(لولا) و(لوما) تأصيلهما وخصائصهما (4) و (5) – لولا ولوما بين البساطة والتركيب – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي


(لولا) و(لوما) تأصيلهما وخصائصهما (4) و (5) – لولا ولوما بين البساطة والتركيب – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي



4 من 9/ بين (لولا ولوما):
يظهر من نصوص السالفين تفريقهم بين (لولا، ولوما) عند الكتابة عن الأدوات فيعقدون لكل واحدة بابًا غير باب الأخرى، وكأنهم يعدّونهما أداتين مختلفتين، وليستا أداةً واحدة.
وفي الوقت نفسه يعدّ النحاة (لوما) بمنزلة (لولا) في كلِّ ما يتعلق بها إلا بعضهم كالرُّمّانيّ والمالقيّ، فقد زعم المالقيُّ أنّها لم تأت إلا للتحضيض، وبذا أنكر ورودها امتناعية، ورُدّ عليه بقول الشاعر:
لَوْمَا الإصَاخةُ لِلوُشاةِ لَكانَ لِي = مِنْ بَعْدِ سُخْطِكَ في رِضاكَ رَجَاءُ(24)
على أنّ رأيَ النحاة الأغلب – كما قلنا – أنهما حرفان يقعان المواقع نفسها، وهذا ما أعتقدُه فيهما، ولكنه أمرٌ لا يُعنى به هذا البحث، وإنما سأُعْنَى هنا بعرض قضيّةٍ تتعلّقُ برؤيةِ أكثر النحاة لهاتين الأداتين على أنّهما أداتان مختلفتان الأولى مركبة من (لو) و(لا)، والثانية من (لو) و(ما)، وهذا مذهب سيبويه فيهما؛ فقد قال متحدثا عن (لا): “وقد تُغَيِّرُ الشيءَ عن حاله كما تفعل (ما)؛ وذلك قولك (لولا) صارت (لو) في معنًى آخرَ كما صارت حين قلت (لوما) تغيّرت ْكما تغيرت “حيثُ” بـ(ما) وإنّ بـ(ما)” إلخ..
وقال في موضع آخر “و(ما) في (لمّا) مغيرةٌ لها عن حال (لم) كما غيرت (لو) إذا قلت: (لوما) ونحوها”(25).
وكذا قال الرماني عن (لوما) أنها مركبة من (لو) و(ما)(26)، والفارسي يذهب هذا المذهب في كتاب الشعر(27).
على أنّه وإنْ كثر المعتقدون بأنهما حرفان مختلفان، فإنّ هذا لم يكن عائقا في أنْ يرى بعض النحاة رأيًا آخرَ في المسألة، فها هو أبو حيان يذكر أنّ من النحاة من ذهب إلى أنهما حرف واحد، وذلك عندما قال: “وقال بعضهم: الميمُ في لوما بدلٌ من اللام في لولا؛ ومثله: استولى على الشيء واستوما عليه، وخالَلْتُه وخالَمْتُه فهو خِلِّي وخِلْمِي أي: صديقي”(28).
وهذا الرأي لا بأس به، لأنّه قد يقع الإبدال بين اللام والميم كما ذكر أبو حيان، وكما في (أم) و(أل) المُعَرِّفَةِ، ولأنّه من الأَوْلى ألّا نعتقدَ أنَ العربيةَ تلجأُ إلى صُنْعِ أداتين متقاربتين لفظًا لأداء المعاني نفسِها دونَ أنْ يكون للتطوّر الصوتيّ أثرُه في ذلك، وبخاصةٍ أنّ الأمرَ في العربية متاحٌ للمؤثّرات المُغيّرةِ للأصوات بسبب من اتساعِ المكان وكثرةِ التنقُّل واختلافِ اللُّغات المحيطةِ بالجزيرة مما نتج عنه كثرةُ اللهجات، والاختلاف بينها في كثيرٍ منه اختلاف صوتيّ.
وإنّ وجود الأداتين (لولا، ولوما) في القرآن لا يدلّ على أنهما أداتان مختلفتان؛ ففي القرآن من لهجاتِ العرب ألفاظٌ وتراكيبُ وصيغٌ كثيرة، وأنّ ما يكون في لهجة باللام قد يكون في لهجة أخرى بالميم نتيجة الإبدال مثلا.
وللفراء عبارة قد يفهم منها أنه قد وقعَ على ما يدلّ على أنّ لولا ولوما أتتا من لهجتين مختلفتين وحلّتا في رحاب اللغة الأدبية جنبًا إلى جنب؛ تؤديان المعاني نفسَها، ولهما الخصائصُ والأحكام نفسُها، وذلك قولُه عند الآية {لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} الحجر 7: “(لولا) و(لوما) لُغتانِ في الخبر والاستفهام”(29) وقد تحتمل قولتُه هذه تفسيرًا آخرَ.
وفكرة أخرى في المسألة قد تخطر في ذهن الباحث عندما يرى أنّ (ما) و(لا) استخدما وسيلتين لتغيير معاني الكلمات وأحكامها وخصائصها أسماءً كانت أم أفعالًا أم حروفًا(30)، تلك الفكرة أنّ العربَ ربّما وضعت أحد المُغَيِّرَيْنِ مكان الآخر، فجاءت الكلمة مرة (لولا) ومرة أخرى (لوما)، ولا فرق؛ فالهدف من وجود (ما) و(لا) إنما هو الدلالة على التغيير؛ وكلاهما يصلح لذلك. إذًا فحلولُ أحدهما مكان الآخر لا ضيرَ منه مادام مسموعا عن العرب، ولا داعي أنّ نعدّ لولا ولوما كلمتين مختلفتين، أو نفترض الإبدالَ بين الميم واللام، وإنما هو من حلولِ مُغَيِّرٍ مكانَ آخرَ، والله أعلم.

5 من 9/ لولا ولوما بين البساطة والتركيب:
نقل المالقيُّ اتفاق البصرييّن والكوفيين على أنّ لولا مركبة من (لو) التي هي حرف امتناع لامتناع و(لا) النافية (31)، على أنّ الإرْبِلِيَّ نقل الخلافَ بين النحاة في هذه المسألة مما يوحي بعكس ما ذكره المالقيُّ فقال: “والجمهور حكموا ببساطة تلك الكلمات وبعضهم حكم بتركيبها فـ(لولا) من “لو” و”لا”، و(لوما) من “لو” و”ما” إلخ.. ما قال”32) وسيظهر لنا أنّ الإرْبِلِيَّ قد وهِمَ وأنّ الأمرَ عكس ما ذكر، فها هو ذا سيبويه يقول بتركيب لولا ولوما، فعند حديثه عن (لا) قال: “وقد تغيّر الشيء عن حاله كما تفعل (ما)، وذلك قولك (لولا) صارت (لو) في معنى آخر كما صارت حين قلت: (لوما) تغيّرت كما تغيّرت حيث بـ(ما) وإنّ بـ(ما)”(33) ويقول عن (لمّا): “و(ما) في (لمّا) مغيرة لها عن حال (لم) كما غيّرت (لو) إذا قلت (لوما) ونحوها، ألا ترى أنّك تقول: لمّا، ولا تتبعها شيئًا، ولا تقول ذلك في (لم)”(34)، وقال في باب “الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعلُ ولا تغيّرُ الفعلَ عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيءٌ منها” قال: “ومثل ذلك: هلّا، ولولا، وألّا، ألزموهن(لا)، وجعلوا كل واحدة من (لا) بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهن للفعل حيث دخل فيهن معنى التحضيض”(35).
وهذا الكلام صريح لا يحتمل التأويل فشيخ النحاة يرى تركيب لولا ولوما، ويلحظ أن سيبويه يرى أنّ التركيب قد جعل للحرف المركّب معنى غير ذلك المعنى الذي كان لكلٍّ من جزئي التركيب، وهي مسألة سنبحثها بعد قليل.
وإذا كان سيبويه قد قال بالتركيب في “لولا ولوما” فإن المبرّد يذهب المذهب نفسه في “لولا” قال في المقتضب(36): “ولولا إنما هي (لو) و(لا) جعلتا شيئا واحدًا”، وإلى ذلك أيضًا ذهب ابن السرّاج في لولا ولوما(37)، وعدّهما الفارسيّ(38) ضمن الحروف المركبة، وكذلك هو مذهب الرماني في كتابه معاني الحروف(39)، وقال ابن جني في سر صناعة الإعراب(40): “ألا ترى أنّ (لولا) مركبة من (لو) و(لا) “إلخ.. ما قال: “وذكر أبو حيان في البحر(41) أنّ الزمخشري قال: (لو) رُكِّبَتْ مع (لا) و(ما) لمعنيين، وأمّا (هل) فلم تركب إلا مع (لا) وحدها للتحضيض”، وذهب ابن الأنباري إلى القول بالتركيب في (لولا)(42).
فهؤلاء أعلام المذهب البصْريّ يذهبون إلى أنّ لولا ولوما مركبتان، ومن الكوفيين ثعلب الذي صرح في مجالسه(43) بتركيب (لولا) عندما قال: “أصل (لولا) أنّ (لو) للتمنّي و(لا) للجحد؛ فلما ضُمّتا صارتا كلمة واحدة ..إلخ”.
ولم أجد فيما بين يدي من مصادرَ أحدًا يقول ببساطة (لولا) و(لوما) إلا أبا حيان في البحر حيث قال: “والذي أختاره البساطةَ فيهما لا التركيب”(44)، وذلك تعقيبا على كلام الزمخشري الذي أوردناه آنِفًا، وقوله (أختاره) قد يشير إلى أنّه مسبوق، ولكنّي لم أجده لغيره.
وعندما ذكر الرضيّ رأيَ الكسائيّ في أنّ الاسمَ المرفوع بعد (لولا) الامتناعية فاعلٌ لفعل مقدّر قال الرضي: “وهو قريب من وجه، وذلك أنّ الظاهرَ منها أنها (لو) التي تفيد امتناع الأوّل لامتناع الثاني … دخلت على (لا) وكانت لازمة للفعل؛ لكونها حرفَ شرط فتبقى مع دخولها على ذلك الاقتضاء، ومعناها مع (لا) أيضًا باقٍ على ما كان كما تبقى مع غير (لا) من حروف النفي؛ فمعنى لولا عليّ لهلك عمر: لو لم يوجد علي لهلك عمر … فمن ثَمَّ كان (لولا) مفيدةً ثبوتَ الأوّل وانتفاء الثاني كإفادة لو في قولك: لو لم تأتني شتمتك”، ثم قال: “لكن منَعَ البصريين من هذا التقدير وحملهم على أن قالوا (لولا) كلمةٌ بنفسها، وليست (لو) الداخلة على (لا)؛ لأن الفعل بعد (لو) إذا أضمر وجوبا فلا بُدّ من الإتيان بمفسر إلخ… ما قال(45).
فقوله: “وحملهم على أن قالوا (لولا) كلمة بنفسها، وليست لو الداخلة على (لا)” لا يعني أنّه ينسب إلى البصريين القول ببساطة (لولا) بل إنّ القصد أنّ (لولا) بعد تركبها لا تنطبق عليها أحكام (لو) ولا تكون على معانيها بل إنّه حدث لها بالتركيب أحكامٌ ومعانٍ جديدة وهذا ما سنبينه بعد – فمقصوده أنّ (لولا) كلمة جديدة غير (لو) الداخلة على (لا) بمعنى (لو لم).
وهكذا فإنّ مَن قال ببساطة لولا لم يكن إلا واحدًا فيما طالعناه من مصادر، وهذا يشير بوضوح إلى الوهم الذي وقع فيه الإرْبِلِيُّ حين نسب إلى الجمهور القول ببساطة لولا ولوما وإلى بعضهم القول بالتركيب لأنّ الأمر على عكس ما ذكر(46).


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *