المستويات اللغويّة مصطلح لسانيّ حديث وشائع، يُتّخذ عادة منطلقا للتحليل اللسانيّ والتوصيف. والمستويات اللسانيّة واحدة أو تكاد تكون كذلك في كلّ اللغات أو الألسن، وذلك بالنظر إلى المقوّمات أو الأبنية التي تقوم عليها اللّغة أو اللغات، ولا غرو في أنّ كلّ اللغات تشتمل على هذه المقوّمات، ألا وهي الأصوات والكلمات والتراكيب والدلالة.
والمستوى اللغويّ من حيث المفهوم هو المجال الذي يهتمّ به اللسانيّ بغاية الدراسة والوصف والتحليل. ولا عجب بأن نقرّ بأنّ هذه المستويات واحدة، ولا تكاد تختلف في اللسانيّات الحديثة عمّا هي عليه في اللسانيّات القديمة، اللهمّ إلّا فيما يتعلّق بالمنهج، وكيفيّة المقاربة أو التناول. وهذه المجالات، ومن باب التأكيد، لا تخرج عن الأصوات والتركيب والمفردة مثلما ألمحنا إليه سلفا.
وأمّا طريقة التناول فهي مهمّة، لأنّها هي التي ينحصر الخلاف بشأنها، وذلك فيما يتعلق بطبيعة هذه المستويات وعددها، والتداخل الحاصل بشأنها، إذ قد لا يتمّ الاتفاق بشأن عدد هذه المستويات، وما يدخل ضمنها أو لا يدخل، وفي العلاقة القائمة بين هذا المستوى وذاك.
ومن باب التوضيح، لو عدنا إلى هذه المستويات مثلما يمكن تمثّلها في بعض النظريّات القديمة والحديثة، لأمكننا إيراد ما يلي:
1- إنّ هذه المستويات على ما جاءت عليه في النحو العربيّ، وذلك على امتداد تاريخه الطويل، وبالرجوع أساسا إلى سيبويه (أو بالأحرى إلى الخليل) فإنّها تنحصر في ثلاثة مستويات، تعكسها الأقسام الثلاثة الواردة في كتاب سيبويه، ألا وهي التراكيب (ومن ضمنها الإعراب)، والصيغ أو أبنية الكلمات وتصاريفها، والأصوات.
2- وأمّا في اللسانيّات الحديثة، وبالذات في ما يُطلق عليه المدارس البنيويّة الوصفيّة جميعها تقريبا، بدءا من دي سوسير، ومرورا بمارتيني وجاكبسون وبلومفيلد وقليزون وليونز وغيرهم، والذين يعود إليهم هذا المصطلح، فإنّها تشمل المستويات التالية:
– الأصوات وتهتمّ بالجانب الصوتيّ المحض، من حيث مخارج الحروف وصفاتها.
– والأصوات الوظيفيّة، وهو ما يعرف بالفونولوجيا، وتهتمّ بتأثّر الأصوات ببعضها البعض، وما يطرأ عليها من تغييرات.
– المستوى الصرفيّ، ويهتمّ بأبنية الكلمات، وتصريف الكلمات القابلة للتصريف، والتغيّرات الصرفيّة الطارئة عليها.
– المستوى التركيبيّ، ويتعلّق بأبنية التراكيب والجمل، وائتلاف الكلمات فيما بينها.
– المستوى المعجميّ والدلاليّ، ويتعلّق بالوحدات المعجميّة، والمعاني الملابسة لها على النحو الذي تظهر فيه في القاموس، دون الاهتمام بالمعاني المركّبة أو الدلالات التي يفرزها السياق، والمتعلّقة بالحقيقة والمجاز والتشبيه والبيان وغيرها.
هذه المستويات متّفق عليها، ولا اختلاف بشأنها، وذلك في معظم المدارس المشار إليها. وقد لا يحدث اختلاف إلّا في مسألة الفصل بين المستويين المعجميّ والدلاليّ أو الدمج بينهما. ووفق هذه المستويات يتمّ التعامل مع اللغة، وتوصيفها، وتحليلها، وتفسيرها.
3- لقد خرجت عن نطاق هذه التصوّرات في المدارس البنيويّة الوصفيّة المشار إليها، المدرسة التوزيعيّة التي أسّس لها هاريس، والتي تعتبر أنّ أصغر وحدة قابلة للتحليل هي الجملة، لا الصوت ولا الكلمة، وهي تؤكد بما لا يدعو إلى الشكّ على الجانب التركيبيّ في التحليل. وهذا فضلا عن المدرسة التوليديّة التحويليّة التي أسّسها شومسكي، والتي تنظر إلى اللّغة على أنّها قائمة على مستويين اثنين لا غير، وهما الصوت من جهة والمعنى من جهة ثانية. وما بقيّة المستويات، أي المستوى الصرفيّ والمستوى الفونولوجيّ والمستوى المعجميّ إلا مكوّنات من مكوّنات التركيب. ويبدأ التحليل في النحو التوليديّ، خلافا لبقيّة المدارس الأخرى، بالمستوى التركيبيّ لينتهي إلى المستوى الصوتيّ، على الوجه الذي تتحقّق به الأصوات في الكلام.
عبد الحميد النوري عبد الواحد
عضو مجمع اللغة العربيّة على الشبكة العالميّة

التعليقات 1
1 ping
Hakim
مارس 10, 2018 في 7:42 م[0] رابط التعليق
مستويات التحليل اللساني عند عبد الحميد النوري