أسرارُ البيَان في القُرآنِ:
البَيانُ في فَصْل (إِنَّما) وَوَصْلِها في قَولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾
إنما.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
منَ المعلُوم أنّ (مَا) إذَا لَحقَت (إنَّ) في آخرِها، كَفَّتْـها عنِ العمَل، فلمْ تعُدْ عامِلاً مُختَصّاً، فاحتملَ ما بعدَها أنْ يكونَ جُملةً اسميّةً من مُبتدَأ وخبَر، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أوْ جُملة فِعليّة، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَـةَ﴾. وكانَتْ قَبْلاً مُختَصّة بالاسمِيّة، عاملةً فيهَا نَصباً ورَفعاً، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فلَا تدخلُ علَى الفِعْل، وتلكَ قاعدةٌ من أُصُول النَّحْو: (لا يَعمْلُ العامِلُ إلَّا إذَا كانَ مُختَصّاً). قالَ (الأُشمُونيّ) في (شَرح الأَلفيّة): «وَوَصْلُ (مَا) الزّائِدَةِ بِذِي الْحُرُوفِ، مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا؛ لأنَّهَا تُزيلُ اخْتِصَاصَهَا بالأسْمَاءِ، وتُهَـيّـئُـها للدُّخُول علَى الفِعْل؛ فوجَبَ إهمَالُهَا لذَلكَ».
لكنَّ هذا الاتّصالَ لهَا فيهِ وجْهَان:
– وجْهٌ تكونُ فيه (ما) حرْفاً، وفي هذهِ الحالَة تُكتَبُ مَوصولَةً بـ(إنَّ)، وهيَ كثيرةٌ في القُرآنِ الكريمِ، تَجاوَزَ وُرُودُها المائةَ مرّة؛ منْ قولهِ تعالَى في سُورَة (البَقَرَة): ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، إلى قَولهِ تعالَى في سُورَة (الغَاشِيَة): ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وهيَ حينَئذٍ تُفيدُ الحَصرَ والقَصرَ، وتَكفُّ (إنَّ) عَن العَمَل.
– وجْهٌ تكونُ فيهِ اسْماً بمَعنَى (الَّذِي)، وفي هَذهِ الحالَة تُكتَب مَفصولةً عن (إنَّ). وتكونُ اسْمَهَا، ويَبقَى عملُ (إنَّ) ثابتاً. ولَم تَأتِ هذهِ الحالةُ في القرآنِ، إلّا في آيةٍ واحدَةٍ، هيَ قولهُ تعالَى في سُورة (الأَنْعَام): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾. قالَ (أبُو عَمْرٍو الدَّانيّ) في(الْـمُقنِع): «وَكَتَبُوا (إِنَّ مَا)، مَقطوعَةً في مَوضعٍ واحِدٍ، في (الأنعَاِم): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾».
وَقالَ (الفَرّاءُ) في (مَعاني القُرآن): «قَولُكَ: (إِنَّما)، علَى وجْهَيْن: أَحدُهُما أنْ تَجعَل (إِنَّمَا) حرفاً واحِداً، ثُمَّ تُعْمِلَ الأفْعالَ الَّتِي تكونُ بَعدَهَا فِي الأَسمَاء، فإنْ كانَتْ رافعَةً، رَفَعْتَ، وإنْ كانتْ نَاصبَةً، نَصَبْتَ، فقلْتَ: (إنَّمَا دَخَلْتُ دَارَكَ)، وَ(إنَّمَا أَعجَبَتْني دَارُكَ)، و(إنَّمَا مَالي مَالُكَ)، فهذَا حرفٌ واحدٌ. وأمّا الوجهُ الآخرُ، فأَنْ تَجعَلَ (مَا) مُنفصِلةً منْ (إِنَّ)، فتكونُ (ما) علَى معنَى (الَّذِي). فإذَا كانتْ كذلكَ، وصَلتَـها بما يُوصلُ بهِ (الَّذِي)، ثُمَّ تَرفعُ الاسمَ الَّذِي يَأتي بعدَ الصِّلَة؛ كقولكَ: (إنَّ مَا أخَذْتَ مَالُكَ)، (إنَّ ما رَكِبْتَ دَابَّتُكَ)، تُريدُ: (إنّ الَّذِي رَكِبْتَ دَابَّتُك)، و(إنَّ الَّذِي أَخَذْتَ مَالُكَ). فأَجْرهِما علَى هذَا».
لكنّ القرآنَ الكريمَ يعلُو في جَلالِ بَيانهِ، وقُدْسيّة بَلاغتهِ، فَينقُلُك في روعَةٍ، منْ بَديعِ بيانِ صَوتهِ، إلى لَطيفِ صُورَة رَسْمِه. فَكمَا يَهتَـزُّ سمعُك لحُسن اتِّساقِ أصوَاتهِ، وجَمالِ انسجَامِها، يَنْعَمُ بَصرُكَ مُتقلِّباً بينَ فُنونِ رَسمهِ، وتَفرُّد كتابَتهِ؛ زيادَةً وحذفاً، فَصلاً ووَصلاً، قَبضاً وَ بَسطاً…
فأنتَ تأتي، بمَا اسْتقرَّ لَديكَ من قواعِد اللُّغَة في الفَصلِ والوَصلِ، فتَنظُرُ، فإذَا آياتٌ من كتابِ اللهِ، يَنزاحُ فيهَا الرَّسمُ عمَّا أَلفهُ بَصرُكَ، وتَعدِلُ بصورَة الكتابَة فيهَا إلى وَجهٍ يَستوقفُك، ويَستَلزمُ فضْلَ تَدبُّرٍ ونظَرٍ. وذلكَ قولهُ تعالى في سورَة (طه): ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾، حيثُ تسْتوقفُك كلمةُ (كَيْدُ) المرفوعَة، ذلكَ أنّ ( إِنَّمَا) الّتي تُكتَب في العُرف الإمْلائي العَاديّ مُتَّصلَةً، تكونُ (ما) فيهَا حرفاً، يَكفُّها عنِ العمَل، وتُعربُ (إنَّما) حينئذٍ كما هوَ مَشهورٌ: (كَافَّة مَكْفُوفَة)؛ حيثُ (مَا) هيَ (الكافَّة)، و(إنَّ) هيَ (المكفُوفَة). فإذا كانَ بعدَها فعلٌ يكونُ هوَ العاملَ فيمَا بعدهُ رفعاً ونَصباً، كمَا جاءَ في كَلام (الفَرّاء) آنِفاً. وعليهِ فكلمةُ (كَيْدُ) يَنبَغي نَصبُـها علَى المفعُوليّة: (صَنَعُوا كَيْدَ سَاحِر). لكنَّـها في المتَوَاتِر منَ القِراءَات جاءَت مَرفوعَةً. وليسَ من تَوجيهٍ لهذَا الرَّفعِ إلّا أنْ تكونَ (مَا) هُنا اسْماً بمَعنَى (الَّذي)، وأنَّ الكتابَة على الإمْلاء المألُوفِ تكونُ: (إِنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ)، بالفَصْل، بمَعنَى: (إِنَّ الَّذي صَنعُوا كَيْدُ ساحِر). وتكونُ (كيدُ) حينئذٍ: (خبَرَ إنَّ مَرفوعاً). قالَ (الزَّجّاج) في (مَعاني القُرْآن وإعرَابه): « فَأمَّا رَفْعُ (كَيْدُ)، فَعَلَى مَعنَى: إِنَّ الَّذي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ، عَلى خَبَر (إِنَّ)».
كلُّ ذلكَ لأنكَ تعلمُ أنّكَ إذَا فَصَلتَهَا، وكَتَبْتَ (إِنَّ مَا ) ، صارَتْ (مَا) اسْماً موصولاً بمعنَى (الَّذي)، فيَختلفُ المعنى ويتغيَّر البِناءُ النَّحْويّ. فأنتَ مثلاً تَكتُب علَى الحَصْرِ، وَصْلاً: (إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ كِتَاباً)، فتَنْصِبُ، وتُعربُ (كِتاباً) مفْعُولاً به منصوباً للفعْل (اشْتَرَيتُ). وتَعتَبرُ (إِنَّمَا ) لا عَمَل لَها. وكأنّكَ قلتَ: (مَا اشْتَريتُ إلّا كتاباً). وتَكتبُ علَى معنَى (الَّذي)، فَصْلاً : (إِنَّ مَا اشْتَريتُ كِتابٌ)، فَترفعُ. وتُعربُ (كِتابٌ)، خَبرَ (إِنَّ) مَرفوعاً، واسمُهَا هوَ الاسمُ الموصُولُ (مَا). وكأنَّكَ قلتَ: (إِنّ الّذي اشْتَريتُ كتابٌ). هذَا هوَ المألوفُ الَّذي درجَ عليهِ الخَطُّ، وأَلفهُ البَصَر.
لكنَّ القرآنَ الكريمَ يَنزاحُ فيهِ الرسْمُ إلى غَير مَا تَتوقّعُه، ويَفجَأُك بالعُدُول عمَّا تَنتظرُهُ، ليَخلقَ تَوتُّراً نَظميّاً بَصريّاً، يَستوقفُكَ لِـمَزيد تَدبُّر ونَظَر؛ تَوتُّراً لا تُدركُه الأُذُن سماعاً، وإنّمَا تلحظُهُ العينُ بَصراً. وكأنّكَ انتَقلَ بكَ الخِطابُ إلَى بلاغَةٍ فَريدةٍ، يُمكنُ أنْ تُسمّيَـها (بَلاغَةً بَصَريّةً). فحيثُ تَتوقّعُ الفَصلَ: (إِنَّ مَا)، تَجدُ الوَصلَ: (إِنَّمَا). وعلىَ مثلِ هذَا، جاءَ قولهُ تعالَى في سورَة (الذَّاريَات): ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾، وقولُهُ عزَّ وجلَّ في سُورة (الْـمُرسَلَات): ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾. فأنتَ تُدركُ أنّ (ما) فيهمَا إِنَّمَا هيَ بمعنَى (الَّذي)، علَى مَعنى: (إِنَّ الّذي تُوعدُونَ لَصادِقٌ / لَواقِعٌ)، شأنُها شَأْن آيةِ (الأنْعَام): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾، علَى نَفسِ النَّسَق النّظْمـيّ المكتُوب: (إِنَّ + مَا + تُوعَدُونَ + لَــ + اسمٌ مَرفوعٌ)، ونَفسِ التَّرتيلِ الصَّوتيّ المسمُوع، لكنْ علَى اخْتلافٍ في الرَّسم والصُّورَة البَصريّةِ. فلعَلَّ ذلكَ أنْ يُخفيَ دَقيقةً بَيانيّةً، إنْ كانَ لها منْ أثَرٍ سِوى أنّـها تَستوقفُكَ، وتَستثيرُ حوَافِزَ النَّظر والتَّفَكُّر في ذِهنِكَ، لتَتدَبّرَ، لَكفَاهَا.
ومثلُ الفَصْل والوَصْل في (إنَّما)، تَجدُه أيضاً في (كُلَّمَا)، فتَرى الوَصْل علَى المألُوف منَ القوَاعدِ في قَولهِ تعَالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، وقولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كُـلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾. وتجدُ الفَصْل علَى المألُوف منْ قواعِدِ الفَصْل في قَولهِ تعالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. لكنَّ الكتابَة تَنزاحُ بكَ إلى بَيانٍ رَسْميٍّ، في عُدُولٍ إلَى صورَةٍ بَصريّةٍ لمْ تَألفْهَا، وذلكَ قولهُ تعالَى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، وقولهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾، فجاءَ بالفَصْل، حيثُ تَتوقّعُ الوَصْل، لأنّكَ تَعلمُ أنَّ هذَا تَركيبٌ شَرطيٌّ، تُجعَل فيهِ (كُلَّمَا) كَلمةً وَاحدةً، إذْ هيَ ظرفٌ ضُمّن معنَى الشَّرْط. قالَ (ابنُ قُتيبَةَ) في (أَدب الكَاتِب): «وتَقولُ: (كُلُّ مَا كَانَ مِنْكَ حَسَنٌ) وَ(إنَّ كُلَّ مَا تَأْتِيهِ جَمِيلٌ)، فتَقطعُهَا؛ لأنَّهَا في مَوضعِ الِاسْمِ، فإذَا لمْ تكُنْ في مَوضعِ اسْمٍ، وَصلتَها، فتقولُ: (كُلَّمَا جِئْتُكَ بَرَرْتَني)، وَ(كُلَّمَا سَأَلْتُكَ أَخْبَرْتَني ). وتَكتُبُ: (إِنَّمَا فَعَلْتُ كَذَا)، و(إنَّمَا كَلَّمْتُ أَخَاكَ)، و(إنَّمَا أَنَا أَخُوكَ)، فَتَصِلُ، فإذَا كانتْ في مَوضعِ اسْمٍ قَطَعْتَهُ، فكَتَبْتَ: (إنَّ مَا عِنْدَكَ أَحَبُّ إلَـيَّ )، وَ(إنَّ مَا جِئْتَ بِهِ قَبِيحٌ ).
وقَدْ كُتبَتْ في المصحَف، وهيَ اسْمٌ، مَقطُوعَةً ومَوصولَةً، كَتبُوا:﴿إنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ مَقطوعَةً، وكَتبُوا:﴿ إنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ مَوصولَةً، وكِلاهُمَا بمَعنَى الِاسْمِ. وَأحَبُّ إليَّ أنْ تُفرّقَ بَينَ الِاْسم والصِّلَة، بأنْ تَقطَعَ الِاسْمَ وتَصِلَ الصِّلَة».
تلكَ شَذرَة من شَذَرات البَيانِ الرَّسميّ في القُرآنِ، الّتي تَستوقفُ القَارئَ، ليَتدبَّر. وذلكَ منْ أَفضالِ القِراءَة نظراً في المصحَف. فإنَّ القراءَةَ غَيباً، لا تَكشفُ عن دَقائقِ الرَّسمِ القُرآنيّ، ولَطائفهِ في البَدَل، والحَذفِ والزّيادَة، والفَصْل والوَصْل، والقَبْض والبَسْط… ولذلكَ فضَّل العُلماءُ القراءَة في المصحَفِ، قالَ الإمامُ (النَّوَويّ) في (التّبيَان في آدَاب حَملَة القُرآن): «قِراءَةُ القُرآنِ منَ المصْحَف أَفْضَل منَ القِراءَةِ عنْ ظهْرِ القَلْب، لأنَّ النّظَر في المصحَفِ عِبادَةٌ مَطلُوبَةٌ، فتَجتَمِع القِراءَةُ والنّظَرُ».
المصدر
البَيانُ في فَصْل (إِنَّما) وَوَصْلِها في قَولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾
إنما.jpg
ذ. مصطفى بوعزة
منَ المعلُوم أنّ (مَا) إذَا لَحقَت (إنَّ) في آخرِها، كَفَّتْـها عنِ العمَل، فلمْ تعُدْ عامِلاً مُختَصّاً، فاحتملَ ما بعدَها أنْ يكونَ جُملةً اسميّةً من مُبتدَأ وخبَر، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أوْ جُملة فِعليّة، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَـةَ﴾. وكانَتْ قَبْلاً مُختَصّة بالاسمِيّة، عاملةً فيهَا نَصباً ورَفعاً، كقولهِ تعالَى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فلَا تدخلُ علَى الفِعْل، وتلكَ قاعدةٌ من أُصُول النَّحْو: (لا يَعمْلُ العامِلُ إلَّا إذَا كانَ مُختَصّاً). قالَ (الأُشمُونيّ) في (شَرح الأَلفيّة): «وَوَصْلُ (مَا) الزّائِدَةِ بِذِي الْحُرُوفِ، مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا؛ لأنَّهَا تُزيلُ اخْتِصَاصَهَا بالأسْمَاءِ، وتُهَـيّـئُـها للدُّخُول علَى الفِعْل؛ فوجَبَ إهمَالُهَا لذَلكَ».
لكنَّ هذا الاتّصالَ لهَا فيهِ وجْهَان:
– وجْهٌ تكونُ فيه (ما) حرْفاً، وفي هذهِ الحالَة تُكتَبُ مَوصولَةً بـ(إنَّ)، وهيَ كثيرةٌ في القُرآنِ الكريمِ، تَجاوَزَ وُرُودُها المائةَ مرّة؛ منْ قولهِ تعالَى في سُورَة (البَقَرَة): ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، إلى قَولهِ تعالَى في سُورَة (الغَاشِيَة): ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وهيَ حينَئذٍ تُفيدُ الحَصرَ والقَصرَ، وتَكفُّ (إنَّ) عَن العَمَل.
– وجْهٌ تكونُ فيهِ اسْماً بمَعنَى (الَّذِي)، وفي هَذهِ الحالَة تُكتَب مَفصولةً عن (إنَّ). وتكونُ اسْمَهَا، ويَبقَى عملُ (إنَّ) ثابتاً. ولَم تَأتِ هذهِ الحالةُ في القرآنِ، إلّا في آيةٍ واحدَةٍ، هيَ قولهُ تعالَى في سُورة (الأَنْعَام): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾. قالَ (أبُو عَمْرٍو الدَّانيّ) في(الْـمُقنِع): «وَكَتَبُوا (إِنَّ مَا)، مَقطوعَةً في مَوضعٍ واحِدٍ، في (الأنعَاِم): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾».
وَقالَ (الفَرّاءُ) في (مَعاني القُرآن): «قَولُكَ: (إِنَّما)، علَى وجْهَيْن: أَحدُهُما أنْ تَجعَل (إِنَّمَا) حرفاً واحِداً، ثُمَّ تُعْمِلَ الأفْعالَ الَّتِي تكونُ بَعدَهَا فِي الأَسمَاء، فإنْ كانَتْ رافعَةً، رَفَعْتَ، وإنْ كانتْ نَاصبَةً، نَصَبْتَ، فقلْتَ: (إنَّمَا دَخَلْتُ دَارَكَ)، وَ(إنَّمَا أَعجَبَتْني دَارُكَ)، و(إنَّمَا مَالي مَالُكَ)، فهذَا حرفٌ واحدٌ. وأمّا الوجهُ الآخرُ، فأَنْ تَجعَلَ (مَا) مُنفصِلةً منْ (إِنَّ)، فتكونُ (ما) علَى معنَى (الَّذِي). فإذَا كانتْ كذلكَ، وصَلتَـها بما يُوصلُ بهِ (الَّذِي)، ثُمَّ تَرفعُ الاسمَ الَّذِي يَأتي بعدَ الصِّلَة؛ كقولكَ: (إنَّ مَا أخَذْتَ مَالُكَ)، (إنَّ ما رَكِبْتَ دَابَّتُكَ)، تُريدُ: (إنّ الَّذِي رَكِبْتَ دَابَّتُك)، و(إنَّ الَّذِي أَخَذْتَ مَالُكَ). فأَجْرهِما علَى هذَا».
لكنّ القرآنَ الكريمَ يعلُو في جَلالِ بَيانهِ، وقُدْسيّة بَلاغتهِ، فَينقُلُك في روعَةٍ، منْ بَديعِ بيانِ صَوتهِ، إلى لَطيفِ صُورَة رَسْمِه. فَكمَا يَهتَـزُّ سمعُك لحُسن اتِّساقِ أصوَاتهِ، وجَمالِ انسجَامِها، يَنْعَمُ بَصرُكَ مُتقلِّباً بينَ فُنونِ رَسمهِ، وتَفرُّد كتابَتهِ؛ زيادَةً وحذفاً، فَصلاً ووَصلاً، قَبضاً وَ بَسطاً…
فأنتَ تأتي، بمَا اسْتقرَّ لَديكَ من قواعِد اللُّغَة في الفَصلِ والوَصلِ، فتَنظُرُ، فإذَا آياتٌ من كتابِ اللهِ، يَنزاحُ فيهَا الرَّسمُ عمَّا أَلفهُ بَصرُكَ، وتَعدِلُ بصورَة الكتابَة فيهَا إلى وَجهٍ يَستوقفُك، ويَستَلزمُ فضْلَ تَدبُّرٍ ونظَرٍ. وذلكَ قولهُ تعالى في سورَة (طه): ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾، حيثُ تسْتوقفُك كلمةُ (كَيْدُ) المرفوعَة، ذلكَ أنّ ( إِنَّمَا) الّتي تُكتَب في العُرف الإمْلائي العَاديّ مُتَّصلَةً، تكونُ (ما) فيهَا حرفاً، يَكفُّها عنِ العمَل، وتُعربُ (إنَّما) حينئذٍ كما هوَ مَشهورٌ: (كَافَّة مَكْفُوفَة)؛ حيثُ (مَا) هيَ (الكافَّة)، و(إنَّ) هيَ (المكفُوفَة). فإذا كانَ بعدَها فعلٌ يكونُ هوَ العاملَ فيمَا بعدهُ رفعاً ونَصباً، كمَا جاءَ في كَلام (الفَرّاء) آنِفاً. وعليهِ فكلمةُ (كَيْدُ) يَنبَغي نَصبُـها علَى المفعُوليّة: (صَنَعُوا كَيْدَ سَاحِر). لكنَّـها في المتَوَاتِر منَ القِراءَات جاءَت مَرفوعَةً. وليسَ من تَوجيهٍ لهذَا الرَّفعِ إلّا أنْ تكونَ (مَا) هُنا اسْماً بمَعنَى (الَّذي)، وأنَّ الكتابَة على الإمْلاء المألُوفِ تكونُ: (إِنَّ مَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ)، بالفَصْل، بمَعنَى: (إِنَّ الَّذي صَنعُوا كَيْدُ ساحِر). وتكونُ (كيدُ) حينئذٍ: (خبَرَ إنَّ مَرفوعاً). قالَ (الزَّجّاج) في (مَعاني القُرْآن وإعرَابه): « فَأمَّا رَفْعُ (كَيْدُ)، فَعَلَى مَعنَى: إِنَّ الَّذي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ، عَلى خَبَر (إِنَّ)».
كلُّ ذلكَ لأنكَ تعلمُ أنّكَ إذَا فَصَلتَهَا، وكَتَبْتَ (إِنَّ مَا ) ، صارَتْ (مَا) اسْماً موصولاً بمعنَى (الَّذي)، فيَختلفُ المعنى ويتغيَّر البِناءُ النَّحْويّ. فأنتَ مثلاً تَكتُب علَى الحَصْرِ، وَصْلاً: (إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ كِتَاباً)، فتَنْصِبُ، وتُعربُ (كِتاباً) مفْعُولاً به منصوباً للفعْل (اشْتَرَيتُ). وتَعتَبرُ (إِنَّمَا ) لا عَمَل لَها. وكأنّكَ قلتَ: (مَا اشْتَريتُ إلّا كتاباً). وتَكتبُ علَى معنَى (الَّذي)، فَصْلاً : (إِنَّ مَا اشْتَريتُ كِتابٌ)، فَترفعُ. وتُعربُ (كِتابٌ)، خَبرَ (إِنَّ) مَرفوعاً، واسمُهَا هوَ الاسمُ الموصُولُ (مَا). وكأنَّكَ قلتَ: (إِنّ الّذي اشْتَريتُ كتابٌ). هذَا هوَ المألوفُ الَّذي درجَ عليهِ الخَطُّ، وأَلفهُ البَصَر.
لكنَّ القرآنَ الكريمَ يَنزاحُ فيهِ الرسْمُ إلى غَير مَا تَتوقّعُه، ويَفجَأُك بالعُدُول عمَّا تَنتظرُهُ، ليَخلقَ تَوتُّراً نَظميّاً بَصريّاً، يَستوقفُكَ لِـمَزيد تَدبُّر ونَظَر؛ تَوتُّراً لا تُدركُه الأُذُن سماعاً، وإنّمَا تلحظُهُ العينُ بَصراً. وكأنّكَ انتَقلَ بكَ الخِطابُ إلَى بلاغَةٍ فَريدةٍ، يُمكنُ أنْ تُسمّيَـها (بَلاغَةً بَصَريّةً). فحيثُ تَتوقّعُ الفَصلَ: (إِنَّ مَا)، تَجدُ الوَصلَ: (إِنَّمَا). وعلىَ مثلِ هذَا، جاءَ قولهُ تعالَى في سورَة (الذَّاريَات): ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾، وقولُهُ عزَّ وجلَّ في سُورة (الْـمُرسَلَات): ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾. فأنتَ تُدركُ أنّ (ما) فيهمَا إِنَّمَا هيَ بمعنَى (الَّذي)، علَى مَعنى: (إِنَّ الّذي تُوعدُونَ لَصادِقٌ / لَواقِعٌ)، شأنُها شَأْن آيةِ (الأنْعَام): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾، علَى نَفسِ النَّسَق النّظْمـيّ المكتُوب: (إِنَّ + مَا + تُوعَدُونَ + لَــ + اسمٌ مَرفوعٌ)، ونَفسِ التَّرتيلِ الصَّوتيّ المسمُوع، لكنْ علَى اخْتلافٍ في الرَّسم والصُّورَة البَصريّةِ. فلعَلَّ ذلكَ أنْ يُخفيَ دَقيقةً بَيانيّةً، إنْ كانَ لها منْ أثَرٍ سِوى أنّـها تَستوقفُكَ، وتَستثيرُ حوَافِزَ النَّظر والتَّفَكُّر في ذِهنِكَ، لتَتدَبّرَ، لَكفَاهَا.
ومثلُ الفَصْل والوَصْل في (إنَّما)، تَجدُه أيضاً في (كُلَّمَا)، فتَرى الوَصْل علَى المألُوف منَ القوَاعدِ في قَولهِ تعَالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، وقولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كُـلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾. وتجدُ الفَصْل علَى المألُوف منْ قواعِدِ الفَصْل في قَولهِ تعالَى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. لكنَّ الكتابَة تَنزاحُ بكَ إلى بَيانٍ رَسْميٍّ، في عُدُولٍ إلَى صورَةٍ بَصريّةٍ لمْ تَألفْهَا، وذلكَ قولهُ تعالَى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، وقولهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾، فجاءَ بالفَصْل، حيثُ تَتوقّعُ الوَصْل، لأنّكَ تَعلمُ أنَّ هذَا تَركيبٌ شَرطيٌّ، تُجعَل فيهِ (كُلَّمَا) كَلمةً وَاحدةً، إذْ هيَ ظرفٌ ضُمّن معنَى الشَّرْط. قالَ (ابنُ قُتيبَةَ) في (أَدب الكَاتِب): «وتَقولُ: (كُلُّ مَا كَانَ مِنْكَ حَسَنٌ) وَ(إنَّ كُلَّ مَا تَأْتِيهِ جَمِيلٌ)، فتَقطعُهَا؛ لأنَّهَا في مَوضعِ الِاسْمِ، فإذَا لمْ تكُنْ في مَوضعِ اسْمٍ، وَصلتَها، فتقولُ: (كُلَّمَا جِئْتُكَ بَرَرْتَني)، وَ(كُلَّمَا سَأَلْتُكَ أَخْبَرْتَني ). وتَكتُبُ: (إِنَّمَا فَعَلْتُ كَذَا)، و(إنَّمَا كَلَّمْتُ أَخَاكَ)، و(إنَّمَا أَنَا أَخُوكَ)، فَتَصِلُ، فإذَا كانتْ في مَوضعِ اسْمٍ قَطَعْتَهُ، فكَتَبْتَ: (إنَّ مَا عِنْدَكَ أَحَبُّ إلَـيَّ )، وَ(إنَّ مَا جِئْتَ بِهِ قَبِيحٌ ).
وقَدْ كُتبَتْ في المصحَف، وهيَ اسْمٌ، مَقطُوعَةً ومَوصولَةً، كَتبُوا:﴿إنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ مَقطوعَةً، وكَتبُوا:﴿ إنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ مَوصولَةً، وكِلاهُمَا بمَعنَى الِاسْمِ. وَأحَبُّ إليَّ أنْ تُفرّقَ بَينَ الِاْسم والصِّلَة، بأنْ تَقطَعَ الِاسْمَ وتَصِلَ الصِّلَة».
تلكَ شَذرَة من شَذَرات البَيانِ الرَّسميّ في القُرآنِ، الّتي تَستوقفُ القَارئَ، ليَتدبَّر. وذلكَ منْ أَفضالِ القِراءَة نظراً في المصحَف. فإنَّ القراءَةَ غَيباً، لا تَكشفُ عن دَقائقِ الرَّسمِ القُرآنيّ، ولَطائفهِ في البَدَل، والحَذفِ والزّيادَة، والفَصْل والوَصْل، والقَبْض والبَسْط… ولذلكَ فضَّل العُلماءُ القراءَة في المصحَفِ، قالَ الإمامُ (النَّوَويّ) في (التّبيَان في آدَاب حَملَة القُرآن): «قِراءَةُ القُرآنِ منَ المصْحَف أَفْضَل منَ القِراءَةِ عنْ ظهْرِ القَلْب، لأنَّ النّظَر في المصحَفِ عِبادَةٌ مَطلُوبَةٌ، فتَجتَمِع القِراءَةُ والنّظَرُ».
المصدر
