من العربية إلى الصينية... قصائد تعبر سور الصين العظيم
قراءات إبداعية وحوارات تعزز التواصل الثقافي الجديد بين لغتين وحضارتين
صين-1.jpg
شريف الشافعي
ملخص
يفتح المهرجان الدولي للشعر في الصين الباب واسعاً لامتزاج الأطياف والأصداء الشعرية، العربية والصينية، في فضاء ثقافي وإنساني مشترك، وتداول الأطروحات الأكاديمية بين الجانبين بصورة مباشرة، من غير وسيط غربي في الترجمة.
"نتشارك في الشعر"، عبارة مفتاحية دالة على فلسفة المهرجان الدولي للشعر في دورته الخاصة بالصين والدول العربية التي عقدت أخيراً في مدينتي بكين وقوانغتشو (مايو- أيار الجاري)، حيث يتجلى فعل "المشاركة" كمهيمن على جدول أعمال الملتقى الزاخم، على مدى 10 أيام كاملة. وهذه المشاركة بين الضيوف (40 شاعراً وناقداً ومترجماً من 13 دولة عربية)، ونظرائهم في العدد من المدعوين المحليين من داخل الصين، والجهات المنظمة والراعية (اتحاد الكتاب الصينيين، ودائرة الإعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في بكين وفي مقاطعة قوانغدونغ)، هي مشاركة لا تقتصر على الشعر، وإنما تمتد إلى نقاشات أدبية ثرية وجلسات نقدية وفكرية متنوعة.
والأهم من ذلك كله، أن المشاركة المحتفى بها تتسع وتتعمق لتصل إلى جوهر التقارب الحميم بين البشر، حيث الائتناس والألفة والدفء والوئام والمودة، وسائر المعاني الإنسانية التي تحول التواصل الحضاري من فكرة مجردة ومشروع نظري إلى نبض وروح وتفاعلات حية، وهنا يمكن أن يشعر الإنسان بأخيه الإنسان في مكان آخر، أو كما يقول الشاعر الصيني الشاب وي تينغ شين (1990-..)، أحد المشاركين في المهرجان "أعيش في محافظة بمنطقة جبلية شرق الصين، لكنني أسمع صوت المطر في أفريقيا. هل تصدقني؟!" (ترجمة: يارا المصري).
هذا المفهوم حول الصداقة والإخاء هو "مانيفستو" المهرجان الذي يحرص على بلورته في الشعرية الصينية القديمة والحديثة على السواء، وفي الشعرية العربية أيضاً التي يحتفي المهرجان بأصواتها التأسيسية والمعاصرة والشابة معاً. وفي هذا الصدد، يلفت المهرجان خلال جلسته الافتتاحية إلى الدور الذي قام به أدونيس في تعريف القارئ الصيني بالشعر العربي بعد نشر ديوانه "أوسْمانْتوس" باللغة الصينية عن "دار ييلين" للنشر في بكين، ويشير عنوانه إلى أشجار الأوسمانتوس الصينية الشهيرة التي زرعت واحدة منها باسم أدونيس داخل أحد المنتجعات في الصين. ويظهر أدونيس في مقطع فيديو خلال الافتتاح قارئاً قصيدته ومفتخراً بشجرته "عندي لكِ يا شجرة الأوسمانتوس خبرٌ أنقله إليكِ/ ../ هنا في هذا المكان المفرد، زُرعتْ باسمي شجرةُ أوسمانتوس".
صين-2.jpg
دور المترجمين
ويعكس المهرجان الدولي للشعر في دورته الخاصة، الصينية- العربية، حال الانفتاح المتبادل والتأثير والتأثر، من خلال الحضور المكثف لأطراف الجانبين في القراءات الشعرية المشتركة وفي جلسات الحوار الأكاديمي تحت عنوان "الشعر بين الأصالة والمستقبل". وتستند الفعاليات كلها إلى الترجمة المباشرة للقصائد والأوراق البحثية والكلمات والمداخلات، من العربية إلى الصينية، والعكس، من دون وساطة غربية في الترجمة مثلما كان يحدث من قبل، لتوافر كوادر مؤهلة من الطرفين للاضطلاع بهذه المهمة بين اللغتين الوعرتين.
ويشكل المترجمون النابهون كلمة السر في نجاح المهرجان كمدعوّين "ذوي طبيعة خاصة"، ومن بينهم أستاذ ورئيس قسم اللغة الصينية بكلية الألسن في جامعة عين شمس حسانين فهمي والمصريات المتخصصات في اللغة الصينية يارا المصري ومي عاشور وميرا أحمد، والأردنية منال الخماش باحثة الدكتوراه في الأدب الصيني الحديث والمعاصر، والمترجم الصيني المرموق شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الأدب العربي في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وغيرهم.
ويوسع المهرجان مجال الدعوات الخاصة للأدباء والكتاب والنقاد العرب، مستضيفاً الروائي والناقد والناشر السوري نبيل سليمان، على اعتبار أن الشعرية لها حضور متشعب في المنظومة السردية وفي سائر الثيمات الإبداعية، كما أن السرد بتقنياته المتعددة يشكل خيطاً أساساً في النسيج الشعري الجديد، خصوصاً في حقل قصيدة النثر.
الشعر في كل مكان
يستكمل المهرجان الدولي للشعر في الصين في دورته الجديدة 2026 أجندته التي أطلقها خلال دورته الأولى 2024 الخاصة بمجموعة دول "بريكس"، إذ ينطلق الشعر من كل المنابر المتاحة، وتصدح الأصوات الشعرية في كل مكان، تحت مظلة بناء جسور التواصل بين القلوب عبر الشعر "الشباب أن تقول أنت بالعربية: يا صديقي، وأردّ عليك بالصينية: يا شقيقي". ويتعانق الشعر مع الموسيقى والغناء والمسرح والأوبرا والرقصات الشعبية والألعاب الأكروباتية في طقس سحري يأسر الحواس قبل أن تنتبه العقول، ويحوّل الأشجار إلى صلوات "الشجرة صلاة واقفة، تبتهل إلى فوق".
تتعدد منصات إطلاق القصائد في المهرجان الدولي للشعر 2026، ففي الأمكنة المفتوحة وساحات الهواء الطلق، هناك سور الصين العظيم في بكين، وهناك ضفاف نهر اللؤلؤ في مدينة قوانغتشو، وهناك متحف فن أوبرا قوانغدونغ. وضمن القاعات المجهزة، هناك قراءات في جامعات عريقة، من بينها جامعة المعلمين في بكين، وجامعة الدراسات الأجنبية في قوانغدونغ، وجامعة تشونغشان في قوانغتشو.
إندبندنت العربية
قراءات إبداعية وحوارات تعزز التواصل الثقافي الجديد بين لغتين وحضارتين
صين-1.jpg
شريف الشافعي
ملخص
يفتح المهرجان الدولي للشعر في الصين الباب واسعاً لامتزاج الأطياف والأصداء الشعرية، العربية والصينية، في فضاء ثقافي وإنساني مشترك، وتداول الأطروحات الأكاديمية بين الجانبين بصورة مباشرة، من غير وسيط غربي في الترجمة.
"نتشارك في الشعر"، عبارة مفتاحية دالة على فلسفة المهرجان الدولي للشعر في دورته الخاصة بالصين والدول العربية التي عقدت أخيراً في مدينتي بكين وقوانغتشو (مايو- أيار الجاري)، حيث يتجلى فعل "المشاركة" كمهيمن على جدول أعمال الملتقى الزاخم، على مدى 10 أيام كاملة. وهذه المشاركة بين الضيوف (40 شاعراً وناقداً ومترجماً من 13 دولة عربية)، ونظرائهم في العدد من المدعوين المحليين من داخل الصين، والجهات المنظمة والراعية (اتحاد الكتاب الصينيين، ودائرة الإعلام للجنة الحزب الشيوعي الصيني في بكين وفي مقاطعة قوانغدونغ)، هي مشاركة لا تقتصر على الشعر، وإنما تمتد إلى نقاشات أدبية ثرية وجلسات نقدية وفكرية متنوعة.
والأهم من ذلك كله، أن المشاركة المحتفى بها تتسع وتتعمق لتصل إلى جوهر التقارب الحميم بين البشر، حيث الائتناس والألفة والدفء والوئام والمودة، وسائر المعاني الإنسانية التي تحول التواصل الحضاري من فكرة مجردة ومشروع نظري إلى نبض وروح وتفاعلات حية، وهنا يمكن أن يشعر الإنسان بأخيه الإنسان في مكان آخر، أو كما يقول الشاعر الصيني الشاب وي تينغ شين (1990-..)، أحد المشاركين في المهرجان "أعيش في محافظة بمنطقة جبلية شرق الصين، لكنني أسمع صوت المطر في أفريقيا. هل تصدقني؟!" (ترجمة: يارا المصري).
هذا المفهوم حول الصداقة والإخاء هو "مانيفستو" المهرجان الذي يحرص على بلورته في الشعرية الصينية القديمة والحديثة على السواء، وفي الشعرية العربية أيضاً التي يحتفي المهرجان بأصواتها التأسيسية والمعاصرة والشابة معاً. وفي هذا الصدد، يلفت المهرجان خلال جلسته الافتتاحية إلى الدور الذي قام به أدونيس في تعريف القارئ الصيني بالشعر العربي بعد نشر ديوانه "أوسْمانْتوس" باللغة الصينية عن "دار ييلين" للنشر في بكين، ويشير عنوانه إلى أشجار الأوسمانتوس الصينية الشهيرة التي زرعت واحدة منها باسم أدونيس داخل أحد المنتجعات في الصين. ويظهر أدونيس في مقطع فيديو خلال الافتتاح قارئاً قصيدته ومفتخراً بشجرته "عندي لكِ يا شجرة الأوسمانتوس خبرٌ أنقله إليكِ/ ../ هنا في هذا المكان المفرد، زُرعتْ باسمي شجرةُ أوسمانتوس".
صين-2.jpg
دور المترجمين
ويعكس المهرجان الدولي للشعر في دورته الخاصة، الصينية- العربية، حال الانفتاح المتبادل والتأثير والتأثر، من خلال الحضور المكثف لأطراف الجانبين في القراءات الشعرية المشتركة وفي جلسات الحوار الأكاديمي تحت عنوان "الشعر بين الأصالة والمستقبل". وتستند الفعاليات كلها إلى الترجمة المباشرة للقصائد والأوراق البحثية والكلمات والمداخلات، من العربية إلى الصينية، والعكس، من دون وساطة غربية في الترجمة مثلما كان يحدث من قبل، لتوافر كوادر مؤهلة من الطرفين للاضطلاع بهذه المهمة بين اللغتين الوعرتين.
ويشكل المترجمون النابهون كلمة السر في نجاح المهرجان كمدعوّين "ذوي طبيعة خاصة"، ومن بينهم أستاذ ورئيس قسم اللغة الصينية بكلية الألسن في جامعة عين شمس حسانين فهمي والمصريات المتخصصات في اللغة الصينية يارا المصري ومي عاشور وميرا أحمد، والأردنية منال الخماش باحثة الدكتوراه في الأدب الصيني الحديث والمعاصر، والمترجم الصيني المرموق شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الأدب العربي في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وغيرهم.
ويوسع المهرجان مجال الدعوات الخاصة للأدباء والكتاب والنقاد العرب، مستضيفاً الروائي والناقد والناشر السوري نبيل سليمان، على اعتبار أن الشعرية لها حضور متشعب في المنظومة السردية وفي سائر الثيمات الإبداعية، كما أن السرد بتقنياته المتعددة يشكل خيطاً أساساً في النسيج الشعري الجديد، خصوصاً في حقل قصيدة النثر.
الشعر في كل مكان
يستكمل المهرجان الدولي للشعر في الصين في دورته الجديدة 2026 أجندته التي أطلقها خلال دورته الأولى 2024 الخاصة بمجموعة دول "بريكس"، إذ ينطلق الشعر من كل المنابر المتاحة، وتصدح الأصوات الشعرية في كل مكان، تحت مظلة بناء جسور التواصل بين القلوب عبر الشعر "الشباب أن تقول أنت بالعربية: يا صديقي، وأردّ عليك بالصينية: يا شقيقي". ويتعانق الشعر مع الموسيقى والغناء والمسرح والأوبرا والرقصات الشعبية والألعاب الأكروباتية في طقس سحري يأسر الحواس قبل أن تنتبه العقول، ويحوّل الأشجار إلى صلوات "الشجرة صلاة واقفة، تبتهل إلى فوق".
تتعدد منصات إطلاق القصائد في المهرجان الدولي للشعر 2026، ففي الأمكنة المفتوحة وساحات الهواء الطلق، هناك سور الصين العظيم في بكين، وهناك ضفاف نهر اللؤلؤ في مدينة قوانغتشو، وهناك متحف فن أوبرا قوانغدونغ. وضمن القاعات المجهزة، هناك قراءات في جامعات عريقة، من بينها جامعة المعلمين في بكين، وجامعة الدراسات الأجنبية في قوانغدونغ، وجامعة تشونغشان في قوانغتشو.
إندبندنت العربية
