لا حرج في الأدب العربي؛ فكل من أراد التعبير اللغوي الفني فعل ما دام عليه قادرا، غير مكروب بإجراء ما يقعّده النقاد ولا لزوم ما يستحسنونه، أو هكذا ينبغي للأمر أن يكون. ولكن لا سبيل لذلك المعبِّر إلى إكراه النقاد على أن يجدوا لما أنتجه موضعا من علمهم ولا أن يصنفوه، حتى تتواتر على سلوك مسلكه أجيالُ المعبِّرين، وعلى قبوله أجيالُ المتلقين؛ فعندئذ لا يجد النقاد مناصًا من تصنيفه واعتباره.
ولقد كان إدراك هذا التواتر قديما يستغرق الزمان الطويل بعد الزمان الطويل، ثم تقاصر ما يستغرقه بانتشار المخطوطات، ثم المطبوعات، ثم المُذاعات، ثم المُرَقْمَنات، ثم المُشَبَّكات (المتداولات بشبكات التواصل)، حتى صار يستغرق أشهرًا ما كان يستغرق قُرونًا، ولم يعد مقبولا ولا معقولا أن يتمسك ناقدٌ بمقياس التواتر القَرْني في حضرة هذا التواتر الشَّهْري!
لقد ظهر لي ميل بعض شعراء العرب ولا سيما المعاصرون فيما ينظمون من قصائد قصيرة ميلًا جديرًا بالعناية، إلى القطعة العمودية ذات ثلاثة الأبياتِ المكتوبةِ على ثلاثة أسطُر بثلاث فِكَرٍ مُتجادلةٍ وعنوانٍ طارئ مُفردٍ مُنكَّر؛ فسميتها المثلثة الشعرية، ولم أشأ أن أنقطع لنقد بنيتها، حتى أراها في سياق الشعر العربي كله، غيرَ غافل في الأدب العربي المعاصر، عما سوى الشعر من الأجناس الأدبية، ولاسيما فيما أستنبط من أسرار هذا الميل إلى النص القصير، ثم فيما أحدد من آثاره.
وإذا ذُكرت البنيةُ الشعرية رفع رأسَه النقدُ اللغوي، حتى إذا ما اتضحَت رغبة هذا الكتاب في تحصيلِ فهمٍ شاملٍ تواضَع النقدُ اللغوي للنقد التاريخي والاجتماعي والنفسي والفلسفي، وانسلكت في إيقاع الحياة جميعا معا، حتى اعتذَر عن اعتلاجِ المناهجِ استقرارُ المنهجية، بخدمة الشعر العربي خدمةً عملية في هذا الزمن النظريّ!
إن تقيُّد تحليل البنية الشعرية وتركيبها في هذا الكتاب، بأدبيات البحث العلمي التجريبي الإنساني (المكاسب الاكتشافية والوصفية)، لَكفيلٌ إذا تَحَرَّرَ من هذه الأدبيات توجيهُ البنية الشعرية وتقديرُها وتحكيمُها فيما سواها، بأن يحافظ على سلامة بنيانه العلمي الكلي وتماسكه وتوهُّجه.
وإن هذا الكتاب أربعة فصول: أولها حركة القصيدة العربية، وفيه اشتغلت بتتبع حركة أطوال القصيدة العربية من قديم إلى حديث، ونقد ما تعلق بأطوالها من سماتها. وثانيها نصوص معاصرة قصيرة، وفيه اشتغلت بأسرار ميل الأدباء المعاصرين عن النص الطويل إلى النص القصير، ونقد أشهر الأجناس الأدبية العربية المعاصرة القصيرة. وثالثها المثلثة الشعرية، وفيه اشتغلت مما ينتمي إلى تلك الأجناس، بنقد بنية المثلثة الشعرية في أحد كتب الشعر الحديثة المختصة بها المقتصرة عليها. ورابعها آثار ظاهرة النص القصير، وفيه اشتغلت بتتبع الآثار المتعددة المختلفة التي تركها الولَعُ بالنص القصير على نسيج الأدب العربي المعاصر، ولا سيما الشعر.

