مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.ضياء الجبوري
    عضو نشيط
    • Mar 2015
    • 453

    #1

    مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية

    يجد الباحثُ في الكتبِ الفقهيةِ مباحثَ لغويةً تستحقُّ الوقوفَ والنظرَ، والعرضَ والنشرَ. فهي مباحثُ غنيةٌ، تشتملُ على تفصيلاتٍ وتحليلات، وتتضمنُ مفارقاتٍ ومقارباتٍ. فنجدُ الفقيهَ يفسِّرُ الألفاظَ، ويُبيِّنُ الدلالاتِ. ثمَّ ينبِّهُ على الرابطِ بين الدلالةِ اللغويةِ والشرعيةِ.
    ويكون ذلك بالإشارةِ إليه مرةً، وبالتصريحِ بها مرّةً أخرى. فرأينا أن نقفَ على هذه الفوائدِ، وننشرَ ما فيها من الفرائدِ. فقد لا يجدُ الباحثُ مثلها، ولا تقعُ يدُه على نحوها؛ لما فيها من الجمعِ بين الدلالاتِ اللغويةِ والشرعيةِ. وهذا مرادُ الباحثين، ومنتهى السائلين.
    واللهَ أسألُ أن ينفعَ بها كما نفعَ بأصلِها. وأن يكتبَ لنا بها الأجرَ في الدارين. فهو المولى وهو النصير.
    وصلى الله على محمدٍ وعلى أله وصحابته والتابعين.
    وكتبه
    د. ضياء الجبوري
    التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 02:51 PM.
    السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.
  • د.ضياء الجبوري
    عضو نشيط
    • Mar 2015
    • 453

    #2
    الحَجْر

    قال ابن قدامة في المغني:
    الْحَجْرُ؛ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَرَامُ حِجْرًا، قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22]
    أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا، وَيُسَمَّى الْعَقْلُ حِجْرًا، قَالَ اللَّه تَعَالَى {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر: 5] . أَيْ عَقْلٍ. سُمِّيَ حِجْرًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَا يَقْبَحُ، وَتَضُرُّ عَاقِبَتُهُ.
    وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ.
    وَالْحَجْرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، حَجْرٌ عَلَى الْإِنْسَانِ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَحَجْرٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ، فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ، لِحَقِّ غُرَمَائِهِ، وَعَلَى الْمَرِيضِ فِي التَّبَرُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ التَّبَرُّعِ بِشَيْءِ لِوَارِثِ لِحَقِّ وَرَثَتِهِ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ لِحَقِّ سَيِّدِهِمَا، وَالرَّاهِنِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَلِهَؤُلَاءِ أَبْوَابٌ يُذْكَرُونَ فِيهَا. وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ، فَثَلَاثَةٌ؛ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ، وَهَذَا الْبَابُ مُخْتَصٌّ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَالْحَجْرُ عَلَيْهِمْ حَجْرٌ عَامٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَذِمَمِهِمْ. وَالْأَصْلُ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
    المغني لابن قدامة (4/ 343).
    نجد في تفسير ابن قدامة لهذه اللفظة زيادةَ بيانٍ وتضيحٍ، وتأصيلًا وتيسيرًا. فقد جاءَ بأصلِ (الحجر) في اللغةِ، وهو المنعُ والتضييق. ثم انتقلَ إلى ذكرِ لفظةٍ للتمثيل، لها دلالتانِ، لكنّهما في الحقيقةِ من أصل واحدٍ. ثمَّ ينتقلُ ابن قدامة لبيانِ دلالتَه في الشريعةِ.
    وهذا منهجٌ أراه جيدًا مختصرًا،يسيرًا نافعًا للباحثِ الشرعيِّ. وقد ارتكزَ هذا المنهجِ على نقاطٍ نستطيعُ أنْ نعدَّها قواعدَ أو ركائزَ، سنذكرها مرتبة كما سيأتي:
    1- بيان أصل دلالة اللفظة.
    2- التمثيل لها، والاستشهاد والاستدلال.
    3- بيان الدلالة الشرعية.
    4- التمثيل للدلالةِ الشرعية.
    التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:01 PM.
    السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

    تعليق

    • د.ضياء الجبوري
      عضو نشيط
      • Mar 2015
      • 453

      #3
      الطهارة

      وهذا مبحثُ آخرُ يؤيدُ ما ذكرنا عن منهجِ الإمامِ ابنِ قدامةَ في تفسيرِ الألفاظِ، وبيانِ دلالاتِها.
      وقد تعدّى الأمرُ إلى التفصيلِ في تفسيرِ الألفاظِ، والنقلِ عن علماء اللغةِ. بل وصلَ إلى أكثرِ من ذلك، فإنَّنا وجدناه يُرجَّحُ قولاً على آخرَ، ويردُّ على القولِ الآخرِ، ويُخطِّئُ غيره.
      قالَ في بابِ الطهارةِ في المغني:
      وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ: النَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ، وَفِي الشَّرْعِ: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ.
      فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الطَّهَارَةِ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ التَّكَلُّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ.
      وَالطُّهُورُ - بِضَمِّ الطَّاءِ -: الْمَصْدَرُ، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ وَالطَّهُورُ - بِالْفَتْحِ - مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ.
      وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ، بِمَعْنَى الطَّاهِرِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ، فَمَا كَانَ فَاعِلُهُ لَازِمًا كَانَ فَعُولُهُ لَازِمًا.
      بِدَلِيلِ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَنَائِمٍ وَنَئُومٍ، وَضَارِبٍ وَضَرُوبٍ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَرَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَزِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ.
      وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
      وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ، حَيْثُ سَأَلُوهُ عَنْ التَّعَدِّي، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْفَعُولِ، فَقَالَتْ: قَاعِدٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقُعُودُ، وَقَعُودُ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا، وَلَيْسَ إلَّا مِنْ حَيْثُ التَّعَدِّي وَاللُّزُومُ.
      المغني لابن قدامة: 1/ 7 - 1/ 8. انتهى.
      فقد سار على منهجِه الذي ذكرنا. ثمّ أصّلَ قاعدةً مهمّةً هي: إذا أطلق اللفظُ في الشرعِ فالمرادُ المعنى الشرعي. فقال: ((فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الطَّهَارَةِ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ التَّكَلُّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ.)). وهذه القاعدة قد ذكرَها الأصوليون – وهو من الجهابذة في علم الأصول -.
      وقد فرَّق بين (وَالطُّهُورُ) و(وَالطَّهُورُ). واستشهدَ لذلك، واستدلَّ. ثمَّ ردَّ قولَ بعضِ الحنفيةِ من أنَّ (الطَّهُورُ) بمعنى الطاهر. وقد بين ذلك فيما تقدَّم.
      وصلّى الله على محمد وآله وصحابته ومن تبعهم.
      التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:03 PM.
      السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

      تعليق

      • د.ضياء الجبوري
        عضو نشيط
        • Mar 2015
        • 453

        #4
        الغسل

        وفي بابِ الغسلِ قال ابن قدامة:
        قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ النَّحْوِيُّ: غَسْلُ الْجَنَابَةِ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْغُسْلُ: الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. وَالْغِسْلُ: مَا غُسِلَ بِهِ الرَّأْسُ. المغني لابن قدامة (1/ 146).
        فبيّنَ الفرقِ بين الأبنيةِ الثلاثةِ. وقولُه: غَسلُ الجنابةِ بفتحِ الغينِ؛ لأنَّه مصدرُ الفعلِ غَسَلَ. ذكرَه الأزهريُّ في التهذيبِ(1). قالَ الجوهريُّ: غسَلتُ الشيءَ غَسْلًا بالفتح(2). وغَسَلَ من بابِ ضرب. أي: غَسَلَ يَغْسِلُ غَسْلًا. فيكونُ مصدرُه فَعْلًا، بفتحِ أولِه.
        وأمَّا الغُسْلُ فقد جاءَ في تهذيبِ اللغةِ: قَالَ اللَّيْث: الغُسْلُ: تمامُ غَسْلِ الْجلد كُله. وجعلَه الجوهريُّ اسمًا. وابنُ سيدَه عدَّهما مصدرين، فقال: غَسَل الشَّيْء يَغْسِلُه غَسْلاً وغُسلا. ثمّ قال: وَقيل: الغَسْل، الْمصدر، والغُسْل، الِاسْم(3). وقال ابنُ القطاع: والغُسل ما يغتسل به. وهو أيضا تمام الطهارة(4). فجعل له المعنيين اللذين ذكر أحدَهما الأزهريُّ وذكرَ الآخرَ الجوهريُّ.
        ----------------------------------------------------------------------------
        (١) تهذيب اللغة (8/ 68). (غسل).
        (٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1781). (غسل).
        (٣) المحكم والمحيط الأعظم (5/ 431). (غسل).
        (٤) كتاب الأفعال (2/ 423). (غسل).
        التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:04 PM.
        السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

        تعليق

        • د.ضياء الجبوري
          عضو نشيط
          • Mar 2015
          • 453

          #5
          التيمم

          مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية
          قال ابنُ قدامة في المغني: [بَابُ التَّيَمُّمِ]
          التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] . وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
          تَيَمَّمْتِ لِلْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
          وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]. أَيْ: اقْصِدُوهُ. ثُمَّ نُقِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ. وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْجُمْلَةِ.
          درسَ ابنُ قدامة لفظةَ (التيَّيَمُّم) دراسةً وافيةً - في نظري – على قِصَرِ فقراتِها. فقد كان منهجُه دقيقًا في الشرحِ والاستدلالِ والاستشهادِ. وهذا يدلُّ على معرفةٍ باللغةِ.
          فهو لم يكتفِ بتفسيرِ اللفظةِ لغويًا، بل زادَ على ذلك أنّه استدلَّ لها من القرآن، واستشهدَ لها من الشعر، ومن شعرِ امرئِ القيسِ خاصةً.
          ثمَّ قال ابنُ قدامة: ثُمَّ نُقِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ. فبيَّنَ أنَّ هذا اللفظَ، نُقلَ من اللغةِ إلى عرفِ الفقهاءَ فصارَ مصطلحًا فقهيًّا. هو التَّيَمُّمُ. فالفقهاءُ سمَّوا هذا الفعلَ في الشريعةِ الذي هو: مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ، سمَّوه تَيَمُّمًا.
          قالَ البعلي في المطلعِ: التَّيَمُّمُ في اللغةِ، القصدُ، قال الجوهري: وأصله التعمد والتوخي، وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدًا طَيِّبًا}، وقال ابن السكيت: أي اقصدوا، قال المصنف رحمه الله في المغني: ثمَّ نُقلَ في عرف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد.
          المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 48)
          ولكنَّنا وجدنا الخليلَ يعزو استعمالَ هذا المصطلحِ لعوامِ الناسِ. قال: والتَّيَمُّمُ بالصّعيد من ذلك. والمعنى: أن تتوخَّوْا أطيبَ الصّعيد، فصار التَّيَمُّمُ في أفواه العامّة فِعلاً للمَسْحِ بالصّعيد، حتّى إنّهم يقولون: تَيَمَّمْ بالتّراب، وتيمّم بالثّوب، أي: بغبار الثّوب، وقول الله عزّ وجل: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)، أي: تَوَخَّوْا. العين (8/ 430).
          وذكرَ أبو عبيد ذلك السببَ نفسَه، الذي هو تسميةُ الناسِ له، ولكنَّنا وجدناه مسوِّغًا ذلك الاستعمال في الكلامِ فقال: وَقَوله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوْا صَعِيُداً طَيِّباً} هَذَا فِي الْمَعْنى وَالله أعلم تعمدوا الصَّعِيد، أَلا ترى بعد ذَلِك يَقُول {فَاْمْسَحُوْا بِوُجُوْهِكُمْ وَاَيْدِيْكُمْ مِّنْهُ}. فَكثر هَذَا فِي الْكَلَام حَتَّى صَار التَّيَمُّم عِنْد النَّاس هُوَ التمسح نَفسه. وَهَذَا كثير جَائِز فِي الْكَلَام أَن يكون الشَّيْء إِذا طَالَتْ صحبته للشَّيْء يُسمى بِهِ كَقَوْلِهِم: ذهب إِلَى الْغَائِط وَإِنَّمَا الْغَائِط أَصله المطمئن من الأَرْض. غريب الحديث للقاسم بن سلام (2/ 126).
          وقد وجدتُ عبارةَ ابنِ قتيبةَ أخفَّ على سمعنِا نحن، وأكثرَ تقبُّلًا، على أنَّني لا أريدُ بذلك التقليلَ من شأنِ أقوالِ أئمتِنا، أو فهمِها خلافَ مرادِها، وإنَّما أردتُ تتبُّعَ هذه اللفظةِ في كتبِهم، وكيف انتقلت دلالتُها لتصبحَ دالَّةً على التَّمسُّحِ بالترابِ. نعودُ إلى قولِ ابنِ قتيبة في الغريبِ. قال: وَالتَّيَمُّم بالصعيد أَصله التعمد يُقَال: تيممتك وتأممتك قَالَ الله عز وَجل {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} أَي تعمدوا تُرَابا طيبا ثمَّ كثر استعمالهم هَذِه الْكَلِمَة حَتَّى صَار التَّيَمُّم مسح الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَاب.
          غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 161).
          وتبعَ الأزهريُّ الخليلَ في ذلك فقال: ويُقال: أَمَمْتُه، وأَمَّمْته، وتأَمَّمْته، وتَيَمَّمته، بِمَعْنى وَاحِد، أَي: توخيته وقَصَدْتُه. والتَيمُّم بالصَّعيد، مَأْخُوذ من هَذَا. وَصَارَ (التيمّم) عِنْد عوام النَّاس المَسْح بِالتُّرَابِ، وَالْأَصْل فِيهِ، القَصْد والتوخِّي؛ قَالَ الْأَعْشَى:
          تَيَمَّمت قيسا وَكم دُونه من الأَرْض من مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ
          تهذيب اللغة (15/ 459).
          وتبعَهم الجوهريُّ فقال: ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتَّى صار التَيَمُّمُ مسحَ الوجه واليدين بالتراب.
          الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 2064)
          وكذلك فعلَ ابنُ فارسٍ: فَصَارَ التَّيَمُّمُ فِي أَفْوَاهِ الْعَامَّةِ فِعْلًا لِلتَّمَسُّحِ بِالصَّعِيدِ، حَتَّى يَقُولُوا قَدْ تَيَمَّمَ فُلَانٌ بِالتُّرَابِ. مقاييس اللغة (1/ 30).
          وقال ابنُ الأثيرِ في النهاية: وأصْلُه فِي اللُّغَة: القَصْد. يُقَالُ: يَمَّمْتُهُ وتَيَمَّمْتُهُ، إِذَا قَصَدْتَه. وأصلُه التَّعَمد والتَّوخِّي. وَيُقَالُ فِيهِ: أَمَّمْتُهُ، وتَأَمَّمْتُهُ بِالْهَمْزَةِ، ثُمَّ كَثُرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى صَارَ التَّيمُّم اسْماً عَلَماً لَمسْح الوَجه واليَدَين بالتُّراب. النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 300).
          ثمَّ جاءَ الفيوميُّ فبيَّنَ أنَّه لكثرةِ استعمالِه صار مصطلحًا معروفًا في الشرعِ، فقال: وَتَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَيَمُّمًا وَتَأَمَّمْتُ أَيْضًا قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] أَيْ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةً عَنْ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَيَمَّمْتُ الْمَرِيضَ فَتَيَمَّمَ وَالْأَصْلُ يَمَّمْتُهُ بِالتُّرَابِ.
          المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 681)
          حتى إذا وصلنا الفيروزآبادي وجدنا أنَّ المصطلحَ قد أخذَ مكانَه في اللغةِ وصار دالّاً على التمسُّحِ بالترابِ. قال: والتَّيَمُّمُ: التَّوَضُّؤُ بالتُّرابِ، إبْدالٌ، أَصْلُه التَّأمُّمُ. القاموس المحيط (ص: 1076).
          لكن اللافت للنظرِ أنَّ الفقهاء سمَّوا ذلك الفعلَ تيمُّمًا منذ القرنِ الثاني الهجري، وقد يكون قبل ذلك. وقد بنيتُ ذلك على اعتبارِ أنَّ المذهبَ الحنفيَّ كان موجودًا قبل المئتين من الهجرة، وبعده المالكي، ثمّ الشافعي، ثمَّ الحنبلي. وكلُّها قد أثبتتْ في مؤلَّفاتِها التَّيَمُّمَ، واستعملتْه. فلمَ جعلَ اللغويون السببَ في استعمالِ هذه المفردة العامة، ولم يشرْ أحدٌ منهم إلى استعمال الفقهاء.
          لقد استدرجني البحثُ في هذه المادةِ اللغويةِ، وجرجرني القلمُ بعدَ إذ كنتُ أنوي أن أشيرَ إشاراتٍ، وأنْ أُدَلِّلَ على المواضعِ في وقفاتٍ، لعلَّ أحدًا يَلفتُه النظرُ إلى البحثِ فيها، واستجلاءِ مكنوناتِها. أو تعلو الهمَّةُ زمنًا فأستطيعُ أنْ أتتبَّعَها، فأظهرَ خفاياها، وأسبرَ غورَها، لأخرجَ بعدها وقد عثرتُ على مساراتِ تطورِها، وقواعدِ ثبوتِها.
          وهذا البحثُ - إنْ كُتبَ له التوفيقُ – هو بحثٌ يستجادُ؛ لأنَّه يقودنا إلى معرفةِ التطورِ الدلاليِّ للعديدِ من الألفاظِ التي استعملَها الشرعُ المطهر.
          ونسألُ اللهَ الكريمَ العونَ والتوفيق، والقبولَ والتسديد. وأن يجعلَه من القربات، ويسلِّمنا به يومَ القيامةِ من العثراتِ. وصلى الله وسلَّم على عبدِه ورسولِه محمدٍ بن عبدِ الله، وعلى آلِه وصحابته ومن والاه.
          وكتبه
          د. ضياء الجبوري
          ------------------------------------------------------
          البيتُ من مقطوعةٍ من بيتين لامرئ القيس يصف فيهما الحُمر الوحشية، هما:
          ولَمَا رَأتْ أنّ الشَّريعَةَ همُّها ... وأن البَياضَ مِنْ فَرَائصِها دامي (1)
          تَيَمَّمتِ العَيْنَ التي عِنْدَ ضارجٍ ... يفيء عليْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامي (2)
          __________
          (1) الشريعة: مورد الماء. فرائضها: ج فريضة: اللحمة بين الجني والكتف ترعد عند الخوف.
          (2) تيممت: قصدت، أمّت. ضارج: موضع. العرمض: الطّحلب. الطامي: المرتفع.
          ديوان امرئ القيس ت المصطاوي (ص: 155).
          التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:07 PM.
          السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

          تعليق

          • د.ضياء الجبوري
            عضو نشيط
            • Mar 2015
            • 453

            #6
            منهج ابن قدامة

            يتلخص منهج ابن قدامة في دراسته لدلالة اللفظ في النقاط الآتية:
            ١- بيان دلالة اللفظ في اللغة.
            ٢- الاستدلال لهذه الدلالة من القرآن، إن وجد.
            ٣- الاستدلال لهذه الدلالة من الحديث إن وجد.
            ٤- الاستدلال لهذه الدلالة من الشعر إن وجد.
            ٥- بيان الدلالة الشرعية للفظ.
            التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:10 PM.
            السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

            تعليق

            • د.ضياء الجبوري
              عضو نشيط
              • Mar 2015
              • 453

              #7
              الصلاة

              قال ابن قدامة في كتاب الصلاة في كتابه المغني.
              الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
              تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
              عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
              وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَمْرٌ بِصَلَاةٍ أَوْ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا، انْصَرَفَ بِظَاهِرِهِ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
              وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. انتهى. المغني لابن قدامة (1/ 267)
              تمثَّلَ منهجُ ابنِ قدامةَ في تفسيرِه للفظةِ الصلاةِ في هذا البابِ، فقد قدَّمَ الدلالةَ اللغويةَ في فاتحةِ الباب. وهذا التقديمُ يمثلُ منهجَه في الكتابِ بشكلٍ عام. فهو يفتتحُ البابَ بمقدمةٍ في دلالةِ اسمِ هذا الباب. ثمَّ يستدلُّ لهذه الدلالةِ من القرآن، ثم يستدلُّ لها من الحديث النبويِّ. ثمَّ يستشهدُ لها بشاهدٍ من الشعر.
              فيتَّضحُ معنى اسمِ البابِ في اللغةِ، فيكون للقارئِ تصورٌ تامٌّ لمعنى اسمِ البابِ الذي شرعَ في دراستِه في الفقهِ. ثمَّ يأتي بدلالتِه الشرعيةِ.
              ونجدُه يربطُ بين الدلالتين اللغويةِ والشرعيةِ أحيانًا. وقد يبيَّنُ سببَ تسميةِ البابِ الذي يدرسُه.
              يتبيَّنُ للقارئِ أنَّ دلالةَ الصلاةِ هي الدعاءُ في معجمِ العينِ. ولكنَّ ابنَ دريد ذكر أنَّ اشتقاق الصلاةِ من رفعِ الصَّلا، وهو العظمُ الذي في الظهر. قالَ: والصَّلا: الْعظم الَّذِي فِيهِ مَغْرِز عَجْب الذَّنب، وهما صَلَوان. والصَّلاة من بَنَات الْوَاو وتُجمع صلوَات. قَالَ بعض أهل اللُّغَة: اشتقاقها من رفعِ الصَّلا فِي السُّجُود. والصَّلا: الْعظم الَّذِي عَلَيْهِ الأليتان، وَهُوَ آخر مَا يبْلى من الْإِنْسَان، وَالله أعلم. جمهرة اللغة (2/ 897).
              وجاء في تهذيبِ اللغةِ عن الزجاجِ أنَّ أصلَ الصلاةِ اللزومِ. قالَ الأزهريُّ: وَقَالَ الزّجاج: الأصلُ فِي الصَّلَاة اللّزوم، يُقَال: قد صلِيَ واصطَلَى: إِذا لزم، وَمن هَذَا: من يُصْلَى فِي النَّار، أَي: يُلزَم النارَ.
              وَقَالَ أهلُ اللُّغَة فِي الصَّلَاة: إِنَّهَا من الصلَوَيْن، وهما مُكتَنِفا الذَّنَب من النَّاقة وغيرِها، وأوّلُ مَوْصِلِ الفَخِذين من الْإِنْسَان فكأنَّهما فِي الْحَقِيقَة مكتنفا العُصْعُص.
              قَالَ: والقولُ عِنْدِي هُوَ الأول، إِنَّمَا الصَّلَاة لُزوم مَا فَرَض الله، والصلاةُ من أعظَم الفَرْض الَّذِي أُمِرَ بلزومه. وَأما المُصلِّي الَّذِي يَلي السابقَ فَهُوَ مأخوذٌ من الصلَوَيْن لَا محَالَة، وهما مكتَنِفا ذَنب الْفرس، فَكَأَنَّهُ يَأْتِي ورأسُه مَعَ ذَلِك الْمَكَان. انتهى. تهذيب اللغة (12/ 166).
              فصار لدينا قولان في أصلِ الصلاةِ: الأولِ: من العظمِ الذي في الظهرِ، والثاني: من اللزوم.
              واكتفى الجوهريُّ بذكرِ دلالاتها فقط، دون ذكرِ الصلِ في تسميتِها، فقال: الصلاة: الدعاء. انتهى الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (6/ 2402).
              وحين نطالعُ في مقاييسِ اللغةِ الذي يؤصّلُ للألفاظِ نجدُ ابنَ فارسٍ قد جعلَ لهذا اللفظِ أصلين: الأولِ: النار، والثاني: جنسٌ من العبادةِ، ومعناه الدعاء. قالَ: (صَلَى) الصَّادُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا النَّارُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْحُمَّى، وَالْآخِرُ جِنْسٌ مِنَ الْعِبَادَةِ. مقاييس اللغة (3/ 300). وعلى هذا يكونُ الدعاءُ أصلًا لهذا اللفظِ أيضا.
              وقد تباينت تفسيراتُ اللغويين لهذه اللفظةِ في المعاجمِ، فمنهم من ابتدأ بدلالتِها اللغويةِ، ومنهم ومن بيَّنَ أصلَ هذه الدلالةِ، ومنهم من ابتدأ بدلالتِها الشرعيةِ.
              قال ابنُ سيدَه: والصلاةُ الرُّكوعُ والسُّجودُ...والصلاةُ الدُّعاءُ والاسْتِغفارُ. المحكم والمحيط الأعظم (8/ 372). فابتدأ بالمعنى الشرعيِّ ثمّ ذكرَ اللغويَّ.
              ولعلَّ ابنَ سيدَه بدا أكثرَ وضوحًا في المخصَّصِ منه في المحكمِ في تفسيرِ الصلاةِ. قالَ: قد أَكثر النّاس فِي شرحها والتّعبير عَنْهَا وَأَنا أورد فِي ذَلِك أحسن مَا سقط إِلَيّ من لفظ الشّيخ أبي عَليّ الْفَارِسِي، قَالَ: الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدّعاء، قَالَ الْأَعْشَى فِي الْخمر: وقابَلها الرّيحُ فِي كِنِّها وصلّى على دَنِّها وارتسمْ فَكَانَ معنى قَوْله عز وَجل: (وصلِّ عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سَكنٌ لَهُم).
              وإذا نظرنا في النهاية في غريبِ الحديثِ والأثرِ لابنِ الثيرِ وجدناه يذكرُ أصلًا رابعًا للصلاةِ، هو التعظيم. فضلًا عن ذكرِه للأصلِ الثالثِ. قال: وَهِيَ العبادةُ المُخصوصةُ، وأصْلُها فِي اللَّغة الدعاءُ فسُمَيّت بِبَعْضِ أجْزَائِها. وَقِيلَ إنَّ أصلَها فِي اللُّغَةِ التعظيمُ. وسُمَيّت العبادةُ المخصُوصة صَلَاة لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظيم الرَبّ تَعَالَى. انتهى النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 50).
              ونرى النوويُّ يفسِّرُها بالدعاءِ، ويجعلُ أصلَها من العظمين اللذين في الظهر. ثمَّ يسجِّلُ اعتراضَه على بعضِ الأقوالِ في أصلِ الصلاةِ. قال: الصَّلَاة هِيَ فِي اللُّغَة الدُّعَاء وَسميت الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة صَلَاة لاشتمالها عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل اللُّغَة وَغَيرهم من أهل التَّحْقِيق وَهِي مُشْتَقَّة من الصلوين وهما عرقان من جَانب الذَّنب وعظمان ينحنيان فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود قَالُوا وَلِهَذَا كتبت الصَّلَاة فِي الْمُصحف بِالْوَاو وَقيل فِي اشتقاقها اقوال كَثِيرَة أَكْثَرهَا بَاطِلَة لَا سِيمَا قَول من قَالَ إِنَّهَا مُشْتَقَّة من صليت الْعود على النَّار إِذا قومته وَالصَّلَاة تقومه للطاعة وَهَذَا القَوْل غباوة ظَاهِرَة من قَائِله لِأَن لَام الْكَلِمَة فِي الصَّلَاة وَاو وَفِي صليت يَاء فَكيف يَصح الِاشْتِقَاق مَعَ اخْتِلَاف الْحُرُوف الأَصلِيَّة. تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 49).
              وإذا طالعنا في معجمِ البعليِّ الفقهيِّ المسمّى (المطلع على أبوابِ المقنع) وجدنا يذكرُ أقوالًا، ويشيرُ إلى غيرِها بالكثرةِ والتنوعِ في أصل الصلاة. فيقول: الصلاة في اللغة، الدعاء. قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: أدع لهم، وقال الأعشى: "من المتقارب"
              وقالبها الريح في دنها ... وَصَلَّى على دنها وارتسم
              أي: دَعَا وَكَبَّر. وهي مشتقة من الصلوين، والصلوان [قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المصحف، وقيل هي من الرحمَة]، واحدهما أصلا كعصا، وهما عرقان من جانبي الذنب، وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وقال ابن سيده: الصلا وسط الظهر من الإنسان، ومن كل ذي أربع، وقيل: وما انحدر من الوركي، وقيل الفُرْجَةُ التي بين الجاعرة والذنب، وقيل: هو ما عن يمين الذنب وشماله، وقيل: في اشتقاق الصلاة غير ذلك. المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 63).
              وحين يُطالعُ القارئُ في المصباحِ المنيرِ يجدُ الفيُّوميَّ قد جعلَ الصلاةِ تشملُ دلالاتٍ عديدةً. قالَ: وَالصَّلَاةُ قِيلَ أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] أَيْ دُعَاءً ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا هَذِهِ الْأَفْعَالُ الْمَشْهُورَةُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاء ... وَقِيلَ الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» أَيْ بَارِكْ عَلَيْهِمْ أَوْ ارْحَمْهُمْ. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (1/ 346).
              فالصلاةُ إذن تدلُّ على الدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ عند الفيُّوميُّ.
              والفيروزآبادي جعلَ لها دلالاتٍ عديدةً أيضًا، فقال: والصَّلاةُ: الدُّعاءُ، والرَّحْمَةُ، والاسْتِغْفارُ، وحُسْنُ الثَّناءِ من اللهِ، عَزَّ وجَلَّ، على رَسُولِهِ، صلى الله عليه وسلم، وعِبادَةٌ فيها رُكوعٌ وسُجودٌ، اسمٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. القاموس المحيط (ص: 1303) القاموس المحيط (ص: 1304)
              قال المرتضى الزبيديُّ في التاجِ: (والصَّلاةُ) : اخْتُلِف فِي وزْنِها ومَعْناها؛ أَمَّا وَزْنُها فقيلَ: فَعَلَةٌ، بالتَّحْريكِ وَهُوَ الظاهِرُ المَشْهورُ؛ وقيلَ بالسكونِ فتكونُ حَرَكةُ العَيْن مَنْقولَةً من اللامِ، قالَهُ شيْخُنا.
              وأَمَّا مَعْناها: فقيلَ: (الدُّعاءُ) ، وَهُوَ أَصْلُ مَعانِيها، وَبِه صَدَّرَ الجوهريُّ التَّرْجمة؛ وَمِنْه قولُه تَعَالَى: {وصَلِّ عَلَيْهم}، أَي ادْع لَهُم. تاج العروس (38/ 437).
              وقال أيضا: قالَ شيْخُنا: وَهَذِه حقيقَةٌ شَرْعيَّةٌ لَا دَلالَةَ لكَلامِ العَرَبِ عَلَيْهَا إلاَّ من حيثُ اشْتِمالِها على الدُّعاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَعْناها. وَفِي كَلامِ الشَّهاب مَا يَقْتَضِي أنَّ الصَّلاةَ الشَّرْعيَّة حَقيقةٌ مَعْروفَةٌ للعَرَبِ. وَفِي المزهر: أنَّها مِن الكَلماتِ الإسْلامِيَّةِ، وَفِي الكُلِّ نَظَرٌ، انتَهَى.
              وقالَ ابنُ الأثيرِ: سُمِّيَت ببعضِ أجزائِها الَّذِي هُوَ الدُّعاءُ. وَفِي المِصْباح: لاشْتِمالِها على الدُّعاءِ. وقالَ الرَّاغبُ: سُمِّيَت هَذِه العِبادَةُ بهَا كتَسْمِيةِ الشيءِ باسْمِ بعضِ مَا يَتَضمَّنه.
              تاج العروس (38/ 438).
              والذي يترجّحُ عندي أنَّ الصلاةَ أصلُها الدعاءُ؛ لأنَّه قد جاءت عن العربِ بهذا المعنى. قال الأعشى:
              وصَهْباءَ طافَ يَهُودِيُّها ... وأَبْرَزَها، وَعَلَيْهَا خَتَمْ
              وقابَلَها الرِّيحُ فِي دَنِّها، ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّها وارْتَسَمْ
              هذا ما سمحَ به الوقتُ من البحثِ وتتبِّعِ أقوالِ اللغويين في دلالةِ الصلاةِ وأصلِ معناها.
              والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
              وكتبه
              د. ضياء الجبوري
              التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:12 PM.
              السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

              تعليق

              • د.ضياء الجبوري
                عضو نشيط
                • Mar 2015
                • 453

                #8
                الأذان

                قال ابن قدامة:
                الْأَذَانُ إعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ. وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أَيْ: إعْلَامٌ، وَ: {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109] أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا فِي الْعِلْمِ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
                آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
                أَيْ: أَعْلَمَتْنَا. وَالْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِلْإِعْلَامِ بِوَقْتِهَا. وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. المغني لابن قدامة: (1/ 292)
                قال ابن فارس: والأصل الآخر العلم والإعلام. تقول العرب: قد أذنت بهذا اﻷمر، أي: علمت. وآذنني فلان: أعلمني. والمصدر الأذن والإيذان. ... ومن الباب الأذان، وهو اسم التأذين. مقاييس اللغة: 77/1
                قال الجوهري: أذن، بمعنى علم. ومنه قوله تعالى: (فأْذَنوا بحَرْبٍ من الله ورسوله) . وأَذِنَ له أَذَناً: استمع. قال قَعْنَبُ بن أمُِّ صاحبٍ:
                إنْ يسمعوا ريبَةً طاروا بها فرحاً
                عَنِّي وما سمعوا من صالحٍ دَفَنوا

                صُمُّ إذا سمعوا خيراً ذُكِرْتُ به
                وإنْ ذكرت بشر عندهم أذنوا

                و " ما أذن الله لشيء كأذنه لمن يتغنى بالقرآن (1) ".
                والأذان: الإعلامُ. وأَذانُ الصلاة معروف. الصحاح: 2068/5
                التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:14 PM.
                السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                تعليق

                • د.ضياء الجبوري
                  عضو نشيط
                  • Mar 2015
                  • 453

                  #9
                  الزكاة

                  قال ابنُ قدامة في كتاب الزكاة:
                  قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: الزَّكَاةُ مِنْ الزَّكَاءِ وَالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثْمِرُ الْمَالَ وَتُنَمِّيه. يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ، إذَا كَثُرَ رَيْعُهُ. وَزَكَّتْ النَّفَقَةُ، إذَا بُورِكَ فِيهَا. وَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ فِي الْمَالِ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهَا فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ. وَالزَّكَاةُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ. انتهى. المغني لابن قدامة (2/ 427)
                  التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:15 PM.
                  السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                  تعليق

                  • د.ضياء الجبوري
                    عضو نشيط
                    • Mar 2015
                    • 453

                    #10
                    الزكاة٢

                    الزكاة لغة:
                    تطلق الزكاة في اللغة على معنيين أصليين ترجع إليهما جميع المعاني:
                    الأول: النماء والبركة والزيادة.
                    الثاني: الطهارة.

                    قال ابن فارس: "والأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنيين، وهما النماء والطهارة"[1].

                    وقال في لسان العرب: "وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكله قد استُعمل في القرآن والحديث، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، فيطلق على العين، وهي الطائفة من المال المزكَّى بها، وعلى المعنى وهي التزكية"[2].

                    وتبين من ذلك أن النماء والطهارة تحصل لنفس المزكي ولماله[3].

                    وقال الراغب في المفردات: "أصل الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة، وقوله: ﴿ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ﴾ [الكهف: 19]، إشارة إلى ما يكون حلالاً لا تستوخم عقباه، ومنه الزكاة؛ لما يخرج الإنسان من حق الله - تعالى - إلى الفقراء، وتسميته بذلك؛ لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس؛ أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعًا؛ فإن الخيرين موجودان فيها، وقرن الله تعالى الزكاة بالصلاة في القرآن بقوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره"[4].
                    عن شبكة اﻷلوكة

                    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/68822/#ixzz3znZSElZ8
                    التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:18 PM.
                    السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                    تعليق

                    • د.ضياء الجبوري
                      عضو نشيط
                      • Mar 2015
                      • 453

                      #11
                      الزكاة٣

                      ما المقصود بالزكاة في اللغة والشرع، وما العلاقة بينهما؟

                      محمد بن صالح العثيمين

                      السؤال: ما المقصود بالزكاة في اللغة والشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين؟
                      الإجابة: . الزكاة في اللغة الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عدداً، أو نما حجماً فإنه يقال له: زكاة، فيقال: زكّى الزرع إذا نما وطاب.

                      . وأما في الشرع فهي: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة أو جهة مخصوصة.

                      والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن الزكاة وإن كان ظاهرها نقص كمية المال، لكن آثارها زيادة المال بركة وكمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله، إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله. قال تعالى: {ومآ ءاتيتم من رباً ليربوا فى أموال ٱلنّاس فلا يربوا عند ٱللّه ومآ ءاتيتم من زكوٰةٍ تريدون وجه ٱللّه فأولـٰئك هم ٱلمضعفون}، وقال تعالى: {ومآ أنفقتم من شىءٍ فهو يخلفه وهو خير ٱلرّازقين}، {يخلفه} أي: يأتي بخلفه وبدله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال"، وهذا أمر مشاهد فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة في ما بقي عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله، ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة.

                      ثم إن في الزكاة أيضاً زيادة أخرى وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد من إيمان الرجل؛ لأن مذهب أهـل السـنة والجماعـة أن الأعمـال الصالحـة من الإيمان، وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقص بنقصها، وهي أيضاً تزيد الإنسان في خلقه فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم، بل إن له آثاراً بالغة في انشراح القلب، وانشراح الصدر، ونور القلب وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق، يجد الاۤثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولاسيما فيما إذا كان الإنفاق واجباً مؤكداً كالزكاة، فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيراً مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبًّا لما عند الله عز وجل؛ لأن المال محبوب عند النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضاً أحب مما بذله، ومصالح الزكاة وزيادة الإيمان بها وزيادة الأعمال وغير ذلك أمر معلوم يحصل بالتأمل فيه أكثر ما ذكرنا الاۤن.

                      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                      مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين - المجلد السابع عشر - كتاب الزكاة.
                      التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:20 PM.
                      السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                      تعليق

                      • د.ضياء الجبوري
                        عضو نشيط
                        • Mar 2015
                        • 453

                        #12
                        الصيام

                        قال ابن قدامة في كتاب الصيام في المغني:
                        الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ. إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] . أَيْ صَمْتًا؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
                        خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
                        يَعْنِي بِالصَّائِمَةِ: الْمُمْسِكَةَ عَنْ الصَّهِيلِ. وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
                        وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ؛
                        التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:22 PM.
                        السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                        تعليق

                        • د.ضياء الجبوري
                          عضو نشيط
                          • Mar 2015
                          • 453

                          #13
                          مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية

                          قال صاحب اللسان : " الصَّوْمُ تَرْكُ الطعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ والكلامِ"
                          مادة صوم.
                          السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                          تعليق

                          • د.ضياء الجبوري
                            عضو نشيط
                            • Mar 2015
                            • 453

                            #14
                            قال ابن دريد: كل شيء سكنت حركته فقد صام صوما.
                            السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                            تعليق

                            • د.ضياء الجبوري
                              عضو نشيط
                              • Mar 2015
                              • 453

                              #15
                              مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية

                              ونستنبط من تفسير أبي عبيدة للصيام أن أصله الإمساك. قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير, هو صائم.
                              السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                              تعليق

                              يعمل...