مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
1
بَصيرَةُ الْأَعْمى
“حَدَّثَني عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُسَوَّدِ بْنِ وَرْدانَ مَوْلى رَسولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِه ، وَسَلَّمَ – قالَ :
خَرَجَ أَعْرابيٌّ مَكْفوفٌ وَمَعَه ابْنَةُ عَمٍّ لَه لِرَعْيِ غَنَمٍ لَهُما ، فَقالَ الشَّيْخُ :
أَجِدُ ريحَ النَّسيمِ قَدْ دَنا ؛ فَارْفَعي رَأْسَكِ ، فَانْظُري !
فَقالَتْ : أَراها كَأَنَّها رَبْرَبُ مِعْزًى هَزْلى !
قالَ : ارْعَيْ ، وَاحْذَري .
ثُمَّ قالَ لَها بَعْدَ ساعَةٍ : إِنّي أَجِدُ ريحَ النَّسيمِ قَدْ دَنا ؛ فَارْفَعي رَأْسَكِ فَانْظُري !
قالَتْ : أَراها كَأَنَّها بِغالٌ دُهْمٌ تَجُرُّ جِلالَها !
قالَ : ارْعَيْ ، وَاحْذَري .
ثُمَّ مَكَثَ ساعَةً ، ثُمَّ قالَ : إِنّي لَأَجِدُ ريحَ النَّسيمِ قَدْ دَنا ، فَانْظُري !
قالَتْ : أَراها كَأَنَّها بَطْنُ حِمارٍ أَصْحَرَ !
فَقالَ : ارْعَيْ ، وَاحْذَري .
ثُمَّ مَكَثَ ساعَةً ، فَقالَ : إِنّي لَأَجِدُ ريحَ النَّسيمِ ، فَما تَرَيْنَ ؟
قالَتْ :
أَراها كَما قالَ الشّاعِرُ :
دانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الْأَرْضِ هَيْدَبُه يَكادُ يَدْفَعُه مَنْ قامَ بِالرّاحِ
كَأَنَّما بَيْنَ أَعْلاه وَأَسْفَلِه رَيْطٌ مُنَشَّرَةٌ أَوْ ضَـوْءُ مِصْباحِ
فَمَنْ بِمَحْفِلِه كَمَنْ بِنَجْوَتِه وَالْمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يَمْشـي بِقِرْواحِ
فَقالَ : انْجي ، لا أَبالَكِ !
فَما انْقَضى كَلامُه ، حَتّى هَطَلَتِ السَّماءُ عَلَيْهِما “.
عن الأصفهاني في “الأغاني “
2
أَدَبُ الْمُلوكِ
“أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبّاسِ الْيَزيديُّ ، قالَ : حَدَّثَني عَمّي عُبَيْدُ اللّهِ ، قالَ :
حَدَّثَني أَبي أَنَّ الْمَأْمونَ قالَ لِمَنْ حَضَرَه مِنْ جُلَسائِه : أَنْشِدوني بَيْتًا لِمَلِكٍ ، يَدُلُّ الْبَيْتُ – وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ قائِلُه – أَنَّه شِعْرُ مَلِكٍ .
فَأَنْشَدَه بَعْضُهُمْ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ :
أَمِنْ أَجْلِ أَعْرابيَّةٍ حَلَّ أَهْلُها جَنوبَ الْمَلا عَيْناكَ تَبْتَدِرانِ
قالَ : وَما في هذا مِمّا يَدُلُّ عَلى مُلْكِه ! قَدْ يَجوزُ أَنْ يَقولَ هذا سوقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ ، فَكَأَنَّه يُؤَنِّبُ نَفْسَه عَلى التَّعَلُّقِ بِأَعْرابيَّةٍ . ثُمَّ قالَ : الشِّعْرُ الَّذي يَدُلُّ عَلى أَنَّ قائِلَه مَلِكٌ قَوْلُ الْوَليدِ :
اِسْقِني مِنْ سُلافِ ريقِ سُلَيْمى وَاسْقِ هذا النَّديمَ كَأْسًا عُقارا
أَما تَرى إِلى إِشارَتِه في قَوْلِه : “هذا النَّديمَ “، وَأَنَّها إِشارَةُ مَلِكٍ !
وَمِثْلُ قَوْلِه :
لِيَ الْمَحْضُ مِنْ وُدِّهِمْ وَيَغْمُرُهُمْ نائِلي
وَهذا قَوْلُ مَنْ يَقْدِرُ بِالْمُلْكِ عَلى طَويّاتِ الرِّجالِ : يَبْذُلُ الْمَعْروفَ لَهُمْ ، وَيُمْكِنُه اسْتِخْلاصُها لِنَفْسه “!
عن الأصفهاني في “الأغاني “
3
طَبيبَةُ الشُّعَراءِ
“حَدَّثَنا أَبو أَيّوبَ الْمَدينيُّ ، عَنِ الْحارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَوْفيِّ ، قالَ :
وَقَفَتْ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَليٍّ – عَلَيْهِما السَّلامُ ! – عَلى عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ ، في مَوْكِبها ، وَمَعَها جَواريها ، فَقالَتْ : يا أَبا عامِرٍ ، أَنْتَ الَّذي تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ مُروءَةً ، وَأَنَّ غَزَلَكَ مِنْ وَراءِ عِفَّةٍ ، وَأَنَّكَ تَقيٌّ !
قالَ : نَعَمْ .
قالَتْ : أَفَأَنْتَ الَّذي تَقولُ :
قالَتْ وَأَبْثَثْتُها وَجْدي فَبُحْتُ بِه قَدْ كُنْتَ عِنْدي تُحِبُّ السَّــتْرَ فَاسْتَتِرِ
أَلَسْتَ تُبْصِرُ مَنْ حَوْلي فَقُلْتُ لَها غَطّى هَواكِ وَما أَلْقى عَلى بَصَري
قالَ لَها : بَلى .
قالَتْ : هُنَّ حَرائِرُ ، إِنْ كانَ هذا خَرَجَ مِنْ قَلْبٍ سَليمٍ “!
عن الأصفهاني في “الأغاني “
4
اسْمُ لُبْنى
“قالوا:
فَلَمّا ارْتَحَلَ قَوْمُها اتَّبَعَها – قَيْسُ بْنُ ذَريحٍ – مَليًّا ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ أَباها سَيَمْنَعُه مِنَ الْمَسيرِ مَعَها ؛ فَوَقَفَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَبْكي ، حَتّى غابوا عَنْ عَيْنِه ؛ فَكَرَّ راجِعًا ، وَنَظَرَ إِلى أَثَرِ خُفِّ بَعيرِها ؛ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُه ، وَرجَعَ يُقَبِّلُ مَوْضِعَ مَجْلِسِها ، وَأَثَرَ قَدَمَيْها ، فَليمَ عَلى ذلِكَ ، وَعَنَّفَه قَوْمُه عَلى تَقْبيلِ التُّرابِ ؛ فَقالَ :
وَما أَحْبَبْتُ أَرْضَـكُم وَلكِنْ أُقَبِّلُ إِثْرَ مَنْ وَطِئَ التُّرابا
لَقَدْ لاقَيْتُ مِنْ كَلَفـي بِلُبْنى بَلاءً ما أُسـيغُ بِه الشَّرابا
إِذا نادى الْمُنادي بِاسْمِ لُبْنى عَييتُ فَما أُطيقُ لَه جَوابا”.
عن الأصفهاني في “الأغاني”
5
مَقامُ الْإِنْشادِ
” قالَ الزُّبَيْرُ : حَدَّثَتْني ظَبْيَةُ ، قالَتْ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ ، يُنْشِدُ زَوْجي قَوْلَ قَيْسِ يْنِ ذَريحٍ :
إِذا ذُكِرَتْ لُبْنى تَأَوَّهَ وَاشْـــتَكى تَأَوُّهَ مَحْمــومٍ عَلَيْهِ الْبَلابِلُ
يَبيتُ وَيُضْحي تَحْتَ ظِلِّ مَنيَّةٍ وَفي الْحُبِّ شُـغْلٌ لِلْمُحبّينَ شاغِلُ
فَصاحَ زَوْجي : أَوَّهْ ! واحَرَباهْ ! واسَلَباهْ !
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى ابْنِ جُنْدَبٍ ، فَقالَ : وَيْلَكَ ! أَتُنْشِدُ هذا كَذا !
قالَ : فَكَيْفَ أُنْشِدُه ؟
قالَ : لِمَ لا تَتَأَوَّهُ كَما يَتَأَوَّهُ، وَتَشْتَكي كَما يَشْتَكي” !
عن الأصفهاني في “الأغاني”
6
عُقوقُ الشُّعَراءِ
” قالَ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ :
لا خَيْرَ في الْعَيْشِ إِنْ دُمْنا كَذا أَبَدًا لا نَلْتَقي ، وَسَبيلُ الْمُلْتَقى نَهَـــجُ
قالوا : حَرامٌ تَلاقينا ؛ فَقُلْتُ لَهُمْ : ما في التَّلاقي وَلا في غَيْرِهِ ، حَرَجُ
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـــجُ !
فَقالَ سَلْمٌ الْخاسِرُ أَبْياتًا ، ثُمَّ أَخَذَ مَعْنى هذا الْبَيْتِ ، فَسَلَخَهُ ، وَجَعَلَهُ في قَوْلِهِ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ !
فَبَلَغَ بَيْتُهُ بَشّارًا ؛ فَغَضِبَ ، وَاسْتَشاطَ ، وَحَلَفَ أَلّا يَدْخُلَ إِلَيْهِ وَلا يُفيدَهُ وَلا يَنْفَعَهُ ما دامَ حَيًّا !
فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهِ بِكُلِّ صَديقٍ لَهُ وَكُلِّ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ؛ فَكَلَّموهُ فيهِ ، فَقالَ : أَدْخِلوهُ إِلَيَّ ، فَأَدْخَلوهُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَدْناهُ ، ثُمَّ قالَ : إيهٍ ، ياسَلْمُ ، مَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـجُ ؟
قالَ : أَنْتَ يا أَبا مُعاذٍ . قَدْ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِداءَكَ !
قالَ : فَمَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ ؟
قالَ : تِلْميذُكَ وَخِرّيجُكَ وَعَبْدُكَ ، يا أَبا مُعاذٍ !
فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ ، وَقَنَّعَهُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ في يَدِهِ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَقولُ : لا أَعودُ – يا أَبا مُعاذٍ – إِلى ما تُنْكِرُهُ ، وَلا آتي شَيْئًا تَذُمُّهُ ؛ إِنَّما أَنا عَبْدُكَ وَتِلْميذُكَ وَصَنيعَتُكَ ! وَهُوَ يَقولُ لَهُ : يا فاسِقُ ، أَتَجيءُ إِلى مَعْنًى قَدْ سَهِرَتْ لَهُ عَيْني ، وَتَعِبَ فيهِ فِكْري ، وَسَبَقْتُ النّاسَ إِلَيْهِ ، فَتَسْرِقَهُ ، ثُمَّ تَخْتَصِرَهُ لَفْظًا تُقَرِّبُهُ بِهِ لِتُزْرِيَ بِهِ عَلَيَّ وَتُذْهِبَ بَيْتي ! وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَلّا يَعودَ ، وَالْجَماعَةُ يَسْأَلونَهُ !
فَبَعْدَ لَأْيٍ ما شَفَّعَهُمْ فيهِ ، وَكَفَّ عَنْ ضَرْبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لَهُ ، وَرَضِيَ عَنْه ” !
عن الأصفهاني في ” الأغاني “
7
غَريبُ الْحِمارِ
” حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجّاجِ ، قالَ :
جاءَنا بَشّارٌ يَوْمًا ، فَقُلْنا لَه : ما لَكَ مُغْتَمًّا ؟
فَقالَ : ماتَ حِماري فَرَأَيْتُه في النَّوْمِ ، فَقُلْتُ لَه : لِمَ مِتَّ ؟ أَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ ؟
فقال :
سَيِّدي خُذْ بي أَتانًا عِنْدَ بابِ الْأَصْبَهاني
تَيَّمَتْني بِبَنـانٍ وَبِدَلٍّ قَدْ شَــــجاني
تَيَّمَتْني يَوْمَ رُحْنا بِثَناياها الْحِســانِ
وَبِغُنْجٍ وَدَلالٍ سَــلَّ جِسْمي وَبَراني
وَلَها خَدٌّ أَســـيلٌ مِثْلُ خَدِّ الشَّيْفَرانِ
فَلِذا مِتُّ وَلَوْ عِشْــتُ إذًا طالَ هَواني
فَقُلْتُ لَه : ما الشَّيْفَرانِ ؟
قالَ : مَنْ يُدْريني ! هذا مِنْ غَريبِ الْحِمارِ ؛ فَإِذا لَقيتَه فَاسْأَلْهُ ” !
عن الأصفهاني في ” الأغاني “
مُ
8
جِنايَةُ الْقافِيَةِ
” حَدَّثَني الْحَسَنُ بْنُ عُلَيْلٍ الْعَنَزيُّ وَالْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُما ، قالوا :
كانَتْ مُتَيَّمُ جارِيَةً لِبَعْضِ وُجوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَعَلِقَها عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمُعَذَّلِ . وَكانَتْ لا تَخْرُجُ إِلّا مُنْتَقِبَةً ، فَخَرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ يَوْمًا إِلى نُزْهَةٍ ، وَقَدِمَتْ مُتَيَّمُ إِلى عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبي الْحُرِّ الْقاضي ، فَاحْتاجَ إِلى أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْها ؛ فَأَمَرَها بِأَنْ تُسْفِرَ ، فَلَمّا قَدِمَ عَبْدُ الصَّمَدِ ، قيلَ لَه : لَوْ رَأَيْتَ مُتَيَّمَ وَقَدْ أَسْفَرَها الْقاضي ، لَرَأَيْتَ شَيْئًا حَسَنًا لَمْ يُرَ مِثْلُه !
فَقالَ عَبْدُ الصَّمَدِ قَوْلَه :
وَلَمّا سَـرَتْ عَنْها الْقِنــاعَ مُتَيَّمٌ تَرَوَّحَ مِنْها الْعَنْبَريُّ مُـتَيَّما
رَأى ابْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَهْوَ مُحَكَّمٌ عَلَيْها لَها طَــرْفًا عَلَيْهِ مُحَكَّما
وَكانَ قَديمًا كالِحَ الْوَجْهِ عابِسًـا فَلَمّا رَأى مِنْها السُّفورَ تَبَسَّما
فَإِنْ يَصْبُ قَلْبُ الْعَنْبريِّ فَقَبْلَه صَبا بِالْيَتامى قَلْبُ يَحْيى بْنِ أَكْثَما
فَبَلَغَ قَوْلُه يَحْيى بْنَ أَكْثَم – وكان قاضي القضاة ! – فَكَتَبَ إِلَيْهِ :
عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّهِ ! أَيَّ شَيْءٍ أَرَدْتَ مِنّي ، حَتّى أَتاني شِعْرُكَ مِنَ الْبَصْرَةِ !
فَقالَ لِرَسولِه : قُلْ لَه : مُتَيَّمُ أَقْعَدَتْكَ عَلى طَريقِ الْقافِيَةِ ” !
عن الأصفهاني في ” الأغاني “
9
حُلَّةُ الشِّعْرِ
” الْغِناءُ حُلَّةُ الشِّعْرِ ، إِنْ لَمْ يُلْبَسْها طُوِيَتْ ، وَمُحالٌ أَنْ يُحْرَمَ الشِّعْرَ – هكذا ، وصوابها ” الشِّعْرُ ” – مَنْ يُحِلُّ الْغِناءَ بِه ” .
عن ابن رشيق في ” العمدة “
10
شَرَفُ اللُّصوصيَّةِ
” حَدَّثَني إِسْحاقُ الْمَوْصِليُّ عَنِ السَّعيديِّ خالِدِ بْنِ سَعيدٍ مِنْ وَلَدِ سَعيدِ بْنِ الْعاصِ ، قالَ :
كانَ الْأَخْطَلُ يَقولُ :
نَحْنُ – مَعاشِرَ الشُّعَراءِ – أَسْرَقُ مِنَ الصّاغَةِ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
11
إِعْرابُ النَّجاةِ
” لَمّا قالَ – عُتْبانُ الْحَروريُّ الشّاميُّ – :
فَإِنْ يَكُ مِنْكُمْ كانَ مَرْوانُ وَابْنُه وَعَمْرٌو وَمِنْكُمْ هاشِمٌ وَحَبيب
فَمِنّا حُصَيْنٌ وَالْبَطينُ وَقَعْنَبٌ وَمِنّا أَميرُ الْمُؤْمِنينَ شَــبيب
أُخِذَ ، فَأُتِيَ بِه هِشامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَقالَ لَه :
أَنْتَ الْقائِلُ : ” وَمِنّا أَميرُ الْمُؤْمِنينَ شَبيب ” ؟
فَقالَ مُوارِبًا : إِنَّما قُلْتُ : وَمِنّا – أَميرَ الْمُؤْمِنينَ – شَبيب .
فَتَخَلَّصَ بِهذِه الْمُوارَبَةِ اللَّطيفَةِ الَّتي لا تَزيدُ عَلى حَرَكَةٍ واحِدَةٍ ” !
عن التبريزي في ” الكافي “
12
سَقَطَ الْمُعاياةِ لا سَقَطَ الْعيِّ
” كانَ عامِرٌ يُقَدِّمُ جَريرًا ، وَيَحْتَجُّ عَلى الْفَرَزْدَقِ بِما عَقَّدَ فيهِ مِنْ شِعْرِه ، نَحْوُ قَوْلِه :
فَلَوْلا أَنَّ أُمَّكَ كانَ عَمّي أَباها كُنْتَ أَخْرَسَ بِالنَّشيدِ
وَمِثْلُ قَوْلِه :
فَما مِثْلُه في النّاسِ إِلّا مُمَلَّكًا أَبو أُمِّه حَيٌّ أَبوهُ يُقارِبُهْ
وَأَشْباهِ ذلِكَ ؛ فَقالَ كردينُ : أَنْتَ – يا أَخي – لا تَعْقِلُ ، سَقَطُ الْفَرَزْدَقِ شَيْءٌ يَمْتَحِنُ فيهِ الرِّجالُ عُقولَها حَتّى يَسْتَخْرِجوهُ ، وَسَقَطُ جَريرٍ عيٌّ ، نَحْوُ قَوْلِه :
وَالتَّغْلَبيُّ جِنازَةُ الشَّيْطانِ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
13
أَرْزاقُ الْحَمْقى
” أَخْبَرَني يوسُفُ بْنُ يَحْيى بْنِ عَليٍّ الْمُنَجِّمُ ، عَنْ أَبيهِ ، قالَ :
أَكْثَرُ الْأَشْعارِ السّاذَجَةِ الْبارِدَةِ تَسْقُطُ وَتَبْطُلُ ، إِلّا أَنْ تُرْزَقَ حَمْقى ، فَيَحْمِلونَ ثِقْلَها ، فَتَكونُ أَعْمارُها بِمُدَّةِ أَعْمارِهِمْ ، ثُمَّ يَنْتَهي بِها الْأَمْرُ إِلى الذَّهابِ ؛ وَذلِكَ أَنَّ الرُّواةَ يَنْبِذونَها فَتَبْطُلُ . قالَ الشّاعِرُ – دِعْبِلُ بْنُ عَليٍّ الْخُزاعيُّ – :
يَموتُ رَديءُ الشِّعْرِ مِنْ قَبْلِ أَهْلِه وَجَيِّدُه يَبْقى وَإِنْ ماتَ قائِلُهْ ” .
عن المرزباني في ” الموشح “
14
اغْتِرارُ النَّظْمِ
” حَدَّثَنا أَبو عُبَيْدَةَ ، قالَ : لَمّا أَنْشَدَ الرّاعي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَصيدَتَه – اللّاميَّة – فَبَلَغَ قَوْلَه :
أَخَليفَةَ الرَّحْمنِ إِنّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصيلا
عَرَبٌ نَرْى لِلّهِ في أَمْوالِنا حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزيلا
فَقالَ – هكذا ، والصواب ” قالَ ” – عَبْدُ الْمَلِكِ : لَيْسَ هذا شِعْرًا ؛ هذا شَرْحُ إِسْلامٍ وَقِراءَةُ آيَةٍ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
15
غُرورُ الصَّخَبِ
” حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ الْبَصْريُّ الْمَعْروفُ بِعَسَلٍ ، قالَ : سَمِعْتُ شَيْخًا مِنْ أَصْبَهانَ يَقولُ : سَمِعْتُ أَبا نُواسٍ يَقولُ :
لَوْ كانَ شِعْري كُلُّه يَمْلَأُ الْفَمَ ما تَقَدَّمَني أَحَدٌ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
16
لُغَةُ اللِّحْيَةِ
” حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ ، قالَ :
كانَ الْمَهْديُّ يَقْعُدُ لِلشُّعَراءِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ شاعِرٌ ضَعيفُ الشِّعْرِ طَويلُ اللِّحْيَةِ ، فَأَنْشَدَه مَديحًا لَه ، فَقالَ فيهِ : ” وَجَوارٍ زَفِراتٍ ” ؛ فَقالَ الْمَهْديُّ :
أَيُّ شَيْءٍ ” زَفِراتٍ ” ؟
فَقالَ : وَلا تَعْلَمُه أَنْتَ ، يا أَميرَ الْمُؤْمنينَ !
قالَ : لا !
قالَ : فَأَنْتَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ وَسَيِّدُ الْمُسْلِمينَ وَابْنُ عَمِّ رَسولِ رَبِّ الْعالَمينَ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! – لا تَعْرِفُه ، أَعْرِفُه أَنا ؟
فَقالَ لَه الْمَهْديُّ :
يَنْبَغي أَنْ تَكونَ هذِه الْكَلِمَةُ مِنْ لُغَةِ لِحْيَتِكَ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
17
اغْتِصابُ الْآذانِ
” أَخْبَرَني مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى عَنْ أَبي الْعَيْناءِ ، قالَ : عَرَضَ رَجُلٌ عَلى الْأَصْمَعيِّ بِبَغْدادَ شِعْرًا رَديئًا ؛ فَبَكى الْأَصْمَعيُّ ، فَقيلَ لَه :
ما يُبْكيكَ ؟
قالَ : يُبْكيني أَنَّه لَيْسَ لِغَريبٍ قَدْرٌ ؛ لَوْ كُنْتُ بِبَلَدي بِالْبَصْرَةِ ، ما جَسَرَ هذا الْكِشْخانُ ( الدَّيّوثُ ) أَنْ يَعْرِضَ عَلَيَّ هذا الشِّعْرَ ، وَأَسْكُتَ عَنْهُ ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
18
فَحيحُ الْحاءِ
” حَدَّثَنا أَبو الْعَيْناءِ ، قالَ : أَنْشَدَ إِسْحاقُ الْمَوْصِليُّ الْأَصْمَعيَّ قَوْلَه في غَضَبِ الْمَأْمونِ عَلَيْهِ :
يا سَرْحَةَ الْماءِ قَدْ سُدَّتْ مَوارِدُه أَما إِلَيْكِ طَريقٌ غَيْرُ مَسْدودِ
لِحائِمٍ حامَ حَتّى لا حِيامَ بِه مُحَلَّأٍ عَنْ طَــريقِ الْماءِ مَطْرودِ
فَقالَ الْأَصْمَعيُّ : أَحْسَنْتَ في الشِّعْرِ ، غَيْرَ أَنَّ هذِه الْحاءاتِ لَوْ اجْتَمَعَتْ في آيَةِ الْكُرْسيِّ لَعابَتْها ” !
عن المرزباني في ” الموشح “
19
أَكْلَةُ شِعْرٍ
” سَمِعَ الْأَصْمَعيُّ مُنْشِدًا يُنْشِدُ :
فَما لِلنَّوى جُدَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى كَذاكَ النَّوى قَطّاعَةٌ لِلْقَرائِنِ
فَقالَ : لَوْ قُيِّضَ لِهذا الْبَيْتِ شاةٌ لَأَتَتْ عَلَيْهِ ” !
عن ابن الشجري في ” الأمالي “
