أبو مذود : بل بئس – والله – الخَيْبَةُ ما خِبْتُ !
مواليه : اللهم نجاةً !
أبو مذود : مِنَ الْغَفْلَةِ وَالْغَفَلَةِ !
مواليه : حاشاك وإيّانا أن نكون من الغافلين !
أبو مذود : وهل أغفل ممن استأنسوا من العلم مستوحشين من الفن ، ” وَما تَفَرَّقوا إِلّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ” ، صدق الله العظيم !
مواليه : حَنانَيْكَ ، مولانا ، قلوبنا أَوْعِيَةٌ أَواعٍ بين يديك !
أبو مذود : إِنَّ الْمُوَصَّيْنَ بَنو سَهْوانَ !
مواليه : ” عَفا اللّهُ عَمّا سَلَفَ ” !
فَتَساخَرَ أبو مذود : فأما السالف منكم إليَّ فلا !
فَتَصاغَرَ مواليه : ” وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ” !
فَرَقَّ لَهُمْ أبو مذود : ” لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ ” .
اعلموا – يا مساكين – أنكم جميعا مصيبون غير مخطئين ؛ فلقد تساجلتم في عروض الشعر لا في علم عروض الشعر ، وإن كنتم عَيَّنْتُمْ أعاريضكم بمصطلحاته .
وبين عروض الشعر وعلم عروضه فرق واضح ؛ فعروضه تكرار مُرَكَّباتِ مقاطع أصواته اللغوية المُعَيَّنَةِ ، على نحو خاص يدركه السامع ويرتاح له ، وعلم عروضه منهج البحث عنه المفضي إلى ضبطه بقواعد أصيلة جامعة مانعة .
ثم بين حركة عروض الشعر وحركة علم عروضه فرق كذلك واضح ؛ فحركة عروضه سريعة سابقة لحركة علمه ، وحركة علمه بطيئة لاحقة لحركة عروضه ؛ فربما وَلَّدَ شاعر في شعره ما أَهمله عالم في علمه جريًا على ألا يثبت إلا ما تواترت على توليده أجيال من الشعراء ، وعلى قبوله أجيال من المتلقين .
براء : أجل ، قد أهمل الخليل بحر المتدارك !
أبومذود : أهمله – رضي الله عنه ! – وله منه قصيدتان ، إهمالَ العالِم ، وأثبته على دائرة المُتَّفِقِ مُهْمَلًا ؛ فلله دره ، أيَّ إنسان كان ! لَمّا لم يكن تَواتَرَ عليه غيره لم يثبته ، وكأني بالأخفش وارثِ علمه وباب الناس إليه ، لم يُعْمِلْهُ إلا بقصيدتيه إكبارا له !
أيمن : وربما تواترت على التوليد أجيال من الشعراء ، وعلى القبول أجيال من المتلقين ، والعالمُ على إهمالِهِ نَفْسِهِ لا يَتَحَلْحَلُ !
أبو مذود : أجل ، نِحْلَةً فيه قَداميَّةً يَدْرَأُ بها نِحْلَةَ في الشعراء حَداثيَّةً أو مُسْتَقْبَليَّةً !
أنس : وهل القدامية في العلماء دون الفنانين ، والحداثية والمستقبلية في الفنانين دون العلماء ؟
أبو مذود : اعلموا – يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي – أن القدامي من اشتغل بالماضي وعمل له ، والحداثي من اشتغل بالحاضر وعمل له ، والمستقبلي من اشتغل بالمستقبل وعمل له ؛ ومن ثم يكونهم العلماءُ والفنانون جميعا .
ولكننا نقبل الفنان قداميا أو حداثيا أو مستقبليا لا يرى غير نفسه ، ولا نقبل العالم إلا قداميا حداثيا مستقبليا جميعا معا ، حتى إذا تَلاعَنَ بين يديه الفنانون الثلاثة وتَنافَوُا ، استوعبهم بكمال نظره الذي لن يكون إلا بمزج أعمالهم كلها بعضها ببعض مادةً لعمله .
ومن ثم ظهر بَيِّنًا جَليًّا في الحضارات المختلفة جَوْرُ الفنان ، وغَمَضَ وصَعُبَ اجتماعُ الفن والعلم لإنسان واحد !
براء : قَداميّانِ بالِيان !
أيمن : غافِلانِ غائِبان !
أنس : مُسْتَقْبليّانِ واهِمان !
أبو مذود : إِنَّ الْمُوَصَّيْنَ بَنو سَهْوان !
ما صاحباك – يا أنس – بواهمين ، ولا صاحباك – يا أيمن – بغائبين ، ولا صاحباك – يا براء – بباليين ، بل ما ذكرتموه – يا مساكين – كله شعر عربي بعروض عربي .
مواليه : أَيْنَ ، أَيّانَ ، أَنّى ؟
أبو مذود : أما النمط الأول الذي عَيَّنَهُ أنس ، فالنوع القديم المستمر ، الذي نشأ بجزيرة العرب قبل هجرة رسول الإسلام – صلى الله عليه ، وسلم ! – بعدة قرون ربما كانت خمسة ، وضبطه الخليل – رضي الله عنه ! – بكتابه الضائع . ولا أرى من بأس في أن نسميه ” العَموديَّ ” على الشائع فيه الآن ، ولا سيما أنه النوع الذي نبه أبو علي المرزوقيُّ في مقدمة شرحه لمختارات أبي تمام منه ، على العمود الذي به نَهَضَ الشعر العربي القديم من سائر الكلام واختيرت مختاراتُه من سائر القصائد ، كالعمود الذي به تنهض الخيمة من سائر الأرض وتُؤْثَرُ من سائر المنازل .
وأما النمط الثاني الذي عَيَّنَهُ أيمن ، فالنوع الوسيط المستمر ، الذي نشأ بالأندلس أواخر القرن الهجري الثالث ، بهندسة أشطار البيت العمودي تامًّا أو غيرَ تامٍّ وزَخْرَفَةِ أَطْرافها ، وضبطه هبة الله بن سناء الملك ، بكتابه ” دار الطراز في عمل الموشحات ” ، وسمي ” المُوَشَّحَ ” لشبه أشطار أبياته المتوالية مهندسةً مزخرفةً ، بصفوف الجواهر واللآلئ المتوالية ملصقةً على وشاح زينة المرأة الذي تجذبه من خَصْرِها لتطرحه على كتفها .
وأما النمط الثالث الذي عَيَّنَهُ براء ، فالنوع الحديث المستمر ، الذي نشأ بالعراق والشام ومصر أواخر النصف الأول من القرن الميلادي العشرين ، بإطلاق البيت من عقال شطري البيت العمودي وقافيته وعقال أشطار البيت الموشح وقوافيها ، واجتهدت أن تضبطه نازك الملائكة بكتابها ” قضايا الشعر المعاصر ” ، ولا أرى من بأس في أن نسميه ” الحُرَّ ” على الشائع فيه الآن ، ولا سيما أنه ظاهر التحرر من قيود العمودي والموشح .
أنس : كيف تعد ذَيْنِكَ المُوَشَّحَ والحُرَّ كهذا العَموديِّ !
أيمن : بل كيف تعد ذَيْنِكَ العَموديَّ والحُرَّ كهذا المُوَشَّحِ !
براء : بل كيف تعد ذَيْنِكَ العَموديَّ والمُوَشَّحَّ كهذا الحُرِّ !
أبو مذود : بَلْ إِنَّ الْمُوَصَّيْنَ بَنو سَهْوان !
هي – يا مساكين – سَواءٌ ، كُلُّ نَوْعٍ منها وَلَدُ دَواعٍ خاصة من الأسباب والغايات والوسائل وغيرها ، وكلُّ داع من هذه الدواعي إنسانيٌّ باقٍ بَقاءَ الإنسان نفسِهِ ؛ فمن ثم ينبغي أن نقبل كل نوع من الشعر قبولنا لكل طَوْرٍ مِنْ أَطْوارِ الإنسان أو لكلِّ حالٍ مِنْ أَحْوالِهِ ، فإنْ يَفْضُلْ عَمَلٌ ما مِنْ نوع أحيانا عَمَلًا ما مِنْ نوع آخر ، لم يحملنا فَضْلُ الفاضل على إلغاء نوع المَفْضول ؛ فإن الأعمال لَتَتفاضَلُ في النوع الواحد نفسه ؛ فكيف بها في الأنواع المختلفة ، ثم إن الفاضل عند أحدكم ربما كان مفضولا عند غيره ، والعكس صحيح كذلك .
ثم إننا إن لم تَدْعُنا إلى نوع ما دواعيه ، ثَقَّفَتْنا ثَقافَتُهُ المتعلقةُ به التي لا خير في اطراحها ؛ فزادت من إنسانيتنا وأخصبت من حياتنا وأنارت من بصيرتنا ، ورحم الله محمود حسن إسماعيل !
- معجم الإنسان وصفاته في المأثورات الشعبية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (5)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- مفهوم الفصاحة عند فهد عاشور* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة (4)؟ – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (3) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- علة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل الفصحى لغة مصطنعة؟ (2)* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- لا يُتعجب من الفعل الرباعي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- هل اللغة العربية الفصحى لغة مصطنعة* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
- في خصائص النظام النحوي* – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان
ديسمبر 3, 2014 7:28 م
وَا عَرُوضَ شِعْرَاهْ!=3 – أ.د. محمد جمال صقر
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.m-a-arabia.com/site/5529.html
