أدبُ الرَّسائل عند ابن خلدون
(2-1)
د.طلال أحمد العوض الحسن
السودان
في هذه الورقة نتحدّث عن شكل آخر من أشكال النثر الفني في كتاب (العِبر) لابن خلدون، ألا وهو: الرسائل الأدبية، بنوعيها: الديواني والإخواني؛ لنرى أيُّ الأنواع برع فيها وبزَّ فيها من خلال ورقتنا (أدب الرسائل عند ابن خلدون)، ونبدأ أول ما نبدأ بتعريف الرسائل وأنواعها.
الرسائل؛ تعريفها وأنواعها:
تعريف الرسالة:–أ
1-لغة: الرسائل أو الترسُّل من أشهر الصناعات الإنشائية، التي كانت تشكِّل نوعًا بارزًا في قائمة الأنواع الأدبية، المرتبطة بالحضارة الإسلامية، حيث كانت تصوغ محتويات الأدب الإسلامي القديم عبر العصور المختلفة من تاريخ الأدب العربي.
ونظرًا لهذه الشهرة الواسعة، فقد فسح المجال للعديد من اللغويين الذين اهتموا بتعريف هذا الفن، ومن أبرزهم: صاحب (لسان العرب) الذي أورد المعنى اللغوي للكلمة قائلاً: “الإرسال: التوجيه، وقد أرسل إليه، والاسم الرسالة والرسول والرسيل…، والرسول بمعنى الرسالة يُؤنَّث ويُذكَّر، والرسول معناه في اللغة الذي يتابع أخبار الذي بعثه…”([1])أأ
أما صاحب (مختار الصِّحاح) فيقول: “راسَلَه مُراسَلَة فهو مُراسِلٌ ورَسيلٌ. وأَرْسَلَه في رسالة فهو مُرْسَلٌ و رَسولٌ، و الجمع رُسل (بتسكين السين وضمها)…والرسول أيضاً الرسالة…”([2])
أما صاحب كتاب (نقد النثر) فيقول: “الترسُّل من تراسلت أترسَّلُ ترسُّلاً وأنا مترسِّل، ولا يقال ذلك إلا لمن يكون فعله في الرسائل قد تكرر، وراسَلَ يراسلُ مراسلةً فهو مُراسِل، وذلك إذا كان هو ومن يراسله اشتركا في المراسلة، وأصل الاشتقاق في ذلك، أنه كلامٌ يُراسَل به، من بَعُدَ ومن غابَ، فاشتُق له اسم[الرسالة] الترسُّل والرسالة من ذلك…”([3])
وبحسب الوضع اللغوي يتضح لنا أنَّ الرسالة في مفهومها الأصلي هي: مجموع مشتقات مادة (رَسَلَ)، وهي تدور حول محور واحد هو التواصل بالقلم أو اللسان؛ والتواصل في جوهره، انتقال الرسالة من مُرْسِل إلى مُرْسَل إليه عن طريق واسطة وشخص مساعد يُدعى: رسول أو رسيل.
ب-اصطلاحًا: الرسائل في معناها الاصطلاحي ترتفع عما هي عليه في اللغة؛ وذلك لما يُضفى عليها من معاني جديدة تجعل لها أغراضًا متعددة.
والسبب في تنوع الرسائل هو كون “الرسائل هي جمع رسالة، والمراد بها أمور يرتبها الكاتب، من حكاية عدو أو صديق، أو مدح وتقريظ أو مفاخرة بين شيئين، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى، وسُمِّيت رسائل من حيث أنَّ الأديب المنشئ لها ربما كتب بها إلى غيره، مخبرًا فيها بصورة الحال، مُفْتَتَحَةٌ بما تُفتتح به المكاتبات، ثمَّ تُوسع فيه فافتُتحت بالخطب وغيرها…”. ([4])
وهي عند صاحب (جواهر الأدب) أوضح بيانًا حيث قال: “هي مخاطبة الغائب بلسان القلم…، مع تباعد البلاد، وطريقة المكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب، والمكتوب إليه والنسبة بينهما…”. ([5])
فالرسالة إذن هي: “ما يكتبه امرؤ إلى آخَر معبِّرًا عن شؤون خاصة أو عامة، وتكون الرسالة بهذا المعنى موجزة لا تتعدى سطورًا محدودة، وينطلق فيها الكاتب عادة على سجيته بلا تصنُّع أو تأنُّق، فيرتفع بها إلى مستوى أدبي رفيع…”. ([6])
وقد تدُلُّ هذه العبارة على المعنى النفسي للرسالة التي يبعث بها “إنسان إلى آخر، في غرض أغلب ما يكون محض شخصي، إلا أنَّ الرسائل الأدبية لم تنحصر يومًا في حيز هذا المفهوم الضيق، فهي مهمة يتمرَّس بها الأديب أو الفنّان من خلال الآثار التي يبدعها…”([7]) في مختلف الموضوعات الدنيوية.
ونتيجة لهذا المعنى تظهر الرسائل في صورٍ مختلفة، لعل أبرزها: الرسائل الديوانيَّة، والرسائل الإخوانيَّة.
2- أنواع الرسائل:
تنقسم الرسائل بحسب أغراضها إلى:
أ- الرسائل الديوانية: هي تلك الرسائل التي كانت تصدر عن ديوان الخليفة، ويُعنى فيها “بأمور الدولة وشؤونها السياسية؛ ولهذا يُحرص على دقة المعلومات ومراعاة الرسوم المتعارف عليها في المكاتبات ذات الصبغة الرسمية، ومن هذا العهود والتقاليد والمناشير،…والدعوة إلى الطاعة والحثُّ على الجهاد…”. ([8])
والرسالة بهذه الصفة السياسية هي ما نجده في قول أبي هلال العسكري “أما الكتابة فعليها مدار السلطان…”. ([9])
فقد كان لكل خليفة أو مَلِك كاتبه الذي يتولى الكتابة عنه، في جميع المجالات الخاصة بتلك الرسائل، ومع ذلك فهذا النوع مهما بلغ في جودته الفنيَّة فإنه لا يخرج عن كونه متَّصلاً بحادث أو أمر عارض، وقلما تكون له صفة الدوام التي تهم الناس في كل زمان ومكان…”. ([10])
ونخلص من كل ذلك إلى أنَّ “الرسالة الرسمية هي ما كانت موضوعاتها تدور حول السلطة، وعلاقاتها برعاياها في الأمور الدينية والدنيوية ذات الشأن، كما أنها يجب أن تبتعد كل البعد في صياغتها عن الأساليب الشعرية، وهذا لإعطاء الكلام حقه…”. ([11])
ب- الرسائل الإخوانيّة: وهي صياغات تقوم بالتعبير عن عواطف المودة التي يتبادلها الأقارب والأصدقاء فيما بينهم. “وهذا النوع هو الأقرب إلى الأدب و إيحاءاته اللفظية والأسلوبية، وموضوعاته: الشكر، والتشوق، والعتاب، والتهنئة والشكوى والمدح والهجاء،…، ويمكن أن يُلحق به الرسائل الوعظية والرسائل الدينية الجدلية…”([12])ويُعتبر هذا النوع من الرسائل ميدانًا فسيحًا للإبداع، يتبارى فيه الكُتّاب والأدباء، ويتيحون لأقلامهم وقرائحهم أن تنطلق على سجيتها، وأن يعبر أصحابها عن عواطفهم الشخصية في لغة مصقولة منتقاة، وأساليب قوية موشاة…. ([13])
وأهم ما تجدر الإشارة إليه؛ أن أنواع الرسائل السابقة قد تأتي في صيغة الابتداء أو بمثابة رد عنها بحيث يُذكر فيه: “ما يدل على الوصول مثل لفظ: وصل كتاب أخي مخبرًا بكذا وكذا…” أو “وصل كتابك” ويحسن في أول الرسالة الجوابية”. ([14])
وأهم ما تتميز به أجوبة المكاتبات المغربية “أن يُفتتح الجواب بما يُفتتح به الابتداء، ثم التعرض إلى أصول الكتاب وذكر الجواب عنه…”([15])بحيث يتبعها في المضمون والمعنى.
ومما سبق عرضه نخلص إلى أنَّ للرسائل أهمية كبرى، ودورًا عظيمًا، يتجلَّى في خدمة المصالح الخاصة والعامة للأمة؛ لأنّ الترسل أساس الدولة “فهو مبني على مصالح الأمة، وقوام الرعية، لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك، وسَراة الناس في مهمات الدين، وصلاح الحال وبيعات الخلفاء وعهودهم… وما يلحق بذلك من ولايات أرباب السيوف والأقلام الذين هم أركان الدولة وقواعدها إلى غير ذلك من المصالح التي لا تكاد تدخل تحت الإحصاء، ولا يأخذها الحصر…”. ([16])
وهكذا فقد تحدَّث العسكري عن الكتابة ودورها كجنس من أجناس الكلام إلى جانب أجناسه الأخرى، كالخطابة والشعر “ومما يُعرف أيضًا من الخطابة والكتابة أنهما مختصتان بأمر الدين والسلطان، وعليهما مدار الدار، وليس للشعر بهما اختصاص…”. ([17])
ومن كل ما سبق يتبين لنا أهمية الكتابة في خدمة الأمة، وقد كانت من أهم الصناعات التي كان يحرص على إتقانها طلاب العلم قديمًا، وبخاصة في المغرب والأندلس، وهو ما حدا بابن خلدون أن يكون له اهتمام كبير بهذا الجنس الأدبي المهم.
وهو نظرًا لإدراكه أهمية هذا الضرب، ضمَّن سيرته الذاتية رسالتين تنتميان إلى النوع الإخواني، جاءتا بصيغة(جوابية) وهي موجَّهة إلى صديقه (ابن الخطيب).
وقد اختار الباحث نصًّا واحدًا ليكون محلاًّ للدراسة؛ للوقوف على بنيته، وما فيه من دلالة.
_________________________________________________________________________________
([1]) ابن منظور: لسان العرب، (مادة رَسَلَ)، ص 183-284.
([2]) الرازي: مختار الصحاح، ص 242.
([3]) أبو الفرج قدامة بن جعفر: نقد النثر، تحقيق: طه حسين وعبد الحميد العبادي، مطبوعات كلية الآداب، مصر، ط15، 1983م، ص 95.
([4])القلقشندي: صبح الأعشى، ج14، ص 138.
([5])أحمد الهاشمي: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، ج1، د.ط، د.ت، ص44.
([6]) جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت لبنان، ط1، 1979م، ص 122.
([8])محمد يونس عبد العال: في النثر العربي قضايا وفنون ونصوص، الشركة المصرية للنشر، لونجمان، ط1، 1996م، ص 162.
([9])أبو هلال العسكري: الصناعتين الكتابة والشعر، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفصل إبراهيم، منشورات عيسى الباجي الحلبي وشركاه، ط2، د.ت، ص 142.
([10])عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، دار النهضة العربية بيروت، د.ط، د.ت، ص 449.
([11])القلقشندي: صبح الأعشى، ج1، ص 60.
([12]) محمد يونس عبد العال: في النثر العربي، ص 162.
([13]) عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، 454.
([14]) محمد يونس عبد العال: في النثر العربي، 164-165.
