أدبُ الرَّسائِل عندَ ابنِ خلدون
البُنية الدَّلاليَّة للرِّسالة عندَ ابنِ خلدون
(2-3)
د. طلال أحمد العوض الحسن
إنَّ منطق الترابُط السابق الذي تميَّزتْ به “بنية الرِّسالة”، يحيلنا على مستوى تنظيمها المعنويّ؛ أي تلك الأدبية القائمة في انتظام بنية المعنى؛ فالمعنى “لا يتّضح إلا من خلال تعارضه مع الضد…”[1].
وعليه فقد قام بإعادة “تحليل الأشكال المعقَّدة للدلالة إلى عناصر بسيطة…”[2]، في مربعه السيمائي الشهير الذي يُسمَّى أيضًا (النموذج التكويني)؛ وذلك لتكوين المعنى الذي ينبني على ثلاث علاقات منطقية: “التضاد، التناقض، التضمن”[3]، بين ثنائيتين متعارضتين (أ، ب)، حيث إنّ “ميزة كل نسق أيديولوجي نظرته إلى الحياة من خلال ثنائية قيمية، يُوصَف البعض منها بالإيجابية، ويُوصَف البعض الآخر بالسلبية، الأول محبَّذ باعتباره كذلك، والثاني مرفوض ومُدَان؛ لأنه يتناقض مع مضمون النسق الأيديولوجي…”[4]، ومنه كان افتراض توزيع القيم السابقة في مجالَين دلاليّين:
الأول: إيجابيّ يحفل بحيّز معنويّ أساسيّ يتضمن غياب القيمة السلبية…
والثاني: سلبيّ يحفل بحيّز معنويّ أساسيّ مناقض للأول، (يتضمن غياب القيمة الإيجابية)…[5]، وعليه يكون الإشارة السيمائية الممثل للثنائية ( أ، ب).
وبالانتقال إلى نَصِّ الرِّسالة المدروسة نجدُها تزخر ببُنية قائمة على الصِّراع القِيمي، ويُشكِّل التناقض والثنائية فيها الأساس الذي تقوم عليه، فثنائية القِيم تقوم على التعارُض وتتوزّع على مجالَين دلاليّين عامَّيْنِ؛ إيجابيّ يجمع بين المعرفة والصَّداقة والمحبَّة، ومجال دلاليّ عام سلبيّ؛ يضم الجهل والعداوة والكُره والضّعف.
ومن أبرز ما نصَّتْ عليه الرِّسالة من قِيم الأخلاق؛ إذ تشكِّل ثنائية تضادية تتَّخذ في شكل: المحسن، النصيحة، الصبر، وهذا ما نجده عند المرسِل (ابن خلدون)، إذ يطلب الموعظةَ من صديقه (ابن الخطيب) المرسَل إليه، والابتعاد عن الغضب والقطيعة والفتور، والتحلِّي بالفضائل؛ لأنَّه حافظ على الصداقة التي كانتْ تربطه بصديقه رغمَ كلِّ السعايات المغرضة التي هدفها الإيقاع بينهما، والشكل السلبي المتمثل: في الجهل، الغدر، الطمع، وهذا ما نجدُه من خلال الطمع في السلطة؛ بالتالي عند اعتمادنا على المعاني المهمّة التي يطرحها المضمون العام للنصّ يمكن إجراء التوزيعات الدلالية الآتية:
1-دلالة الصَّداقة: وهي “المحبة والمخالة، الجمع أصدقاء…”[6]، فالصَّداقة إذن علاقة قائمة على الصُّحبة وحدها “المجالسة والمخالطة والمجاورة، هذه الأمور لا يَقصدُ بها الإنسانُ غيرَه إلا إذا أحبَّه…”[7]، والصُّحبة المقصودة في النَّصِّ هي الصُّحبة العقلية؛ إذ إنَّ غياب العقل يؤدي إلى تغييبها، وأقصى حقوقها “الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء؛ الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإنَّ الحبَّ إنما يراد للآخرة…”[8].
وإنْ حدثَ وتفارَقَ الصَّديقان في الحياة، فإنَّ ذلك مَدعاة للحزن والألم؛ لشِدَّة الإلْف الذي يجمع بينهما، وهذا ما نلمسُه من قول ابن خلدون مخاطبًا ابن الخطيب قائلاً: “سيِّدي مجدًا… ما زال الشوق منذ نأت بي…، واستحكم بيننا البعاد…”[9].
ومقابل ذلك توجد العداوة المضادة للصَّداقة، فابن خلدون كانت تجمعُه علاقة صداقة قوية مع – ابن الخطيب- لكن كثرة السعايات عملتْ على التفريق بينهما، وقطعِ حِبالها، لولا إيثار ابن خلدون المغادرة حتى يحافظَ على ما بقيَ من تلك العلاقة النبيلة؛ غير أنَّ أهل الدسّ لم يدَّخروا وسعًا في سبيل الإيقاع بين الصَّديقين وزرع بذرة الشِّقاق بينهما، يقول ابن خلدون في ذلك: “وبَثَثْتُه شكوى الغريب من السّوق المزعج…”[10].
وتظهرُ لنا الصَّداقة والعداوة من خلال مجال دلالتهما:
ومن هذه الازدواجية تنتج علاقة تضاد بين الصَّداقة والعداوة، والتناقض بين العقل والعاطفة، وبين الألفة والتفرُّق.
ذلك أنَّ التفرُّق بين الأصدقاء ثمرة سوء الخلق؛ لأنَّ اكتساب الأصدقاء لا يكون إلا بالحلم والجود والصبر، كما نجده عند ابن خلدون، الذي رغم الوشايات والدسائس بينه وصديقه ابن الخطيب، إلا أنَّه حاول المستحيل لأجل إبعاد هذه العلاقة عن كلِّ ما يُعَكِّرُ صفوَها وينالها بسوء؛ وآثَرَ مغادرة البلد مع الضَّرب صفحًا عن عيوب الصَّديق.
ونلاحظ أنَّ مجال الصَّداقة عند ابن خلدون يضمُّ ثلاثَ قيمٍ خُلُقِيَّة يجب أن يتَّصفَ بها الصَّديق، وهذه القيم هي:
– الدُّعاء: وهو من حقِّ الصَّديق على صديقه “الدَّعوة له بكلِّ ما يُحِبُّ لنفسه…”[11]، وهذا بالضبط ما ينطبِقُ على ابن خلدون، وقد تكلَّمْنا عنه عندَ حديثِنا عن عناصر الرِّسالة.
– الموعظة: كذلك من واجب الصَّديق على صديقه النَّصيحة النَّافعة في كلِّ وقت، وتتأكَّد وقتَ الشدَّة، ونجد ذلك عندَ ابن خلدون أيضًا، في العنصر الأول من الوحدة الأولى.
– التهنئة: ومن حقِّ الصَّديق على صديقه أيضًا التهنئة، حيث “ينبغي أن يُظهِرَ بلسانه مشاركتَه في جملة أحواله التي يُسَرُّ بها…”[12]، وهو ما عبَّرَ عنه المرسِل بقوله: “خصوصًا فيك من اطمئنان الحال وحُسن القرار وذهاب الهواجس وسكون النفرة…”[13].
2-دلالته العلم: هو “معرفة الشيء على ما هو به…”[14]، وفيه يطلبُ ابنُ خلدون من صديقه تزويدَه بما صدر عنه من التصانيف الغريبة والرَّسائل البليغة؛ للاطلاع عليها وتعويض التفريط، كما كان شديدَ الاهتمام بأحوال السُّلطان في الأندلس، يقول: “ورغبتي من سيِّدي، أن لا يغيبَ خطابُه عنِّي…”.[15]
ونحن لا نستغرب من هذا، خصوصًا أننا نعرف مَدى شغف ابن خلدون بالعلم، حيث تَعَلَّمَ على يدِ شيوخ أجلاء، فقد كان مُلازِمًا دائمًا لحِلَقِ العلم، كما أنَّه كذلك كان كثيرَ الترحُّل لأجلِ الهدف ذاته.
وهكذا تنشأ ثنائية العلم بالعلوم المحصّلة، والجهل بأخرى.
من هنا تنتج ثنائية بين العلم والجهل، وهي علاقة تضادّ وتناقُض وهو التناقض القائم بين الاجتهاد والكسل في جانب وفي الجانب الآخر الخير والشرّ، ليتكون بذلك بناءان دلاليَّان:
-إيجابيّ؛ سمته وضوح المعارف؛ يضمُّ: العلم، الخير، اللاجهل.
-وسلبيّ؛ سمته غموض المعارف؛ وهو يضمُّ: الجهل، الشرّ، اللاعلم. وهو يؤدي إلى الموت، بمعنى كون الإنسان الجاهل هو بمنزلة الميت.
3- دلالة العجز: وهو “الضّعف…”[16]، ومنه عجز النَّفس عن معرفة الغيب، وهذا ما حصل مع ابن خلدون الذي كان يجهل ما قد يحصل له بعد مفارقته الأندلس، إذ هو فقط يحاول الفكاك والخلاص من ذلك الجوّ المعتم المليء بالدَّسائس والمؤامرات، عَلَّهُ يجد سلواه في مكانٍ آخر.
وهو هنا يُسلِّم لقضاء الله ومشيئتِه النافذة، حيث يستدلُّ ابن خلدون بشطر من آية لتأكيد خضوعه التامّ لمشيئة الله وحكمته النافذة؛ وهذا ما حداه أن يحثّ صديقه ويلحّ عليه ألّا يطيل تغييب جوابه عنه، فالأقدار غير معلومة، والغيب لله لا يعلمُه إلا هو – سبحانه وتعالى.
ولكن بالمقابل لهذا العجز نلاحظ أن الكاتب يتمتع بإرادة وعزم قويّين، حيث نلمسُ هذا في عدم خضوعه لمكائد فعل السعاية المتكرر، فهو بهذه الإرادة استطاع النجاة واستعادة مكانته المرموقة في المجتمع.
ومنه أنّ الذات الإنسانية تقف عاجزةً حيال قدرة الله ومشيئته النافذة، فهي- أي الذّات الإنسانية- تعلمُ ما علَّمَه إيَّاها الباري- سبحانه وتعالى، وتجهلُ ما لم تعلم، وهكذا تنشأ ثنائيَّة العلم بالغيب، وجهل الذات؛ وهذا ما يتضح من خلال النماذج السيمائية.
يشكل التضاد بين القدرة والعجز أساسًا للتناقُض بين الخالق والمخلوق من جهة، وبين القوَّة والضَّعف من جهة أخرى، وتتوزَّع هذه المعطيات الدّلالية للمعنى في مجالَيْن:
-إيجابيّ؛ يجمع: القدرة، القوة، اللاعجز، وسمته العلم، وهو من الصفات الـمُنزِّهة للخالق- سبحانه وتعالى.
-وسلبيّ؛ يضمُّ: العجز، اللاقدرة، والضَّعف، وسمته الجهل، وهي من صفات المخلوق الضَّعيف أمام القدرة المطلقة للهِ القويّ المتين.
وعلى هذا الأساس يمكن قراءة هذا العرض في وحدته من خلال: الإخبار عن أحوال الذَّات، حيث نلاحظ أنَّ عجز ابن خلدون في جهله بالغيب جعله يتعرَّضُ للصِّراع ثانيةً ومن خلال السعايات التي جرَّتْه إلى المِحَن من جديد، وانتهتْ بتغيير المكان.
وممَّا سبق مِن تَقَصِّي أهمّ التوزيعات الدّلالية التي يحفلُ بها نصُّ الرِّسالة، يمكنُنا تشكيل مربع سيمائيّ عام، تتفرعُ عنه كلُّ العلاقات السيمائية السابقة.
لا يبين في السيماء التضادّ الذي يحصل بين الأمل واليأس فقط، بل يتعدَّاه إلى توضيح التناقُض العموديّ بين الألم والارتياح من جهة ثانية، ليُقيم مجالَيْن دلالِيَّيْن: إيجابيّ؛ يجمعُ بين الأمل واللايأس والقوة، سمته السعادة. وسلبيّ؛ يجمع أطراف التضاد والتناقُض بين اليأس واللاأمل والضَّعف.
من هنا تكون قراءتُنا لمنطوق المربع السيميائي الذي يطرح المعنى العامّ للرسالة كالتالي:
يُصوِّرُ ابنَ خلدون في صورة المتمسك بالأمل، والدليل على ذلك القوَّة التي يتمتع بها في مواجهة المِحَن بفعل السعايات، وهذا ما يحقِّق الارتياح الذي يؤدِّي إلى السعادة، أمَّا مَن يخضع لليأس فهو مُتألِّم ضعيف في مواجهة المِحَن، وذلك مَدعاة للشَّقاء والحزن الدَّائم، وهو ما لم يجد طريقه إلى ابن خلدون.
________________________________________
[1]نبيلة إبراهيم: فن القص بين النظرية والتطبيق، ص 42.
[2] السيمائية بين النظرية والتطبيق، مطبوعات جامعة تلمسان، الجزائر، 1995م، ص 70.
[3] سامي سويدان: في دلالية القصص وشعرية السرد، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط1، 1991م، ص 24.
[4] سعيد بن كراد: النص السردي، ص 60.
[5] سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي، دار الآداب، بيروت لبنان، ط1، 2000م، ص 109.
[6]الفيروزآبادي: القاموس، م3، ص 359.
[7] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، م2، ص 191.
[8] المرجع نفسه، ص 191.
[9] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 922-923.
[10] المصدر السابق، ص 924.
[11] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، م2، ص190.
[12]المصدر نفسه، ص 181.
[13] ابن خلدون: التاريخ، ص 923.
[14] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، م1، ص 49.
[15] ابن خلدون: التاريخ. م14، ص 928.
[16] الرازي: مختار الصحاح، ص 314.
