منع استخدام اللغة العربية
(حكمة الشرق وعلومه لتومر)
“كان آخر معاقل المسلمين المستقلة (غرناطة)، قد سقطت في أيدي الصليبيين في العام ١٤٩٢م، وكانت إسبانيا لا تزال مملوءة بالموريسكيين -كما كان يطلق على المسلمين الإسبان- لا في غرناطة وحدها بل في أجزاء أخرى من شبه جزيرة أيبيريا ولوقت طويل نسبيا فيما بعد، بيد أن القرون التي تلت بعد ذلك والتي شهدت حروبا طاحنة بين الدول المسيحية والإسلامية، خلفت وراءها ميراثا من الكراهية والريبة ما لبث أن أدى إلى اتباع سياسة الإبادة والإقصاء ليس فيما يتعلق بدين الإسلام فقط بل فيما يتصل بجميع مظاهر الثقافة الإسلامية بما في ذلك اللغة العربية نفسها.
وفي أوائل العام ١٤٩٩م رحنا نسمع عن حرق خمسة آلاف مخطوطة عربية في الميدان العام في غرناطة بأوامر من خيمينيث دي ثيسنيروس كبير أساقفة طليطلة. وفي العام ١٥٦٧م صدر مرسوم من الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا، يعيد فيه -ويفرض- أمرا ساميا سابقا كان قد أصدره ولم يخرج إلى حيز التنفيذ، يقضي بمنع المسلمين في غرناطة من ارتداء ملابسهم المعتادة التي يلبسونها، والتخلي عن بعض عاداتهم التي كانوا يمارسونها، ومن أهمها استخدام العربية في الحديث مع الناس في أي مكان، مما أدى إلى اندلاع ثورة كبيرة أطلق شرارتها السكان الذين كانوا يتحدثون العربية ولا يعرفون غيرها في مدينة غرناطة. وفي أثناء هذه الثورة ارتكبت قوات الحرس الملكي مجازر بشعة ضد أولئك السكان؛ فتعززت فيها مشاعر الكراهية، وقوي فيها التعصب الديني. وكان الحدث الأخير الحزين وهو طرد جميع الموريسكيين في العام ١٦٠٩م، اقتداء بالملك فرديناند والملكة إيزابلا حين قاما بطرد اليهود في العام ١٤٩٢”، ٤٣.
“عندما حسم النشاط التبشيري بإجبار المسلمين على اعتناق المسيحية أو النفي خارج البلاد، لم تعد الاستخدامات العملية للغة العربية التي كانت تشجع على دراسة العربية في إسبانيا الوسيطة، موجودة. لقد منع الإسبان قراءة القرآن أو حتى أي كتاب آخر مكتوب باللغة العربية، ومنعوا استخدام اللغة العربية ليس في المكاتبات الرسمية فقط ولكن بأي صورة من الصور. بقي استثناء وحيد وهو استخدام النصوص العربية في مجال الطب الذي كان يتطلب الإلمام بالعربية. الكتاب الوحيد الذي أنقذه المطران خيمينيث من المحرقة كان كتابا في مجال الطب، قد أهداه لمكتبة ألكالا”، ٤٤.
