عالم الجموع(2)
نسمع كل حين جموعًا قد لا نلاحظ مفرداتها ولا نتكلف البحث عنها نظرًا لاستعمالها مجموعةً بصفة غالبة، فهي مما غلب جمعها مفردها، حتى إن المعجمات قد تسكت عنها إما لعدم شهرتها، وإما لموت استعمالها، وقد تذكرها المعاجم وترد في الاستعمال الفصيح قرآنًا وسنةً وشعرًا ونثرًا ولكن يُميتها الاستعمال المعاصر،ومن تلك الجموع:
(النُّهَى)
جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى )) وقد وردت في القرآن مرتين كلتاهما في سورة طه.
وَفِي الحديثِ: (ليَلِيَنِّي مِنْكُم أُولو الأَحْلامِ والنُّهىَ) وهِيَ العُقُولُ والألْبابُ.
لكن هل كلمة (نُهى) مفرد أو جمعٌ، وإن كانت جمعًا فما مفردها؟
أقول وبالله التوفيق: إن جمهرة المعاجم على أن (النُّهَى) جمعٌ ومفرده: نُهْيَة.
قال الجوهري في الصحاح 2518/6: ((والنُهْيَةُ بالضم: واحدة النُّهَى، وهي العُقول، لأنها تَنْهى عن القبيح)).
وقال ابن فارس في المقاييس359/5: ((وَالنُّهْيَةُ: الْعَقْلُ، لِأَنَّهُ يَنْهَى عَنْ قَبِيحِ الْفِعْلِ وَالْجَمْعُ نُهًى)).
وتبعهما على هذا كل المعاجم تقريبًا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ «لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَة» أَيْ ذُو عَقل.
قال القاضي عياض في مشارق الأنوار30/2: ((وَقَوله: ((التقى ذُو نُهْيَةٍ)) بِضَم النُّون وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء بِاثْنَتَيْنِ تحتهَا كَذَا الرِّوَايَة وَهِي صَحِيحَة، وَيُقَال بِفَتْح النُّون أَيْضا وَهُوَ الْعقل وَجمعه نُهًى لِأَنَّهُ ينْهَى صَاحبه عَن القبائح والمعائب)).
ويُرجع ابن سيده القول بأن (النُّهى) جمع (نُهَى) إلى اللحياني قائلًا في المحكم385/4: ((والنُّهْيَةُ: الْعقل، وَمن هُنَا اخْتَار بَعضهم أَن يكون النُّهَي جمعا، وَقد صرح اللحياني بِأَن النُّهَى جمع نُهْيَةٍ، فأغنى عَن التَّأْوِيل)).
لكنه يحكي أيضًا قولًا بأن (النُّهَى) يكون جمعًا ويكون مفردًا أيضًا، قال: ((والنُّهَى: الْعقل، يكون وَاحِدًا وجمعا، وَفِي التَّنْزِيل: (إنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لأُولي النُّهَى) .)).
وبناء على المحكي عن جمهرة اللغويين فإن (النُّهَى) جمعٌ مفرده (نُهْيَةٌ) بمعنى العقل.