج): «الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ الْـمُرَادَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْأَنْبِيَاءُ السَّاكِنُونَ أَعْلَى عَلِيِّينَ». وقدْ أوردَ (أبُو مَنصور الأزهَريّ) فـي (تَهذِيب اللُّغَة) كلاماً لبَعضِهمْ يقولُ فيهِ: «إنّهُ تبَارك وَتَعَالَى رَفيقٌ وَفِيقٌ،فَكَأنَّ مَعْنَاهُ:أَلْحِقْني بالرَّفيقِ،أَيْ:بِاللَّه». وَعقَّبَ عليهِ بقولهِ: «قلتُ:والعُلمَاءُ علَى أنَّ مَعْنَاهُ: أَلْحِقْني بِجَمَاعَة الْأَنْبِيَاء».
المصدر
