ذاتُ الدِّين .. !!
السؤال الذي يحسن أن يوجه إلى الخاطب : اُذكر لي ما تعرفه من عيوبك وابدأ بأكبرها .. فإن قال : ليس لي عيوب كشف عن نفسه وأراحك من الحيرة والسّؤال ، والأمل في إصلاحه غير كبير، وإن قال : لا أعرف، وبدا لك أنه صادق في نفي معرفته مع إقراره بعيوب لا يعرفها ، فاعلم أنه من الغافلين
السائل (حسن مقبول أو مقبل ) : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:(فاظفر بذات الدين) ؟.
الفتوى 63 :
السؤال الذي يحسن أن يوجه إلى الخاطب : اُذكر لي ما تعرفه من عيوبك وابدأ بأكبرها .. فإن قال : ليس لي عيوب كشف عن نفسه وأراحك من الحيرة والسّؤال ، والأمل في إصلاحه غير كبير، وإن قال : لا أعرف، وبدا لك أنه صادق في نفي معرفته مع إقراره بعيوب لا يعرفها ، فاعلم أنه من الغافلين، وامضِ معه إلى الكلام عما يكره من النّاس ، فإن كان يعلم من عيوب الناس ما يكره وخفيت عليه عيوبه، فاعلم أن غفلته مركبة .
وقد يكون إيقاظه ممكنًا، وغالب هذا النوع من الغفلة من ضعف الهمَّة .
وأمّا إن ذكر عيوبه عن صدق ومعرفة كان ذلك أوّل إشارة على العقل، فإن كان منها ما سعى في إصلاحه وأفلح فيه قدّم حجة له على نور بصيرته، فإن كان لم يصلح منها شيئا ولم يعزم على إصلاح شيء منها دلّ ذلك على عدم مبالاته بالآخر ؛ لأن غالب العيوب يتعدّى شرّها إلى من حوله .. وكلّ عيب يُقدّر أن يُستصلح إلا ما كان عن خلل في العقل أو شذوذ في النفس، ومن خلل العقل الحمق، وأصنافه أكثر من أصناف التّمر، كما قال ابن حزم، ومن عيوب النفس الوسواس والشكّ وأصنافهما كأصناف سمك البحر . وهناك عيبان كبيران يشبه أن يكونا متضادّين، أحدهما البخل ومداواته عَسِرَة، والآخر الغضب المفرط، وأعني منه ما يعبر عنه (بالتعصيب أو العصبيّة)، ومداواته دون مداواة البخل في العسر، وإنما جعلتهما شبهَ متضادَّين ؛ لأن البخيل يفكّر ويخطّط وينظر إلى مصلحة نفسه، وقد عوّد نفسه ترك العجلة، وأكثر من (يُعصِّب) كثيرو العجلة .. وأما عيوب الدِّين فيسير إصلاحها إذا كان أصل الإيمان موجودا .. ولقد كنت أقول لمن استنصحني في الصفات التي يطلبها في عِرسِه، فأقول له : إن كنت تريد الجمال فابتغ معه العفاف، وأما التدين فيكفيك منها الإسلام، لأن كل شيء يمكن تغييره وتحسينه إلا الخَلْق، وأما العفاف فجرحٌ غائر إذا خُدِش .. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاظفر بذات الدين ) فمعناه الإسلام، و(ال) فيه للعهد، وليس معناه : أنّ من تقوم الليل وتصوم النهار تقدّم على غيرها . هذا ما أفهمه -والله أعلم- ونسأله حسن القبول .
د. عبدالعزيز بن علي الحربي
