السائل: د. نوح الشهري
ثمة سؤال طرحتُه على بعضهم، ولم أجد جوابًا شافيًا..!
ولعلي أجده عندكم،
في القرآن عبَّرَ اللهُ بلفظ (لا يُحِبّ) ولم يُعبِّر بلفظ (يكره):
(لا يحبُّ الكافرين)
(لا يحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء..)
(لا يحبُّ الظالمين)
وهكذا في عدة مواضع.
الفتوى (730):
سؤال دقيق، وهو بالإجابة حقيق.
الأمر كما ذكرتَ.. لم يَرِدْ في الكتاب العزيز لفظ الكراهة مسندًا إلى الله – تعالى-، في سياق النفي، وأما في غير النفي فقد ورد في قوله – سبحانه -: {وَلَـكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ}[التوبة: 46]، وفي قوله – جلَّ شأنه -: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}[الإسراء: 38] وهو اسم مفعول.
وأمَّا ما سوى ذلك فلم يَرِدْ إلا بنحو: {لاَ يُحِبُّ} كقوله – تعالى-: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين}[آل عمران: 57]، وقوله: { وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور}[الحديد: 23]، وقوله: {لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ..}[النساء: 148]، وهناك فرق دقيق بين ((لا يحبّ)) و((يكْره))؛ لأنَّ نفي الحبِّ لا يلزم منه الكره، فليس كلُّ ما لا تحبُّه تكرهه، ولكن كلّ مكروه غير محبوب، فنفي المحبة أعمُّ من الكراهة.
هذا هو الفرق بين اللفظين من حيث اللغة، أمَّا من حيث البلاغة، فقد بدا لي في الفرق بين اللفظين وجوه:
أحدها: جاء في الكتاب العزيز في مواضع كثيرة الإخبار بأنَّ الله يحب المحسنين، والمتوكِّلين، والمتطهِّرين، وغيرهم، وفي هذا ما يحرك قلب المخاطب إلى السعي بالظَّفر بهذه المنزلة العالية، والدَّرجة الرفيعة، التي يسوغ أن ينشد فيها قول قائلهم:
فليتَكَ تحلو والحياةُ مريرةٌ *** وليتكَ تَرضَى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ *** وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
إذا صحَّ منكَ الودُّ فالكلُّ هينٌ *** وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ
فإذا علم المخاطب أنَّه سيحرم من تلك المحبة الجليلة التي يسعى إليها كلُّ طامح ويحفد، كان نفي المحبَّة بذكرها أبلغ، وأكبرَ أثرًا، ولو قال: يكرهُ، لما بلغ الأثر مبلغ نفيَ المحبة، ورحمة أرحم الراحمين أوسع، ونفي المحبة بها أليق.
الثاني:
الإخبار بالكُره إسقاط لمَن كُره بالكلّية، وهو داعٍ إلى اليأس، وصارفٌ للهمم عن التنافس وعمل الصالحات.
الثالث: نفي المحبة بهذا الأسلوب يتضمن إثباتها لمَن لم يكن كذلك، وهو غير لازم في الكره؛ لأنَّ مَن كَرِهَ شيئًا لا يلزم أن يُحِبَّ ضدَّه، ألا ترى أنه لو قال: إنَّ الله لا يكره، لم يكن فيه ما يوجب المحبَّة، وهذا هو المعنى اللغويّ الذي أشرنا إليه في صدر الجواب، ولكنه يتضمن ملحظًا بلاغيًّا ذوقيًّا يدركه المتأمِّل من أول وهلة.. ولو مددت أنوار التأمُّل لوجدتَ في ذلك وجوهًا ومعانيَ أخرى.. وبالله التوفيق.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)
راجعه:
أ.د. عباس السوسوة
(عضو المجمع)
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
