إنّ اللّغة في عرف اللسانيّين والنحاة هي وسيلة للتواصل بين الناس، أو بين أفراد المجموعة اللسانيّة الواحدة. وهذه الأداة أي اللغة هي على غاية من التعقيد إذا ما أردنا أن فهمها، أو أن ننظر في طبيعتها، وهي تتكوّن في أعلى درجاتها من جملة من الأصوات المقطّعة أو المتلفّظ بها، سواء كانت حروفا أو حركات، وهي ما يُطلق عليها الفونيمات. وقائمة الفونيمات وأنواعها وصفاتها تختلف من لغة إلى أخرى، وإن اشتركت اللغات جميعها في عدد هائل منها. هذه الفونيمات خالية من المعنى ولا تفيد شيئا في حالة إفرادها، بيد أنها سرعان ما تتشبّع بدلالة أو بدلالات إذا ما ائتلف بعضها مع بعض، بشرط أن تكون جارية على الألسن وشائعة في الاستعمال، أي أن تكون قائمة على التواضع. وائتلاف الفونيمات فيما بينها في لغة ما لا بدّ أن يستجيب لشروط التاليف الراجعة إلى التوافق بين الأصوات، وإلى ضوابط التأليف ما يجعلها مقبولة ودالّة.
هذه الأصوات في ائتلافها فيما بينها تتشكّل منها الكلمات والعبارات والتراكيب، وتصبح في هذه الحالة دالّة على المعاني أو المقاصد التي يرمي إليها المتكلّم. وهذه المعاني مستفادة – لا محالة – من النَظم الذي ينشأ بين الكلمات أو الوحدات الصرفيّة والمعجميّة الدالّة، وهذه المعاني يدركها في الآن نفسه المتكلّم والمتلقّي المستمع، وذلك بالنظر إلى الأنساق التي يمتلكها كلّ واحد منهما، مثلما يمتلكها كلّ فرد من أفراد المجموعة اللسانيّة الواحدة الذين يشتركون في لغة ما.
إنّ ائتلاف الأصوات فيما بينها وائتلاف الكلمات فيما بينها في تراكيب مختلفة قد تطول أو تقصر، هي ائتلافات دالّة، وهذا هو الهدف الحاصل في اللغة في نهاية المطاف: أن يعبّر المرء عمّا يريد التعبير عنه، وأن يُوصل أفكاره وما يريد إيصاله إلى الآخر أو الأخرين، دون غموض أو التباس، وذلك بالنظر إلى الأبنية الصحيحة المقبولة. وهذا الائتلاف، وفي أيّ من مستوى من مستويات اللغة ليس اعتباطيّا ولا عشوائيّا، وإنّما هو يخضع لانتظام على درجة عالية من الدقّة لا يدركه بالضرورة المتكلّم العادي إلّا فيما ندر، ولكن يدركه الباحث أو الدارس صاحب الاختصاص.
إنّ الغوص في بنية اللغة ليس أمرا يسيرا وإنّما لا بدّ له من نظر ثاقب، وقدرة على الإلمام بتفاصيل اللغة ومظاهرها وجزئياتها واستعمالاتها، ولا تتمّ معرفة اللغة أو دراستها إلا بامتلاك أدوات منهجيّة دقيقة، قائمة على الملاحظة والجمع والتدوين ووصف الظاهرة وتحليلها وتفسيرها أو تعليلها، وذلك للخروج بأحكام عامّة أو قواعد تعكس الاستعمال في شكله المجرّدة، وبناء أنساق نحويّة بالمعنى النحويّ بهدف بناء نحو في خاتمة المطاف.
هذا النحو الذي نتحدث عنه هو نحو مجرّد قد نستدلّ عليه بالأحكام أو القواعد النحويّة والصرفيّة في لغة ما، وقد نعبّر عنه برموز دالّة، وفق جملة من التصوّرات أو الافتراضات المسبقة، ومن هنا لا غرابة في أن يختلف نحو ما عن نحو آخر، ولا غرابة في أن نجد في اللغة الواحدة نحوين أو أكثر، وكلّها تدّعي الكمال أو الأفضليّة.
وهذا النحو أو بالأحرى هذه الأنحاء بمختلف اتجاهاتها، وفي مستوياتها التنظيريّة المختلفة تسعى إلى أن تمثّل النحو الذهنيّ، أي نحو اللغة الموجود في ذهن المتكلّم المستمع أفضل تمثيل، وأفضليّة نحو ما على غيره من الأنحاء الأخرى تعود حسب النحو التوليديّ التحويليّ إلى الكفاية النحويّة، ولا تشمل هذه الكفاية الكفاية الوصفيّة وحدها وإنّما تشمل الكفاية التفسيريّة أيضا، وتتجلّى هذه الكفاية بالمقدار الذي نقترب فيه أكثر ما يمكن من نحو اللغة، أي النحو الذهنيّ الذي يمتلكه الأفراد في لغتهم.
وهذا يدلّ – ولا ريب – دلالة واضحة على أنّ اللغة قائمة على نحو افتراضيّ وأنساق نحويّة على غاية من الانتظام، والعجز أو عدم القدرة على الوصول إلى ضبط قواعد مطّردة قياسيّة، لا يرجع إلى اضطراب في اللغة، وإنّما يرجع في الغالب إلى ضعف في النظريّة المفترضة، أو الإجراءات المنهجيّة المتّبعة.
واللغة العربيّة في هذا المضار لا تختلف عن غيرها من اللغات الأخرى، إذ هي قائمة على نظام دقيق، بل على نظام في غاية الدقّة، تتحكّم فيه نُظم فرعيّة تسهم في بناء نظام اللغة العامّ، وهذه الأنظمة قائمة على أنحاء مفترضة موجودة في ذهن الإنسان العربيّ الذي يمتلك اللغة العربيّة، وهذا الامتلاك يرجع بالضرورة إلى الطفولة المبكّرة، أي إلى بدء مرحلة اكتساب اللغة الأمّ.
واللغة العربيّة مثل أيّ لغة أخرى هي أسبق من النحو بكثير في الحيّز الزمنيّ، والنحو تابع بالضرورة ولاحق، وهو ضرب من التأمّل والوصف والتحليل قائم على الاستقراء والاستنتاج وربط الكليّات بالجزئيّات، وإن اختلف المنهج المتوخّى من قبل هذا النحويّ أو ذاك النحويّ، أو من قبل هذا المذهب أو ذاك المذهب. ومثلما أن النحو لاحق للاستعمال فإن الكتابة أو المكتوب لاحق للمنطوق أيضا، وما اللغة أيّ لغة في نهاية المطاف إلّا لغة شفويّة، وهي استعمال قبل كلّ شيء، تتحكّم فيها بنيتها الداخليّة، ويتحكّم فيها منطقها الخاصّ. وما على الباحث إلّا أن يستقرئ بنية هذه اللغة وأنظمتها.
عبد الحميد النوري عبد الواحد
