أدبُ الرَّسائِل عندَ ابنِ خلدون
بُنية الرَّسائِل عندَ ابنِ خلدون
(2-2)
ما زِلنا مع النثر الفنّي في كتاب (العبر)، لابن خلدون وبعد أن تكلَّمْنا عن الرَّسائِل: تعريفها وأنواعها، ها نحن نعرِّج على موضوع: بُنية الرَّسائِل عندَ ابنِ خلدون، فدَعُونا نتعرَّف على البُنية في رسائل ابن خلدون.
1- وصف النَّصّ:
ينقسم النَّصُّ السَّردِيّ* بصفة عامة إلى ثلاثة مستويات، تصلح لأن تكون أساسًا لتحليله، يقول صاحب كتاب (بنية النَّصّ السردِيّ): “إنَّ عالماً دلاليًّا صغيرًا لا يمكن أن يحدّد كعالم أي ككل دلالي، إلا بالمقدار الذي يكون في إمكانه أن يبرز أمامنا كمشهد بسيط، كبنية عاملية…”[1] وهي مجموعة العوامل التي تنتج وظائف تقوم بها الكلمات داخل الجملة، تكون فيها الذات (فاعلاً) والموضوع (مفعولاً)، وتصبح الجملة وفقَ هذا التصوُّر عبارة عن مشهد يتَّسِعُ ليشمل حركة النَّصّ، فتختزل العوامل في ثلاثة أزواج…[2]
-المرسِل# المرسَل إليه.
-الذَّات (الفاعل) # الموضوع.
-المساعِد# المعارِض.
هذه المستويات التي سنحاول الكشف عليها من خلال نَصِّ الرِّسالة التي بين أيدينا.
1-المرسِل: هو الفاعل الرئيس الذي يتكفل بعملية الكتابة (الكاتب)، الذي يقوم من خلالها بوظيفة سردية، بحيث يحتل “في هذا الملفوظ مكانة مركزيّة تتميز بوصفِه مرسلاً بصيغة…”[3] الأسلوب غير المباشر للأحداث، فالمرسِل في هذه الرِّسالة هو ابن خلدون (الأنا المتكلم)، فهو في وضع الإعلام بالأحوال الخاصة والعامة، من خلال رسالة إخوانية موجَّهة من الأنا المتكلِّم (المرسِل) إلى الأنت – ابن الخطيب – أو (المرسَل إليه).
2- المرسَل إليه: هو “جزء من عملية النُّطق؛ لأن اسمه مكتوب على رأس كل رسالة…”[4] فالمرسَل إليه هو- ابن الخطيب – وهي هيئة مخاطبة شخصية نصيًّا، جاءت بصيغة افتتاحية “سيِّدي” في بداية النص ونهايته، فهو في موقع المتلقِّي الخالي الذهن، الذي يتقبَّلُ جميع الأخبار المرسَلة إليه بصيغة المخاطَب (المفرد: أنت، الجمع: أنتم…)[5].
ج- الرسالة: نقف من خلالها على تحديد كيفية حضور الفواعل السابقة في النص، وهو ما يعرف “بالتسنين السردي،…، وهو مجموع القواعد العامة التي تحدد الأساس الفعلي لإنتاج نص سردي ما…”[6].
ويتحدد التسنين السردي (الحضور الفعليّ)، في نَصِّ الرِّسالة التي بين أيدينا وفق مستويين:
1-المستوى التلفظيّ: تحضر فيه فواعل النَّصّ على شكل أصوات تحول اللغة إلى صيغ تعبيرية “تقوم بتكسير” الطابع المتصل “للمادة القصصية وتقدمها وفق صياغة خاصة، هي ما يشكل في نهاية الأمر الأثر الجمالي…”[7].
وتتجلَّى الصيغ التعبيرية في النَّصِّ من خلال الضمائر المتنوعة؛ بين ضمير المتكلِّم “الأنا”، الذي يتراوح بين المفرد (أنا) الذي جاء في النَّصّ تارة منفصلاً مستترًا، ومن أمثلته: (والدي، بي، آمُلُ، لغتي)، وتارة أخرى ضميرًا متصلاً بالاسم والفعل المضارع والماضي، وتاء المتكلِّم (سمعي، حييته، وقفت، اتصلت).
ثم ضمير المخاطَب المفرد “أنت”: (سيِّدي، فيك، رسائلك، كتابك)، والجمع المخاطَب “أنتم”: (ولكم، سيادتكم، عظمتكم، لديكم، علمتم، يبقيكم)، كما نجد ضميرَ الغائب المؤنث “هي”: (تشوّفت السيادة)، والمذكر الغائب “هو”: (وأنبأني).
2- المستوى الملفوظيّ: هو كلُّ ما يعود إلى الرسالة باعتبارها مجموعة من الأحداث المترابطة فيما بينها، أي ما يُستَند إلى فعل (السَّرد) كنشاط إنسانيّ عامّ”[8].
حيث “أنتج عبر تاريخه الطويل، أشكالاً كونيّة تشتغل كتحديد لِكُنْهِ النَّصّ وجَوهَرِه…”[9].
فالنَّصُّ الذي بين أيدينا يُقدِّم حدثًا مكتملاً، يتعلَّقُ مِحورُه العام برسالة جواب تبين لنا نوع الصداقة والأخوة التي كانت تربط المرسِلَ بالمرسَل إليه، من خلال الاهتمام بأخبار – ابن الخطيب – عن أحوال السُّلطة والسُّلطان في المغرب والمشرق.
ونستنتج أنَّ الرسالة تعالج موضوع الذات وما يرتبط بها من أمور سياسية داخليَّة تعرفها، وأمور خارجيَّة منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول.
وعليه فإنَّ للرِّسالة موضوعًا خاصًّا يتشكَّلُ وفقَ بنية عامّة، تشترك فيها مختلف أنواع الرسائل السابقة، سنحاول التعرُّف عليها.
1-عناصر* النَّصّ:
تتجزَّأ رسالة – ابن خلدون – من حيث البنية إلى ثلاثة عناصر، تتمثَّل في:
المقدِّمة، العَرض (الموضوع)، الخاتمة، وتشكل في مجموعها البنية الكبرى للرِّسالة كما يلي:
الرِّسالة = النَّصّ
- المقدِّمة ب- العرض (الموضوع). ج- الخاتمة
- البنية الكبرى لنص الرسالة:
أ- بنية المقدِّمة: وهي “أول ما يقعُ في السَّمع من كلامك…”[10]؛ ولذلك “قال بعض الكُتَّاب: أَحسِنوا معاشرَ الكُتَّاب الابتداءات؛ فإنهنَّ دلائلُ البيان…”[11]، حيث يشترط فيها أن تكون جذَّابة، تصل إلى ذهن المرسَل إليه متناسبةً مع نوع الرِّسالة؛ وبهذا فهي في رسالة ابن خلدون مكوَّنة من:
1-حُسْن الافتتاح: أن ترد الرسالة مُصَدَّرة “بحُسن الافتتاح المطلوب في سائر أنواع الكلام: من نثر ونَظم، مما يوجب التحسين؛ ليكون داعيةً لاستماع ما بعده…”[12]، وخير مثال على ذلك فواتح السور، حيث “يقولُ الله – عزَّ وجلَّ-: ((آلم))، و((حم))، ((طس))، و((طسم))، و((كهيعص))، يقرع أسماعَهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون بذلك داعيةً لهم للاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه…”[13].
بالتالي حُسْن الافتتاح يأتي من حيث ترتيب أجزاء المقدِّمة الأول، ويتضمن:
-صِيَغ الاستفتاح: ذهب القلقشندي إلى أنَّ الافتتاح بالرَّسائل الإخوانية المغربية يكون في الغالب بصيغ معروفة فيما بينهم، من بين هذه الصيغ: “أن تفتتح المكاتبة بكناية عن المكتوب إليه من لقب ونحوه…”[14]، ومثاله ما كتبه ابن خلدون إلى ابن الخطيب يخاطبه بلقب “سيِّدي”، فهو يشخص منذ البداية المرسَل إليه (ابن الخطيب)، وقد استعمل هذه اللفظة “نسبة إليه للمبالغة، وهو من الألقاب الخاصة بالجناب الشريف فما فوق…”[15]؛ نظرًا للمكانة المرموقة (تقلُّد الوزارة) التي كان يحتلُّها في البلاط الغرناطيّ.
وقد جاءت هذه الصيغة مقترنة بالمدح، وهو “فن الثناء الحسن…”[16]، كما يظهر ذلك في قوله: “سيِّدي مجدًا وعلوًّا، وواحدي ذخرًا مرجوًّا، ومحلّ والدي برًّا وحنوًّا…”[17]، وبما أنّ مدح “الوزراء ومَن حلَّ محلَّهم من الكُتَّاب يكون بالعلم والحلم والكرم وحُسْن التدبير وتثمير الأموال.. ونحو ذلك…”[18]؛ لأن المدح “بالفضائل النفسية أشرف وأصح…”[19]، وعليه فإنَّ الكاتب يسعى من خلال مقطعه الاستهلاليّ السابق إلى تعداد أفضلِ الصفات والفضائل النفسيَّة المأثورة عن المرسَل إليه، وهي: (المجد، المعين، الكرم، الحنوّ).
2-براعة الاستهلال: وهو الجزء الثاني من أجزاء المقدمة، ومعناه “أن يأتي في ابتداء المكاتبة ببراعة الاستهلال المطلوبة في كل فن من فنون الكلام…”[20]، حيث يجب أن يأتي في “صدر المكاتبة مما يدل على عجزها…؛ ليعلم من مبدأ الكتاب ما المراد منه…”[21]، ويتشكّل الاستهلال في الرسالة – محل الدراسة- من العناصر التالية:
أ- التشوق: وهو “نزاع النفس إلى الشيء وحركة الهوى…”[22]، ويعتبر من الرقع الإخوانية التي “ينبغي للكاتب أن يجمع لها فكره، ويظهر فيها صناعته، ويأخذ في صناعتها مأخذًا من اللَّطَافَة والرِّقَّة يدل على تمازج الأرواح، وائتلاف القلوب…، وأن يستخدم لها أغرب لفظ وألطف معنى، ويذهب فيها مذهب الإيجاز والاختصار، ويعدل عن سبيل الإطناب والإكثار؛ لئلا يستغرق جزءًا كبيرًا من الكتاب، فيُمَلّ ويُضجَر، وينتظم في سلك الملق، والتكلُّف اللذَين لا يعتادهما المتاصفون من الأصدقاء…”[23].
وقد أشار ابن خلدون وأبدع في إشارته من خلال قوله: “ما زال الشوق – مذ نأتْ بي وبك الدار واستحكم بيننا البعاد – يرعى سمعَ أنبائك، ويخيل إليَّ من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابُك العزيز على استطلاع، وعهد غير مُضاع، وودٍّ ذي أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلو*، وحشر أنواع المسرّات، ووَقَدَ للقائك زناد الأمل…”، ونستشفُّ من خلال هذا الكلام أن الشوق هنا مرتبط بتلك العلاقة الحميمة الخاصة المتجذرة في الروح، وهي ما يسميها كاتبُنا (الصداقة)، التي ضَحَّى في سبيل المحافظة عليها باستقراره وهو مفارقة الأندلس، في كلِّ وقت يشعر أن هذه العلاقة مهددة، فقد استعمل – ابن خلدون- ألفاظًا موحيةً وقوية؛ قوَّة النفس الملتاعة بألم الفراق، التوَّاقة إلى انقِشاع سحابة الجفاء، وعودة العلاقة سيرتها الأولى.. من المودة والصفاء، وهذا ما جعله – حسب رأي الباحث – يصف حالَه عند استلام كتابه، فقد كان بمثابة الدواء الذي أزال ما يجده في قلبه من تباريح الأسى، وظلمة الجفاء، فقد نزل على قلب كاتبنا – ابن خلدون- بردًا وسلامًا، وكأنه كان يتوقَّع ألّا يتخلى عنه – ابن الخطيب-، وأنه لابد سيرجعه إلى حظوته عنده ومكانته السامية.
ولعل هذا ما دعا – ابن خلدون- أن يصبر كل تلك المدة ويتجلَّد كلَّ هذا الجلَد، وقد حدث ما توقعَه، وكان ما كان من أمر الكتاب.
- الدُّعاء: هو “الرغبة إلى الله – تعالى- فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال، ومنه قوله: “اُدعُوا ربَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً”*[24]
وله في الرسائل مواقع خاصة على الكاتب أن يعرفها؛ لأنه “ينبغي أن يكون الدعاء حسب ما تُوجِبُه الحالُ بينك وبين ما تكتب إليه”[25]،
أي بحسب الموضوع المقصود في العرض، “فإنه متى ما خرج الدعاء عن المناسبة وباينَ المقصود، خرج عن جادة الصناعة وتوجَّه اللومُ على الكاتب، لا سيما إذا أتى بما يضاد المراد…”[26]، وبما أنّ أول ما سيفصل فيه العرض هي أخبار الذات مع السلطة في (بجاية)، فقد ورد مباشرة بعد نهاية التشوق بصيغة التضرُّع إلى الله – تعالى- في الإعانة على تحقيق الآمال المنشودة والمرجوّة، ومنها التخلص من مطاردة (السلطان الحفصي)، والالتحاق بالصديق عندما توافي الفرصة، يقول في ذلك ابن خلدون: “ومن الله أسأل الإمتاع بك، قبل الفوت على ما يرضيك، وينسى أماني وأمانيك..”[27]
ج-التودد: وهو الود والوداد والحب…”[28]، وقد جاءت الرسالة بغرض الملاطفة والتعبير عن الفرح لاستئناف التواصل: “وحييته تحية الهائم (**) لمواقع الغمائم، والمدلج(*)، للصباح المتبلج (**)…[29].
الملاحظ من خلال هذا المقطع أن المرسِل يعبر عن مشاعره عند استلام خطاب صديقه الذي انتظره، بتعبير مجازي يجعل من الرسالة ذاتًا مشخَّصةً يُحيِّيها تحيةَ العطشان الفرِح بالغمام الذي يُبَشِّرُ بالمطر، أو بالرجل الذي يسير في ليل سرمدٍ حتى إذا أَسْفَرَ الصُّبحُ ولاحتِ الشمس، اِفْتَرَّ ثَغْرُه عن ابتسامة تزيل ما علقَ بنفسه من هَمِّ البعاد، ولوعة الأشواق، وهذا بالضبط ما كان يشعر به ابن خلدون عندما جاءته البشرى، بأفول ظلمة الهجران، وانقِشاع سحابة الجفوة، وإشراق شمس المودة والمحبة من جديد.
د- التهنئة: تدور أكثر معانيها على مبالغة الكاتب في: “الإفصاح بقدر النعمة، والإبانة عن موقع الموهبة، وتضاعف السرور بالعطية…”[30]،
وقد وردت في النص بغرض تهنئة السلطة في الأندلس بالنصر المؤزَّر، يقول: “وأمل على مقترح الأولياء، خصوصًا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن القرار، ذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعمومًا في الدولة، من رسوخ القدم، وهبوب رياح النصر، والظهور على عدو الله، باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية…”[31].
هذه التهنئة موجهة بصفة خاصة إلى ابن الخطيب، أراد الصديق – ابن خلدون – من ورائها أن يؤكد على ولائه لسياسة السلطة القائمة على الجهاد لاسترداد الحصون الإسلامية المغتصَبة.
وبما أن التهنئة جزء من المدح، كما جاء في قول القائل: “الشكر والتهنئة بابان من أبواب المديح، يفيضان ويختلطان به…”[32]، وقد جاء في آخر الرقعة ثناء فيه إشادة بذكر الذات السلطانية ورفعًا لشأنها، “غريبة لا تثبت إلا في الحلم، وآية من آيات الله، وإنّ خبيئة هذا الفتح في طي العصور السابقة، إلى هذه المدة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حيث ظهرت على يديها خوارق العادة، وما تجدد آخر الأيام من معجزات الملة…”[33].
و- الحمد: هو “نقيض الذَّمّ، وأعمّ من الشكر، والحمد: الرِّضا والجزاء وقضاء الحق…”[34]، القائم على “الثناء على موليها… أشبع لها وأدل على اللسان…”[35].
وهكذا فالدافع الذي جعل ابن خلدون يسلك سبيل الحمد بعد نهاية الإشادة، هو رغبته النفسية في النداء بحمد الله على نعمة الاختصاص بمنصب الوزارة في شخص ابن الخطيب، الذي كان له الفضل في تحقيق النصر، يقول: “ولكم فيها – والحمد لله – بحُسن التدبير، ويُمْن النقيبة، من حميد الأثر، وخالد الذكر، طراز في حلة الخلافة النصرية، وتاج في مفرق الوزارة، كتبها الله لكم فيما يرضاه من عباده…”[36].
ه- الفخر: هو “المدح نفسه، إلا أنَّ الكاتب يخُصُّ به نفسَه وقومَه…”[37]، وفي هذا الغرض يقول الكاتب: “ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا القطر المحروس، وأذعته في الملأ سرورًا بعزِّ الإسلام، وإظهارًا لنعمة الله، واستطراد الذكر الدولة المولوية بما تستحقّه من طيب الثناء، والتماس الدعاء، والحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدول السَّالفة والخالفة وتقدُّمها، فانشرحت الصدورُ حياءً، وامتلأت القلوبُ إجلالاً وتعظيمًا، وحَسُنت الآثار ، اعتقادًا ودعاءً…”[38].
ي- المدح والدعاء: هما خاتمة الاستهلال، فقد اختار المرسِل أن يُنهِيَ كلامه في هذا العنصر:
أولاً: بمدح المرسَل إليه بأفضل ميزة اشتهر بها، وهي البراعة في فنِّ (الترسيل المسجوع)، وقد أوردَ ألفاظًا تُظهر معانيها شدَّةَ تبحُّرِه في هذا العلم، “وكان كتاب سيِّدي لشرف تلك الدولة عنوانًا، ولما عساه يستعجم من لغة في مناقبها ترجمانًا…”[39]، فهو يبالغ في رسم منزلة الوزير في نَظم الرسائل المسْجوعة، حيث صارتْ كتاباته تعكسُ شرف الدَّولة ونصرها، ويستثنيه عن شخصيته القاصرة في نَظم الرسائل على شاكلته، ويطلبُ منه أن يُترجِمَ الألفاظ الغريبة في خطابه.
ثانيًا: نلاحظُ أنَّ مدحَه جاء مقترنًا بالدُّعاء، “ويأتي في المكاتبات للوزراء من أرباب الأقلام ومَن في معناهم بالدعاء بسُبوغ النَّعماء، وتخليد السعادة، وداوم المجد، وما يُضاهِي ذلك…”[40]. وقد وردَ الدعاءُ بالبقاء، يقول ابن خلدون: “زادَه اللهُ من فضله، وأمتع العمر،… وذلك أنَّ البقاء لا يدلُّ على مُدَّةٍ تنقضي؛ ولذلك يُوصَف اللهُ – تعالى- بالبقاء، ولا يُوصَفُ بالعمر…”[41]، ومن هنا وقع الاختيار بإنهاء الاستهلال بالدَّعوة بإطالة البقاء.
3-البداية: وهي “أن يأتي في المكاتبة… بمقدمة يصدر بها تأسيسًا لما يأتي به في مكاتبته…، ليكونَ ذلك بساطًا لما يريد القول فيه، وحُجَّة يستظهِر بها السلطان؛ لأنَّ لكلِّ كلام لابدَّ من فرش يفرش قبله: ليكون منه بمنزلة الأساس من البنيان…”[42]، الذي يقوم بتحديد موضوع الرسالة بشكلٍ عام.
وعليه تبدأ رسالة – ابن خلدون- بالشكوى، وهي “إظهار البَثّ، فشكى فلان، إذا أخبره بسوء فعله…”[43].
حيث يجب “أن تكون مبنيّةً من صفة الحال المشكيّة، على ما يوجب المشاركة فيها، ويقضي بالمساعدة إذا استدعيت عليها…”[44]
ويعمد المرسِل من خلالها إلى التلميح المباشر إلى لُبِّ المشكِل الذي يؤرِّق ذاته، كما نلمس ذلك في قوله: “وبَثَثْتُه شكوى الغريب، من السوق المزعج، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفًا، للتجافي عن مِهاد الأمن، والتقويض عن دار العِزّ، بين المولى المنعم، والسيد الكريم، والبلد الطيب، والإخوان البررة…”[45].
إنَّ الظروف المتوترة التي صادفها ابنُ خلدون أثناء وجوده بالأندلس، بسبب السعاية التي تكالبَ عليه أعداؤه فيها، مما اضطره إلى الابتعاد عن ظلِّ العيش في كَنَفِ السُّلطان، والانتقال من قُطر إلى آخر؛ جعله يعتمد الشكوى منذ البداية، وكان وُلُوجُه من نفس الباب -أي باب الشكوى- حيثُ يُفصح من خلالها بما يجول في خاطرِه من حزن وشعور بالظلم والغبن، ويشكو إلى صديقه ما لاقاه من ندمٍ وحيرة، ويتعجَّبُ من ذلك الحقد الذي دعا أعداءَه أن يضطروه إلى الخروج من وطنِه وملاذِه الآمِن، وقد تحدَّثَ عن هذا كُلِّه بإيجاز مبتعدًا عن المبالغة التي تؤدي “إلى تظليمِ الأقدار وإحباطِ الأجر، وشكوى المبتلِي بالخيرِ والشرِّ، سبحانه وتعالى، ويدُلُّ على التهالُك بالجزع، وضعف التماسُك وقوة الهلع، باستيلاء القنوط والإياس، وأن يشفع الشكوى بذكر الثقة بالله تعالى، والتسليم له والرِّضا بأحكامه…”[46]
وهكذا فقد ختمَ المشتكِي بَثَّه بشطر من الآية ثمانٍ وثمانين ومئة من سورة الأعراف، يقول اللهُ – عزَّ وجَلَّ-: ((لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ))،* أي لو كنتُ أعلم ما هو كائِنٌ مما لم يكن بعد، لكانت حالي على خلاف ما هي عليه الآن، من الخوف والمطاردة، وذلك باستكثار الخير والتَّصَدِّي للسعاية، والقضاء عليها حتى لا يَمسَّني السوء بالابتعاد عن السُّلطة، وذلك معنى للاعتراف باختصاص علم الغيب بالذات الإلهية الشريفة، وقصور ذلك حتى عن سيِّد البشر محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-كما بيَّنَه اللهُ –تعالى- من خلال هذه الآية*، فما بالُك بالمخلوق الضعيف –ابن خلدون-؟…[47]
إنَّ عناصر المقدِّمة جاءتْ ضمن ترابُط بنائيّ مُحكَم؛ فهو ترابط مُحكَم ومنطقيّ، إذ بدأَ الكاتبُ بحُسْنِ الافتتاح، ثم انتقلَ إلى براعة الاستهلال، وخَلُصَ من ثَمَّ على البداية، كما أن العناصر التي تشكلت جاءت مترابطة من حيث المضمون؛ العنصر الأول مهَّدَ للثاني وهكذا…
ب- بنية العرض: العرض هو العنصر الأساس الذي يبسط فيه الكاتب فكرتَه ويشرح وجهة نظره في ترتيب منطقيّ مقبول؛ ليصلَ إلى تحقيق النتيجة التي يقصدها، وهي: إقناعُ القارِئ.
ويحتوي العرضُ على الخصائص البنائيّة باعتباره “البؤرة الإخبارية المنسوجة سرديًّا” بما يمنحها سماتها الأدبية الخاصة…[48]، المنبثقة من قُوَى الذات المتفاعلة مع الموضوع.
ويتناولُ المرسِل في عرضه ما سبق، وأشار إليه في القسم الأخير من المقدمة بالتفصيل الكامل، وقد جاء ذلك مقسَّمًا إلى ثلاث وحدات، تتشكل من مجموعها البنية الكبرى للعرض كما يلي:
- الإخبار عن أحوال الذات مع السلطة.
- الإخبار عن أحوال إفريقية.
- الإخبار عن أحوال المشرق.
هذه الوحدات التي أظهرت عملية القراءة؛ ذلك أن لكل وحدة بنية صغرى بها كالآتي:
- بنية الإخبار عن أحوال الذات مع السلطة:
تناولَ – ابن خلدون- فيها الحديث عن أحوال الذات بعد تغيير السلطة في بجاية، وكثرة السعايات التي أدت إلى فرارِه خوفًا على حياته من خلال العناصر التالية:
أ- الأمل: هو “الرجاء…”[49]، أي “ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده.. والرجاء محمود لأنه باعِثٌ بطريق الرَّغبة…”[50] في استمرارية الحياة، لذلك نجد ابن خلدون يتحلَّى به حيث جعله فاتحةَ كلامه في وصف الذَّات، وهو رغمَ كلِّ الظروف والآلام التي مَرَّتْ به، والمطاردة التي عاش فيها، غير أنَّه كان شديد التشبُّث بالأمل، في عودتِه إلى أيَّامِه الخوالي، ويستعيدُ (المكانة، الحرية) في ظِلِّ سلطة جديدة تقوم في وطنِه الذي أَحَبّ. يقول: “وإنْ تشوفت السيادة الكريمة في إلى الحال، فعلى ما علمتم، سيرًا على الأمل، ومغالبةً للأيام على الحَظِّ، وإقطاعًا للغفلة جانب العمر.
هل نافعي والجد* في صبب** مري*** مع الآمال في صعد[51]؟
رجع بنا رجع بنا إليه، ولعل في عِظَتِكم النافعة لهذا الداء العياء إن شاء الله، على أنَّ لُطفَ الله مصاحب، وجوار هذه الرياسة المزنية –وحسبك بها علمية- عصمة وافية…”[52]
والظاهر أنَّ – ابن خلدون- يرى أنَّ المحنة التي مَرَّتْ به وحلَّتْ عليه ما هي إلا فترة (عياء) يتمنَّى أن يزول، وخصوصًا وهو يمتلك كلَّ الوسائل المساعدة المعينة، التي ترجعه إلى مكانته السابقة، وهي تتمثَّلُ في: الصداقة، العناية الإلهيَّة، العصمة الوافية.
ب- المحنة: وقد لخَّصَ لنا ابنُ خلدون من خلالها تفاصيل تِلكُم النكبة التي حلَّتْ به ونزلت بساحتِه وتأثَّرَ بها حتى أهله، من بعد سقوط الحكم في (بجاية)، يقول واصفًا تلك المحنة: “صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت اعتدتُها منهم كما علمتم، على حين تفاقمَ الخطب، وتلَوَّنَ الدَّهر، والإفلات من مَظَانِّ النكبة، وقد رتعت حولها، بعدما جَرَّتْه الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه، قريعة في الملك، وقسيمة في النّسب، والتياث الجاه وتغيُّر السلطان، واعتقال الأخ المخلف واليأس منه، لولا تكييف الله في نجاته، والعيثُ بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع المقتناة، من بقايا ما متعتْ به الدولة النصرية – أبقاها الله- من النعمة…”[53].
ج- المصير: ورد في هذا العنصر التعريف بالمصير الذي آلَ إليه المرسِل في جوار الرياسة “المُزنيّة” فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث، وأشركَ في الجاه والمال، وأعانَ على نوائب الدهر، وطلب الوتر، حتى رأى الدَّهر مكاني، وأمل الملوك استخلاصي، وتجاوزوا في إتحافي، والله المخلِّص من عقال الآمال، والمرشِد إلى ترك هذه الحظوظ المورِّطة…”[54].
من خلال تلك الخلاصة السابقة نستشِفُّ أنَّ – ابن خلدون- كان يأمُلُ في الاستقرار في كَنَفِ الرياسة الكريمة، رافضًا لكلِّ العروض المقدَّمة إليه من شتَّى الدول، خوفًا من (السياسة المورِّطة)، وذلك رغبةً عن حُسَّادِه الكُثُر.
د- الطَّلب: هذا العنصر لا علاقة له بالوحدة التي وضع فيها وهو يتعلق بطلب تقدَّم به المرسِل إلى المرسَل إليه، يخصُّ ما صدر عنه من الكتابات، التي تمَّ التطرُّق إليها في الاستهلال (المدح)، ويقول فيه: “وأنبأني سيِّدي بما صدرَ عنه من التصانيف الغريبة، والرسائل البليغة، في هذه الفتوحات الجليلة، وبودِّي لو وقع الإتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني النَّدَم على ما فرَّطت…”[55].
ونلاحظُ أنَّ أول ما بدأ به الكاتبُ طلبه لفظة (سيِّدي) الدَّالة على الاحترام والتقدير، إلى جانب ألفاظ المدح الأخرى، مثل: البليغة، الجليلة، الغريبة… وكان هدفُه في كلِّ ذلك أن ينال مُبتغاه من لَدُن السّلطة.
والأخير نلاحظُ أنَّ هذه الوحدة برغم قِصَرها، فهي تحتوي على جميع مُقوِّمات الخطاب الإقناعي.
*الحجج الجاهزة: وهي تضمين الآيات القرآنية والأحاديث وأبيات الشعر والأمثال والحكم، وهي حجج جاهزة تكتسب قوَّتها من مصدرها ومن مصادقة الناس عليها وتواترها…”[56]، مما ورد منها في الوحدة الاستشهاد ببيت من الشعر في بدايتها، يدعم صورة الحال لما يشيعه من إغراب وإحالة على عالم خاصّ يعيشه الكاتب، جرَّاءَ المكانة المتداعِية التي آلَ إليها أمرُه ودالت إليها دولتها، وهو في حال يحدوه الأمل أن ترجع أيامُه الخوالي في كَنَفِ السُّلطان، ليجدَ عنده الحظوةَ والمنزلةَ الرفيعة كعهدِه به.
** الحجج غير الجاهزة: وهي:”القياس والتمثيل…”[57]، وممَّا ورد فيه القياس في الوحدة البرهان الخطابي القائم على التقسيم، الذي استعان به الكاتب في جميع العناصر، حيث يسعى من خلالِه إلى الإيحاء بإحاطته لجميع جوانب الموضوع، وكأنَّه يريد أن يصرفَ نظر المستمع عن البحث والتقصِّي، بل يريد منه مجردَ التلقِّي والإذعان لما يريده الكاتب، دون بحثٍ عن التفاصيل التي ربما أراد أن يُخفيها الكاتب لحاجةٍ في نفسِه.
2-بنية الإخبار عن أحوال إفريقية: يقومُ المرسِل فيها بتعريف صديقِه بأهمِّ المتغيرات التي طرأتْ على السلطة السياسية في هذه المنطقة، وقد اعتمدَ في سردِه على العناصر التالية:
- أحوال السّلطة في تونس: تناولَ في هذا العنصر الحديث عن استبدادِ سلطانها بالحكم وحالِه مع رعيَّتِه قائلاً: “وأمَّا أخبار هذا القُطر فلا زيادةَ على ما علمتُم من استقرار السلطان أبي إسحق بن السلطان أبي يحيى بتونس، مستبدًّا بأمره بالحضرة بعد مقتل شيخ الموحِّدين؛ أبي محمد بن تافراكين، القائم بأمره، رحمة الله عليه، مضايقًا في جباية الوطن وأحكامه بالعرب المستظهرين بدعوتِه، مصانعًا لهم بوفره على أمان الرَّعايا والسابلة، لو أمكن، حسن السياسة جهد الوقت…”[58].
ب- أحوال السّلطة في بجاية: يتعرَّضُ هذا العنصر إلى وصف حال السُّلطة مع الرَّعية في مَوطنِه “ومن انتظام بجاية محلّ دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة، غلابا، كما علمتم، محملاً الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستغلين من الأعراب، مُنتقِض الطاعة أكثر أوقاته لذلك، إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب، ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال الدولة في كلّ جهة، وكل بداية إلى تمام…”[59].
وقد اعتمد الكاتب لتأكيد أخباره الواردة في الوحدة على الحجج الإقناعية التالية:
*الحجج الجاهزة: الاستشهاد بالحكمة التي وردتْ في ختام العنصر الثاني “فكلّ بداية إلى تمام” يُهوِّن من خلالها صورة الظُّلم التي رسمَها لصديقِه.
**الحجج غير الجاهزة: حُسْن التقسيم الذي اعتمدَه في العنصرين دلالة على الإحاطة بالموضوع من جميع جوانبِه، وأيضًا يرمي إلى صرف النَّظَر عن البحث والتقصِّي.
3-بنية الإخبار عن أحوال المشرق: تَطَرَّقَ ابنُ خلدون من خلال هذه الوحدة إلى الفتنة السياسية التي عرفتْها القاهرة، كما نقلها الحجاج من خلال العناصر الآتية:
أ-أحوال الحاج: لخَّصَ فيه أحوال حُجَّاج بيت الله الحرام نتيجة عدم الاستقرار السياسيّ الذي ألمَّ بالقاهرة “وأمَّا المشرق فأخبار الحاجّ هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سُلطانه، وافتراء الجفاة على كرسيِّه، وفساد المصانع والسّقايات المعَدَّة لوفد الله وحاجّ بيته، ما يثخنُ العين ويطيل البَثَّ…”[60]، وكأن ابن خلدون يريد أن يقول: إذا كان الحُجَّاج وفد الله وزوّاره لا يجدون أمنًا ولا أمانًا في بيت الله، فإنَّ الاستقرار لا يعرف طريقًا إلى البلد التي تقوم بسَدَانَةِ البيت ورفادته.
ج-بنية الخاتمة: وفيها يجمع الكاتب أطراف الموضوع، ويترك في ذهن المتلقِّي صورةً ملخصةً واضحةً لما تناولَه في الرِّسالة، راميًا إلى التأثير على المتلقِّي ليذعنَ بما يقوله ابنُ خلدون، والقبول به كإحدى الأمور المسلَّم بها التي لا تقبلُ النِّقاش والجدال، ويشترط على الكاتب في هذا المقام “أن يأتي في مكاتبتِه بحُسْن الاختتام…كما في حُسْن الافتتاح…”[61]؛ لأنَّ “المقطع آخر ما يبقى في النَّفس من قولك، فينبغي أن يكونا جميعًا مؤنّقين…”[62]، وهكذا جاءت الخاتمة في الرسالة مكوَّنة من العناصر الآتية:
أ-التودُّد والمحبَّة: يتجلَّى من خلالها الرَّغبة التي يبتهلُ بها إلى صديقه دلالةً على الوفاء للمحبة، يقول: “ورغبتي من سيِّدي -أبقاه الله- أن لا يغيبَ خطابُه عنِّي، متى أمكن، يصل بذلك مِنَنه الجَمَّة، وأن يقبل عنِّي أقدام تلك الذات المولوية، ويعرفه بما عندي من التشيُّع لسُلطانه، والشكر لنعمته، وأن تنهوا عنِّي لحاشيته وأهل اختصاصِه التحيَّة المختلَسة من أنفاس الرِّياض، كبيرهم وصغيرهم…”[63]، ثم ينتقل لتذكير صديقِه الذوات المساعدة في إيصال رسالته: “وقد تأدَّى منِّي إلى حضرته الكريمة خطابٌ إلى يدِ الحاجّ نافع – سلَّمَه الله- تناولَه من الأخ يحيى عند لقائه إيَّاه بتِلمسان، بحضرة السُّلطان -أبي حمو- أيَّدَه الله…”[64].
ب-الدُّعاء: وقد جاء في آخِر الرِّسالة دلالة على: “التعزير والتوقير من الرئيس إلى المرؤوس…”[65]، بمعنى الدُّعاء بإطالة البقاء “والله يُبقيكم ذخرًا للمسلمين، وملاذًا للآمِلين بفضله…”[66].
ج-السَّلام: وهو “تحية الإسلام المطلوبة لتأليف القلوب…، ولذلك يُشِير أحدُ الكُتَّاب: اُكْتُبْ في أوَّلِ كتابك “سلامٌ عليك” واجعله تحيَّة، وفي آخره “والسَّلام عليك واجعلْه وداعًا”… على إتباع السلام الرحمة في الكلام على الخواتم…”[67].
وعليه فقد انتهتِ الرِّسالة بالسَّلام والرَّحمة وتأكيد الولاء والمحبة: “والسَّلام عليكم وعلى مَن لاذَ بكم من السَّادَة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحِبّ فيكم المعتَدّ بكم شيعة فضلكم، ابن خلدون، ورحمةُ الله وبركاتُه…”[68].
إنّ عناصر الخاتمة جاءتْ مترابطةً من حيث المحتوى والمضمون، العنصر الأول مهَّدَ للثَّاني، إلى نهاية الرسالة.
وممَّا سبق عرضُه نستنتج أنَّ الرسالة في محتواها ومضمونها مترابطةٌ من ناحية البنية الكبرى “المقدِّمة، العَرض، الخاتمة”، فهي تتوالى ضمن ترابُطٍ بنائيّ مُحكَم، ومن أمثلته: ((سيِّدي مجدًا وعُلُوًّا))، ((حَييته تحيَّة الهائم لمواقع الغمائم))، ((وأمل على مقترح الأولياء))، ((ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا القُطر))، ((وبَثَثْتُه شكوى الغريب))، ((من انتظام بجاية محلّ دولتنا)).
مع الإشارة إلى وجود بعض الروابط السببية، ومنها: ((بعد ما جرّته الحادثة بمهلك السُّلطان المرحوم، على يد ابن عمه))، ((من الجولة التي كانت دائرتُها عليه، أجلتْ عن زهاء خمسمائة قتلى))، وكذلك حَوَتِ الرِّسالة بعضَ الرَّوابط الزمنيَّة، مثل: ((وكان كتاب سيِّدي لشرف تلك الدولة))، ((فأخبار الحاجّ هذه السنة)).
أمَّا الرَّوابط المكانيَّة فتتمثَّلُ في المناطق التي تحدَّثَ عن أخبارها (تونس، بجاية، القاهرة).
وممَّا سبق ذكرُه نَخْلُصُ إلى أنَّ الرِّسالة قائمة على المنطقيَّة، التي تجعلها في علاقة تكامُلٍ من حيث (البنية الكبرى)، متكاملة كذلك من ناحية (البنية الصُّغرى) المكوّنة لها؛ ممَّا يجعلها في علاقة ترابُط من حيث المضمون الذي يخدمُ المحور العام: السُّلطة والسُّلطان.
_____________________________________
[1] حميد الحميداني: بنية النَّصّ السرديَ، ص 33.
[2] نبيلة إبراهيم: فنّ القَصّ في النظرية والتطبيق، مكتبة غريب، مصر، د.ط، د.ت، ص 33.
[3] رشيد بن مالك: مقدِّمة في السميائية السردية، دار القصبة للنشر الجزائر، د.ط، 2000م، ص 52.
[4] ترجمة: محمد نديم خشفة، الناشر مركز الإنماء الحضاري، حلب، سوريا، ط1، 1996م، تزفيطان تودروف: الأدب والدلالة.
[5] محمد العمري: في بلاغة الخطاب الإقناعيّ (مدخل نظري وتطبيقي في دراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجًا) أفريقيا الشرق، بيروت لبنان، ط2، 2002م، ص41.
[6] السعيد بن كراد: نحو سيمائية للأيدلوجيا: دار الأمان، المغرب، ط 1، 1996م، ص25.
[7] المرجع السابق، ص 26.
[8] عبد الحميد بورايو: منطق السرد، ديوان المطبوعات الجزائرية، 1994م، ص 85.
[9] السعيد بن كراد: النَّصّ السرديَ، ص 25.
[10]* العناصر: مفردها: عنصر، وهو “الموضوع أو المفهوم الذي يمثل تعريفًا”، انظر: عبد القادر الشاوي: الكتابة والوجود، الهامش، ص41، وهكذا فالعناصر هي تعريفات يوظفها الراوي لإثارة المتلقي.
العسكري: الصناعتين، ص، 455.
[11] المصدر نفسه، ص 451.
[12] القلقشندي: صبح الأعشى، ج6، ص 164.
[13] العسكري: الصناعتين، ص 457.
[14] القلقشندي: صبح الأعشى، ج8، ص152.
[15] المصدر نفسه، ص 16.
[16] الفيروزآبادي: القاموس، ج1، ص 284. وكذلك الرازي: مختار الصحاح، ص 816.
[17] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص922-923.
[18] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2، 1981م، ص170.
[19] ابن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، ط1، 2001م، ص 154.
[20] القلقشندي: صبح الأعشى، ج6، ص276.
[21] المصدر نفسه والصفحة.
[22] الفيروزآبادي: القاموس، ج 4، ص 327، الرازي: مختار الصحاح، ص 351.
[23] القلقشندي: صبح الأعشى، ج9، ص142.
[24] الزبيدي: تاج العروس، ج10، ص126.
* شطر من الآية 55 سورة الأعراف، قال – تعالى-: “اُدعوا ربَّكُم تضرُّعًا وخُفيةً إنَّه لا يُحِبُّ المُعتَدِين”.
[25] العسكري: الصناعتين، ص 157.
[26] القلقشندي: صبح الأعشى، ج6، ص287.
[27] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص923.
[28] الفيروزآبادي: القاموس، م1، ص 344.
(**) الهائم: الهُيام بالضم هو شدة العطش، انظر الرَّازي: مختار الصحاح، ص 704.
[29] *المدلج: أدلج، دلج سار من أول الليل، والاسم: الدَلَج بفتحتين: انظر: الفيروزآبادي: القاموس، م1، ص 189.
(**) المتبلّج: بلج: البلوج: الإشراق، يقال: بلج الصبح، إذا أضاء… وتبلّج فلان أيضًا ضحك وهشّ، انظر: الرازي: مختار الصحاح، ص62.
[30] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص923.
[31] القلقشندي: صبح الأعشى، ج 9، ص 51.
[32] محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي، م5، مكتبة الآداب، مصر، د.ط، 1955م، ص 160.
[33] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص923.
[34] الفيروزآبادي: القاموس، ج1، ص 289، والرازي: مختار الصحاح، ص 153.
[35] الزمخشري: تفسير الكشاف، دار المصحف القاهرة، مصر، م1، ط2، 1977م، ص 13.
[36] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 924.
[37] ابن رشيق: العمدة، ج2، ص 162.
[38] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 224.
[39] المصدر نفسه والصفحة.
[40] القلقشندي: صبح الأعشى، ج6، ص 284.
[41] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 924.
[42] القلقشندي: صبح الأعشى، ص 278- 279.
[43] الزبيدي: التاج، م10، ص 202.
[44] القلقشندي: صبح الأعشى، ج9، ص 173.
[45] ابن خلدون: التاريخ، م14، 924-925.
[46] القلقشندي: صبح الأعشى، ج9، ص 173.
[47] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 924-925.
[48] عبدالله إبراهيم: المتخيل السردي، مقاربات نقدية في التناصّ والرؤى والدلالة، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1990م، ص 113.
[49] الرازي: مختار الصحاح، ص 25، وكذلك الفيروزآبادي: القاموس، م1، ص 140.
[50] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، م4، ص 173.
[51]* الجد: الحظ والبخت، مجدود: محظوظ، الرازي: مختار الصحاح، ص93.
**الصبب: موضع منحدر، انظر: الزبيدي: التاج، م1، ص 333.
***مري: الشيء استخرجه، الفيروزآبادي: القاموس، م4، ص 925.
[52] ابن خلدون: التاريخ، م 14، ص 925.
[53] المصدر نفسه، ص 926.
[54] المصدر نفسه، والصفحة.
[55] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 926.
[56] محمد العمري: في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 90.
[57] المرجع نفسه، ص 71.
[58] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 926.
[59] المصدر نفسه، والصفحة.
[60] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 927.
[61] المصدر نفسه، والصفحة.
[62] المصدر السابق، ص 927-928.
[63] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 928.
[64] المصدر نفسه، ص 928.
[65] القلقشندي: صبح الأعشى، ج6، ص 312.
[66] ابن خلدون: التاريخ، م14، 928.
[67] القلقشندي: صبح الأعشى.ج6، ص 229-230.
[68] ابن خلدون: التاريخ، م14، ص 928.
