لقد نشأت بلاد العرب في شبه الجزيرة العربيّة تاريخيّا على لغات عدّة مختلفة يُطلق عليها اللهجات أو اللغات العربيّة، وإن اجتمعت فيما نطلق عليه اللغة الموحّدة، وهي لغة المعلّقات الشعريّة ولغة القرآن الكريم والحديث ّالنبويّ الشريف. وهذه اللغات تنسب إلى التميميّين والحجازيّين وبني أسد وقيس وربيعة وهوازن وغيرهم. ولا شكّ في أن هذه اللغات تاريخيّا ترجع إلى أرومة واحدة، والاختلافات بينها قائمة، وذلك في المستويات اللغويّة المختلفة، أي الصوتيّة والمعجميّة والتصريفيّة والتركيبيّة، وإن كان أبرزها الجوانب الصوتيّة لا محالة التي تتعلّق بالفصاحة. وهذا ما يجعل لغات العرب كلّها ممّا يعتدّ به في الاستعمال، وهي كلّها حجّة ولا ريب، وكلّها فصيح أيضا، وإن كانت لغة قريش أفصحها لدواع اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة معلومة تاريخيّا. والعربيّة الفصحى، وكما لا يخفى جاءت في صيغة تفضيل، وهي توحي بالتفاوت بين اللغات العربيّة. وهذا التفاوت ينحصر في النطق خاصّة، ما يجعل علماء اللغة يعتبرون أنّ اللغة الفصحى هي ما خلت من جملة من العيوب النطقيّة كالتلتلة والعنعنة والكشكشة والكسكسة وغيرها. وهذا ما يجعل لغات العرب المختلفة ولا شكّ، وذلك بالرغم من تفاوتها في درجة الفصاحة، كلّها مقبولة غير مردودة، وكلّها يستدلّ بها في الاستعمال والقياس، وكلّها صالحة لأن تكون مرجعا يستدلّ به على سلامة الاستعمال، وبناء القواعد أو ضبط الأنساق النحويّة.
ومن المعلوم أنّ النحاة العرب القدامى في استنباط القواعد وبناء الأنحاء لم يستبعدوا اللغات الفصيحة، وإن كانت ميولاتهم إلى العربيّة الفصحى لا تخفى. ولا شكّ أن هذه اللغات المختلفة هي التي خلّفت الخلافات النحويّة والتقدير النحويّ، وقبول استعمال على حساب استعمال آخر. ومن هنا أيضا نشأ الخلاف البصريّ الكوفيّ وإرجاع الخلاف بينهما إلى ما هو شائع عن البصريّين بأنّهم إلى القياس أقرب، وإلى أنّ الكوفيّين يعتدّون بالاستعمال، ويكفي العثور على الشاهد الواحد ليتمسّكوا به.
إنّ تلقّي كلّ هذه اللغات بالقبول على حدّ عبارة ابن جنيّ، والتوسّع في الأخذ باللغات جميعها هو الذي أدخل في اعتقادنا هذا الاضطراب في النحو، لأنّ من المفروض فيه، وإن تشابهت هذه اللغات، أن يتعلّق النحو باللغة الواحدة، لا أن يكون نحوا لجملة من اللغات، وذلك بسبب من أنّ النماذج النحويّة ليست واحدة.
إن الورطة، وإن صحّت هذه التسميّة، التي وقع فيها النحو العربيّ بظواهره الصوتيّة والتركيبيّة والتصريفيّة، والتي وقع فيها علم اللغة أيضا فيما يتعلّق بالألفاظ أو المفردات، هي الانطلاق من ظواهر مختلفة أو متشابه جارية في لغات مختلفة، ولا شكّ في أنّ هذه اللغات، ومثلما أشرنا إلى هذا آنفا، لا تمثّل نظاما لغويّا واحدا، ولا تشتمل على بنية لسانيّة واحدة، وهي ليست قائمة على قياس واحد أيضا، ولا تكتسب كلّها المنطق الداخليّ نفسه.
وللاستدلال على هذا يكفي أن نشير إلى أمثلة صارخة عانى منها النحو العربي لا في القديم وحده، وإنّما في الحديث أيضا. ومن هذه القضايا اختلاف المصادر بالنسبة إلى الفعل الواحد، وهو ما يوحي بأن المصادر المختلفة ترجع إلى استعمالات مختلفة، ومنها اختلاف جموع التكسير أيضا وتنوّعها واختلافها بالنسبة إلى صيغة المفرد الواحدة. ولعلّ الشيء نفسه يقال بالنسبة إلى كثرة المترادف والمشترك والأضداد، وهو ما يقال أيضا في الكثير من أوجه الرفع والنصب، واختلاف الاستعمالات النحويّة أو التركيبيّة.
هذه الورطة هي ما وقع فيه في اعتقادي النحو العربيّ وعلم اللغة، ولعلّ ذلك قد يعود إلى الغيرة الزائدة، أو للحرص الشديد الذي كان يتحلّى به أكثر النحاة وعلماء العربيّة في الدفاع عن لغتهم، وفي الجمع الواسع ممّا نطقت به العرب واستعملته، ما حدا بهم إلى ألّا يتركوا شاردة ولا واردة إلا أحصوها، وقد بلغ منهم الأمر مبلغ الاعتداد بالشاهد الواحد وإن كان مشكوكا في صحّته.
وأمّا الدليل الذي يمكن أن نأتي به للاستدلال على ما نذهب إليه فهو وجود الاستشهادات الكثيرة في كتب النحاة وخاصة في مجال الشعر، وقد لا نعرف لها قائلا. وأما الدليل الثاني الذي يمكن أن نقدّمه في هذا الصدد أيضا فهو ما اشتملت عليه كتب النحو بدءا من كتاب سيبويه من سمات الكثير من اللغات، وقد يشار إليها في حالات كثيرة لتُبنى عليها استنتاجات مختلفة. وحبّذا لو أن النحاة المتقدمين الذين أرسوا دعائم النحو كانوا اقتصروا على لغة واحدة من هذه اللغات، ولتكن لغة القرآن الكريم أو لغة قريش، أو أن تُدرس اللغات المختلفة كلّ واحدة على حدة، حتى لا يقع الخلط منهجيّا في المدونة المعتمدة والعينات المختارة، وحتّى لا يُبنى النحو على استعمالات متشابهة ولكنّها مختلفة.
عبد الحميد النوري عبد الواحد
عضو مجمع اللغة العربيّة
