“تعلموا العربية أيها الجهلة” (3): “قل هو الله أحد” ليست سريانية ولا عبرية! رد على المتنصّر رشيد حمامي – أ.د. رياض الخوام


“تعلموا العربية أيها الجهلة” (3): “قل هو الله أحد” ليست سريانية ولا عبرية! رد على المتنصّر رشيد حمامي – أ.د. رياض الخوام



أ‌- التفسير الثالث: ذكرنا في الحلقة الأولى وصف أسلوب ضمير الشأن عند العرب، والآن أود أن أبين للجويهل رشيد وصاحبه إبراهيم أساليب كثيرة لضمير الشأن عند العرب لأن كثرة الاستعمال مع تنوع التراكيب، فيها دلالة على أن العقل اللغوي، عربي خالص لا تشوبه العجمة التي تمنع من كثرة التصرف فيه، إذ لو كان أسلوبًا أعجميًّا لوجدته منكمشًا على شكله، بخلاف الألفاظ والتراكيب العربية الأصيلة، فهي صالحة للتوليد وإنتاج الكثير المتنوع فمما لحظته على تعقيب “إبراهيم” حول “قل هو الله أحد” أنه قصر حديثه على أن هذا الأسلوب لا يفهم إلا بفهم “قل هو الله أحد” السريانية كما زعم، ولم يتحدث عن أي أسلوب آخر فكأن السريانية أقفرت فلم تنتج أساليب متنوعة كالتي نراها في العربية أي لم يستعمل السريان هذا الضمير إلا في “قل هو الله أحد”؟! والظاهر أن إبراهيم لم يحفظ إلا الدرسَ الذي طولب به من أجل المداخلة والتعقيب فلو كان عالماً بالسريانية كما زعم الكاذب رشيد لذكر أساليب أخرى تدل على تمكن ضمير الشأن عند السريان، فمجيئه في أسلوب واحد، وهو “قل هو الله أحد” يدفع إلى الشك في كونه سريانيا، فهل يُعقل أن السريان لم يستعملوه إلا في “قل هو الله أحد”؟ والذي لا شك فيه – كما ذكرت – أن تنوع استعمال هذا الضمير وكثرته، يفيد أنه إنتاج عربي أصيل شائع عندهم كغيره من الأساليب العربية التي تتعلق بالضمائر أو بغيرها من الأساليب العربية المطردة، فلو كان مأخوذاً من السريانية لبقي “قل هو الله أحد” كما هو من غير تنوع في الاستعمال، وعهدنا بالمعرَّب على العموم أن يبقى كما هو، وقد يحصل له تغيير صوتي لبعض الحروف كما حصل في كل معرَّب ساقوه تقريباً(1)، لذا لا يمكن القول: إن هذا التركيب ليس عربياً وأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم من السريان أو اليهود، وتعال الآن أيها الجويهل لترى ما يؤكد أن العرب استعملته باقتدار واضح، قال سيبويه: “ومما يُضمَرُ لأنه يفسره ما بعده ولا يكون في موضعه مظهر، قولُ العرب: إنَّه كرامٌ قومُك، وإنَّه ذاهبةٌ أَمَتُك، فالهاء إضمار الحديث الذي ذكرتَ بعد الهاء” (2) وأشار إلى أن العرب تحذفه و تقدره أيضاً فقال: “من ذلك قولُ العرب “ليس خلقَ الله مثله” فلولا أن فيه إضماراً لم يجز أن تذكر الفعل”، ثم ساق بيتا من الشعر لحُميد الأرقط قال فيه:
فأصبحوا والنَّوى عالي مُعرَّسِهم *** وليس كلَّ النوى تُلقي المساكينُ (3)
وأورد ابن يعيش عدداً آخر من استعمالاته منها قول العجير السلولي
إذا مُتُ كان الناسُ صنفان شامتٌ *** وآخرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ
ومنه قول هشام أخي ذي الرمة:
هي الشفاءُ لداء لو ظفِرتُ بها *** وليس منها شفاءُ الداء مبذول ُ (4)
ثم تعال معنا أيها الجويهل لترى تنوع استعمالاته في القرآن الكريم الذي نزل بلغة العرب وبنظامهم اللغوي فخطابه العرب بهذا الأسلوب يدل على معرفتهم به إذ لا يُعقل أن يخاطبهم بل يتحداهم بأسلوب لا عهد لهم به، أو يتحداهم بأسلوب سرياني أو عبري؟ لو علم اليهود أو النصارى أن هذا الأسلوب هو من تراكيبهم اللغوية فهل نتصور أنهم سيسكتون؟ لا شك أنهم لو عرفوا ذلك لما ترددوا في نشر ذلك، ولقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت أخذت هذا من عندنا ولا يحق لك أن تتحدانا وتتحدى العرب على أن يأتوا بمثله، فسكوت العرب المشركين واليهود والنصارى على ذلك وعدم اتهام النبي بذلك يعد دليلاً واضحاً على عدم سماعهم بمثل هذا النسق المعجز.
والذي نعتقده أن هذا الأسلوب لو كان أعجمياً لما صمد للتحدي اللغوي الذي أعجز أمراء البيان وأصحاب الفصاحة؟ لقد وجدنا هذا الضمير في عدد من الآيات القرآنية ضمن استعمالات متنوعة أي لم يقتصر استعماله على “قل هو الله أحد” كما زعم “إبراهيم” فمن أمثلة وروده في القرآن الكريم قوله تعالى: “وأنه لما قام عبد الله يدعوه” وقوله أيضاً “فإنها لا تعمى الأبصار” وقوله تعالى “أولم تكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل”.
فما أوردناه من أمثلة عربية – ذكرها النحاة وأهل اللغة – ومن آيات قرآنية، يدفعنا إلى القول: إن شيوعه عندهم باستعمالاته المتنوعة، يدل على أنه كغيره من أساليبهم المطردة العربية الأصيلة التي لم يزعم أحد أنها أعجمية، فالنظام العربي اللغوي الأصيل أنتج استعمالات ضمير الشأن المتعددة؟ ومما يؤنس في هذا المقام ما قاله أهل اللغة في ظاهرة الاشتقاق الداخلي في اللغة العربية “من المحال أن تنتج النوق إلا حُوراناً- جمع حوار – وتلد المرأة إلا إنساناً” (5) ونضيف فنقول ومن المحال أن تكثر هذه الأساليب وتتنوع بناء على أسلوب دخل العربية من لغة أخرى فهل لديكم لذلك نظير؟ أعني جملة سريانية أو عبرية، وولّدها العرب فصارت عشرات وعشرات؟ ويحكم أيها الجهلة!
ولتعلم أيها الجويهل أن العربية تتسع لهذا الضمير ولغيره، هل سمعت بضمير اسمه ضمير الفصل، له وظيفة أيضاً معنوية ونحوية، ونوعت العرب أيضا في استعماله، عليك أن تتعرَّف عليه وتأتي بضيف آخر غير إبراهيم يعلق عليه ويجعله من اللغة العبرية، وأوصيكما أيها المفتريان أن تحفظا الدرس بدقة، أوصيكما بذلك لأن ما ذكره “إبراهيم” حول وظيفة ضمير الشأن بأنه ضمير تأتي بعده جملة تفسره، هو ما قاله نحاتنا حول وظيفته؟ فهل عندكم مصدر أو مرجع ذكر الغرض منه كما ذكر علماؤنا؟ لقد سرقتم ما قاله علماؤنا حوله وزعمتم أن السريان قصدوا هذه الوظيفة التي تتفق تماما مع تفسيرات علمائنا له! اذكروا مصادركم السريانية التي تحدثت عن وظيفة ضمير الشأن والغاية من استعماله؟ فإما السريان سرقوا فكرة الوظيفة من العرب، وإما أنت يا رشيد (المتنصر) اليوم (المٌتعبّر) ربما غداً، ويا إبراهيم (المُتسَرْين)، سرقتما أقوال علمائنا ونسبتموها إلى السريان؟ والمهم بعد ذلك كله أن العرب ليسوا بحاجة إلى الاقتراض من لغات أخرى لتكميل ما ينقصهم مما يلزمهم للتعبير به عن أغراضهم ثم هل نسيت أنهم أمناء في وصفهم لغتهم الشريفة، فها هو الخليل كان ينص في معجمه “العين” على أن بعض الكلمات مهملة أي لم تستعملها العرب، فلو كانوا لا يعرفون ضمير الشأن لقالوا: إننا لا نعرفه ولا نعرف أساليبه؟ بل لن يجدوا غضاضة من القول: إنه سرياني أو عبراني كما نصوا على غيره من الألفاظ الأعجمية التي وردت في القرآن الكريم؟ وهذه الأمانة تبدو في كل درسهم اللغوي حتى رأيناهم يعترفون في اختلافهم حول تفسير بعض أقوال العرب فكيف إذا لقيهم أسلوب سرياني أو عبري؟ لا شك كانوا سيبدون آراءهم فيه بدقة قبولا أو نقدا أو اعترافاً بعدم معرفتهم به مثال ذلك قول عن العرب وصل إلى علماء النحو واللغة وهو “ما أغفله عنك شيئا” فهذا القول جعلهم يختلفون كثيراً في تفسيره وتوضيحه وجاءت أقوالهم دالة على أمانتهم وصدقهم، قال الأخفش عنه: أنا مذ عقلت أسأل عن هذا فلم أجد من يعرفه على الحقيقة، وكان يونس يقول: ذهب من كان يعرف هذا (6) فلو كان أسلوب ضمير الشأن غير معروف عندهم لقالوا: لا نعلمه ولتفانوا في معرفته وكشف أصوله ومشاكله! نعم إنهم صادقون في ضبط لغتهم، ولقد رأينا هم يفردون كتباً وفصولا عنونوها بـ “ليس في كلام العرب” ككتاب: ليس لابن خالويه، واستعملوا عبارات في كتبهم اللغوية تفيد أنهم على بصر وإدراك لما استعملته العرب أولما لم تنطق به، من هذه العبارات “لا يقال كذا” أو لم نجد “أو كل ما كان أو جاء” (7) كما أفردوا للمعرَّب كتباً – ككتاب المعرب للجواليقي وكتاب شفاء العليل للخفاجي – وعقدوا فصولا واسعة في كتب اللغة ذكروا فيها المعرَّب؟ فهل تركوا “قل هو الله أحد “إلى الضال رشيد ومن والاه ليتشدق ويقول أخذه الرسول من السريانية، ولا نظير له في العربية! طمس الله قلبك ما أغفلك وصاحبك إبراهيم؟ لقد استشرفت العرب بكما فقالت: ضعيف عاذ بقرملة، سفهكما الله وقبحكما، مشائيم لا تصلحون إلا للافتراء والكذب. وانتظر أيها الضال الحلقة الثالثة ففيها ما يكشف زيفك أيضاً ورحم الله القائل:
والصبر يُحمدُ في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه مذموم
– وأخيراً ثمة فرية ذكرها الغبي حين قال: إن المكتوب على أبواب اليهود: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا، رب واحد” ويتخيل هذا الغبي أن الرسول قرأها وغيرها وجعلها “قل هو الله أحد” والجواب:
1- أن جملة: اسمع…إلخ العبرية ليس فيها ضمير الشأن، فلا وجه للمقارنة لأن حديثنا هو عن ضمير الشأن .
2- أن هناك فرقا بين لفظة “أحد” ولفظة “واحد” كما سيأتي.
3- أن هناك فرقا بين الفعل “اسمع” والفعل “وقل”، وحين لم تجد يا رشيد التطابقَ افتريت وقلت إنه صلى الله عليه وسلم غيَّرَ وبدَّلَ.
4- أن إبراهيم صاحبك جعل “قل هو الله أحد” سريانية، وأنت تجعلها عبرية، وتزعم أن الرسول غيَّرَ وبدَّلَ، فلماذا لا تستقرون على رأي؟ فهل أخذها صلى الله عليه وسلم من السرياني أم من العبري؟ لماذا هذا التخليط والافتراء، حين قلتم سرياني قلتم: إن التركيب كله بضمير الشأن أخذه الرسول، وحين قلتم: إنه عبري قلتم غير وبدل وحذف، فلماذا أبقاها كما هي في السريانية وبدلها في العبرية؟ كان يكفيه أن يأخذها من مصدر واحد، شاهت وجوهكم كلام كله خطل وتخليط ودجل، فالأسلوب كله عربي صريح أصيل، وما ذكرناه من أدلة تدفع زعم سريانيته، ينطبق تماما على الزعم بعبريته؟ فمما أوردناه أعتقد أنه لم تعد تهمنا ترهاتكم ولا زعماتكم فهي لا تحتمل الفرك لهشاشتها وضعفها بل لا تستحق الرد، وإني وايم الله لا أرد عليكم إلا لتحصين شبابنا ممن قد يسمعون نهيقكم وفحيحكم؟ ولندعكم في طغيانكم وضلاكم تتخبطون، ولكم دينكم ولنا ديننا؟ والظاهر أن رشيداً – قبحه الله – يريد أن يخدم اليهود لذلك تراه يهتم كثيراً بجعل أصل تركيب “قل هو الله أحد” عبرياً؟! فهو مذبذب، يقف مع من يدفع له مالا أكثر، فلو دفع له النصارى أكثر لقال إنه عبري، فهو أشبه الناس بابن الراوندي الزنديق، فمن أخباره أنه كان يؤلف كتاباً لأية طائفة تدفع له مالا؟ فكان ابن الأعرابي – من اللغويين – إذا رآه يقول له: كفاك يا نسناس! ونحن نقول لرشيد ومن والاه كفاكم يا نسانيس كذباً وتدجيلا وتزويراً! والظاهر أيضاً أن هذه الحلقات التي يعقدها رشيد الضال كلها تمثيل كاذب، فكل واحد من المشتركين والمعقبين له وظيفة يؤديها، والغاية تشويش المسلمين ليس غير خسئتم ورب الكعبة، فالإسلام هو السراج المنير المخلص لكل البشر.
والخلاصة أن لا دليل عندكم تعتمدون عليه في دعواكم القائمة على الظن والتخمين والتزوير والكذب، إذ قد بان لنا من مجموع ما أوردناه من إجابات وتفسيرات تهافت آرائكم وفساد أباطليكم. وصدق الله العظيم القائل: “وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون” من أمثال رشيد ومن يعاونه من المزورين المبطلين.

__________________
1 – انظر أمثلة من هذا التغيير في المزهر 1/278
2 – الكتاب 2/176
3 – الكتاب 1/70
4 – شرح المفصل ،3/116
5 – المزهر 1/287
6 – أخبار أبي القاسم الزجاجي 1/63 موقع الموسوعة الشاملة معناه أي دع الشك وما موصولية مبتدأ وشيئا مفعول به لفعل محذوف تقديره انظر، وعزا الزجاجي اختلافهم في تفسيره إلى أن المضمر لم يستعمل كثيرا هنا، لذا غمض أمره.
7 – انظر المزهر 2/90


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *