(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
أثار هذا الحديث الشريف عند العلماء خلافا فقهياً يتمثل في تحديد أول يوم من رمضان وتحديد أول يوم من شوال أيضاً، وقد خطر لي أن هناك تفسيراً يمكن أن يلتقي العلماء الفقهاء عليه أو على الأقل يمكن الإفادة منه في هذه القضية المختلف فيها , تتمثل هذه الخاطرة أن تحمل الرؤية هنا على المعنى العلم واليقين إذ من المعلوم أن ( رأى) في العربية تأتي بمعنى العلم , قال ابن مالك : ومن المستعمل للظن واليقين : (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ) أي يظنونه ونعلمه , وأنشد أبو زيد :
تقوه أيها الفتيانُ إني ********** رأيت الله قد غلبَ الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء ********** محاولة وأكثرهم جنوداً([1])
وقال الخضري معلقاً على الآية الكريمة : أي يظنون البعث بعيداً , أي ممتنعاً , ونراه أي نعلمه قريباً , أي واقعاً , لأن العرب تستعمل البعد في النفي , والقرب في الوقوع ففي الآية الظن واليقين معاً .([2])
فإذا حملنا الرؤية الواردة في الحديث على معنى العلم , كان المعنى صوموا بعد العلم به , ومنافذ العلم كثيرة،وطرقه متعددة ، منها رؤية البصر ومنها الرؤية عن طريق المجاهر الفلكية المؤدية إلى العلم بميلاد الهلال أو عدمه , لعل هذا التفسير مقبول عند العلماء الأفاضل , إنها خاطرة خطرت فربما نفعت .
[1] – شرح التسهيل 2/81
[2] – الحاشية 1/148
(2)
أشكر كل إخواني الأفاضل سواء خالفوا الخاطرة أم أيدوها فالغاية هي النفع ليس غير،والذي نقدمه هو إضاءات نضعها أمام العلماء الفقهاء الأكارم من الباحثين في هذه القضية , لقد صور أخي الكريم الدكتور عبد الرحمن السليمان, حفظه الله حالة المسلمين المؤلمة في أوروبا وأمريكا , الناتجة عن هذا الخلاف الدائم المستمر حتى بات أمراً اقتنع كثير من المسلمين بأنه لاحل له! مع أننا نعلم جميعاً أن الأصول اللغوية والشرعية مرنة , والعلماء الباحثون في عالمنا الاسلامي ما أكثرهم , وإني لعلى يقين أنهم جميعاً حريصون على حل مشاكل المسلمين , لذا فمثل هذه الخاطرة , ليس لها من غاية إلا تقديم مادة علمية قد تفيد من يفكر في حل المشكلة , وقد لاحظت مما أفادنا به الأخ الكريم: عبد الله بنعلي , من نقله كلام العلامة الشلتوت , أن اللام الداخلة على ” لرؤيته” تفيد التعليل , لذا صارت الرؤية علة للصوم ,أي الجار والمجرور متعلقان بالفعل صوموا، والظاهر أن أصحاب هذا الرأي لم ينظروا إلى رأي من قال: إن اللام هنا بمعنى “بعد” قال الثعالبي : ومنها “لام بعد” كقوله صلى الله عليه وسلم ” صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ” ([1])
وأشار ابن هشام إلى ذلك أيضاً حين تحدث عن معانيها , فذكر أن من معانيها ” موافقة بعد ” نحو أقم الصلاة لدلوك الشمس والحديث ” صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” وقال :
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ([2])
وبناءً على هذا , يصير المعنى صوموا بعد العلم به –إذا جعلنا الرؤية بمعنى العلم -,ويجوز أن نعلق الجار والمجرور بحال محذوفة فيصير التقدير , صوموا بعد كونكم عالمين به , وعلى هذا التقدير لاتكون الرؤية علة للصوم ,كما كان الأمر عند القاضي الشلتوت ،والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال , واللسان العربي كما قال الشافعي ” لايحيط به إلا نبي ” ([3])؛ لسعته وشموله،وحل المشكلة في نهاية الأمر عند العلماء الفقهاء ،فإليهم المآل بعد أن ينظروا في كل ما تقدمه العربية ،فالعربية ذلول ذات وجوه ،وحل المشاكل يلزمه الارتكان إلى آراء قد تقوى بكونها حلا لمشكلة .نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه خير المسلمين ،ورفعة شأن هذا الدين .اللهم آمين
[1] – فقه اللغة 305
[2] – المغني 281
[3] – الرسالة 42
(3)
لماذا استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم (ْإنْ) في قوله (فإن غُمَّ عليكم) قال بعض أهل اللغة إن ( إن) الشرطية تستعمل لما هو محتمل و مشكوك في وقوعه ،أما (إذا) فتستعمل للجزمقيل: لهذا قال الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح (انظر البرهان للزركشي 1/36)و الظاهر أن هذا يقوي قول من يقول :إن رأى تفيد العلم لأن وقوع الغُّمِّ مهما كان نوعه أمر احتمالي فقد يقع وقد لا يقع، ويستنبط من هذا أن من الواجب علينا التأكد تماماً من رؤية الهلال، والتأكد يناسبه العلم اليقيني، المدلول عليه بطرق كثيرة ،منها النظر ومنها المجاهر الفلكية ،ومنها علم الحساب إن بات قطعياً
وهذا التفسير اللغوي المقوي رأيَ من قد يرى أن (رأى )في الحديث قد تكون بمعنى العلم ،يُستأنس له بأن اتجاه العربية يميل إلى التناسب والتوافق ،ففي عطف الجمل يستحسن عطف الإنشائية على الإنشائية والخبرية على الخبرية، ويؤ نسنا بذلك أيضاً حديث النحاة في نظرية العامل قالوا: الأصل أن يتطابق العامل والمعمول معاً ولا يتناقضا, لذلك قالوا: إن( أن )المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد لأن أصلها التثقيل , ويناسبها حينئذ أن يكون الفعل قبلها وهو العامل فيها من أفعال اليقين. كقوله تعالى :علم أن سيكون منكم مرضى . ، (انظر لذلك الكشف ،لمكي ،1/46وشرح المصل ،لابن يعيش ،8/77 )
ولو قيل: إن استعمال (إن) هنا يقوي رأي من يقول :إن رأى نظرية ،لكان وجهاً أيضاً ،لأن الغُمَّ قد يقع وقد لا يقع مادامت الرؤية هي رؤية النظر ،التفسيران مقبولان ،أما الأرجح فلابد من النظر في بقية أدلة الفريقين ،وبعد ذلك يتم الترجيح ،وليس من مهمتنا هنا أن نأتي على القول الفصل في المسألة ،ولكن نريد أن نبين مدى أهمية فهم العربية في توجيه النصوص اللغوية، ،خاطرة خطرت، ربما أفادت .