لا تخلو الألف في العربيّة من إشكالات، وذلك بالنظر إلى حقيقتها أو طبيعتها، وبالنظر إلى وظيفتها؟ والسؤال الذي يطرح بداهة في هذا المضمار: هل الألف حرف قائم الذات أم هي بخلاف ذلك؟
لا نودّ الوقوف في هذا المقال القصير على الألف وتفاصيلها على النحو الذي جاءت عليه في كتب النحاة لنستعرض آراءهم والخلافات الناشبة بينهم، وإنما نودّ أن ننطلق من بعض الثوابت الواردة في كتبهم في محاولة لمعالجة المسألة. والألف في التقليد النحوي الشائع ليست حرفا من حروف المعجم، وحروف المعجم كما هو معلوم ثمانية وعشرون حرفا، وليست الألف من بينها، وهذا باتفاق الجمهور إلا من استثني من ذلك كالمبرد مثلا. والألف في المقابل نتعامل معها جميعنا بدءا من سيبويه باعتبارها حرفا من حروف الزيادة، وهي من ضمن قائمة “سألتمونيها” ولا خلاف في هذا أيضا.
وأمام هذا الطرح ألا يحق لنا أن نتساءل مجدّدا هل الألف حرف أم ليست بحرف؟ وللإجابة عن هذا السؤال لنقف قليلا عند بعض الحقائق:
1-أن الألف لا علاقة لها لا بالهمزة القطعية ولا بالهمزة الوصليّة. وهي ليست من الهمزة القطعية في شيء، اللهمّ إلا من باب الخطّ أو الكتابة، ذلك أن الهمزة ترسم أحيانا على الألف، مثلما ترسم على السطر أو على الواو أو الياء. والهمزة تجيء في الكلمة فاء أو عينا أو لاما وليست الألف كذلك. وليست للألف علاقة بالهمزة الوصليّة أيضأ إلا من باب الخطّ أو الرسم كذلك، وبعضهم يطلق عليها ألف الاتّكاء.
2-الألف ليست حرف علّة مثلما يجول في الكثير من الأذهان، وإنما هي حرف من حروف المدّ واللين، وذلك للتوافق الموجود بينها، وبالنظر إلى أنّ هذه الحروف الثلاثة تقوم بدور المدّ أو الإشباع في الكلمة، وهي جميعها مجانسة للحركات القصار التي هي من جنسها، ألا وهي الضمة والكسرة والفتحة. وما حرفا العلة في الحقيقة إلّا الواو والياء، وهما حرفان معتلّان، واعتلالهما يعود إلى تعرّضهما للتغيير، سواء بالقلب أو الإبدال أو الحذف. ولا يطلق على الألف حرف علة أحيانا إلّا من باب التجوّز، وذلك بالنظر إلى ما تؤول إليه بعد القلب من نحو أن نقول “قال” معتلّ.
3-الألف ومثلما يقرّ بهذا جمهور النحاة لا تجيء إلا ساكنة، أي هي لا تتحرك البتة أو هي في عداد الساكن. وهي لا تسبقها من الحركات إلا الفتحة التي هي من جنسها، وفي حالة ورودها في مثل هذه السياقات غير المقبولة فهي حتما ستكون عرضة للتغيير. والألف في تقديرهم لا تكون إلّا زائدة أو منقلبة عن حرف آخر.
إزاء هذه الثوابت التي يبني عليها النحاة فرضياتهم بشأن الألف وما يتعلّق بها، كيف يمكن أن نقرأ هذا “التضارب” الحاصل عندهم في القول بأن الألف حرف، وذلك في معرض حديثنا عن الاشتقاق والزيادة والأوزان، والقول بأنّها ليست حرفا عند الحديث أو النظر إلى قائمة حروف المعجم؟ ولإيجاد حلّ لهذا الإشكال لا بدّ في تصوّرنا من النظر إلى المسألة من أوجه مختلفة. وتتمثل هذه الأوجه في التمييز بين الجوانب الصرفيّة والجوانب الصوتيّة الوظيفيّة (أو الفنولوجيّة) والجوانب الصوتية النطقيّة على النحو الذي أرسته اللسانيات الحديثة. وهذه الجوانب أو بالأحرى هذه المستويات ليست غائبة عن تراثنا النحوي أو عن أذهان علمائنا، إذ يقسّم هؤلاء الصرف إلى نوعين أو قسمين يهتمّ أحدهما بالأبنية وله بالاشتقاق صلة متينة، ويهتمّ الثاني منهما بالتغيّرات الصوتية الطارئة على الكلمات، وذك كالقلب والحذف والنقل وغيرها. وهذا فضلا عن المسائل الصوتيّة المحضة التي تهتمّ بمخارج الحروف وصفاتها وكيفية تحقّقها أو نطقها.
إن القول بهذه المستويات والإقرار بهذا الفصل المنهجي الذي لا نجده في الدرس اللساني الحديث وحده وإنما نجده في المباحث الصرفيّة العربيّة القديمة أيضا يقودنا إلى النظر أو إعادة النظر في الألف وحقيقتها أو طبيعتها. ولا يسعنا في هذا المقام إلّا أن نشير إلى النقاط التالية علّها تكشف الغموض عمّا هو حاصل، وهذه النقاط تلخّص فيما يلي:
أ-إذا ما نظرنا إلى الألف من الناحية الصوتيّة فهي حركة مشبعة، أي هي صائت طويل وليست صامتا أي ليست حرفا ساكنا، وبالتالي لا يمكن إدراجها ضمن قائمة الصواتم أو الحروف الأبجديّة.
ب-وبالنظر إلى الألف من الناحية الوظيفيّة أو الفنولوجيّة فالألف قد تجيء منقلبة أو مبدلة من الواو أو الياء أو الهمزة، وبالتالي فهي في الأصل ليست ألفا وإنما هي منقلبة عن غيرها، وذلك من نحو “قال” و”خاف” و”رمى”. وعند تغييرها تتحوّل إلى إشباع لا محالة، وتأخذ صفتها الصوتيّة على أنّها إشباع.
ج-وأمّا من الناحية الصرفيّة فهي حرف لأنّ لها قيمة لسانيّة أو صرفيّة في التمييز بين أبنية الكلمات وتعداد حروفها. ومن باب التمثيل لا الحصر فإنّ بنية “قتل” تختلف عن بنية “قَاتَل” وبنية “القاتِل” تختلف عن بنية “القتل”، وأن الألف في كلمات من نحو “مقاعد” و”سُعدى” وما شابههما تحمل دلالات مقوليّة غير خافية.
ولإجمال ما سبق قوله نقرّ ببعض الاطمئنان بأن الألف ليست حرفا إذا ما نظرنا إلية من الناحية الصوتية النطقية أو الوظيفية، وهي حرف إذا ما نظرنا إليها من الناحية الصرفيّة وأبنية الكلمات والدور الذي تقوم به في الصيغ المختلفة.
