أسْرار البَيَان في القُرآن:
البَيانُ في الفَرقِ بينَ (يَـهْدِي) و(يَـهِدِّي) في قولهِ تعَالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَــهِدِّي﴾
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ أنكَ تقرَأ قوْلهُ تَعَالى في آيَات كَثيرةٍ مُتشَابهَةٍ، منها قولهُ عَزّ وجلّ في سورَة (البَقَرة): ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ﴾، وكذلكَ قولهُ عزّ وجلّ في سُورَة (الإسْرَاء): ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هيَ أَقْوَمُ﴾؛ فتجدُ أنّ الفعلَ المضَارعَ (يَهْدِي)، قد جاءَ علَى أصلِهِ مِنْ (هَدَى)، علَى المألُوفِ منَ البنَاء، كمَا هوَ بناءُ الفعلِ (الـمُعتَلّ النّاقصِ) مِثْل: (حَكَى يَحْكِي- حَمَـى يَحْمِـي). وكذلكَ هوَ بِصِيَغهِ المختلفةِ، في سائِر الآيَات منْ كتاب اللهِ، فتجدُ: ( تَهْدِي – نَهْدِي – يَهْدِيهِ – يَهْدِيهِمْ – يَهْدُونَنَا – لَنَهْدِيَنَّهُمْ – اِهْدِنَا…). وهوَ في كلّ صيَغِه هذهِ، لا يَستَوقفُك للنَّظَر، لأنّهُ جاءَ على المألُوف من تَصاريفِهِ.
لكنّ قولهُ تعالَى في سُورَةِ (يُونُس): ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْـحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَـهِـدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾، يَسْتلفِتُ النَّظَر، حَيْثُ يَبْدُو الفِعْل (يَـهَدِّي) غريباً شَكْلُهُ، بِفتْحِ الهَاء والكَسْرَةِ المشَدّدَةِ عَلَى الدّال، ممّا يَجْعَلُ أمْرَهُ مُحْوجاً إلى فَضْـلِ تأمُّـل ونَظرٍ. وقدْ جاءَ هذَا الفعْلُ عَلى قرَاءَاتٍ مُختَلفَة. أَشهَرُها ما جاءَ في روَايَة (وَرْشٍ): ﴿يَهَدِّي﴾، بفتْحِ (الهَاء)، وفي روَايَة (حَفصٍ): ﴿يَـــهِدِّي﴾، بكَسْرِ (الهَاء). وبَعْـدَ تـدبُّـر، تُدْركُ أنّ الفعْلَ مُحوَّل عنْ بِنيَة صرفيّةٍ مَزيدَة، إذْ كانَ في الأصْلِ (يَهْـتَدِي) بوَزن (يَفْتَعِل)، ثمّ أُبْدلتِ (التّاءُ) (دَالاً) وأُدْغِمَتْ في (الدّال) الأصْليّةِ بَعْدها، فصارَ (يَـهْدِّي) بسكون (الهاء)، ومنْ ثمَّ اختلَفَ شكلُه:
فأمَّا عَلى روَايَةِ (ورشٍ)، فبِفَتح (الهاء): ﴿يَهَدِّي﴾، حيث نُقِلَتِ الفتْحَةُ الّتي كَانَتْ عَلى (التاء) قبلَ الإبْدَالِ، نُقلَتْ إلى (الهَاءِ)، فَصَار الفعْلُ (يَـهَدِّي). قال (فخرُ الدّين الرّازيّ) في (مفاتِيح الغَيْب): «لِأنَّ أصْلَهُ (يَهْتَدِي)، أُدْغِمَتِ (التّاءُ) في (الدّالِ)، ونُقِلَتْ فَتْحَةُ (التّاءِ) المُدْغَمَةِ إلى (الهاءِ)». وأمَّا عَلى روَايَة (حَفصٍ)، فبِكَسْر (الهاء): ﴿يَـــهِدِّي﴾، حيثُ بَقيَت الهَاءُ سَاكنةً، فالْتَقَى السَّاكنَان: سُكُونُ (الهاءِ)، وسُكونُ (الدَّال الأُولَى) الـمُدغَمَة، فكُسِرَ السَّابقُ، وهوَ (الهَاء). قالَ (ابنُ جنّي) في (سرّ صِناعَة الإعْراب) مُشيراً إلى القِراءَتيْن: «أَنْ تَكونَ (الدّال) مُشَدَّدة، فتكونُ (الهاء) مَفتُوحَةً بحَركةِ (التّاء) الْـمَنقُولة إلَيها، أوْ مَكسُورةً، لسُكُونهَا وسُكُون (الدّال) الأُولى». فإذَا جئتَ بالأَصْل (يَهْتَدِي)، يَـتَبيّنُ أنّ المعْنى في الآيةِ، هوَ: (أمّنْ لا يَهْتَدِي إلا أنْ يَهْدِيَهُ غيْرُهُ)، ويَستَتـبعُ ذلكَ: (فَإذَا كانَ هُو نَفْسُهُ لا يَسْتطيعُ أن يَهْتَدِيَ، فأنَّـى لهُ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ؟).
فإذَا اسْتقصَيتَ الأمرَ فضلَ استِقصاءٍ، أدركتَ أنّ هذهِ الحالَة الفَريدةَ في بنَاء الفِعْل، علَى هذهِ الصّيغَة، منْ أدَقّ ما تَنصَرف إليهِ الأبنيَة في العَربيّة. وإنّك لَتكادُ لا تَجدُ لهَا نُصوصاً تُوثِّق لهَا، بَيدَ أنّ القُرآنَ الكَريمَ قدْ حفظَ لنَا بقراءَاتهِ المتَعدّدَة أفَانينَ بديعةً من تَصاريفِ العَربيّة، أغفَلتهَا مَباحثُ التّقْعيدِ، أو لامَستها على استحياءٍ، إلا ما كانَ منْ إشَاراتٍ عَابرةٍ تابعَةٍ.
وتنظُرُ، فيَنكشفُ لكَ أنَّ الفعلَ (يَهَدِّي)، علَى هذهِ الصّيغَة، قدِ اكتَمَل بناؤُه هذَا، بعدَ تَحوُّلاتٍ فَريدةٍ مَسّتِ (الأصلَ)، (هدي)، ليسَتْ هيَ مَسار: (هَدَى يَهْدِي هَدْياً)، ولَا هيَ مَسار: (هَدَّى يُـهَدِّي تَـهْدِيَةً)،كمَا تقولُ: (بَصَّرَ يُبَصِّرُ تَبْصِرَةً) بالوَزنِ المشهُور: (فَعَّل يُفَعِّلُ تَفْعِلَةً)، وإنَّما هيَ مَسارُ: (هَدَّى يَـهَدِّي هِدَّاءً)، بالوزنِ النَّادِر الفَريد: ( فَعَّلَ يَفَعِّلُ فِعَّالاً)، المنقَلب عنِ الأصلِ (افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ افْتِعَالاً). وذلكَ بسِلسلَة من التَّحويلَات: (اهْتَدَى)، ثمّ تُقلَب (التّاء) (دَالا): (اهْدَدَى)، فتُدغَم في (الدّال): (اهْدَّى)، فتُنقَل حرَكتُـها إلى (الهَاء) السّاكنَة، فإذَا تحرّكَتْ، حُذفَت هَمزةُ الوَصْل، فصارَ: (هَدَّى)، وكذلكَ هوَ المضارعُ: (يَهْتَدِي← يَهْدَدِي←يَـهَدِّي). وكذلكَ هوَ في (المصدَر): (اهْتِدَاء)، ثمّ تُقلَب (التّاء) (دالا): (اهْدِدَاء) فتُتدغَم، وتُنقَل حَركتُها إلى(الهَاء): (هِدَّاء).
وقريبٌ منْ هذَا ما ذكرهُ (ابنُ مالكٍ) في (شَرح الكافِيَة الشَّافيَة)، حيثُ قالَ: «فنقولُ في (اسْتَـتَـر): (سَتَّـرَ)، وفي (اقْتَتَل): (قَتَّلَ). والأصْلُ: (اقْتَتَلَ)، نُقلَتْ حركةُ أُولَى التَّاءَينِ إلى(القَاف)، فاسْتُغنيَ عنِ (الهَمزَة)، وصارَ اللّفظُ بهِ كاللَّفظِ بـــ(قَتَّلَ) الّذي وزنهُ (فَعَّلَ). لكنْ يَمتازَان بالمصدَر والمضَارعِ، لأنّك تَقُول في مَصدر الّذي أصلُهُ (اقْتَتَلَ): (قِتَّالاً)، وفي مُضارعهِ (يَقَتِّلُ) أو (يَقِتِّلُ). وتقولُ في مَصدَر الآخَر: (تَقتِيلاً) وفي مُضارعهِ (يُقَتِّلُ)».
وتَبحثُ عن الفعلِ (هَدَّى يَـهَدِّي هِدَّاءً) في المعاجِم المشهُورَة، فلا تَجدُ لهُ ذكراً في بابهِ (هدي). لكنّك بعدَ بَحثٍ مُضنٍ تعثُـرُ علَى إشارَة تابعَةٍ، باستطرادٍ، في الجِذْر(عذر)؛ فقَد جاءَ في (لسان العَرَب) في هذَا الجِذْر: «وقالَ (أَبُو الهَيْثَم) في قولهِ: ﴿وجَاءَ الـمُعَذِّرُونَ﴾، قالَ: مَعناهُ الـمُعْتَذِرُون. يُقال: (عَذَّر يَعَذِّر عِذّاراً)، في مَعنَى (اعْتَذَر)، ويَجوزُ (عِذَّرَ) الرّجُل، (يَعِذِّرُ)، فهوَ (مُعِذِّرٌ)،واللُّغَة الأُولى أَجودُهُما. قالَ: ومثلُهُ (هَدّى يَهَدِّي هِدّاءً)، إِذا (اهْتَدَى)، و(هِدَّى يَهِدِّي)؛ قالَ اللهُ عزّ وجلّ: ﴿أَمَّنْ لا يَــهَدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾». ونفسُ الكَلام تَجدُهُ عندَ (الأزهَريّ) في (تَهذيب اللّغَة)، وكذلكَ هوَ في (تَاج العَرُوس) (للمُرتَضَى الزَّبيدِيّ)، في نَفسِ الجِذْر (عذر).
فإذَا تدبَّرتَ هذَا الاختيَار الفَريدَ لهذهِ الصِّيغَة، فَأنتَ تجدُ في العُدُول عنْ (يَـهْتَدِي) الأصليّة، إلَى هذهِ الصِّيغَة الفَريدَة؛ بَياناً بَديعاً عنْ إغْرَاقهمْ في الضَّلال البَعِيدِ، وتَعبيراً عنِ المبَالغَة في ذَمّ تَهافُتِ عُقُولهِم، وسُوءِ تَدْبِيرهِم. ذلكَ أنّ الانتقَالَ من البنيَة الأصليّةِ (يَهْتَدِي)، كثّفَ البنيَة الصَّرفيّة، وولّدَ إدْغاماً لم يَكنْ، نَتجَ عنهُ تَشديدُ الحَرفِ، وفي التّشدِيدِ تَضاعُفٌ وتَكوْثُر، فرفعَ ذلكَ من حَجمِ الكتلَة الصّوتيّة في حرفِ (الدّال)، فأثّرَ ذلكَ علَى الدّلالَة، فخَرجَت إلى الإغْرَاق والمبَالغَة، لِيُبَيّن أنّهُم في الغَايَة منَ الضّلالَة والغَـيّ. قال َ(أبُو عليّ الفَارسيّ) في (الحُجّة للقُرّاء السَّبعَة): «مَنْ قَرَأَ (لا يَـهَدِّي)، فَقدْ نَسَبَـهُمْ إلَى غَايَةِ الذَّهَاب عَنِ الحَقّ والزَّيْغِ عَنهُ، في مُعَادَلَتِهِمُ الآلِهَةَ بالقَديمِ سُبْحَانهُ».
ومِثْلُ هَذا في القُـرْآنِ قَولهُ تعَالى: ﴿وَهُمْ يَخَصِّمُونَ﴾ في سُورَةِ (يـس). إذْ أصْلُهُ أيْضاً (يَخْتَصِمُونَ)، فهوَ: (خَصَّمَ يَخَصِّمُ خِصَّاماً)، قَلباً عنِ الأصلِ (اخْتَصَمَ يَخْتَصِمُ اخْتِصاماً). وكذَلِكَ: (تَعَدُّوا) في قوْلِهِ تعَالى في سُورةِ (النّساءِ): ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَـعَدُّوا فِي السَّبْتِ﴾، أيْ (لاَ تَعْتَدُوا). وهذَا الّذي تَجدُهُ هنَا يُقابلكَ ما يشاكلهُ في مَواقِعَ منْ كتَاب اللهِ، عَلى نَفس المسَار منَ القَلبِ إلَى الإدغَام والتّضعِيف، ومن ثَمَّ التّكَوْثُر في المعنَى، والمبَالَغَة في الدّلالَة؛ وذلكَ مثلُ العُدُول عنْ (تَثَاقَلْتُم) إلَى ﴿اثَّاقَلْتُم إِلَى الأَرْضِ﴾، وعنْ (تَدَارَكُوا) إلَى ﴿ادَّارَكُوا فِيهَا﴾، وعَن (تَطَـيَّـرْنَا) إلَى ﴿قَالُوا اطَّـيَّـرْنَا بِكَ﴾، وعَن (تَزَيَّــنَـتْ) إلَى ﴿زُخْرُفَــهَا وَازَّيَّــنَــتْ﴾.
المصدر
البَيانُ في الفَرقِ بينَ (يَـهْدِي) و(يَـهِدِّي) في قولهِ تعَالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَــهِدِّي﴾
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ أنكَ تقرَأ قوْلهُ تَعَالى في آيَات كَثيرةٍ مُتشَابهَةٍ، منها قولهُ عَزّ وجلّ في سورَة (البَقَرة): ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ﴾، وكذلكَ قولهُ عزّ وجلّ في سُورَة (الإسْرَاء): ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هيَ أَقْوَمُ﴾؛ فتجدُ أنّ الفعلَ المضَارعَ (يَهْدِي)، قد جاءَ علَى أصلِهِ مِنْ (هَدَى)، علَى المألُوفِ منَ البنَاء، كمَا هوَ بناءُ الفعلِ (الـمُعتَلّ النّاقصِ) مِثْل: (حَكَى يَحْكِي- حَمَـى يَحْمِـي). وكذلكَ هوَ بِصِيَغهِ المختلفةِ، في سائِر الآيَات منْ كتاب اللهِ، فتجدُ: ( تَهْدِي – نَهْدِي – يَهْدِيهِ – يَهْدِيهِمْ – يَهْدُونَنَا – لَنَهْدِيَنَّهُمْ – اِهْدِنَا…). وهوَ في كلّ صيَغِه هذهِ، لا يَستَوقفُك للنَّظَر، لأنّهُ جاءَ على المألُوف من تَصاريفِهِ.
لكنّ قولهُ تعالَى في سُورَةِ (يُونُس): ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْـحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَـهِـدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾، يَسْتلفِتُ النَّظَر، حَيْثُ يَبْدُو الفِعْل (يَـهَدِّي) غريباً شَكْلُهُ، بِفتْحِ الهَاء والكَسْرَةِ المشَدّدَةِ عَلَى الدّال، ممّا يَجْعَلُ أمْرَهُ مُحْوجاً إلى فَضْـلِ تأمُّـل ونَظرٍ. وقدْ جاءَ هذَا الفعْلُ عَلى قرَاءَاتٍ مُختَلفَة. أَشهَرُها ما جاءَ في روَايَة (وَرْشٍ): ﴿يَهَدِّي﴾، بفتْحِ (الهَاء)، وفي روَايَة (حَفصٍ): ﴿يَـــهِدِّي﴾، بكَسْرِ (الهَاء). وبَعْـدَ تـدبُّـر، تُدْركُ أنّ الفعْلَ مُحوَّل عنْ بِنيَة صرفيّةٍ مَزيدَة، إذْ كانَ في الأصْلِ (يَهْـتَدِي) بوَزن (يَفْتَعِل)، ثمّ أُبْدلتِ (التّاءُ) (دَالاً) وأُدْغِمَتْ في (الدّال) الأصْليّةِ بَعْدها، فصارَ (يَـهْدِّي) بسكون (الهاء)، ومنْ ثمَّ اختلَفَ شكلُه:
فأمَّا عَلى روَايَةِ (ورشٍ)، فبِفَتح (الهاء): ﴿يَهَدِّي﴾، حيث نُقِلَتِ الفتْحَةُ الّتي كَانَتْ عَلى (التاء) قبلَ الإبْدَالِ، نُقلَتْ إلى (الهَاءِ)، فَصَار الفعْلُ (يَـهَدِّي). قال (فخرُ الدّين الرّازيّ) في (مفاتِيح الغَيْب): «لِأنَّ أصْلَهُ (يَهْتَدِي)، أُدْغِمَتِ (التّاءُ) في (الدّالِ)، ونُقِلَتْ فَتْحَةُ (التّاءِ) المُدْغَمَةِ إلى (الهاءِ)». وأمَّا عَلى روَايَة (حَفصٍ)، فبِكَسْر (الهاء): ﴿يَـــهِدِّي﴾، حيثُ بَقيَت الهَاءُ سَاكنةً، فالْتَقَى السَّاكنَان: سُكُونُ (الهاءِ)، وسُكونُ (الدَّال الأُولَى) الـمُدغَمَة، فكُسِرَ السَّابقُ، وهوَ (الهَاء). قالَ (ابنُ جنّي) في (سرّ صِناعَة الإعْراب) مُشيراً إلى القِراءَتيْن: «أَنْ تَكونَ (الدّال) مُشَدَّدة، فتكونُ (الهاء) مَفتُوحَةً بحَركةِ (التّاء) الْـمَنقُولة إلَيها، أوْ مَكسُورةً، لسُكُونهَا وسُكُون (الدّال) الأُولى». فإذَا جئتَ بالأَصْل (يَهْتَدِي)، يَـتَبيّنُ أنّ المعْنى في الآيةِ، هوَ: (أمّنْ لا يَهْتَدِي إلا أنْ يَهْدِيَهُ غيْرُهُ)، ويَستَتـبعُ ذلكَ: (فَإذَا كانَ هُو نَفْسُهُ لا يَسْتطيعُ أن يَهْتَدِيَ، فأنَّـى لهُ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ؟).
فإذَا اسْتقصَيتَ الأمرَ فضلَ استِقصاءٍ، أدركتَ أنّ هذهِ الحالَة الفَريدةَ في بنَاء الفِعْل، علَى هذهِ الصّيغَة، منْ أدَقّ ما تَنصَرف إليهِ الأبنيَة في العَربيّة. وإنّك لَتكادُ لا تَجدُ لهَا نُصوصاً تُوثِّق لهَا، بَيدَ أنّ القُرآنَ الكَريمَ قدْ حفظَ لنَا بقراءَاتهِ المتَعدّدَة أفَانينَ بديعةً من تَصاريفِ العَربيّة، أغفَلتهَا مَباحثُ التّقْعيدِ، أو لامَستها على استحياءٍ، إلا ما كانَ منْ إشَاراتٍ عَابرةٍ تابعَةٍ.
وتنظُرُ، فيَنكشفُ لكَ أنَّ الفعلَ (يَهَدِّي)، علَى هذهِ الصّيغَة، قدِ اكتَمَل بناؤُه هذَا، بعدَ تَحوُّلاتٍ فَريدةٍ مَسّتِ (الأصلَ)، (هدي)، ليسَتْ هيَ مَسار: (هَدَى يَهْدِي هَدْياً)، ولَا هيَ مَسار: (هَدَّى يُـهَدِّي تَـهْدِيَةً)،كمَا تقولُ: (بَصَّرَ يُبَصِّرُ تَبْصِرَةً) بالوَزنِ المشهُور: (فَعَّل يُفَعِّلُ تَفْعِلَةً)، وإنَّما هيَ مَسارُ: (هَدَّى يَـهَدِّي هِدَّاءً)، بالوزنِ النَّادِر الفَريد: ( فَعَّلَ يَفَعِّلُ فِعَّالاً)، المنقَلب عنِ الأصلِ (افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ افْتِعَالاً). وذلكَ بسِلسلَة من التَّحويلَات: (اهْتَدَى)، ثمّ تُقلَب (التّاء) (دَالا): (اهْدَدَى)، فتُدغَم في (الدّال): (اهْدَّى)، فتُنقَل حرَكتُـها إلى (الهَاء) السّاكنَة، فإذَا تحرّكَتْ، حُذفَت هَمزةُ الوَصْل، فصارَ: (هَدَّى)، وكذلكَ هوَ المضارعُ: (يَهْتَدِي← يَهْدَدِي←يَـهَدِّي). وكذلكَ هوَ في (المصدَر): (اهْتِدَاء)، ثمّ تُقلَب (التّاء) (دالا): (اهْدِدَاء) فتُتدغَم، وتُنقَل حَركتُها إلى(الهَاء): (هِدَّاء).
وقريبٌ منْ هذَا ما ذكرهُ (ابنُ مالكٍ) في (شَرح الكافِيَة الشَّافيَة)، حيثُ قالَ: «فنقولُ في (اسْتَـتَـر): (سَتَّـرَ)، وفي (اقْتَتَل): (قَتَّلَ). والأصْلُ: (اقْتَتَلَ)، نُقلَتْ حركةُ أُولَى التَّاءَينِ إلى(القَاف)، فاسْتُغنيَ عنِ (الهَمزَة)، وصارَ اللّفظُ بهِ كاللَّفظِ بـــ(قَتَّلَ) الّذي وزنهُ (فَعَّلَ). لكنْ يَمتازَان بالمصدَر والمضَارعِ، لأنّك تَقُول في مَصدر الّذي أصلُهُ (اقْتَتَلَ): (قِتَّالاً)، وفي مُضارعهِ (يَقَتِّلُ) أو (يَقِتِّلُ). وتقولُ في مَصدَر الآخَر: (تَقتِيلاً) وفي مُضارعهِ (يُقَتِّلُ)».
وتَبحثُ عن الفعلِ (هَدَّى يَـهَدِّي هِدَّاءً) في المعاجِم المشهُورَة، فلا تَجدُ لهُ ذكراً في بابهِ (هدي). لكنّك بعدَ بَحثٍ مُضنٍ تعثُـرُ علَى إشارَة تابعَةٍ، باستطرادٍ، في الجِذْر(عذر)؛ فقَد جاءَ في (لسان العَرَب) في هذَا الجِذْر: «وقالَ (أَبُو الهَيْثَم) في قولهِ: ﴿وجَاءَ الـمُعَذِّرُونَ﴾، قالَ: مَعناهُ الـمُعْتَذِرُون. يُقال: (عَذَّر يَعَذِّر عِذّاراً)، في مَعنَى (اعْتَذَر)، ويَجوزُ (عِذَّرَ) الرّجُل، (يَعِذِّرُ)، فهوَ (مُعِذِّرٌ)،واللُّغَة الأُولى أَجودُهُما. قالَ: ومثلُهُ (هَدّى يَهَدِّي هِدّاءً)، إِذا (اهْتَدَى)، و(هِدَّى يَهِدِّي)؛ قالَ اللهُ عزّ وجلّ: ﴿أَمَّنْ لا يَــهَدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾». ونفسُ الكَلام تَجدُهُ عندَ (الأزهَريّ) في (تَهذيب اللّغَة)، وكذلكَ هوَ في (تَاج العَرُوس) (للمُرتَضَى الزَّبيدِيّ)، في نَفسِ الجِذْر (عذر).
فإذَا تدبَّرتَ هذَا الاختيَار الفَريدَ لهذهِ الصِّيغَة، فَأنتَ تجدُ في العُدُول عنْ (يَـهْتَدِي) الأصليّة، إلَى هذهِ الصِّيغَة الفَريدَة؛ بَياناً بَديعاً عنْ إغْرَاقهمْ في الضَّلال البَعِيدِ، وتَعبيراً عنِ المبَالغَة في ذَمّ تَهافُتِ عُقُولهِم، وسُوءِ تَدْبِيرهِم. ذلكَ أنّ الانتقَالَ من البنيَة الأصليّةِ (يَهْتَدِي)، كثّفَ البنيَة الصَّرفيّة، وولّدَ إدْغاماً لم يَكنْ، نَتجَ عنهُ تَشديدُ الحَرفِ، وفي التّشدِيدِ تَضاعُفٌ وتَكوْثُر، فرفعَ ذلكَ من حَجمِ الكتلَة الصّوتيّة في حرفِ (الدّال)، فأثّرَ ذلكَ علَى الدّلالَة، فخَرجَت إلى الإغْرَاق والمبَالغَة، لِيُبَيّن أنّهُم في الغَايَة منَ الضّلالَة والغَـيّ. قال َ(أبُو عليّ الفَارسيّ) في (الحُجّة للقُرّاء السَّبعَة): «مَنْ قَرَأَ (لا يَـهَدِّي)، فَقدْ نَسَبَـهُمْ إلَى غَايَةِ الذَّهَاب عَنِ الحَقّ والزَّيْغِ عَنهُ، في مُعَادَلَتِهِمُ الآلِهَةَ بالقَديمِ سُبْحَانهُ».
ومِثْلُ هَذا في القُـرْآنِ قَولهُ تعَالى: ﴿وَهُمْ يَخَصِّمُونَ﴾ في سُورَةِ (يـس). إذْ أصْلُهُ أيْضاً (يَخْتَصِمُونَ)، فهوَ: (خَصَّمَ يَخَصِّمُ خِصَّاماً)، قَلباً عنِ الأصلِ (اخْتَصَمَ يَخْتَصِمُ اخْتِصاماً). وكذَلِكَ: (تَعَدُّوا) في قوْلِهِ تعَالى في سُورةِ (النّساءِ): ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَـعَدُّوا فِي السَّبْتِ﴾، أيْ (لاَ تَعْتَدُوا). وهذَا الّذي تَجدُهُ هنَا يُقابلكَ ما يشاكلهُ في مَواقِعَ منْ كتَاب اللهِ، عَلى نَفس المسَار منَ القَلبِ إلَى الإدغَام والتّضعِيف، ومن ثَمَّ التّكَوْثُر في المعنَى، والمبَالَغَة في الدّلالَة؛ وذلكَ مثلُ العُدُول عنْ (تَثَاقَلْتُم) إلَى ﴿اثَّاقَلْتُم إِلَى الأَرْضِ﴾، وعنْ (تَدَارَكُوا) إلَى ﴿ادَّارَكُوا فِيهَا﴾، وعَن (تَطَـيَّـرْنَا) إلَى ﴿قَالُوا اطَّـيَّـرْنَا بِكَ﴾، وعَن (تَزَيَّــنَـتْ) إلَى ﴿زُخْرُفَــهَا وَازَّيَّــنَــتْ﴾.
المصدر
