مباحث لغوية عند الفقهاء مع فوائد فقهية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.ضياء الجبوري
    عضو نشيط
    • Mar 2015
    • 453

    #16
    وجاءت دلالته على الإمساك عن الكلام في قوله تعالى:
    { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْماً } - مريم : 26
    أي: نذرت لله أن لا أتكلم. فسمي صوما ﻷنه إمساك عن الكلام.
    السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #17
      ترجمة الإمام ابن قدامة ـ رحمه الله ـ

      عبدالرحمن بن محمد بن علي الهرفي
      من موقع صيد الفوائد:
      لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة المغني
      الشيخ عزالدين ا بن عبدالسلام

      ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق
      شيخ الإسلام ابن تيمية

      الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام ، كان من بحور العلم وأذكياء العالم
      الإمام الذهبي

      كان ثقة حجة غزير الفضل نزها ورعا عابدا على قانون السلف عليه النور والوقار ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه .
      الشيخ ابن النجار

      إمام الأئمة ومفتي الأمة خصه الله بالفضل والوافر والخاطر الماطر والعلم الكامل طّنَّت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية .
      الحافظ عمر بن الحاجب

      ترجمة الإمام ابن قدامة [1] ـ رحمه الله ـ

      اسمه ونسبه :
      هو أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي شيخ المذهب الإمام بحر علوم الشريعة المطهرة ـ رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة آمين ـ .

      مولده ونشأته :
      ولد ـ رحمه الله ـ بجمَّاعيل من عمل نابلس في فلسطين سنة 541 هـ ، وقدم دمشق مع أهله .

      وصفه :
      قال الضياء ـ رحمه الله ـ : كان تام الخلقه أبيض مشرق الوجه أدعج كأن النور يخرج من وجهه لحسنه وأسع الجبين طويل اللحية قائم الأنف مقرون الحاجبين صغير الرأس لطيف اليدين والقدمين نحيف الجسم ممتعا بحواسه .

      طلبه للعلم :
      حفظ القرآن دون سن البلوغ وحفظ مختصر الخرقي ، وكتبَ الخط المليح ، وقرأ على مشايخ دمشق ، ثم سافر إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبدالغني المقدسي ـ رحمه الله ـ سنة إحدى وستين ، وأقاما بها أربع سنوات يدرس على شيوخها.

      شيوخه :
      بلغ شيوخه ـ رحمه الله ـ 32 شيخ منهم :
      1. أحمد بن محمد بن قدامة والده بدمشق
      2. الشيخ عبدالقادر بن عبدالله الجيلى
      3. الإمام أبو الفرج عبدارحمن بن علي ابن الجوزي ببغداد .
      4. الشيخ أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر ابن المَنِّيّ ببغداد .
      5. الشيخ أبو المكارم بن هلال بدمشق .
      6. الشيخ أبو الفضل عبدالله بن أحمد الطوسي بالموصل .
      7. الشيخ المبارك بن الطباخ [2] بمكة ـ حرسها الله ـ .
      8. خديجة بنت أحمد بن الحسن النهروانية ببغداد .

      نبذه عن حياته :
      لما رجع الإمام الموفق من بغداد إلى دمشق تصدر في جامع دمشق مدة طويلة ، وبعد موت أخيه أبي عمر صار هو الذي يؤم المصلين بالجامع المظفري ويخطب يوم الجمعة إذا حضر ، وهو إمام محراب الحنابلة بجامع دمشق [3] فيصلى فيه الموفق إذا كان في البلد .
      قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : كان يتنفل بين العشاءين بالقرب من محرابه ، فإذا صلى العشاء انصر إلى منزله بدرب الدّولَعِيّ بالرصيف ، وأخذ معه الفقراء من تيسر ، يأكلون معه من طعامه وكان منزله الأصلي بقاسيون .
      ، كان لا يناظر أحدا إلا وهو يبتسم ، حتى قال بعض الناس : هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه .
      وقيل أنه ناظر ابن فضلان الشافعي ـ الذي كان يضرب به المثل في المناظرة ـ فقطعه .
      وقال الضياء : كان حسن الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا مبتسما يحكي الحكايات ويمزح زسمعت البهاء يقول : كان الشيخ يمازحنا وينبسط ، وكان لا ينافس أهل الدنيا ، ولا يكاد يشكو ، وربما كان أكثر حاجة من غيره ، وكان يؤثر .
      وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة ، وقال : كان يتقدم للعدو وجرح في كفه وكان يرامي العدو .
      وجاءه مرة الملك العزيز ابن العادل يزوره فصادفه يصلي فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته ثم اجتمع به ، ولم يجوز في صلاته .
      قال السبط بن الجوزي ـ رحمه الله ـ : كان صحيح الاعتقاد مبغضا للمشبهة ، وقال : من شرط التشبيهات أن يرى الشيء ثم يشبهه ، من رأى الله تعالى حتى يشبهه لنا ؟!! .
      وقال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : لم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره ، ولا يرى إطلاق مالم يؤثر من العبارات .. .
      قال السبط بن الجوزي : شاهدت من الشيخ أبي عمر وأخيه الموفق ونسيبه العماد ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد فأنساني حالهم أهلي وأوطاني ثم عدت إليهم على نية الإقامة عسى أن أكون معهم في دار المقامة [4].
      وله ـ رضي الله عنه ـ اخبار كثيرة ومآثرة مشهورة ونكتفي بما قدمناه .

      نماذج من شعره :

      أبعد بياض الشعر أعمر مسكناً *** سوى القبر إني إن فعلت لأحمق
      يخبرني شيبي بأني ميت *** وشيكا وينعاني إلي فيصدق
      تخرق عمري كل يوم وليلة *** فهل مستطيع رفق ما يتخرق
      كأني بجسمي فوق نعشي ممددا *** فمن ساكت ومعول يتحرق
      إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا *** وأدمعهم تنهل : هذا الموفق
      وغيبت في صدعٍ من الأرض ضيق *** وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق
      ويحثو علي الترب أوثق صاحب *** ويسلمني للقبر من هو مشفق
      فيا رب كن لي مؤنسًا يوم وحشتي *** فإني لما أنزلته لمصدق
      وما ضرني إني إلى الله صائر *** ومن هو من أهلي أبر وأرفق

      طلابه :
      تفقه علي يديه الكثير من أهل العلم منهم
      1. الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي ـ رحمه الله ـ .
      2. أحمد بن إبراهيم بن عبدالواحد المقدسي إبن العمادر ـ رحمه الله ـ .
      3. أحمد بن سلامة بن أحمد النجار ـ رحمه الله ـ .
      4. الحافظ أبو العباس أحمد بن عيسى بن عبدالله ابن قدامة حفيده ـ رحمهما الله ـ .
      5. إسماعيل بن عبدالرحمن بن عمروالمرداوي ابن الفراء ـ رحمه الله ـ .
      6. خليل بن أبي بكر بن صديق المراغي ـ رحمه الله ـ .
      7. الحافظ محمد بن عبدالواحد بن أحمد السعدي المقدسي ضياء الدين ـ رحمه الله ـ.
      8. عبدالحافظ بن بدران بن شبل بن طرخان ـ رحمه الله ـ .
      9. عبدالرحمن بن محمد بن أحمد ابن قدامة ـ رحمه الله ـ شارح المقنع .
      10. الحافظ محمد بن سعيد بن يحي ابن الدبيثي الشافعي .
      11. الحافظ محمد بن محمود بن الحسن ابن النَّجَّار ـ رحمه الله ـ .

      مؤلفاته :
      له مؤلفات كثيرة ذكرها ابن رجب وغيرها منها :
      1. العمدة .
      2. المقنع .
      3. الكافي .
      4. المغني ، وهو أكبر كتبه ومن كتب الإسلام المعدودة .
      5. الاستبصار ، في الأنساب .
      6. الاعتقاد .
      7. التوابين .
      8. ذم التأويل
      9. ذم الوسواس .
      10. روضة الناضر وجنة المناظر .
      11. فضائل الصحابة
      12. القدر .
      13. لمعة الاعتقاد .
      14. مسألة في تحريم النظر في علم الكلام .
      15. مناسك الحج .

      قال الشيخ يحي الصرصيري ـ رحمه الله ـ :

      وفي عصرنا كان الموفق حجة *** على فقهه يثبت الأصول محولي
      كفى الخلق بالكافي وأقنع طالبا *** بمقنع فقه عن كتاب مطّول
      وأغنى بمغني الفقه من كان باحثا *** وعمدته من يعتمدها يحصل
      وروضته ذات الأصول كروضةٍ *** أماستْ بها الأزهار أنفاس شمْأَل
      تدل على المنطوق أوفى دلالة *** وتحمل في المفهوم أحسن محمل

      عقبه :
      1. عيسى
      2. محمد
      3. يحي
      4. صفية
      5. فاطمة
      ومات أولاده الثلاثة في حياته ولم يعقب إلا عيسى خلف ولدين صالحين وماتا وانقطع عقبه ، وكان قد تزوج من بنت عنه مريم بنت أبي بكر المقدسي ثم تزوج عزِّيَّة وماتت قبله ، وتسرى بجاريتن .

      وفاته :
      توفي ـ رحمه الله ـ يوم السبت في يوم عيد الفطر عام 620هـ ودفن من الغد في جبل قاسيون خالف الجامع المطفري .

      ومما قيل في رثائه ـ رحمه الله ـ :
      قال الشيخ صلاح الدين أبي عيسى موسى بن محمد بن راجح المقدسي ـ رحمه الله ـ :

      لم يبق لي بعد الموفق رغبة *** في العيش إن العيش سم مقنع
      صدر الزمان وعينه وطرازه *** ركن الأنام الزاهد المتورع
      بحر العلوم أبو الفضائل كلها *** شمل الشريعة بعد لا يجتمع
      كان ابن أحمد في مقام محمد *** إن هالهم أمر اليه يفزعوا
      فبين مشكله ويوضح سره *** ويذب عن دين الإله ويدفع
      ببصيرة يجلو الظلام ضياؤها *** يبدي العجائب نورها يتشعشع
      فاليوم قد اضحى الزمان وأهله *** غرضا لكل بلية تتنوع
      والعلم قد أمسى كأن بواكنا *** تبكي عليه وحبله يتقطع
      وتعطلت تلك المجالس وانقضت *** تلك المحافل ليتها لو ترجع
      هيهات بعدك يا موفق يرتجى *** للناس خير أو مقال يسمع
      لله درك كم لشخصك من يد *** بيضاء في كل اللفضائل ترتع
      قد كنت عبدا طائعا لا تنثني *** عن باب ربك في العبادة توسع
      كم ليلة أحييتها وعمرتها *** والله ينظر والخلائق هجع
      تتلو كتاب الله في جنح الدجى *** كزبور داود النبي ترجع
      لو كان يمكن من فدائك رخصة *** لفدتك أفئدة عليك تقطع

      --------------------------
      [1] ترجم له الكثيرون فهو شيخ المذهب : مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 8/627 ، معجم البلدان لياقوت الحموي 2/113 ، سير أعلام النبلاء للذهبي 22/165 ، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/133 ،النجوم الزاهرة لإبن تغري بردي 6/256، شذرات الذهب 5/88 ، المقصد الأرشد 2/15 ، الدر للعليمي 1/346 ، تسهيل السابلة برقم : 1131 ، علماء الحنابلة برقم : 1233 ، وقد أفرد الضياء المقدسي سيرة شيخه الموفق في جزأين وكذلك أفردها الذهبي ـ رحمهم الله ـ .
      [2] كذا ذكر اسمه الذهبي ـ رحمه الله ـ وقال محقق المغني : المبارك بن علي البغدادي إمام الحنابلة في الحرم .
      [3] وهذه بدعة منكرة ، وتفرقة بين المسلمين ، وكانت موجودة في الحرم المكي ـ حرسه الله ـ حتى أنهاها بعض أهل العلم جزاهم الله خيرا .
      [4] قلت : اللهم أجمعنا جميعنا بهم في دار المقامة مع عبدك ورسولك محمد ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ومن قال آمين .

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #18
        ابن قدامة مجتهد مذهب بل قد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق له اصوله وقواعده وضوابطه و أراؤه اللغوية وترجيحاته
        فهو فقيه و مرجح ومحدث وقارئ واصوليّ ومحقق

        تعليق

        • د.ضياء الجبوري
          عضو نشيط
          • Mar 2015
          • 453

          #19
          الحج

          قال ابنُ قدامة في كتاب الحج:
          الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ. وَعَنْ الْخَلِيلِ، قَالَ: الْحَجُّ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
          وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُؤُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
          أَيْ يَقْصِدُونَ. وَالسَّبُّ: الْعِمَامَةُ. وَفِي الْحَجِّ لُغَتَانِ: الْحَجُّ وَالْحِجُّ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا. وَالْحَجُّ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. المغني لابن قدامة (3/ 213).
          بدأ ابن قدامة بذكر الدلالة اللغوية للفظة الحج، وبيّن أنَّ معناها القصد. ثمَّ ذكر قول الخليل وفيه زيادةٌ على ما ذكره ابن قدامة كما سبق. ثمَّ استشهد ببيتٍ من الشعر. وقد ذكر أنَّ للحجِّ لغتين.
          وسنذكر دلالات هذه اللفظة كما جاءت في المعاجم اللغوية.
          قال ابن دريد في جمهرة اللغة: حجَّ يحُجّ حجا. وأصل الْحَج الْقَصْد. وقال: وَحجَّ الْعظم يحُجه حجا إِذا قطعه من الْجرْح فاستخرجه. وقال: وَالْحَجّة: السّنة. وَالْحُجّة: مَعْرُوفَة.
          وقال: وَالْحِجّة: خرزة أَو لؤلؤة تعلق فِي الْأذن. وَقَالَ قوم: شحمة الْأذن الَّتِي يعلق فِيهَا القرط يُقَال لَهَا: الْحجَّة. ويسمي الْكُوفِيُّونَ الخرزة جاجة بجيمين وَهُوَ غلط وَإِنَّمَا سميت الخرزة حَاجَة باسم الْموضع وَرُبمَا سميت حَاجَة.
          وقال الأزهري في التهذيب: قَالَ اللَّيْث: الْحَج: القصد والسّير إِلَى الْبَيْت خَاصَّة، تَقول حَجَّ يَحُجّ حَجّا. وجاء فيه: الحجّ: الزِّيَارَة والإتيان، وَإِنَّمَا سمي حَاجا بزيارته بَيت الله.
          وقال: قَالَ: وَتقول حَجَّ علينا فلَان أَي قدِم علينا. قَالَ والمَحَجَّة: قَارِعَة الطَّرِيق. ويقصد الليث. وقال: وَقَالَ اللَّيْث: الحِجَّة: شَحْمة الْأذن.
          وقال الأزهري: وَقَالَ اللَّيْث: الحُجّة: الْوَجْه الَّذِي يكون بِهِ الظفر عِنْد الْخُصُومَة، وَجَمعهَا حُجَج. قلت: وَإِنَّمَا سميت حُجة لِأَنَّهَا تُحَجُّ أَي تُقصد؛ لِأَن الْقَصْد لَهَا وإليها. وَكَذَلِكَ مَحَجَّة الطَّرِيق هِيَ الْمَقْصد والمسلك.
          وفي هذا القول دلالة على أنّ أصل معنى هذه اللفظة القصد. وهذا قد بيَّنه ابن قدامة.
          وقال الجوهري: الحَجُّ: القصد. ورجل مَحْجوجٌ، أي مقصود. وقد حَجَّ بنو فُلانٍ فلاناً، إذا أطالوا الاختلاف إليه. قال المخبل:
          وأشهد من عوف حلولا كثيرة
          يحجون سب الزبرقان المزعفرا
          قال ابن السكيت: يقول يكثرون الاختلاف إليه. هذا الأصلُ، ثم تُعورِفَ استعماله في القصد إلى مكة للنُسك.
          وإذا طالعنا المقاييس وجدنا ابن فارس يخص هذه اللفظة بأربعة أصول. قال: (حَجَّ) الْحَاءُ وَالْجِيمُ أُصُولٌ أَرْبَعَةٌ. فَالْأَوَّلُ الْقَصْدُ، وَكُلُّ قَصْدٍ حَجٌّ. وقال: وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: الْحِجَّةُ وَهِيَ السَّنَةُ. ثم قال: وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: الْحِجَاجُ، وَهُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعَيْنِ. يُقَالُ لِلْعَظِيمِ الْحِجَاجِ أَحَجُّ، جَمْعُ الْحِجَاجِ أَحِجَّةٌ. وأما الرابع فقال: وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ: الْحَجْحَجَةُ النُّكُوصُ. يُقَالُ: حَمَلُوا عَلَيْنَا ثُمَّ حَجْحَجُوا. وَالْمُحَجْحِجُ: الْعَاجِزُ.
          وقد ذكر الفيروزآبادي دلالات عدة لهذه اللفظة فقال: الحَجُّ: القَصْدُ، والكَفُّ، والقُدُومُ، وسَبْرُ الشَّجَّةِ بالمِحْجَاجِ: لِلمِسْبارِ، والغَلَبَةُ بالحُجَّةِـ وكَثْرَةُ الاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ، وقَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ.
          وقال أيضا: والحِجَّةُ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، شاذٌّ لأِنَّ القِياسَ الفتحُ، والسَّنَةُ، وشَحْمَةُ الأُذُنِ، ويُفْتَحُ، وبالفتح: خَرَزَةٌ أو لُؤْلُؤَةٌ تُعَلَّقُ في الأُذُنِ، وبالضم: البُرْهانُ.
          قلت: ولا يمكن لنا أن نجعل لكلّ هذه المفردات وغيرها أصلا واحدا هو القصد؛ لأنّه قد جاءت عن العربِ بدلالاتٍ مختلفة. ولكن الأغلب في الألفاظ أصلها واحد هو القصد.
          التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:24 PM.
          السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

          تعليق

          • د.ضياء الجبوري
            عضو نشيط
            • Mar 2015
            • 453

            #20
            الاعتكاف

            قال ابنُ قدامة في كتاب الاعتكاف:
            الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ: لُزُومُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] . وَقَالَ: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] . قَالَ الْخَلِيلُ: عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ، عَلَى صِفَةٍ نَذْكُرُهَا، وَهُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ.(1)
            ونجدُ لابنِ قدامةَ وقفاتٍ لغويةً، فضلًا عن منهجِه في دراسةِ الألفاظِ الذي سبقَ لنا بيانُه. فمن هذه الوقفاتِ قولُه: قَالَ الْخَلِيلُ: عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ. فبيَّنَ أنَّ الفعلَ عكف يأتي من بابين في اللغةِ، من بابِ نصرَ الأولِ، ومن بابِ ضربَ الثاني. لكنّه لم يذكرْ مصادرَ هذا الفعلِ كما ذكرَها الخليل. قال الخليلُ: عكف: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ عكْفاً وعُكُوفاً. وهو إقبالك على الشيء لا تصرف عنه وجهك.(2).
            لكن (الاعتكاف) على وزن افتعالٍ من افتعل، أي: اعتكف يوحي باصطناعِ أو استحداثٍ، فكأنّه يفتعلُ العكوفَ افتعالا، ويصطنعُ حبساً لجسدِه ونفسه على طاعة الله. قال الفَيُّوميُّ: وَعَكَفْتُ الشَّيْءَ أَعْكُفُهُ وَأَعْكِفُهُ حَبَسْتُهُ وَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ وَهُوَ افْتِعَالٌ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ.(3)
            ويرى الخليلُ أنّه لو قيل: عكف في المسجد لكان صوابا، ولكن يقولون: اعتكف. قال الله عز وجل: وَالْعاكِفِينَ.(4)
            قلتُ: ولكنَّ لفظ (الاعتكاف) قد جاء عن صحابة رسول الله (، فقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ".(5)
            وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ».(6)
            ولعلَّ تسميةَ الصحابةِ - وهم عربٌ أقحاح - لهذه العبادةِ بـ(الاعتكاف) فيها زيادة معنى وتحصيل فائدة، فقد أرادوا الاجتهادَ في الطاعةِ والمبالغةَ في العكوف عليها. وهذه البنية في العربيةِ تحتملُ هذه الدلالة، فإنَّ من معانيها الاجتهادَ.
            قالَ الرضي الأستراباذي: قوله " وللتصرف " أي: الاجتهاد والاضطراب في تحصيل أصل الفعل، فمعنى كَسَبَ أصاب، ومعنى اكتسب اجتهد في تحصيل الإصابة بأن زاول أسبابها، فلهذا قال الله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: اجتهدت في الخير أوْ لاَ فإنه لا يضيع، (وَعَلَيْهَا ما اكتسبت) أي: لا تؤاخذ إلا بما اجتهدت في تحصيله وبالغت فيه من المعاصي، وغير سيبويه لم يفرق بين كسب واكتسب. وقد يجئ افْتَعَلَ لغير ما ذكرنا مما لا يضبط، نحو ارْتَجَلَ الخُطْبَةَ، ونحوه.(7)
            وأرى أنَّ تسميةَ الناسِ لهذه الطاعةِ بـ(الاعتكاف) تسميةٌ موفَّقةٌ، وموافقةٌ للغة العرب. وهذا ما أثبته الفقهاءُ في مصنفاتهم منذ القرنِ الثاني للهجرة، وأهلُ الحديثِ والتفسيرِ أيضا.
            وقد وجدتُ ابن قتيبة قد فرّقَ بين الفعلين (عكف) و(اعتكف) وأراحني من عناءِ البحثِ. فقال: وَالِاعْتِكَاف هُوَ الْإِقَامَة يُقَال اعْتكف فلَان بمَكَان كَذَا إِذا أَقَامَ بِهِ وَلم يخرج عَنهُ وَعَكَفَ فلَان على فلَان إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ.(8)
            فالاعتكاف إذن هو الإقامة بالمكان ولزومه، وليس كـ(عكف على الشيء). وقد أشار البعلي إلى ذلك في معجمِه الفقهي ولكن لم يُفصِّلْ، فقال: واعتكف: لزم المكان.(9)
            ويزدادُ الأمرُ وضوحاً عند الجوهريِّ في الصحاح، فقد فصَّل في ذلك وتبيَّنت الفوارقُ الدلاليةُ لهذه اللفظة. قال: عَكَفَهُ أي حبسه ووقفه، يعكُفُهُ ويعكِفُهُ عَكْفاً. ومنه قوله تعالى: {والهَدْيَ مَعْكوفاً} . ويقال: ما عَكَفَكَ عن كذا. ومنه الاعتِكافُ في المسجد، وهو الاحتباس. وعَكَفَ على الشيء يعكف ويعكف عكوفا، أي أقبل عليه مواظبا ..... وعكفوا حول الشيء: استداروا.(10)
            فيتحصَّلُ لدينا أربع دلالاتٍ هي:
            (عكفَ فلانا): حبسه، والعَكْفُ: الحَبْسُ.
            (اعتكف في المكان): احتبسَ، والاعتكافُ: الاحتباسُ.
            (عكف على الشيء): أقبلَ عليه، والعكوف: الإقبال على الشيء.
            (عكف حول الشيء): استدار.
            وهذا يفسِّرُ استعمالَ الناسِ للفظةِ (الاعتكاف) لهذه الطاعة العظيمة. فهو احتباسٌ في المسجد وإقامةٌ به.
            فلعلك أخي القارئ قد وقفت على أمور تنفعك، ومواطن تقودك إلى أبحاثٍ أعمقَ، ودراسات أوسع في مصنفاتِ الفقهاءِ وكتب الفقه.
            وفي الختام أحمدُ الله عزَّ وجلَّ وأشكرُه، وأثني عليه وأذكره، فهو بالذكر جدير، وعلى إجابةِ سؤلي لقدير. فاللهمَّ ربَّنا تقبّل منا ووفقنا واجعل ذلك ذخرا لنا.
            وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
            .................................................. ................................
            المغني لابن قدامة (3/ 186).
            العين (1/ 205).
            المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 424).
            العين (1/ 205) العين (1/ 206).
            موطأ الإمام مالك رواية يَحيى بن يَحيى اللَّيثيِّ (1/ 419).
            صحيح البخاري (3/ 47).
            شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذي (1/ 110).
            غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 217).
            المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 194)
            الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1406).
            التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 03:26 PM.
            السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

            تعليق

            • د.ضياء الجبوري
              عضو نشيط
              • Mar 2015
              • 453

              #21
              قال ابن قدامة في المغني:
              [كِتَابُ الرَّهْنِ]
              ِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ. يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ. أَيْ رَاكِدٌ. وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ. أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْحَبْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] وَقَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
              وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
              شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ. وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ. وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَهُوَ جَائِزٌ. بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
              قال الجوهري: [رهن] الرَهْنُ معروف، والجمع رهانٌ مثل حبل وحبال. وقال أبو عمرو بن العلاء: رهن بضم الهاء. قال الاخفش: وهى قبيحة، لانه لا يجمع فعل على فعل إلا قليلا شاذا. قال: وذكر أنهم يقولون سقف وسقف. قال: وقد يكون رهن جمعا للرهان، كأنه يجمع رهن على رهان ثم يجمع رهان على رهن، مثل فراش وفرش. تقول منه: رهنت الشئ عند فلان، ورهنته الشئ، وأرهنته الشئ، بمعنى. قال عبد الله بن همّامٍ السَلوليّ:

              فلما خَشِيتُ أظافيرهم
              نجوت وأرهنتم مالكا

              قال ثعلب: الرواة كلهم على أرهنتهم.
              السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

              تعليق

              • د.ضياء الجبوري
                عضو نشيط
                • Mar 2015
                • 453

                #22
                قال ابن الأثير تعليقه على حديث: «كُلُّ غُلام رَهِينَةٌ بعَقيقته» الرَّهِينَةُ: الرَّهْنُ، والهاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، كالشَّتِيمة والشتْم، ثُمَّ استُعْمِلا بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ، فَقِيلَ هُوَ رَهْن بِكَذَا، ورَهِينَة بِكَذَا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ رَهِينَةٌ بعقَيِقته أَنَّ العقَيِقَة لازِمةٌ لَهُ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَشَبَّهَهُ فِي لُزومها لَهُ وعَدم انْفِكاكه مِنْهَا بالرَّهن فِي يَدِ المُرْتَهن.
                السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                تعليق

                • د.ضياء الجبوري
                  عضو نشيط
                  • Mar 2015
                  • 453

                  #23
                  البيع

                  قال ابن قدامة في كتاب البيع:
                  الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، تَمْلِيكًا، وَتَمَلُّكًا. وَاشْتِقَاقُهُ: مِنْ الْبَاعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يُبَايِعُ صَاحِبَهُ، أَيْ يُصَافِحُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْبَيْعُ صَفْقَةً. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، إذَا تَضَمَّنَ عَيْنَيْنِ لِلتَّمْلِيكِ. وَهُوَ حَدٌّ قَاصِرٌ؛ لِخُرُوجِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ مِنْهُ، وَدُخُولِ عُقُودٍ سِوَى الْبَيْعِ فِيهِ. وَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.(1)
                  لعلَّ وضوحَ دلالةِ هذه اللفظةِ هو سببُ عدمِ تفصيل ابن قدامةَ لها. فقد عرفنا ابنَ قدامةَ أنَّه يذكرُ الدلالةَ اللغويةَ في غالبِ الكتبِ الفقهيةِ، ويبيَّنُ معاني أسماءِ الكتبِ الفقهيةِ في مصنَّفِه ومعاني بعضِ أسماءِ الأبواب.
                  البيعُ في اللغةِ: إعطاء الشيء وتمليكه بثمن. قالَ الجوهريُّ: بعت الشيء: شريته، أبيعه بَيْعاً ومبيعاً، وهو شاذٌ وقياسه مَباعاً. وبعْتُهُ أيضاً: اشتريته، وهو من الأضداد(2). وقال ابنُ فارسٍ: الْبَاءُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ الشِّرَى بَيْعًا. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.(3).
                  وقال البعلي: وهو مصدر بِعْتُ، يقال: باعَ يبيعُ، بمعنى مَلَكَ، وبمعنى اشترى، وكذلك شرى يكون للمعنيين، وحكى الزَّجاجُ وغيره: باع وأباع بمعنى واحد. وقال غير واحد من الفقهاء: واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ وللإعطاء، وهو ضعيف لوجهين:
                  أحدهما: أنه مصدر، والصحيح: أن المصادر غير مشتقةٍ.
                  والثاني: أن الباع عينهُ واو، والبيع عينه ياء، وشرط صحة الاشتقاق موافقة الأصل والفرع في جميع الأصول، قال أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السامري في كتابه "المستوعب": البيع في اللغة: عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تناول عينين أو عينًا بثمن، ولهذا لم يسموا عقد النكاح والإجازة بيعًا.(4)
                  وقال النوويُّ: قَالَ ابْن قُتَيْبَة بِعْت الشَّيْء اشْتَرَيْته وبعته وشريت الشَّيْء اشْتَرَيْته وبعته وَقَالَ الْأَزْهَرِي الْعَرَب تَقول بِعْت بِمَعْنى بِعْت مَا كنت ملكته وبعت بِمَعْنى اشْتريت قَالَ وَكَذَلِكَ شربت بالمعنيين قَالَ وكل وَاحِد بيع وبائع لِأَن الثّمن والمثمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَبِيع وَكَذَا قَالَ غَيرهمَا من أهل اللُّغَة قَالُوا وَيُقَال بِعته أبيعه فَهُوَ مَبِيع ومبيوع قَالَ الْجَوْهَرِي كمخيط ومخيوط قَالَ الْخَلِيل رَحمَه الله الْمَحْذُوف من مَبِيع وَاو مفعول لِأَنَّهَا زَائِدَة فَهِيَ أولى بالحذف وَقَالَ الْأَخْفَش الْمَحْذُوف عَن الْكَلِمَة قَالَ الْمَازِني كِلَاهُمَا حسن وَقَول الْأَخْفَش أَقيس والابتياع الاشتراء وتبايعنا وبايعته واستبعته سَأَلته أَن يبيعني وأبعته عرضته للْبيع وَبيع الشَّيْء بِكَسْر الْبَاء وَضمّهَا وإشماما وبوع لُغَة فِيهِ وَكَذَلِكَ القَوْل فِي قيل وَكيل وَحكى الزّجاج عَن أبي عُبَيْدَة أياع بِمَعْنى بَاعَ وَهُوَ غَرِيب شَاذ.(5)
                  قلتُ: وقول المصنّف: الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، تَمْلِيكًا، وَتَمَلُّكًا. يعدُّ تعريفا لغويا وإن كان يُعدُّ تعريفا شرعيا؛ لأنّ المعنى واحد في اللغة والشرعِ، عدا ما يترتّب على ذلك من المعاملات المحرمة من ربا أو عِينةٍ أو نحو ذلك مما يحرّمه الشرعُ المطهّرُ.
                  ولهذا لم نجد للمصنّفِ تعريفين كما فعل في غالبِ البوابِ الفقهيَّةِ التي مرّت بنا. ثمّ بيَّنَ المصنِّفُ اشتقاق اللفظةِ وسببَ التسميةِ فقال: وَاشْتِقَاقُهُ: مِنْ الْبَاعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يُبَايِعُ صَاحِبَهُ، أَيْ يُصَافِحُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْبَيْعُ صَفْقَةً.
                  فرجّح المصنِّفُ أنَّ اشتقاقَه من الباعِ. والباعُ: (الباع) مَسَافَة مَا بَين الْكَفَّيْنِ إِذا انبسطت الذراعان يَمِينا وَشمَالًا وَيُقَال فلَان طَوِيل الباع طَوِيل الْجِسْم وطويل الباع فِي كَذَا بلغ الْغَايَة فِيه(6). فأمَّا بَسط الباع فِي الْكَرم وَنَحْوه فَلَا يَقُولُونَ إلاَّ كريم الباع.(7)
                  وقد بيّن المصنِّفُ دلالة اللفظةِ واشتقاقها بوضوح.
                  -- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
                  (1) المغني لابن قدامة (3/ 480).
                  (2) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/ 1189).
                  (3) مقاييس اللغة (1/ 327).
                  (4) المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 270)
                  (5) تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 175)
                  (6) المعجم الوسيط (1/ 76).
                  (7) تهذيب اللغة (3/ 152).
                  السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                  تعليق

                  • د.ضياء الجبوري
                    عضو نشيط
                    • Mar 2015
                    • 453

                    #24
                    ملاحظات

                    وحين تقدمت وجدت ابن قدامة لم يقف في عدد الأبواب الفقهية للتعريف بها في اللغة؛ لوضوح معناها، ومقاربة المعنيين اللغويّ والشرعي، مثل الضمان، والشركة، والحوالة، ونحوها.
                    السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                    تعليق

                    • د.ضياء الجبوري
                      عضو نشيط
                      • Mar 2015
                      • 453

                      #25
                      الإقرار

                      قال ابن قدامة:
                      كِتَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ
                      ِ الْإِقْرَارُ: هُوَ الِاعْتِرَافُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
                      بيّن المصنِّفُ الدلالة اللغوية لاسم هذا الباب. ولعلّ مظنّة الاختلاطِ أو عدمِ الفهمِ لهذه اللفظةِ هي السببُ في زيادة بيانها والتعريفِ بها.
                      السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                      تعليق

                      • د.ضياء الجبوري
                        عضو نشيط
                        • Mar 2015
                        • 453

                        #26
                        والإقرار مصدر الفعل أقرّ. يقال: أقرّ يُقرُّ إقرارا.
                        قال الجوهري: وأقَرَّ بالحق: اعترف به.
                        السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                        تعليق

                        • د.ضياء الجبوري
                          عضو نشيط
                          • Mar 2015
                          • 453

                          #27
                          قال البعلي في المطلع: الإقرار: الاعتراف، يقال: أقر بالشيء يقر إقرارًا: إذا اعترف به، فهو مقر، والشيء مقر به، وهو إظهار لأمر متقدم وليس بإنشاء، فلو قال: داري لفلان، لم يكن إقرارا، لتناقض كونها له ولفلان على جهة استقلال كل واحد منهما بها.
                          التعديل الأخير تم بواسطة د.ضياء الجبوري; الساعة 02-21-2016, 05:15 PM.
                          السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                          تعليق

                          • د.ضياء الجبوري
                            عضو نشيط
                            • Mar 2015
                            • 453

                            #28
                            قال ابن فارس في الصاحبي:
                            قال علماؤنا: العرب تسمّي الشيءَ باسم الشيءِ إِذَا كَانَ مجاوراً لَهُ أَوْ كَانَ منه بسبب. وذلك قولهم "التيمُّم" لَمَسْح الوجه من الصعيد، وإنما التيمّم الطلب والقصد. يقال: تيمّمتك وتأممتك أي تعمّدتك.
                            السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                            تعليق

                            • د.ضياء الجبوري
                              عضو نشيط
                              • Mar 2015
                              • 453

                              #29
                              العاريّة

                              قال ابن قدامة في المغني:
                              مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ).
                              الْعَارِيَّةُ: إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ. مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَارَ الشَّيْءُ: إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ: عِيَارٌ؛ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعَارَهُ، وَعَارَهُ. مِثْلُ أَطَاعَهُ، وَطَاعَهُ. وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
                              يرى ابنُ قدامةَ أنَّ العاريَّةَ مشتقَّةٌ من عارَ الشيءُ: إذا ذهبَ وجاءَ. ولكن اللغويون اختلفوا في أصلِ العاريَّةِ، فيرى الخليلُ أنّها من العار، سمّيت بذلك لأنّها عار على من طلبها، ثمّ ذكرَ أنّه يقالُ: إنّها من المعاورة والمناولة. وأمّا الأزهريُّ فذكر أنَّها من المعاورة والمناولة.
                              وإذا تقدمنا إلى ابنِ فارسٍ وجدناه قد جعل العاريّةَ من المعاورة والمناولة كذلك، قال: " وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ أَوْ غَيْرُهُ: تَعَوَّرْنَا الْعَوَارِيَّ.".
                              وقال ابن الأثير: " والعَارِيَّة مُشَدَّدة الْيَاء، كأنَّها مَنْسوبة إِلَى العَارِ، لِأَنَّ طَلَبَها عَارٌ وعَيْبٌ، وتُجْمعُ عَلَى العَوَارِيِّ مُشَدّدًا. وأَعَارَه يُعِيرُه. واسْتَعَارَه ثَوْبَا فأَعَارَه إيِّاه. وأصلُها الْوَاوُ.".
                              وجاء في القاموس المحيط: " والعَارِيَّةُ، مُشَدَّدَةً وقد تُخَفَّفُ، والعَارَةُ: ما تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُم، ج: عَوَارِيُّ، مُشَدَّدَةً ومُخَفَّفَةً. أعارَهُ الشيءَ، وأعارَهُ منه، وعاوَرَهُ إِياهُ.".
                              فلم نجد واحداً من اللغويين ممّا تقدَّمَ من النصوصِ ذكرَ أنّ أصلَ العاريّةِ من عارَ الشيءُ إذا ذهبَ وجاء. بل جلُّ كلامِهم يدور حول معنى المعاورةِ والمناولةِ.
                              السُّنة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.

                              تعليق

                              يعمل...