وتكاد تجمع هذه المؤتمرات في توصية من توصياتها على أمر واحد هو الإعلام الذي أدرك كل المؤتمرون أهميته وأثره البالغ في الناس بما له من تعدد وسائل وقدرة فائقة على اقتحام حياة الناس وتوجهه إلى كل فئاته، ومن هنا دعت التوصيات بتوجيه الإعلام بما يعزز مكانة العربية ويدفع خطر العاميات واللغات الأجنبية؛ وترى هذه التوصيات متفاوتة بين ارتفاع سقف المطالبة وانخفاضه، فمنها ما جاء على نحو مبالغ به لا يراعي طبيعة الحياة ولا يراعي أن التغيير لا يمكن أن يكون على نحو مثاليّ؛ إذ من هذه المطالبات ما دعا الإعلام بأشكاله المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز إلى أن يستعمل العربية الفصيحة في كل ما يقدمه للناس من برامج ومسرحيات وأفلام وغيرها، وهذا أمر يعاند رغبات المتلقين، ويجعلهم يستقبلون ما يخالف حياتهم اليومية وما لا يعبر عنها كما هي.
وإن لم يكن من الحكمة ولا من المستطاع أن تحول لغة الإعلام كلها إلى العربية الفصيحة التي قد تضيق بها ذائقة العامة فإن تعرف ما يصلح لها والحرص على تجويدها فيه أجدى وأنفع، وما يصلح للفصيحة هو تلك البرامج الجادة من سياسية ودينية وإخبارية وثقافية وتقريرية، وأما الأفلام والمسلسلات والمسرحيات فلا بأس أن تعرض بلهجات عامية يتوخى فيها الوضوح والتوجه إلى أكبر جمهور ممكن فتبتعد عن الخصوصيات المحلية الضيقة، وليس من بأس بدبلجة أعمال أجنبية مختارة بلغة فصيحة معاصرة.
إن تكرار التوصية بالتزام الإعلام بالعربية ورعايتها في تلك المؤتمرات المتتابعة عبر السنوات يدل على أن تلك التوصيات تطوى بطي أعمال المؤتمر، وأنها لا تجد طريقها إلى التنفيذ لغياب السياسة اللغوية، وغياب المتابعة العملية المنفذة لتلك القرارات، ومن أخطر الأمور المتصلة بشأن العربية تنحيتها عن كونها لغة العمل في البلاد العربية وإهمال مطالبة العاملين من عرب وأجانب باستعمالها، وما لم يؤخذ هذا مأخذ الجد ستظل العربية لغة الشارع والمنزل ولن يحس أهمية إتقانها أحد؛ لأن هذا الإتقان ليس شرطًا من شروط العمل بخلاف اللغة الإنجليزية الممسكة بعصب العمل في البلاد العربية، وإلى أن تدرك هذه الأمة كون لغتها عماد هويتها ستستمر المؤتمرات تردد توصياتها ولسان الحال يقول: لقد أسمعت لو ناديت حيًّا.
