استأنف المجمع بالتعاون مع مجموعة البحث في البلاغة والخطاب بكلية اللغة العربية بمراكش سلسلة محاضرة الشهر، واستضاف فضيلة الدكتور الحسين أيت مبارك في محاضرة ثالثة بعنوان: “اللغة العربية في المعارضات الشعرية”. وذلك يوم الجمعة 24 شوال 1437هـ /29 يوليو 2016م، بقاعة الاجتماعات بالكلية.
أدار المحاضرة الدكتور سعيد العوادي، ملمحًا إلى إسهامات المحاضر في مجال الأدب العربي نقدا وتاريخا ومقارنة، مع تأطير الموضوع بالإشارة إلى العناية اللافتة للعرب بلغتهم، حينما نقلوها من أداة للتواصل إلى موضوع شعري تبارى فيه فحول الشعراء متغنين باللغة العربية ضمن ما سماه النقاد فن المعارضات الشعرية.
وقد أخذ الأستاذ المحاضر الكلمة للخوض في موضوع اللغة العربية من منظور المعارضات الشعرية، إذ لا يخفى أن اللغة العربية شغلت الشعراء كغيرهم من المنتسبين للغة الضاد، فجعلوها مركز اهتمامهم الشعري بالحديث عنها بضمير الغياب تارة، أو بالحديث بلسانها وتحييد ضمير الشاعر تارة أخرى كما فعل حافظ إبراهيم في قصيدته المشهورة “رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي”.
وقبل أن يدخل المحاضر إلى صميم المقارنة بين قصيدتي حافظ إبراهيم والمختار السوسي، وطأ بإبراز صلة الأدب واللغة بالحضارة، وبيان سبل الهجرة النصية من المشرق إلى المغرب، ووسائل المثاقفة والتنافذ الإبداعي والمعرفي، والتيارات المؤطرة للحركة الثقافية في جناحي الأمة، وعطف على بيوغرافية الشاعرين ليقدم نبذة مختصرة عن حياتهما، أعقبها بالخلفيات المنتجة لقصيدتيهما التائيتين، إذ جاءت قصيدة حافظ في سياق التصدي لدعاة التعجيم وكتابة العربية بحروف لاتينية ودعاة الكتابة بالعامية وغيرهم من المتربصين بلغتنا، أما قصيدة المختار السوسي فجاءت في سياق مناهضة المخططات الاستعمارية التي استهدفت اللغة العربية إثر تجميدها للحركة العلمية بالقرويين، ومحاولة تحييد مواقفها ودعم المدارس الفرنسية، وأخطرها جميعا الظهير البربري الهادف إلى بث الفرقة بين العرب والأمازيغ، فكانت اللغة العرببة لبنة من لبنات المشروع النهضوي المغربي.
انتقل المحاضر بعد هذا إلى القصيدتين، ليقدم قراءة فاحصة لعنوانيهما ويقارن بين مستويات النصين من جهة: التيمات المهيمنة والإيقاع والمعجم والأساليب والتناص، لينهي المحاضرة بتقويم تركيبي وخاتمة تربط ماضي الأمة بحاضرها ربطًا يحوي في ثناياه دعوة إلى استشعار قيمة اللغة العربية وقيمة الانتماء إلى أمة العرب.
وفي الأخير، لخص الدكتور سعيد العوادي محاور المحاضرة، مبرزًا أهمية الدراسة المقارنة في تجلية خصائص الائتلاف والاختلاف في الإبداع الشعري، كما نبَّهَ إلى تميز الشاعر العربي في المشرق والمغرب بالمعارضات الشعرية التي كانت مجالاً لإظهار البراعة، وخصوصًا أن الشاعر لا يبدع فيها ابتداء، وإنما مقيَّدًا بشروط الغرض؛ أي بالنظم على منوال المميزين، طمعًا في بزّههم والتغلب عليهم.
