أسْرارُ البَيان في القُرآن:
البَيانُ في التّركيبِ الفَريدِ لِـ (لَكِنَّا) في قَولهِ تعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾
بيان.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولُهُ تعَالى في سُورةِ (طَه): ﴿وَلكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِن زِينَة الْقَوْمِ﴾. ومثلُها قولهُ تعَالى في سُورَة (القَصَص): ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾. فأنتَ إذا تأمّلتَ اللّفظَة (لَكِنَّا)، لمْ تلبَثْ، علَى بادِي النَّظَر، أنْ تُدركَ أنّها مُكوَّنةٌ من: (لَكِنَّ+الضَّمِير المتَّصِل(نَا)، الدّالّة علَى الفَاعل،وفي هَذهِ الحَالة، فَـــ(لَكِنَّ) هَذهِ، هيَ الثَّقيلَة المشَدَّدة، المدْرَجَة معَ أخَوَاتِ (إِنَّ). فما بَعدَها يكونُ مَنصوباً، فالضَّميرُ (نَا)، هُنا، في مَحَلّ نصبٍ اسمُهَا. وكذلكَ هيَ معَ ضَمائر النَّصب الأُخرى؛ مثلِ (هاء الغَائِب)، في مثلِ قولهِ تعَالى في سُورَة (الأَعراف): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ﴾، ومِثلِ (كافِ الخِطابِ) في مِثْل قولهِ تعالَى في سُورَة (الحَدِيد): ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
غيرَ أنَّها معَ الضَّمير (نَا)، يَلحقُها تَوتُّر صَوتيٌّ، حيثُ يَجتمعُ في آخرهَا (ثَلاثُ نُونَاتٍ): (لَكِنَّنَا)؛ لكِنْ، لَـمّا لَم يَكنْ هَذا التَّوَالي بالغَ الثِّقَل جازَ الإبقاءُ علَيهِ، وَالغالبُ في الاستعمالِ الحَذفُ، فتَصيرُ: (لَكِنَّا). وهوَ الوجهُ في القُرآن الكَريمِ. ومثلُ هذَا يَحدُث معَ (ياءِ المتَكلِّم) أيضاً، حيثُ تدخُلُ (نُون الوِقايَة) فتَتوالَى النُّونَاتُ. ويقعُ الحذفُ غالباً، قالَ تعالَى في سُورَة (الأحقَاف): ﴿وَلَكِنِّــيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾. وكذلكَ الأمرُ معَ (إِنَّ)، إذْ يجُوزُ فيهَا (إِنَّا) كمَا يجُوزُ (إنَّنَا). وقدْ وردَتْ في القُرآنِ بالوجْهَين: علَى الأصْلِ، إثْباتاً، وهوَ القَليلُ، ومنهُ قولُهُ تعَالى: ﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾، و بالحَذْف، وهوَ الغالبُ الكَثيرُ، ومنهُ قولهُ تعالَى: ﴿إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَ ٰجِعُونَ﴾. وكذلكَ هيَ معَ (نُون الوِقايَة) كَثيرٌ فيهَا حَذفُها: (إِنِّــي)، قَليلٌ فيهَا إثْباتُها: (إِنَّـنِــي).
وغيرَ بعيدٍ عنْ هذَا، لَكنّهُ أدْعَى للتَّدبُّر، وأعمق غَوراً للنّظَر، لِخفَاء الحَذْف فيهِ، وذلكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ في سُورة (الكَهْف):﴿لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّى﴾، حيثُ تَستوقِفُكَ كلمَةُ: (لَكِنَّا) فيهَا، لِـما استجَدّ لهَا منْ سيَاقٍ نَظميٍّ مُختلفٍ، حيثُ تَلتهَا جُملة اسميّةٌ كُبْرى. فإذَا أنتَ تَدبَّرتَ الأمرَ مَليّاً، تبيَّنَ لكَ أنَّ (لَكِنَّا) هذهِ، علَى مُمَاثَلها في اللّفْظ لسَابقَتها،إلّا أنَّها تَختَلفُ عنها في التّركيبِ؛ والّذي سوّغَ هذا الاختِلافَ، هوَ ما نَهضَ حوَالَيْـها منْ سياقٍ سابقٍ أو لاحِقٍ. فأنتَ يَتبيّنُ لكَ أنّ الكلامَ هنَا، للصّاحبِ الفَقير، يَردُّ به علَى صاحبهِ الغنيّ، فقدْ قالَ تعالى قَبلهَا: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ…﴾، وقالَ بعدَها: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّيَ أَنْ يُؤْتِيَنِــي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾. فهوَ يَتحدّثُ عن نَفسهِ بالمفرَد الواحِد، لا عَنْ جمَاعَة، كمَا في سُورَة (طه): ﴿لَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾. لذلكَ خرجَ الوجهُ فيهَا إلَى تَركيبِ فَريد؛ إذْ تمّ العُدُول عنِ الوجهِ المنتَظَر في التَّعبيرِ بالمفرَدِ المحَدِّثِ عن نَفسهِ بِـــ(يَاء المتَكلِّم)، كأنْ يكونَ القولُ مَثلاً: (لَكِنِّــي/لكنّــنِــي هُوَ اللهُ رَبّي)، بضَمير النَّصبِ المحتَمَل بعدَ (لَكِنَّ). وكأنهُ قالَ: (لَكنّي أَقُولُ: هُوَ اللهُ رَبّي). قالَ (الطّاهرُ بنُ عاشُور) في (التَّحْرير والتَّنْوير): «وَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ النُّونِ، الْـمَفُتُوحَتَها، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها؛ لِأنَّ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ مِن أخَواتِ (إنَّ)، تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَها مَنصُوبًا، ولَيْسَ هُنا ما هو ضَمِيرُ نَصْبٍ. ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ الضَمِيرِ (أَنَا)، ضَمِيرَ نَصْبٍ، اسْمَ (لَكِنَّ)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المَنصُوبِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا اعْتِبارُهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُشاركِ، لِـمُنافَاتِهِ لِإفْرادِ ضَمائِرِهِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾».
فَصُرف الكلامُ عن ذلكَ إلى تَعبيرٍ بَلاغيٍّ مُعجزٍ، عَدلَ به إلى هَذا التّركيبِ الفَريد، ليَخلقَ بذلكَ تَوتُّراً نَظمِيّاً، يَستوقفُ القارئَ، فيتدبّرَهُ، ليَحملَ إليهِ مَزيدَ بيانٍ عنْ قوّةِ إيمانِ هذَا الرّجل الصَّالح، وعُمقِ ثِقَتهِ في عَدلِ اللهِ وقُدرَتهِ وحِكمَته. فجاءَت (لَكِنَّا) مُكَوّنةً منْ: (لَكِنْ +أنَا). وَفي هَذهِ الحَالةِ، فَـــ(لَكِنْ) هيَ المخفَّفَة منَ الثَّقيلَةِ (لَكِنَّ). وهذَا التَّخفِيفُ أبْطَلَ عمَلَها، فصارَ الاسمُ الّذي بعدَهَا مرفُوعاً يُعْربُ مُبْتدَأ. لذَلكَ، كانَ المتَّصلُ بهَا هُنا ضميرَ رفْعٍ مُنْفَصل(أَنَا)، والَّذي يُعربُ في مَحَلّ رفْع مُبْتدَأ. ومَا حدَثَ فيهَا هُو أنّ هَمزَة الضّمير حُذفَتْ ونُقلَت حرَكتُها إلى النُّون السّاكِنة، فاجْتَمَع نُونَان (لَكِنَنَا)، فحدَثَ الإدْغَامُ. وهَذا مَا يُحدّثُنا عنهُ (ابْنُ جِنّي) بتفْصيلٍ في (الخَصَائص)، حيثُ قالَ: «أصْلُهُ، (لكِنْ أَنَا)، فخُفّفتِ الهَمْزة بحَذْفهَا وإلقَاء حَرَكتِهَا على نُونِ (لَكنْ)، فصارَتْ (لَكِنَنَا)… فاسْتُثقِل الْتِقاءُ المِثْلَيْن مُتَحَرّكَين، فأُسْكنَ الأوَّل وأُدْغمَ في الثّاني، فصَارَ (لَكِنَّا)».
وهكذَا فالمعْنَى في آيَة (الكَهْف) بِسِيَاقهَا يكُون: (أكَفَرْتَ بالّذي خلقَكَ منْ تُرابٍ… لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبّي)، عَلى الاسْتِدْرَاك و الابْتِدَاء. وطالتِ الجُملةُ أيَّ طولٍ، وازدَحمَت المبتَدآتُ في نَظمٍ بديعٍ يَتكَوثَرُ: (أَنَا: مُبتدَأ – هُوَ: َميرُ شأنٍ مُبتدَأ ثانٍ – اللهُ: مُبتدَأ ثالِثٌ)، ولكلِّ مُبتدَأ خبرُهُ: (ربّي: خَبر المبتدَأ الثَّالِث – اللهُ ربِّي: جُملةٌ اسميّةٌ صُغرَى خَبر المبتدَأ الثّاني – هُوَ اللهُ رَبّي: جُملةٌ اسميّةٌ كُبرَى خَبر المبتدَأ الأوّل). تأمّلْ هذَا التّنظيمَ التّراكُميّ كيفَ استوَى فَشغَل بذَلكَ فِكرَك، وأخذَ لُبّك، وشحَذَ ذِهنَك، فاتّسعَ لهُ المعنَى، وامتدّت أَفياءُ الدّلالَات مَديدةً فَسيحةً. وهذَا ما لا تَجدُه إذَا اقتَصر التَعبيرُ علَى الأصلِ المقتَضِي لأوَّل الفَهمِ، فقلتَ: (لَكنَّ اللهَ رَبّي)، أَو بالتّخفيفِ: (لَكِنِ اللهُ رَبّي). في تَعبيرٍ بَسيطٍ تَفهمهُ، ولا يَستوقفُكَ، ليُتعبَكَ تدبُّراً، ويَستَوفزَ هِمّتكَ، فيَشْغلَكَ تَقصِّياً، فتنالَ منهُ لذّة الظَّفَر، ونَشوَة التّحصِيل.
وقدْ تردَّدَ في المصَنّفاتِ المختلفةِ بيتٌ لم يَنسبوهُ، ونَسبهُ (الفرّاءُ) في كِتابهِ (لغاتُ القُرآنِ) لِلأَعرابيّ الفَصيحِ (أَبي ثَرْوَان)، وهوَ قولهُ:
وَتَرْمِينَنِيى بِالطّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ /// وَتَـــقْلِيــنَـنِــــي لَكِــنَّ إيَّاكِ لا أَقْلِـي
قالَ (البَغداديّ) في (خِزانَة الأدَب): «وَقَولهُ: (لَكِنَّ إيّاكِ) فِيهِ أَقْوَال: أَحدُهَا لِلفرّاءِ: أَصْلُهَا عِنْده (لَكِنْ) الْخَفِيفَةُ النُّونِ، وَالنُّون الثَّانِيَة بَقِيَّةُ (أَنَا)؛ قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾، مَعْنَاهُ: (لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي)، تَركَ هَمزَةَ الْألِفِ منْ (أَنَا)، وَكثُر بهَا الْكَلَام، فَأُدغِمَت النُّونُ منْ (أَنَا) مَعَ النُّونِ منْ (لَكِنْ)».(11/229).
والّذي ينبَغي اعْتِبارُهُ هُنا، هوَ أنّ الضَّمير المنفَصل (أَنَا)، قدْ لزِمَتْهُ قاعِدتُهُ الصَّوْتيّة في حذْفِ ألفِهِ عندَ الوَصلِ، لذلكَ فإنّ (لكِنَّا) في قوْلِه تعَالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ ربّي﴾، تُقرأُ بحذْفِ الألِفِ، دونَ مَدّ النُّون: (لَكِنَّ هُوَ اللهُ ربّي)، لأنَّ (نَا) الّتي فيهَا، إنَّمَا هيَ مَا تبَقّى منَ الضمِير المنفَصل (أنَا) بعدَ حذْفِ هَمْزتِهِ. وعُلماءُ اللّغةِ يَعتبرونَ تلكَ الأَلفَ في (أنَا) زَائدةً، وأنَّ الأصلَ(أَنَ)، وإنّما أُضيفَت الألفُ لبَيانِ الفَتحَةِ عندَ الوَقفِ. يقولُ (ابنُ جنّي) في (الْـمُنصِف): «فَأمَّا الألفُ في (أَنَا) في الوَقفِ فَزائدَةٌ، ولَيسَت بأَصْلٍ. ولمْ نَقْضِ بذلكَ فيهَا منْ قِبَل الاشتِقَاق، هذَا مُحالٌ في الأسْمَاء المضمَرَة؛ لأنّهَا مَبنيّة كالحُرُوف، ولكنْ قضَينَا بزيَادتِها منْ حيثُ كانَ الوَصلُ يُزيلُهَا ويُذهبُـها، كمَا يُذهِبُ (الهاءَ) الّتي تُلحَق لِبيَان الحَركَة في الوَقفِ. ألَا تَرى أنّكَ تقولُ في الوَصلِ: أَنَا زَيْدٌ، كمَا قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ يُكتَبُ في الوَقفِ، بأَلفٍ بعدَ النُّون، وليسَت (الأَلفُ) في اللَّفظِ، وإنَّما كُتبَتْ عَلى الوَقفِ. فصارَ سُقوطُ (الأَلفِ) في الوَصلِ، كَسقُوط (الهَاءِ) الَّتي تُلحَق في الوَقفِ لِبيَان الحركَةِ في الوَصلِ. ألَا تَرى أنّكَ تَقولُ: (اِرمِهْ) إذَا وَقفتَ، وأنتَ تُريدُ (اِرْمِ)، فإذَا وَصلتَ قلتَ: (اِرْمِ يَا رَجُلُ). فالأَلفُ في (أَنَا) كَالهَاء في (اِرْمِهْ)، زائِدَةٌ مثلُهَا، وبُــيِّـنَت الفَتحةُ بالأَلفِ، كمَا بُيِّنَت الكَسرَةُ بالهَاء؛ لأنَّ الهاءَ مُجَاورَةٌ للْأَلفِ».
فَإذا رَجَعتَ إلى (لَكِنَّا) الّتي في سُورة (طه): ﴿لَكِنَّا حُمّلنَا أوْزَاراً﴾، وجدتَ أنَّـها تُقْرأُ بإظَهَار ألِف الْـمَدّ فيهَا، وإثْبَاتهَا وصْلاً ووَقفاً، لأنَّها ألفُ الضَّميرِ المتَّصِل (نَا) الدَّالّة علَى الفَاعِل، وهيَ ألفٌ منْ أَصلِ الكلمَة، لا زَائدةٌ، مثلُها مثلُ الّتي في (مَا) و(لَا)، تُحقّقُ رَسماً ولَفظاً.
المصدر
البَيانُ في التّركيبِ الفَريدِ لِـ (لَكِنَّا) في قَولهِ تعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾
بيان.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
وذلكَ قولُهُ تعَالى في سُورةِ (طَه): ﴿وَلكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِن زِينَة الْقَوْمِ﴾. ومثلُها قولهُ تعَالى في سُورَة (القَصَص): ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾. فأنتَ إذا تأمّلتَ اللّفظَة (لَكِنَّا)، لمْ تلبَثْ، علَى بادِي النَّظَر، أنْ تُدركَ أنّها مُكوَّنةٌ من: (لَكِنَّ+الضَّمِير المتَّصِل(نَا)، الدّالّة علَى الفَاعل،وفي هَذهِ الحَالة، فَـــ(لَكِنَّ) هَذهِ، هيَ الثَّقيلَة المشَدَّدة، المدْرَجَة معَ أخَوَاتِ (إِنَّ). فما بَعدَها يكونُ مَنصوباً، فالضَّميرُ (نَا)، هُنا، في مَحَلّ نصبٍ اسمُهَا. وكذلكَ هيَ معَ ضَمائر النَّصب الأُخرى؛ مثلِ (هاء الغَائِب)، في مثلِ قولهِ تعَالى في سُورَة (الأَعراف): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ﴾، ومِثلِ (كافِ الخِطابِ) في مِثْل قولهِ تعالَى في سُورَة (الحَدِيد): ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
غيرَ أنَّها معَ الضَّمير (نَا)، يَلحقُها تَوتُّر صَوتيٌّ، حيثُ يَجتمعُ في آخرهَا (ثَلاثُ نُونَاتٍ): (لَكِنَّنَا)؛ لكِنْ، لَـمّا لَم يَكنْ هَذا التَّوَالي بالغَ الثِّقَل جازَ الإبقاءُ علَيهِ، وَالغالبُ في الاستعمالِ الحَذفُ، فتَصيرُ: (لَكِنَّا). وهوَ الوجهُ في القُرآن الكَريمِ. ومثلُ هذَا يَحدُث معَ (ياءِ المتَكلِّم) أيضاً، حيثُ تدخُلُ (نُون الوِقايَة) فتَتوالَى النُّونَاتُ. ويقعُ الحذفُ غالباً، قالَ تعالَى في سُورَة (الأحقَاف): ﴿وَلَكِنِّــيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾. وكذلكَ الأمرُ معَ (إِنَّ)، إذْ يجُوزُ فيهَا (إِنَّا) كمَا يجُوزُ (إنَّنَا). وقدْ وردَتْ في القُرآنِ بالوجْهَين: علَى الأصْلِ، إثْباتاً، وهوَ القَليلُ، ومنهُ قولُهُ تعَالى: ﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾، و بالحَذْف، وهوَ الغالبُ الكَثيرُ، ومنهُ قولهُ تعالَى: ﴿إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَ ٰجِعُونَ﴾. وكذلكَ هيَ معَ (نُون الوِقايَة) كَثيرٌ فيهَا حَذفُها: (إِنِّــي)، قَليلٌ فيهَا إثْباتُها: (إِنَّـنِــي).
وغيرَ بعيدٍ عنْ هذَا، لَكنّهُ أدْعَى للتَّدبُّر، وأعمق غَوراً للنّظَر، لِخفَاء الحَذْف فيهِ، وذلكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ في سُورة (الكَهْف):﴿لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّى﴾، حيثُ تَستوقِفُكَ كلمَةُ: (لَكِنَّا) فيهَا، لِـما استجَدّ لهَا منْ سيَاقٍ نَظميٍّ مُختلفٍ، حيثُ تَلتهَا جُملة اسميّةٌ كُبْرى. فإذَا أنتَ تَدبَّرتَ الأمرَ مَليّاً، تبيَّنَ لكَ أنَّ (لَكِنَّا) هذهِ، علَى مُمَاثَلها في اللّفْظ لسَابقَتها،إلّا أنَّها تَختَلفُ عنها في التّركيبِ؛ والّذي سوّغَ هذا الاختِلافَ، هوَ ما نَهضَ حوَالَيْـها منْ سياقٍ سابقٍ أو لاحِقٍ. فأنتَ يَتبيّنُ لكَ أنّ الكلامَ هنَا، للصّاحبِ الفَقير، يَردُّ به علَى صاحبهِ الغنيّ، فقدْ قالَ تعالى قَبلهَا: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ…﴾، وقالَ بعدَها: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّيَ أَنْ يُؤْتِيَنِــي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾. فهوَ يَتحدّثُ عن نَفسهِ بالمفرَد الواحِد، لا عَنْ جمَاعَة، كمَا في سُورَة (طه): ﴿لَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾. لذلكَ خرجَ الوجهُ فيهَا إلَى تَركيبِ فَريد؛ إذْ تمّ العُدُول عنِ الوجهِ المنتَظَر في التَّعبيرِ بالمفرَدِ المحَدِّثِ عن نَفسهِ بِـــ(يَاء المتَكلِّم)، كأنْ يكونَ القولُ مَثلاً: (لَكِنِّــي/لكنّــنِــي هُوَ اللهُ رَبّي)، بضَمير النَّصبِ المحتَمَل بعدَ (لَكِنَّ). وكأنهُ قالَ: (لَكنّي أَقُولُ: هُوَ اللهُ رَبّي). قالَ (الطّاهرُ بنُ عاشُور) في (التَّحْرير والتَّنْوير): «وَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ النُّونِ، الْـمَفُتُوحَتَها، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها؛ لِأنَّ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ مِن أخَواتِ (إنَّ)، تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَها مَنصُوبًا، ولَيْسَ هُنا ما هو ضَمِيرُ نَصْبٍ. ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ الضَمِيرِ (أَنَا)، ضَمِيرَ نَصْبٍ، اسْمَ (لَكِنَّ)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المَنصُوبِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا اعْتِبارُهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُشاركِ، لِـمُنافَاتِهِ لِإفْرادِ ضَمائِرِهِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾».
فَصُرف الكلامُ عن ذلكَ إلى تَعبيرٍ بَلاغيٍّ مُعجزٍ، عَدلَ به إلى هَذا التّركيبِ الفَريد، ليَخلقَ بذلكَ تَوتُّراً نَظمِيّاً، يَستوقفُ القارئَ، فيتدبّرَهُ، ليَحملَ إليهِ مَزيدَ بيانٍ عنْ قوّةِ إيمانِ هذَا الرّجل الصَّالح، وعُمقِ ثِقَتهِ في عَدلِ اللهِ وقُدرَتهِ وحِكمَته. فجاءَت (لَكِنَّا) مُكَوّنةً منْ: (لَكِنْ +أنَا). وَفي هَذهِ الحَالةِ، فَـــ(لَكِنْ) هيَ المخفَّفَة منَ الثَّقيلَةِ (لَكِنَّ). وهذَا التَّخفِيفُ أبْطَلَ عمَلَها، فصارَ الاسمُ الّذي بعدَهَا مرفُوعاً يُعْربُ مُبْتدَأ. لذَلكَ، كانَ المتَّصلُ بهَا هُنا ضميرَ رفْعٍ مُنْفَصل(أَنَا)، والَّذي يُعربُ في مَحَلّ رفْع مُبْتدَأ. ومَا حدَثَ فيهَا هُو أنّ هَمزَة الضّمير حُذفَتْ ونُقلَت حرَكتُها إلى النُّون السّاكِنة، فاجْتَمَع نُونَان (لَكِنَنَا)، فحدَثَ الإدْغَامُ. وهَذا مَا يُحدّثُنا عنهُ (ابْنُ جِنّي) بتفْصيلٍ في (الخَصَائص)، حيثُ قالَ: «أصْلُهُ، (لكِنْ أَنَا)، فخُفّفتِ الهَمْزة بحَذْفهَا وإلقَاء حَرَكتِهَا على نُونِ (لَكنْ)، فصارَتْ (لَكِنَنَا)… فاسْتُثقِل الْتِقاءُ المِثْلَيْن مُتَحَرّكَين، فأُسْكنَ الأوَّل وأُدْغمَ في الثّاني، فصَارَ (لَكِنَّا)».
وهكذَا فالمعْنَى في آيَة (الكَهْف) بِسِيَاقهَا يكُون: (أكَفَرْتَ بالّذي خلقَكَ منْ تُرابٍ… لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبّي)، عَلى الاسْتِدْرَاك و الابْتِدَاء. وطالتِ الجُملةُ أيَّ طولٍ، وازدَحمَت المبتَدآتُ في نَظمٍ بديعٍ يَتكَوثَرُ: (أَنَا: مُبتدَأ – هُوَ: َميرُ شأنٍ مُبتدَأ ثانٍ – اللهُ: مُبتدَأ ثالِثٌ)، ولكلِّ مُبتدَأ خبرُهُ: (ربّي: خَبر المبتدَأ الثَّالِث – اللهُ ربِّي: جُملةٌ اسميّةٌ صُغرَى خَبر المبتدَأ الثّاني – هُوَ اللهُ رَبّي: جُملةٌ اسميّةٌ كُبرَى خَبر المبتدَأ الأوّل). تأمّلْ هذَا التّنظيمَ التّراكُميّ كيفَ استوَى فَشغَل بذَلكَ فِكرَك، وأخذَ لُبّك، وشحَذَ ذِهنَك، فاتّسعَ لهُ المعنَى، وامتدّت أَفياءُ الدّلالَات مَديدةً فَسيحةً. وهذَا ما لا تَجدُه إذَا اقتَصر التَعبيرُ علَى الأصلِ المقتَضِي لأوَّل الفَهمِ، فقلتَ: (لَكنَّ اللهَ رَبّي)، أَو بالتّخفيفِ: (لَكِنِ اللهُ رَبّي). في تَعبيرٍ بَسيطٍ تَفهمهُ، ولا يَستوقفُكَ، ليُتعبَكَ تدبُّراً، ويَستَوفزَ هِمّتكَ، فيَشْغلَكَ تَقصِّياً، فتنالَ منهُ لذّة الظَّفَر، ونَشوَة التّحصِيل.
وقدْ تردَّدَ في المصَنّفاتِ المختلفةِ بيتٌ لم يَنسبوهُ، ونَسبهُ (الفرّاءُ) في كِتابهِ (لغاتُ القُرآنِ) لِلأَعرابيّ الفَصيحِ (أَبي ثَرْوَان)، وهوَ قولهُ:
وَتَرْمِينَنِيى بِالطّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ /// وَتَـــقْلِيــنَـنِــــي لَكِــنَّ إيَّاكِ لا أَقْلِـي
قالَ (البَغداديّ) في (خِزانَة الأدَب): «وَقَولهُ: (لَكِنَّ إيّاكِ) فِيهِ أَقْوَال: أَحدُهَا لِلفرّاءِ: أَصْلُهَا عِنْده (لَكِنْ) الْخَفِيفَةُ النُّونِ، وَالنُّون الثَّانِيَة بَقِيَّةُ (أَنَا)؛ قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾، مَعْنَاهُ: (لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي)، تَركَ هَمزَةَ الْألِفِ منْ (أَنَا)، وَكثُر بهَا الْكَلَام، فَأُدغِمَت النُّونُ منْ (أَنَا) مَعَ النُّونِ منْ (لَكِنْ)».(11/229).
والّذي ينبَغي اعْتِبارُهُ هُنا، هوَ أنّ الضَّمير المنفَصل (أَنَا)، قدْ لزِمَتْهُ قاعِدتُهُ الصَّوْتيّة في حذْفِ ألفِهِ عندَ الوَصلِ، لذلكَ فإنّ (لكِنَّا) في قوْلِه تعَالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ ربّي﴾، تُقرأُ بحذْفِ الألِفِ، دونَ مَدّ النُّون: (لَكِنَّ هُوَ اللهُ ربّي)، لأنَّ (نَا) الّتي فيهَا، إنَّمَا هيَ مَا تبَقّى منَ الضمِير المنفَصل (أنَا) بعدَ حذْفِ هَمْزتِهِ. وعُلماءُ اللّغةِ يَعتبرونَ تلكَ الأَلفَ في (أنَا) زَائدةً، وأنَّ الأصلَ(أَنَ)، وإنّما أُضيفَت الألفُ لبَيانِ الفَتحَةِ عندَ الوَقفِ. يقولُ (ابنُ جنّي) في (الْـمُنصِف): «فَأمَّا الألفُ في (أَنَا) في الوَقفِ فَزائدَةٌ، ولَيسَت بأَصْلٍ. ولمْ نَقْضِ بذلكَ فيهَا منْ قِبَل الاشتِقَاق، هذَا مُحالٌ في الأسْمَاء المضمَرَة؛ لأنّهَا مَبنيّة كالحُرُوف، ولكنْ قضَينَا بزيَادتِها منْ حيثُ كانَ الوَصلُ يُزيلُهَا ويُذهبُـها، كمَا يُذهِبُ (الهاءَ) الّتي تُلحَق لِبيَان الحَركَة في الوَقفِ. ألَا تَرى أنّكَ تقولُ في الوَصلِ: أَنَا زَيْدٌ، كمَا قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ يُكتَبُ في الوَقفِ، بأَلفٍ بعدَ النُّون، وليسَت (الأَلفُ) في اللَّفظِ، وإنَّما كُتبَتْ عَلى الوَقفِ. فصارَ سُقوطُ (الأَلفِ) في الوَصلِ، كَسقُوط (الهَاءِ) الَّتي تُلحَق في الوَقفِ لِبيَان الحركَةِ في الوَصلِ. ألَا تَرى أنّكَ تَقولُ: (اِرمِهْ) إذَا وَقفتَ، وأنتَ تُريدُ (اِرْمِ)، فإذَا وَصلتَ قلتَ: (اِرْمِ يَا رَجُلُ). فالأَلفُ في (أَنَا) كَالهَاء في (اِرْمِهْ)، زائِدَةٌ مثلُهَا، وبُــيِّـنَت الفَتحةُ بالأَلفِ، كمَا بُيِّنَت الكَسرَةُ بالهَاء؛ لأنَّ الهاءَ مُجَاورَةٌ للْأَلفِ».
فَإذا رَجَعتَ إلى (لَكِنَّا) الّتي في سُورة (طه): ﴿لَكِنَّا حُمّلنَا أوْزَاراً﴾، وجدتَ أنَّـها تُقْرأُ بإظَهَار ألِف الْـمَدّ فيهَا، وإثْبَاتهَا وصْلاً ووَقفاً، لأنَّها ألفُ الضَّميرِ المتَّصِل (نَا) الدَّالّة علَى الفَاعِل، وهيَ ألفٌ منْ أَصلِ الكلمَة، لا زَائدةٌ، مثلُها مثلُ الّتي في (مَا) و(لَا)، تُحقّقُ رَسماً ولَفظاً.
المصدر
