بسم الله الرحمن الرحيم
أفي الرّثاءِ ابتسامٌ؟
د. محمد محمود أحمد محجوب[1]
1) تطرقُ مسامعَكَ، وتمرُّ أمامَ ناظرَيْكَ، نصوصٌ إبداعيةٌ كثيرةٌ، تَقذفُ بها المطابعُ يوميًّا، وتضيقُ بها صفحاتُ التّواصلِ الاجتماعيِّ. منْ تلكَ النّصوصِ ما يتناغمُ معَ الإيقاعِ السّريعِ للحياةِ المعاصرةِ، فَـــ”يَمُرُّ” دونَ تأثيرٍ في القارئِ، أَوْ يؤثّرُ فيهِ تأثيرًا لا يصلُ بموجبهِ إلى حدِّ الاحتفاظِ بموقعٍ على خريطةِ ذكرياتهِ، ومنها ما يكونُ عصيًّا على “المرورِ”، طَرّاقًا لأبوابِ الذّاكرةِ، وَلّاجًا إلى أغوارِ النفسِ؛ “فَيَسْتَوْقِفُكَ”، شئتَ أم أبيتَ. ومنْ هذا الضَّرْبِ الأخيرِ النّصّ الرّثائيّ الآتي[2]:
بَكَتْ عَمّانُ أَمْ ضَحِكَتْ ثَراها؟ *** أَبو المخْتارِ غابَ هُنا، أَتاها
فَتَبْكي إِذْ فَتاها غابَ عَنْها *** وَتَضْحَكُ حينَ ضَمَّتْهُ فَتاها
***
2) ذلكَ هوَ النّصُّ. فما الذي يستوقفُ القارئَ فيهِ؟
استوقفتني في النّصِّ ثلاثةُ أمورٍ:
الأمرُ الأوّلُ: إيجازهُ؛ فهوَ – على خلافِ ما عهدنا في النّصوصِ الرّثائيّةِ – لا يتجاوزُ بيتينِ! وكيفَ لِبَيْتَيْن اثنينِ فقطْ أنْ يتّسعَ فضاؤهما الدّلاليُّ للتّعبيرِ عنْ آهاتِ نفسٍ مكلومةٍ إلاّ أنْ يكونا منَ العمقِ والتفرّدِ بحيثُ تتقلّصُ فيهما استراتيجيةُ التّأبينِ النّمطيّةُ لصالحِ استراتيجيةٍ إبداعيّةٍ تقومُ على العدولِ عنِ المعهودِ، وتُؤَسِّسُ لبناءِ عَلاقاتٍ بينَ الوحداتِ اللّغويةِ وفقَ رؤيةٍ شعريّةٍ قوامها أنَّ الشّاعرَ “إنّما سُمّيَ شاعرًا؛ لأنّهُ يشعرُ بما لا يشعرُ بهِ غيرهُ” مِنْ دقيقِ الأمورِ، ولطيفِ الأحوالِ، وخفيِّ الأوصافِ؟!
ب) الأمرُ الثّاني: توظيفهُ الواعي صورًا شعريّةً محلّقةً في رَوْضٍ منَ الثّنائياتِ التي تتناسبُ تقابُلًا أوْ ترادُفًا، فتُضيءُ أعماقَ النّصِّ دلاليًّا، وتحقّق لهُ قدرًا غيرَ يسيرٍ مِنَ الانسجامِ الشّكليِّ، وتُشيعُ فيهِ نغمًا موسيقيًّا أخّاذًا. وفوقَ هذا وذاك تُغْري المتلقّيَ بالإذعانِ للمحتوى الشّعريِّ المتضمّنِ فيهِ. تأمّلْ – وأنتَ تقرأ النّصَّ – الثّنائيّاتِ الآتيةَ: (بكتْ/ ضحكتْ)، ( تبكي/ تضحكُ)، (غابَ/ أتى)، (عَمّانُ/ الثّرى)، (إذْ/ حينَ) فإنّكَ مدركٌ أنّها تكسرُ “أُفُقَ التّلقِّي” لديكَ.
إنَّ القيمةَ الفنيّةَ والإبداعيّةَ لهذهِ الصّورِ المجلجلةِ – علاوةً على ما سُطِرَ أعلاه – تكمنُ في أنّها لا تَرْضى للرّثاءِ أنْ يكونَ مجرّدَ عويلٍ ونُواحٍ؛ بل تسمو به، وتنحو منحًى فنّيًّا يكونُ فيهِ “الضّحكَ” مُعادلًا موضوعيًّا للبكاءِ!
وقدْ تعدّدتْ صورُ المكانِ في النّصِّ (عَمّان، الثّرى، هنا) تسويغًا لتجاورِ المتناقضاتِ، وإيذانًا بعلوِّ شأنِ الفقيد؛ إذْ تودّعه الدّنيا (عَمّانَ) بالبكاءِ عليهِ، وتستقبله الآخرةُ (الثّرى) بالابتسامِ و”الضّحكِ”، فهو غائبٌ حاضرٌ، ومُبْكٍ “مضحكٌ” في آنٍ معًا!
وبذلكَ يكونُ الشّاعرُ قدْ وُفّقَ في عرضِ مشهدينِ متباينينِ على لوحةٍ شعريّةٍ واحدةٍ: مشهدِ الأمِّ الثّكلى التي تتقطّعُ حزنًا وكمدًا على فراقِ وحيدها، فلا تجدُ غيرَ البكاءِ سبيلًا للتّعبيرِ عمّا دهاها (عَمّان)، ومشهدِ الحبيبةِ “المبتسمةِ” التي تمدُّ ذراعيها إلى الحبيبِ لتعانقه، وتفتحُ لهُ صدرها لتضمّهُ إليها بعدَ طولِ غيابٍ تعبيرًا عنْ شدّةِ الشّوقِ وحرارةِ اللّقاءِ (القبر)! إنّها “مفارقةٌ”؛ بلْ معادلةٌ شعريّةٌ بالغةُ التعقيدِ حقًّا.
وباعتبارِ أنَّ معجمَ السّرورِ وما يرتبطُ بهِ منْ “ضحكٍ” غيرُ مألوف في مقاماتِ الرثاءِ فقدْ لجأَ الشّاعرُ – في مسارٍ إبداعيٍّ – إلى تبنّي تقنيتيْنِ أسلوبيّتينِ متكاملتينِ:
التّقنيّةُ الأولى: عَكَسَها استهلالُهُ النَّصَّ بأسلوبِ الاستفهامِ المنبئِ عنْ خصوصيّةٍ في الفاجعةِ لا تُستبانُ معها حقيقةُ الفاجعة على الفورِ، ولا يسوغُ التّعبيرُ عنها إلّا بالسّؤال.
والتّقنيّةُ الثّانيّةُ: اعتمادهُ التّفصيلَ بعدَ الإجمالِ فيما يُشبهُ الإجابةَ عنِ السّؤالِ المثارِ في البيتِ الأوّلِ. وتأتي الفاء في صدرِ البيتِ الثّاني لتعزيزِ ذلكَ،؛ فتضْحو الصّياغةُ يقينيّةً يُجلّيها توازي شطريِ البيتِ.
الأمرُ الثّالثُ: قوّةُ الإيحاءِ فيهِ: فقد استطاعَ الشّاعرُ التّعبيرَ عنْ عاطفته تجاهَ المرثيِّ منْ خلالِ ألفاظٍ مشحونةٍ بدلالاتٍ وإيحاءاتٍ نافذةٍ. ونضربُ لذلكَ مثالينِ فقط:
الأوّل: وصفُهُ الفقيدَ بأنّه “فَتًى”؛ فالفُتُوّةُ في التّراثِ الأدبيِّ، تستحضرُ جميعَ معاني النّبلِ والكرمِ، وتختزلُ جلَّ القيمِ والمثُلِ العليا منْ فروسيّةٍ وغيرها على نحوِ ما يطالعنا في قولِ طرفةَ:
إِذا القَوْمُ قالوا مَنْ فَتًى خِلْتُ أَنّني***عُنيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ
والثاني: دعاؤهُ إيّاهُ بـ”أبي المختار” بدلاً من اسمه؛ إذْ في الكنيةِ منْ صادقِ الودِّ، حسبَ الأعراف العربيّةِ، ما ليسَ في الاسمِ الصّريحِ.
***
3) وهكذا تكونُ كثافةُ معاني النّصِّ، وطرافةُ الإبداعِ التّصويريِّ فيهِ، ومضامينهُ الإيحائيةُ النافذةُ – تحملُ منَ التّميّزِ ما يستوقفُ بعضَ القرّاءِ، ومنهمْ كاتبُ هذهِ السّطورِ.
______________________________________
[1] أستاذُ اللّسانياتِ في كليّةِ الآدابِ والعلومِ الإنسانيّةِ بجامعةِ نواكشوط، وخبيرٌ لغويٌّ في معجمِ الدَّوحةِ التّاريخيِّ للّغةِ العَرَبِيَّةِ. دكتوراه الدّولةِ في اللّسانياتِ (الدّراسة المصطلحيّة) سنةَ 2000م منْ جامعةِ فاس – المغربِ. حاضرَ في عدّةِ مؤسّساتِ تعليمٍ عليا، بجامعة الإماراتِ، والمعهد العالي للدّراساتِ والبحوثِ الإسلاميّةِ بنواكشوط. أدارَ مركزَ (البحوثِ والإنماءِ) أبو ظبي، له إسهاماتٌ نقديةٌ ولغويةٌ وتربويةٌ متنوِّعةٌ، مِن بينها التّحكيمُ العلميُّ، والإشرافُ على تأليفِ الكتبِ المدرسيّةِ. مِن بحوثِهِ المنشورةِ: (مفهومُ اللغةِ بينَ سوسير وتشومسكي)، و(عوائقُ التّواصلِ في الخطابِ النّحويِّ)، و(النَّسقُ المصطلحيُّ البلاغيُّ)، و(جدارُ الحمايةِ وفضاءُ النُّموّ – نظرةٌ في أولويّاتِ مسارنا اللغويِّ) …
[2] للشّاعرِ والمحامي أحمد الشّنقيطيّ.
