مِقْياسُ المقاييس :
1ــ معاني مادة ( الأَمْرِ ) ، واشتقاقها :
قال أبو عبدالرحمن : سأتقصَّى هذه المادةَ إن شاء الله تِباعاً ؛ لتكون منهجاً يُحتذَى عند مَن يريد ردَّ أشتات معاني المفردة إلى معنى واحدٍ جامع يدل عليه اللفظُ دلالةَ مُطابَقة ؛ وذلك بالاستقراء العلمي ، واللَّمَّاحِيَّة الفكرية وهو المعنى الوضعي الأولي الحقيقي الأصلي ، وما سواه من المعاني مجاز : إما بالتضمُّن ، وإما باللزوم ، وإما بالشبهية ، وإما بالانتقال من الوصف إلى الاسم .. إلخ ؛ وذلك هو المجاز اللغوي في معاني المفردة ، وهو غير المجاز الأدبي في الكلام الـمُرَكَّب ، وهو الاشتقاق الكبير ، ولا اشتقاقَ غيرُه ؛ وأما قولهم : ( ضاربٌ مشتق من ضَرَب ، أو الفعل مشتقٌّ من المصدر .. إلخ ) : فذلك وَهْمٌ ، بل هو تحويل المادة من صيغة إلى صيغة يريد مُحَوِّلُها معناها مثل تحويل ما جاء على وزن ( فاعِل ) إلى صيغة ( فَعَّالٍ ) وفق المقاييس الصرفية المستقرأة من لغة العرب .. والصِّيغ مُحْصاة بالاستقراء ، ولكل صيغة معناها الوضعي ومعانيها المجازية .. وَلَمُّ أشتاتِ معاني المادة ، وَحِذْقُ العلاقاتِ والفوارق بينها يمنح بعون الله سعةً في اللغة ، وسرعةَ استحضارٍ لها .. وإن حصل نشاط تابعتُ البحث إن شاء الله في موادَّ أخرى .
قال أبو عبدالرحمن : للأمْر ــ بسكون الميم ــ معنيان : الأول اسم الصيغة الطلبية التي يُراد بها فِعلُ شيئ ما من مأمورٍ معيَّن ، والثاني اسمٌ لكل شأن من الشؤون ، وقد اختلفوا في جمع الأمر بهذين المعنيين كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
والصِّيغُ الطلبيةُ كثيرة مُحصاة في كُتب النحو مثل : قُمْ ، واقعد ، وتأمَّل ، واعترف ، وَلْيَقُلْ .. وعُنِيَ اللُّغويون بصيغٍ غريبة حُمِلَتْ على الطلب مثل إِيْهٍ وخاءٍ بِك ــ أي اِعْجَلْ علينا ــ ، وحَيَّهلْ () من جهة اشتقاق معانيها ، وكيفيةِ دلالتها على الطَّلب .. ولن أخوض في إحصاء صيغ الطلب ، ولا في معنى الطلب : هل هو الوجوب ، أو الاستحباب ، أو التعجيز .. إلخ ؟ .. ولا في معاني الصيغ الغريبة التي عُني بها اللغويون كالأمثلة التي مرت ؛ لأن كل هذا خارج عن الموضوع الذي هو دلالة ( الأَمْر ) على أنه اسم لكل صيغة دالَّةٍ على طلب فِعل شيئ ما من مطلوبٍ منه مُعَيَّن ؛ فهذا هو المقصود وحسب.
ومن اللُّغويِّين مَن يُعَرِّفُ الأمر بأنه نقيض النهي ، ومنهم مَن يُعَرِّفه بأنه ضد النهي .. وهذا غير محمود في التعريف بمعاني اللغة التي هي للدلالة العامة إلا في إحدى حالتين : إحداهما أن يكون النقيض أو الضد زيادة إيضاح بعد تعريفك النقيض أو الضد ؛ فتقول : ( الأمر اسمُ صيغة تدل على طلب فعلٍ ما من مطلوب معيَّن ، وهو نقيض النهي الذي هو اسم صيغة تدل على طلب ترك فعلِ شيئ ما ).. وما دام الأمر طلباً من مطلوب منه ، وأنه طلب فعل : فلا احتمال لقسم ثالث بمعنى الطلب ههنا إلا طلب الترك ، وأُخراهما أن تُوجَدَ جهةُ قسمةٍ جامعة كما في مصطلحات العلوم كعلم البلاغة ؛ فتقول : ( الكلام إما خبر ، وإما إنشاء.. ومن الإنشاء الأمر ، وهو ضد النهي ) .. وههنا يتعيَّن الضِّد لا النقيض ؛ لأن النقيض واحد مُتَعَيِّن ، ولا ثالث للنقيضين إلا العدم ، والأضداد كثيرة ، ولكنها محصورة في جامع القسمة ، وهو الإنشاء ههنا ، وهو أنواع كثيرة مُتَصَوَّرة بتعريف البلاغي لها ؛ فَتَعْلَمُ من تعيين النهي بالضدية ( مع أن الأضداد كثيرة ) أنهما نقيضان في جهةِ قسمةٍ أخصَّ ؛ وحينئذٍ تقول : ( الإنشاء طلب وغير طلب ، والإنشاء الطلبي : إما أن يكون طلب شيئ مُعَيَّن من مطلوب معين ، وهو الأمر ونقيضه النهي .. وإما أن يكون طلباً بغير صيغة الأمر والنهي كالتمني والاستفهام ( ) ، وضد ذلك الأمر والنهي ؛ فهما ضدان لا نقيضان ؛ لأن القسمة الجامعة مُطْلق الطلب .. وأما كون الأمر الذي هو اسمٌ صيغةُ طلبِ فعلٍ ما قد يكون لمعنى آخر غير طلب الفعل كالتعجيز ؛ فذلك من دلالات تركيب الكلام لغة ونحواً ، وليس هذا شأن اللغوي ؛ وإنما شأنه بيانُ معاني المفردات ؛ فإذا قال اللغوي ( الأمر اسم صيغةُ طلبِ فعل ما من مطلوب معيَّن ) : فقد صح تعريفه ، ولم ينخرم بكون الأمر يأتي تعجيزاً ؛ لأن التعجيز جاء بصيغةِ طلبٍ اسمُها في اللغة أمر ، وخروجها عن طلب الفعل إلى إظهار العجز يؤخذ من علوم الدلالة عندما تكون المفردات مركَّبة في جملة مفيدة ؛ ولهذا كانت متون اللغة علماً نقلياً بحتاً ، وعلوم تركيب الكلام نحواً وبلاغة علماً نقلياً وعقلياً معاً ؛ فلتركيب الكلام نحواً وبلاغة قوانين نقلية مستقرأة من كلام العرب ، ولمآل الكلام المركَّب ( دلالة الجملة أو الجُمَلِ ) قوانينُ عقلية وحسية ؛ وإنما يهتمُّ اللُّغوي بعلم الدلالة من الكلام المركَّب حينما يجد معنى منسوباً إلى المفردة وليس هو من المعنى الجامع لمعاني المفردة بوجهٍ من الوجوه ؛ وإنما هو مبني على شاهدِ من كلام العرب أُسِيئَ فَهْمُه ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، وأكتفي ههنا بمثال واحد ؛ لأن المثال شارح لا حاصر ؛ وذلك هو قول البَعيث : ( لها في أقاصي الأرض شَأْوٌ ومَنْجَمُ ) ، وقول ابن لجإٍ :
فصبَّحتُ والشمسُ لـمَّـا تُنْعِم **** أن تَبْلُغَ الجُدَّة فوقَ الـمَنجمِ
فقد فَسَّر جُمَّاع اللغة المنْجَم بمعنى ( الطريق الواضح )( ) ، بناء على هذين الشاهدين ، وهذا سوءُ فهم للشاهِدين من جهتين : أولاهما أن وضوحَ الطريق ليس من معاني (نجم) ، بل النجم واضح في نفسه ، غير كاشف للطريق ولا مُوَضِّح له ؛ فيكون بالمطاوَعَة واضحاً ، بل يُهْتَدَى بالنجم إلى سَمْت الاتجاه شرقاً وغرباً إلى آخره .. وليس في المشاهَدة أن طريقاً ما تجتمع النجوم فوقه فيكون مَنْجماً ، ولو اتَّضح الطريق بالنجم لكان مُنَجَّماً لا مَنجَماً .. والله سبحانه جعل الشمس ضياءً ، والقمر نوراً ، والنجمَ هادياً في الأفق غيرَ مزيلٍ الظلمة على سطح البر والبحر .. قال تعالى : (( هُوَ الذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالقَمَرَ نُورًا )) سورة يونس/5 ] ، وقال تعالى : (( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ))[ سورة الأنعام/97 ] ؛ فحصلت الهداية وبقيت الظلمة تحت النجوم .. وأخراهما أن سياق الكلام في الشاهِدين عن البُعْدِ لا عن الوضوح ، والوضوح في بيت ابن لجإ آتٍ من ( الجُدَّة ) لا من ( الـمَنْجَم ) ؛ وبيان ذلك أنه أخذ من بُعْد النجم في العُلُوِّ معنى البُعد سواء أكان أُفُقيّْـاً كما في الشاهِدين ، أم كان رأسياً كقولهم عن الطير الجارح إذا ارتفع فوق الحُبارَى كثيراً ثم أهوى عليها وأخذ منها ريشاً مرتين أو ثلاثاً ، ثم ارتفع بعيداً وأهوى عليها فقتلها بخنق أو قصٍّ : ( الطير يُنَجِّم ) أي يرتفع كأنه يريد بلوغ النَّجم .. وَأُخذ من النجم معنى البُعْد في الغور ؛ فتوصف الأرض الغائرة بالمنجم كأن الأرض حُفِرَتْ بشهاب هَوَى من السماء محاذياً النجمَ أو من النجم نفسه حسب اعتقاد العرب ، ومِن اللغة ما يُبْنى على اعتقاد العرب ....
(( يتابع ))