النثر الفني في كتاب: (العِبَر) لابن خلدون.
الخطابة عند ابن خلدون(1-1).
بقلم د. طلال أحمد العوض الحسن
بين يديّ الموضوع:
مافتئ الباحثون في مجال الأدب العربي يفرون من النثر ويرتمون في (أحضان الشِّعر)، يحدوهم الأمل أنَّ سيجدون في الشِّعر سلواهم…يستظلون بظله ويرتشفون من رقيق لفظه، ظنَّاً منهم أنَّ البون شاسعٌ بينه وبين (النثر)! إذ يتصف الثاني (أ ي النثر)، بالجفاء والجفاف…ونسوا أو تناسوا؛ أنَّ الخطابة (باعتبارها نوعاً من النثر)، كان لها ما للشعر من المكانة عند العرب منذ الجاهلية، فهما كفرسي رهان عند العرب…وحسبك أن تطالع كتب التاريخ العربي لتجدها حافلة شاهدة على ما وصل إليه النثر من شأن.
أما إذا جئنا لنتكلم حول (النثر الفني)، فإنه من الأجناس الأدبية التي لا تقل عن الشعر مكانة بل ربما أجدها –وجهة نظري الشخصية-أنها تتفوق عليه في بعض الأحيان، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بالأمور العقلية الجدلية التي هي من أدوات (نشر الإسلام)، في عصرنا الحاضر، وربما يكون (النثر الفني)، و(الخطابة) جزء أصيل منه؛ أقرب إلى فهم غير الملم بالعربية الفصيحة أو حتى من هو من غير الناطقين بها.
يمثِّل ابن خلدون عند الكثيرين كونه مؤرِّخاً وعالماً من علماء الاجتماع؛ أما كونه أديباً شاعراً كاتباً مُجيداً…! فقد يخفى على الكثيرين دوره في هذا الجانب؛ لذا آليت على نفسي كشف هذا الجانب للقرّاء وبيان موسوعيته من خلال (النثر الفني ) في كتابه (العبر)، محاولاً إلقاء الضوء على هذه الأشكال النثرية التي بزَّ فيها ابن خلدون وكان له فيها القدح المعلّى، وأبدأ أول ما أبدأ بالخطابة.
تعريف الخطابة:
أ- لغة : الخطابة من الأجناس النثرية التي عرفها الإنسان منذ القدم, وقد كان للحضارة العربية نصيب وافر من العناية بهذا الفن عبر العصور المختلفة وفي شتى البلدان والمدن.
وعليه فقد وردت لفظة ( خطابة ) في مختلف المعاجم اللغوية العربية, ففي القاموس جاء في مادة (خطب) ” الخطب: الشأن والأمر صغر أو عظم, ج خطوب…وخطب الخاطب على المنبر خطابة بالفتح وخطبة بالضم, وذلك الكلام خطبة أيضاً وهي الكلام المنثور المُسَجَّع ونحوه, ورجل خطيب حسن الخطبة”…[1]
وجاءت في مختار الصحاح ” الخَطبُ: سبب الأمر تقول ما خَطبُك؟… وخاطبه بالكلام مخاطبة, وخطب على المنبر خطبة بضم الخاء وخطابة.وخطب المرأة في النكاح خطبة بكسر الخاء, وخطب من باب ظرف, صار خطيباً”…[2]
” الخطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب, ورجل خطيب حسن الخطبة وجمع [3]…خطباءالخطيب
ومن ثم يتضح لنا أن مشتقات المادة تتناول ” الموضوع والوسيلة في آن واحد وفي ذلك ربط للكلام بالحدث أو المؤثِّر “…[4]
فهي في جوهرها تواصل شفاهي بين المرسِل ( الخطيب) والمرسل إليه (الجماعة) ,تكون حاضرة لحظة إلقائها.
ب- اصطلاحاً: الخطبة جمعها خطابة ويقصد بها ” استمالة من تؤثر استمالته وهم أهل الحل والعقد, وأما من لا قدرة له البتة, فلا يلتفت إليه,ولا يقدر على استمالة أحد,ويُستمال هو…”[5]
فالخطابة إذن هي”فن مشافهة الجمهور, وإقناعه واستمالته…”
والمراد من كل ذلك التعبير” عن عقيدة الخطيب ورأيه في مشكلات الوجود, تشتدّ باشتداد الأزمات التي ترتبط ارتباطاً جذرياً بمصير الجماعة…فهي ربيبة السلام تواكبه وتعوّض عنه…,وتقتحم ملاحم الدمار والتقتيل والمنكر وما إلى ذلك مما ألف الناس دعوته بطولة ومجدا…”[6]
2-أنواع الخطابة:
الخطابة من حيث موضوعها أنواع عدة:
أ- الخطابة السياسية:
تتناول الخطابة السياسية كل ما له صلة بأحوال الدولة وشؤونها العامة داخلية كانت أو خارجية, ومدارها الأول هو الحكم والسلطة وما يتصل بهما وتعود “بذورها الأولى بعد موت النبي (صلّى الله عليه وسلم) مباشرة,يوم وقف الفرقاء في سقيفة بني ساعدة يحتج كل لأسبقيته في الخلافة بكل ما يبرر غرضه…,من قيم دينية وإجتماعية…”[7]
واستمرت كذلك إلى غاية مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان-رضي الله عنه-وأيلولة الحكم للأمويين.حيث أصبح لكل حزب خطباؤه الذين ينافحون عنه,وقد بعث ذلك على نهضة الخطابة السياسية في هذا العصر وانتشارها بشكل واسع, ولعل ذلك هو الذي جعلها ترتبط بالسياسة العربية إلى غاية العصر الحالي, حيث يقدّم أهل السياسة آراءهم التي يعرضونها على الشعوب, في شكل خطب غرضها الدعاية التي تجتذب القلوب, وتقرع الأسماع…[8]
ب- الخطابة الدينية:
ذاعت هذه الخطب عند العرب بعد الإسلام خصوصاً وتعرض إجمالاً موضوعات أخلاقية تنبعث من روح الدين , فالخطابة هنا تتميز في كونها ” لها الحظ الأوفر أمر الدين,لأن الخطبة شطر الصلاة التي هي عماد الدين في الأعياد والجمعات والجماعات, وتشتمل على ذكر المواعظ التي يجب أن يتعهد بها الإمام رعيته لئلا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عزّ وجل من ذلك في كتابه إلى غير ذلك من منافع الخطب…”[9] الدينية التي تشترك الكافة في الحاجة إليها لما فيها من التوجيه لمكارم الأخلاق التي دعا إليها الدين الحنيف واتصف بها الرسول صلّى الله عليه وسلم.
ج- الخطابة الإجتماعية:
تتناول جميع الخطب التي لا يستوعبها الموضوعان السابقان أي السياسة والدين, خاصة الخطب التي تلقى في المحافل والمجالس لغرض من الأغراض المتصلة كالمشاركة في المسرّات والأحزان, وإصلاح ذات البين…وغير ذلك من موضوعاتها الكثيرة مما جعلها تنقسم إلى…[10]
1-خطب ذات موضوعات اجتماعية: هي الخطب التي تحاول معالجة مشكلة من مشكلات المجتمع, فتبرز العيوب والأسباب, وتحاول إيجاد حلول, أي تتناول العلاقة بين الناس وتنظيم المجتمع, ومن أبرزها خطب الإملاك و الصلح, والمخاصمات القضائية…[11]
2- خطب ذات طبيعة وجدانية: وهي الخطب التي تلقى في المحافل والمناسبات, هدفها المشاركة في المسرات والأحزان, ومن أهما : خطب المدح والتكريم (الشكر), التهنئة, وصف المشاهد والبلاد…[12]
إذن من بين أنواع الخطب الاجتماعية ذات الطبيعة الوجدانية, خطب المدح والتكريم في المحافل والمناسبات وتعنى بشكر الشخصيات البارزة في المجتمع ثناء على فضلها, وهدفها التأثير في المرسل إليه, إذ يسعى الخطيب في استمالته لمشاركته فيما يجده أو يتظاهر به.
وهذا ما نجده عند- ابن خلدون-من خلال خطبه الثلاثة التي جاءت مضمنة في –سيرته- أيضا وتتناول جميعها مدح وشكر سلطان مصر ” الظاهر برقوق” في يوم افتتاح التدريس في المدارس القمحيّة(*)بين القصرين, وصلغتمش(**[13]) التي تولى التعليم بها.
هذا ما تسنَّى لنا أن نتطرق إليه في هذه الورقة على أن نعاود لنفصّل في الموضوع في حلقات مقبلة، بإذن الله تعالى.
_______________________________________________________________________
[1]الفيروز آبادي: القاموس المحيط,دار العلم للملايين,بيروت,لبنان,دط,د.ت,م 1,ص 62-63.
180,ص[2]الرازي: مختار الصحاح، دار صادر,بيروت.لبنان ,ط1984
[3]ابن منظور الإفريقي,لسان العرب، دار صادر بيروت.لبنان,د.ط,1968م,م1,ص361.
[4]محمد العمري, في بلاغة الخطاب الإقناعي، بيروت ,لبنان,ط2 ت 2002,ص 16.
[5]ابن خلدون : التاريخ، م1، ص 237.
[6]أحمد الحوفي :فن الخطابة ، دار النهضة للطباعة والنشر,مصر,دط,2002م,ص5.
[7]محمد العمري:في بلاغة الخطاب الإقناعي,ص 50.
[8]شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي، دار المعارف مصر، ط7، د.ت، ص70.
[9]العسكري: الصناعتين، ص 142.
[10]محمد العمري: في بلاغة الخطاب الاقناعي/، 62.
[11]أحمد الحوفي: فن الخطابة، 96.
[12]محمد العمري:في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 62.
*القمحية : مدرسة من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون الفقه بها,وقف عليها أراضي من الفيوم كانت تغل قمحا فسميت القمحية، انظر: تاريخ ابن خلدون، م 14،ص 1099.
**صلغمتش: هي المدرسة الصلغمتشية، تقع بجوار جامع ابن طولون ، تنسب إلى بانيها الأمير سيف الدين صرغمتش الناصري أمير رأس النوبة المتوفى سجيناً في الإسكندرية سنة 759هـ( انظر: تاريخ ابن خلدون : المصدر نفسه، الهامش، ص 1017، نقلا عن خطط المقريزي، ج 4، ص 256-257، طبع مصر).
