• الدخول | التسجيل

بحث

تسجيل جديد

عفواً ، التسجيل مغلق الآن يرجى المحاولة في وقت لآحق .

دخول الأعضاء

اسم المستخدم

كلمة المرور

فقدت كلمة المرور

الرجاء إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني. سيتم إرسال رابط إلى بريدك الإلكتروني تستطيع من خلاله إنشاء كلمة مرور جديدة.

    |   أبريل 24, 2015 , 18:16 م
> مقالات > الكتابةُ ، بين الكاتب والقارئ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
أبريل 24, 2015   6:16 م

الكتابةُ ، بين الكاتب والقارئ – أ.د. عبدالرحمن بودرع

+ = -
0 6191

ذكَرَ أولو العِلْمِ بفنِّ الكتابَةِ أنّ مَنْ كَتبَ كتاباً فلا يكتُبه إلاّ وهو يَفْتَرِضُ أَنَّ النَّاس كلَّهم له أعداء، وكلّهم عالمٌ بالأمور، وكلّهم متفرِّغ للكاتِبِ، فلا يَرْضَيَنَّ بِكتابِه غُفْلاً، ولا برأيِه عَفْوِيّاً، لأنَّ لابتداءِ الكتابِ فتنةً وعُجْباً، فإذا سَكَنَت طبيعةُ نَفْسِه وذَهَبَ من العُجْبِ ما بِه، وعادَتِ النفسُ وافرةً، أعادَ النَّظرَ في كِتابِه، وتَوَقَّفَ عندَ فُصولِه تَوقُّفَ مَن يَكونُ وَزنُ طَمَعِه في السّلامةِ أنقَصَ من وزْنِ خَوفِه مِنَ العَيبِ، فَلا يَغُرَنَّ قَوماً خلْوَةُ الحَديثِ حَتّى لا يَلِجَ بِهِم في العِيِّ والإكْثارِ، ففي الإكْثارِ عِثارٌ، ولا يَخْلَونَّ كاتِبٌ بعِلْمِه عندَ فَقْدِ خُصومِه[1].

فَلا عُذْرَ لَك أيُّها الكاتِبُ إنْ كَتَبْتَ كتابك وقَدْ غابَ عَنْكَ قارئُك الذي هُوَ خَصمُكَ، فَلا تَسْتَريحَنَّ مِنْ شَغَبِ خَصْمِكَ وتَصفُّحِ ناقِدِكَ. ثُمّ إنَّكَ أيُّها الكاتبُ المُنْشِئُ، عَقْلُكَ شَجِيٌّ مَشْغولٌ، فلا تَنْسَيَنَّ أنَّ عَقْلَ القارئِ المُتَصفِّحِ خَلِيٌّ فارغٌ مُتفرِّغٌ، رَقيبٌ مُترصِّدٌ. هذا، وقَدْ أعْذرَ مَن أنذرَ ، وأنصَفَ مَن حَذَّرَ، و ما قصَّرَ مَن بَصَّرَ.

فأنتَ أيُّها الكاتبُ مُكْرَهٌ على مُراعاةِ قارِئكَ، مُبْتَلىً بمُتابعَتِه، ولا حَقَّ لَكَ في مُجاوَزَتِه، وها أنتَ –استجابةً له ونزولاً عند مَطالبِ نقْده- تعزمُ على إنشاءِ كتابِكَ نشأةً بعدَ أخْرى ومراجعةً تلو أخرى، وسَبْكِه ثانيةً بَعْدَ أُولى، والعنايَةِ بتهذيبِه وتَشذيبِه، من غيْرِ أن يَدّعِيَ أنّه أوْفى المَطْلوبَ حَقوقَه وشَرائطَه.

ولكن، أليسَ هؤلاءِ يفقَهونَ فنَّ الكتابَة، وفضلَ الكتابَة، وقَواعدَ الكتابَةِ، وشُروطَها وآدابَها؟ أجَلْ، كلّ النّاسِ يعلَمُ أنّه لولا الكُتبُ المدوَّنَةُ والأخبارُ المخلَّدةُ، والحِكمُ المخطوطةُ، لبَطَلَ أكثرُ العلمِ، ولغلَبَ النِّسيانُ الذِّكْرَ، ولَمَا كانَ للناسِ مَفزعٌ إلى مَوضعِ اسْتذكارٍ، ولحُرِموا أكثرَ المَنافع؛ ولكنّهُم يَنبَغي أن يَعْلَموا قَبْلَ ذلِكَ أنْ ليسَت العِبرَةُ بكثرَةِ المَكتوباتِ والمَقْروءاتِ، وإنّما العِبرةُ بوَظيفتِها ومَقاصدِها، وأنْ يَعْلَموا أنّ الكتابَةَ عَهدٌ وعَقدٌ بين الكاتبِ والقارئِ، فلولاها لبَطَلت العُهودُ والشروطُ، فينبغي أن يُخْلِصُوا فيما ائْـتُـمِنوا عَليْه، وأن يُجِلّوا الكتابَةَ ويُعْظِموا قَدرَها وخَطَرَها، وأنّ أشرفَ الكَلامِ وأَعظمَه مِن القُلوب مَوْقعاً ما دَلّ بعضُه على كُلّه، وكَفى قليلُه عن كَثيره، فرُبّ إشارة أبلغُ من لَفظ، وكنايةٍ مِن حَقيقةٍ، إذا سَدَّتْ مَسدَّ الكلام، وذلِكَ لقِلَّةِ مَؤونَتِها وخِفّة مَحْمَلِها. فَما أحبَّ التخْفيفَ والحَذْفَ إلى النّفسِ، وماأكرَه إليْها التثْقيلَ والتَّطويلَ، ولو اقتصدَ النّاسُ في الكَلامِ اقتصادَهُم في العَيش وتدبيرِ الأمورِ، لقالَ الكُتّابُ ما قلّ ودلَّ، ولَما سُوِّدَتْ صَحائفُ إلاّ في مَنفعةٍ وخَيْرٍ، ولَخَرَجوا بالاقْتصادِ في الكَلامِ مِنْ دائِرَةِ الكَلامِ والعِبارةِ اللُّغَوِيَّةِ إلى دائِرةِ الفِعْلِ والسُّلوكِ، لِيَصيرَ الإيجازُ مَنْهَجَ حَياةٍ وأسْلوباً في الفِكْرِ والفِعْلِ؛ وانْتِقالاً بالأمّةِ مِنْ حالَةِ الفَوْضى في المَنْهَجِ إلى حالَةِ النِّظامِ والتَّوازُنِ، ومِنْ طَريقِ الإسْرافِ والتَّبْذيرِ إلى طَريقِ الوَسَطِيّةِ والقَصْدِ والاعْتِدالِ[2]

ذلِكَ هو الكتابُ، وذلِكَ أثرُه في تغييرِ أحْوالِ الإنسانِ والعالَم من حَوْلِه، ولقَد عَرفَ العُلماءُ منذُ القَديمِ قيمةَ الكتاب وخَطَرَه، فرَحلوا إلى طَلَبِ العلمِ والْتَمَسوا كُلَّ طَريقٍ يبلغُ بهِم الغايةَ، رَحَلَ أهلُ المغْرِب والأندَلُسِ إلى القَيْـرَوانِ ومِصرَ والشّامِ والحجازِ فَلَقُوا العُلَماءَ وأخذوا عنهم ورَووْا وأجِيزُوا لحمل العلمِ والرّوايَةِ عنهُم، وصنّفوا الفَهارِسَ والبَرامجَ.

لقَد كانَ دونَ الحُصولِ على الكِتَابِ خَرطُ القَتادِ، تُشدُّ إليه الرِّحالُ وتُضربُ أكبادُ الإبِل، أمّا اليومَ فقَد وصلَت الكُتبُ من كُلّ أقطارِ الدّنيا، تَأتيكَ بين يَديْكَ سَعْياً، بَل أصبحَ الكتابُ يَقْتَحِمُ كُلَّ البُيوتِ فيُعْرَضُ عليْك مُصَوّراً على شاشاتِ الحَواسيبِ تُحمِّلُه من الشّبكةِ ثُمّ تُقلِّبُ صَفحاتِه كَما َتَشاءُ، من غيرِ أن تَبذلُ في الحُصولِ عليه جُهداً أو مالاً، وكأنّه يَقولُ بلسانِ حالِه: هذا الكتابُ، فأيْنَ القارئُ ؟

هل الكتابَةُ فعلٌ تفاعليّ ؟
يُقالُ إنّ الكتابةَ فعلٌ تَفاعليّ يقتضي من الكاتب أن يغوصَ في واقع المجتمَع ويُشارِكَه همومَه. والحقيقةُ أنّ في هذا الكلامِ وجهَيْن اثنيْن يَبدُوانِ مُتعارضَيْن:
* أولُهما الانسِلاكُ في لُجّة المجتمَع ومشكلاتِه وظواهِرِه للوُقوف على حَقائق الأشياء وطَبائع الناسِ وأشكالِ المعاناة
* أمّا الوجه الآخَرُ المخالفُ فهو أنّ الكاتبَ لا يكتبُ حينَ يكتبُ إلاّ وهو خارجَ الذّات الموصوفَة، فإن لمْ يخرجْ من خِضمِّ تلكَ الظواهر وظلَّ منشغلاً بها وبمتغيّراتها فإنّه لَن يَستطيعَ أن يتأمّلَها إلاّ بعد الخُروج منها والعلوّ عليْها والتّفكيرِ فيها
من بعيدٍ، فيُجرّد منها أفكاراً ومَفاهيمَ تُتَّخذُ مَوضوعَ تأمّلٍ يَنوبُ عن ظواهر المجتمع في قاعدتِها المادّيّةِ الملموسَة.
فإنّ للأفكارِ طبائعَ تفرضُ على الكاتبِ هيئاتٍ وأحوالَ نفسٍ حتّى تَنْقادَ له وتُسْلمَ نفسَها ليتأمّلها ويُقلّبَ فيها النّظرَ التأمّليَّ، وهذا شرطٌ من شروطِ الكتابةِ: الدّخولُ في نَسَقِ الجسمِ الاجتماعيّ الموصوفِ لاستيعاب ظواهرِه، ثمّ الخُروجُ
منه وانتزاعُ مفاهيمَ وصورٍ ذهنيّةٍ منه للتمكُّن من رؤيته ووصفه وتفْسيرِه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- يُنظَرُ في شأنِ هذه المَعاني: كتاب الحَيوان للجاحِظ، ورَسائل الجاحِظ، ومُعْجَم الأدَباء: تَرْجَمَة الجاحِظ.

2- هذا المَعْنى مُستمَدٌّ من الحَديثِ الذي رَواه أَبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلّمَ: «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيه» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ. وهو حديثٌ مَعدودٌ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛
لأنّه يَشملُ الأقْوالَ؛ لأنّ مَنْ عَدّ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إلاّ فيما يَعْنِيه [يُنسَبُ إلى إبراهيمَ عليْه السّلامُ في صُحُفه، ويُنسَبُ إلى الإمامِ مالك، ويُنسَبُ أيضاً إلى الخَليفَة عُمَرَ بنِ عبد العَزيز]. ويشملُ الأفْعَالَ فَيدخلُ فيه تَرْكُ التَّوَسُّعِ
فِي الدُّنْيَا وطَلَبِ المناصِبِ والرّياسَةِ وَحُبِّ المحمَدَةِ والثّناءِ وغَيْرِ ذلِكَ مِمّا لا يَحتاجُ إليهِ المرْءُ في إصْلاحِ دينِهِ وكِفايَتهِ مِنْ دُنْياهُ.
هذا وقد سُمّيَ عملُ القلب عملاً، لقولِه تعالى: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ»، «الذينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلوبُهُمْ» ولقولِه صلّى الله عليه وسلم: «ألا إنّ في الجسد مُضغةً، إذا صَلَحت صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فسَدَ الجسدُ كلُّه،
ألا وهي القلبُ». نَسبَ الصّلاحَ والفسادَ إلى القلب، فدلَّ على أن للقلبِ أعمالاً، وهي ما انعَقَدَ عليْه من نيّةٍ وعزمٍ وقصدٍ.

الكتابةُ ، بين الكاتب والقارئ – أ.د. عبدالرحمن بودرع

مقالات

وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/10554.html

المحتوى السابق المحتوى التالي
الكتابةُ ، بين الكاتب والقارئ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
" التفسير اللغوي لأسماء مكة المكرمة " محاضرة لـ أ.د. رياض الخوام بمقر المجمع
الكتابةُ ، بين الكاتب والقارئ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
مشاركة نائب رئيس المجمع أ.د. عبد الرحمن بودرع في مؤتمر اللغة العربية والدراسات البينية بمركز اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض

للمشاركة والمتابعة

محتويات مشابهة

فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
فائدةٌ في نحو النّصّ وتحليل الخطاب – أ.د. عبدالرحمن بودرع
البَلاغَةُ المُدَّعَاةُ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
البَلاغَةُ المُدَّعَاةُ – أ.د. عبدالرحمن بودرع
ويَبْقَى الأثَرُ بعد ذَهابِ العَيْن – أ.د. عبدالرحمن بودرع
ويَبْقَى الأثَرُ بعد ذَهابِ العَيْن – أ.د. عبدالرحمن بودرع
الفتوى (1375): “وَلِيٌّ” بَيْنَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ
الفتوى (1375): “وَلِيٌّ” بَيْنَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ
  • التعليقات
  • تعليقات الفيس بوك

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Copyright © 2026 www.m-a-arabia.com All Rights Reserved.

Powered by Tarana Press Version 3.3.1
برمجة وتصميم ترانا لتقنية المعلومات | ترانا بريس