العلاقة التاريخية بين اللغتين العربية والتركية
أ. ليث حسين التركماني
لا بُدَّ من الإشارةِ إلى التاريخِ ؛ لأنه هو السجل الذي يحوي في صفحاتِهِ على الأحداثِ التي وقعت بينَ الأمم والشعوب والقبائل المختلفة من حيث العلم والثقافة ، وكذلك العرق واللون والشكل والهيئة ، كل هذه الصفات تكون حاضرة حين التعارف والتعايش ضمن البيئة الواحدة .
رُبَّما يكون هنالك صلة غير قوية بينَ الأمتين العربية والتركية قبل الإسلام إلَّا أنَّها لا ترقى إلى المستوى الاجتماعي ، إذ حدث هذه العلاقة فيما بعد أي حين ظُهور الدين الإسلامي ، وانتشارها في الأراضِي العربية ومن ثم انطلقت نحو بلاد الفُرس وكذلك بلاد الترك ، آنذاك دخلت كثير من القبائل التركية إلى الإسلام وأطلق على الذين (( آمَنَ منهم مِئَتا ألْفٍ في شهرٍ واحدٍ، فقالوا : تُرْكُ إيمانٍ، ثم خُفِّفَ فقيلَ تُرْكُمان )) (1) هذا دليل واضح على أنَّ الأمة التركية عندما اعتنقت الدين الإسلامي ، كانت الإيمان بالإسلام ديناً نابعة من قلوبِ شعوبها .
يعد الدين الإسلامي هو المحور الأساسي في العلاقاتِ اللغوية بينَ اللغة العربية واللغة التركية ؛ لأنَّ الإسلام كان السبب الرئيسي لجذب الأتراك نحو بلاد العربية وتحديداً منطقة شرق الأوسط ؛ وبذلك أصبحت التعارف الإنساني الأخوي حتمياً بعد الهجرات المتفاوتة للأتراك .
تأسيس دول إسلامية كثيرة بعد الفتوحات الإسلامية منها عربية وتركية ، العربية مثل الدولة الأموية (662- 750م ) والدولة العباسية ( 750 - 1258م ) كانت تعيش في هاتين الدولتين أمم من غير العرب كالفرس والترك والكرد وغير ذلك ، من خلال الخلط العرقي بينَ الشعوب المختلفة نتجت ظاهرة التأثير والتأثر في اللغة والأدب والثقافة .
أمَّا الدول التركية الإسلامية ؛ فكثيرةٌ أولها :-
1- الدولة الطولونية التي أسسها أحمد بن طولون (868 – 905م) حكمت مصر وبلاد الشام .
2- والدولة الإخشيدية مؤسسها محمد بن طغج ( 935 – 968م ) التي حكمت مصر وبلاد الشام والحجاز .
3- والدولة السلجوقية مؤسسها طغرلبك ( 1037 – 1194م ) إذ حكمت العراق والجزيرة العربية .
4- والدولة الزنكية التي أسسها عماد الدين الزنكي (1127 – 1250م ) حيث حكمت شمال العراق بلاد الشام
ودولة الخروف الأسود ( 1407 – 1468م ) التي حكمت العراق . 5-
6- ودولة الخروف الأبيض ( 1378 – 1508م ) التي حكمت العراق .
7- دولة المماليك ( 1250 – 1517 م ) حكمت مصر وبلاد الشام والحجاز .
8- وآخرها الدولة العثمانية التي أسسها عثمان بن أرطغرل ( 1299 – 1923م ) حيث حكمت أغلب البلاد العربية .
من خلال هذا السرد التاريخي تبين لنا مدى العلاقة الوثيقة بين اللغتين العربية والتركية ؛ فالعربية هي لغة الدين التي كانت لها التأثير الأكبر على التركية في ظل الدول العربية ، وكذلك يستمر ديمومتها في الدول التركية الإسلامية ، إن دلَّ ذلك إنَّما يدل على أنَّ اللغة العربية كانت تُدَّرس في المدارسِ ، وفي العهد السلجوقي كانت العربية هي لغة العلم والثقافة والدين والتركية لغة الجيش والفارسية لغة الدولة ، وكذا كانت الفترة العثمانية إذ تُعلَّم وتُدَّرس اللغة العربية في مدارسها أثناء هذا الامتزاج اللغوي والأدبي والثقافي ، نتجت ظاهرة التأثير والتأثر بين اللغة العربية اللغة التركية ، ألا وهو كالتالي :-و
1- كتابة اللغة التركية بالحروف العربية ، إذ صُنفَّت أول معجم تركي من قبل اللغوي والمؤرخ التركي الكبير محمود بن الحسين بن محمد الكاشغري ( 1005 – 1102م ) الذي ألف كتاب ديوان لغات الترك في ثلاثة مُجلدات .
2- إذ انتقلت الكثير من الألفاظ العربية إلى التركية ، على سبيل المثال في اللغة التركية الحديثة
.( haram , nüfus , ihtiyaç , zalim , helal )
3- كذلك انتقلت بعض الألفاظ التركية إلى العربية مثل ( بصمة ، بلطه ، بُقچه ، قاط ، قوطيه ، قاورمه ، قُندره ، قُندرچي ) (2) .
---------------
(1) القاموس المحيط ، الفيروزآبادى ، ص154 .
(2) اُنظر: الألفاظ التركية في العامية العراقية (مقال) ، ليث حسين التركماني ، صحيفة اللغة العربية ، دبي - الأمارات العربية المتحدة ، 2016م .