الفعل دلالته على الزمن ووظيفته الإخبارية عند سيبويه
الباحث: محمد دلوم
أستاذ علوم اللغة العربية بجامعة محمد بوضياف بالمسيلة
المصدر: مجلة الحكمة - مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع - الجزائر، ع9
تاريخ النشر: 2011
تعريف الفعل:
لقد درج كثير من النحاة على تعريف الفعل بأنّه لفظ دال على معنى مقترن بزمان.
أمّا سيبويه فقد عرّفه بقوله:"أمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء،وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع،وما هو كائن لم ينقطع." ثمّ يسترسل في الشرح والتفصيل قائلا: " وأمّا بناء ما مضى فَذَهَبَ، وسَمِعَ، ومَكُثَ، وحُمِدَ. وأمّا بناء ما لم يقع، فإنّه قولك آمرا:اذهَبْ، واقتُلْ،واضرِبْ. ومخبرا: يَقْتُلُ، ويَذْهَبُ، ويَضْرِبُ ويُقْتَلُ، ويُضْرَبُ. وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت. فهذه أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء،ولها أبنية كثيرة ستُبيّن إن شاء الله. والأحداث نحو الضرب،والحمد،والقتل."
وهذا التعريف يحتاج إلى تأمّل وتمعّن كبيرين،كي يفهم على حقيقته،لأنّه أوجز وأشمل تعريف للفعل ـ في حدود علمنا المتواضع ـ أمّا التعاريف الأخرى فهي وإن كانت تشاركه في الإيجاز،فإنّها لا تبلغ مبلغه من الشمولية والتدقيق، وذكر الفروق الجوهرية والخصائص المميّزة للفعل.وما يؤخذ عنها أنّها وإن كانت جامعة،تستقطب كلّ أنواع الفعل في العربية (الماضي،والمضارع،والأمر)،إلاّ أنّها ليست مانعة،لأنّها تشمل إلى جانب الأفعال بعض المشتقات،كاسم الفاعل مثلا،ففي قولك: (هذا سارقُ الثوبِ) دلّت كلمة (سارق) على حدوث السرقة من المشار إليه في الماضي.وفي قولك: (أنا ذاهبٌ إلى وهران)،دلّ اسم الفاعل (ذاهب) على وقوع فعل الذهاب من المتكلّم في المستقبل.
ومن تحجج بقوله أنّ اسم الفاعل يتضمّن إلى جانب الدلالة على الحدث والزمن،الدلالة على الفاعل.فالجواب أنّ الفعل أيضا قد يتضمّن الدلالة على الفاعل. وذلك إذا كان فاعله ضميرا مستترا فيه،كفعل الأمر (قف) مثلا، دلّ علّ على الحدث، والزمن، والفاعل.
أمّا تعريف سيبويه، فإنّك تلمس فيه علم صاحبه،ودرايته الواسعة بالعربية وأسرارها.
وأوّل ما شدّ انتباهنا في هذا التعريف،هو عبارة (أحداث الأسماء)،وهي المصادر،كما فسّرها في شرحه للتعريف،حيث قال: (والأحداث نحو الضرب والحمد والقتل)،ولفهم مراد سيبويه من هذه العبارة نقارنها بعبارة (أسماء الأحداث)،التي تدلّ هي الأخرى على المصادر،والفرق بينهما أنّ عبارة سيبويه (أحداث الأسماء)،فيها اعتبار للفاعل الذي يلازم الفعل بالضرورة.لأنّه لكلّ فعل ـ مهما كان نوعه ـ فاعل قام به.أمّا عبارة (أسماء الأحداث)،فهي وإن دلّت على المصادر،ليس فيها مراعاة أو اعتبار للفاعل،ولبيان ذلك نقول:
إنّ المصدر إذا أُضيف إلى الاسم،فإنّ المعنى يحتمل وجهين إذا كان فعل المصدر متعدّيا،أحدهما أن يكون المضاف إليه فاعلا في المعنى،والآخر أن يكون مفعولا به.ففي قولك: (ضربُ زيد أزعجني)،يحتمل أن يكون زيد ضاربا،ويحتمل أن يكون مضروبا.أمّا إذا كان فعل المصدر لازما،فالتركيب للإضافي يحتمل معنى واحدا فقط،وهو أنّ المضاف إليه فاعل في المعنى لا غير،فلفظ ( زيد) في قولك: (ذهاب زيد) فاعل في المعنى لا غير،لأنّه قام بفعل الذهاب.
فالمعنى الدائم الذي يتضمّنه التركيب الإضافي،الذي أضيف فيه المصدر إلى الاسم هو الفاعلية،سواء أكان فعل المصدر لازما أم متعدّيا.
أمّا إذا كان المضاف اسما غير مصدر،فإنّ الإضافة تكون متضمّنة معنى أحد حروف الجرّ،ومثال ذلك التراكيب الإضافية التالية: (خاتم ذهب)، (كتاب زيد)، (زيارة مكّة)،تضمّن التركيب الأوّل معنى حرف الجرّ (من)،وتضمّن الثاني معنى اللام وتضمّن الثالث معنى (إلى).ولا أثر للفاعلية أو المفعولية،في هذا النوع من التراكيب الإضافية.
وكلمة (أحداث) جمع، مفرده حَدَثٌ، وهو مصدر للفعل (حَدَثَ).أمّا كلمة أسماء فهي جمع اسم، وهي ليست مصدرا. وعليه فعبارة (أحداث الأسماء)فيها إضافة المصدر إلى الاسم، أمّا عبارة (أسماء الأحداث)، فهي من إضافة الاسم إلى المصدر،والفرق بينهما كما بيّنا.أي أنّه إذا كان المضاف مصدرا احتمل التركيب معنى الفاعلية،أمّا إذا كان اسما غير مصدر،تضمّن التركيب معنى أحد حروف الجرّ.
والتركيب الإضافي (أحداث الأسماء)، باعتباره من نوع إضافة المصادر إلى الأسماء،فهو يتضمّن بالضرورة معنى كون الأسماء فواعل، سواء أكان فعل المصدر لازما، أم متعدّيا، أمّا معنى كون الأسماء مفعولات، فلا يكون محتملا إلاّ مع مصادر الأفعال المتعدّية.أمّا التركيب الإضافي (أسماء الأحداث)، باعتباره ليس من نوع إضافة المصادر إلى الأسماء، فهو يتضمّن معنى أحد حروف الجرّ،وهو هنا اللام،لأنّ المعنى:أسماء للأحداث.
وقوله: ( لفظ أحداث الأسماء)، يعني ألفاظ المصادر،وأراد بهذا القول أنّ الفعل يؤخذ من لفظ المصدر لا من معناه.إذ لو كان الفعل يشتقّ من معنى المصدر لاشتقّ من مرادفه،وهذا غير وارد في اللغة.وقد يسأل سائل فيقول:ما الذي دفع سيبويه لذكر هذه الخصّيصة؟
والجواب أنّ الذي دفعه أمران:
الأوّل:أنّه أراد أنّ المصدر أصل،والفعل فرع.لأنّ هناك من يرى العكس.
والثاني:أنّه أراد بهذا الإشارة والتنبيه إلى بعض المصادر التي قد تؤخذ من معاني الأفعال. كالمفعول المطلق الذي يعرّف بأنّه مصدر مأخوذ من لفظ الفعل الذي عمل فيه النصب،أو من معناه.تقول على سبيل المثال:(جلستُ جلوسا)،وتقول: (جلست قعودا).
وقوله: (أمثلة) يريد بها صيغ الفعل،وقد مثّل لكل صيغة بمثال،واكتفى بالتمثيل للثلاثي لأنّه الأكثر اطرادا في الاستعمال اللغوي،فمثّل لمفتوح العين بذَهَبَ ولمكسورها بسَمِعَ،ولمرفوعها بمَكُثَ،هذا بالنسبة للمبني للمعلوم،أمّا صيغة المبني للمجهول،فقد مثّل لها بحُمِدَ.
ويريد بقوله: (بنيت لما مضى،وما يكون ولم يقع،وما هو كائن لم ينقطع.) زمن الحدث الذي دلّ عليه الفعل.والزمن ثلاثة أزمنة:ماض،وحاضر،ومستقبل.
فالماضي يبدأ من الماضي المطلق،أي من ناقص ما لا نهاية ـ بلغة الرياضيين ـ وينتهي عند بداية الحاضر.
والحاضر يبدأ من بداية النطق بلفظ الفعل،و ينتهي بانتهاء النطق به.
أمّا المستقبل فيبدأ من نهاية الحاضر،أي من الانتهاء من النطق بالفعل،ويمتدّ إلى ما لا نهاية.
ويمتاز الحاضر بأنّه قصير جدّا،لذا لا وجود له منفردا في الواقع اللغوي،لأنّه لا يتّسع لاستيعاب الحدث الذي دلّ عليه الفعل،فالحدث إمّا أنّه قد تمّ قبل النطق بلفظ الفعل الدال عليه،أو أنّه سيتحقق بعد النطق.والذي يستوعب الحدث أو الأحداث،هو الماضي،والمستقبل فقط،أمّا الحاضر فهو في الحقيقة فاصل بينهما لا غير. وإذا كان لابدّ من توظيفه،أو التعبير عنه كي لا تكون هناك فجوة في الدلالة على الزمن،فلا مفرّ من وصله بأحد الزمنين، (الماضي أو المستقبل).وقد وظّف في العربية موصولا بالمستقبل،وذلك في المضارع كما سنرى.وقد عبّر سيبويه عن هذا بدقّة ووضوح،ولمزيد من البيان والتوضيح نتناول دلالة الفعل على الزمن عند سيبويه.
دلالة الفعل على الزمن عند سيبويه:
1 ـصيغة الفعل الماضي: وهي صيغة بنيت للدلالة عمّا مضى من الأحداث،وقد عرّفها سيبويه بقوله: (بنيت لما مضى)،ومثّل لها بـ (ذهَب،وسمِع،ومكُث وحُمِد)،ورمز ـ كما ذكرنا ـ بكلّ فعل من الأمثلة المذكورة لصيغة صرفية معيّنة واكتفى بالثلاثي لكثرته.
2 ـ صيغة فعل الأمر: و هي صيغة بنيت للدلالة على أحداث لم تقع ويطلب وقوعها في المستقبل،وقد عبّر عن هذا بقوله: (وأمّا بناء ما لم يقع،فإنّه قولك آمرا: اذهب،واقتل،واضرب). وهي أمثلة أراد بها صيغ الأمر من الثلاثي،فمثال مفتوع العين الفعل (اذهَب)،ومثال مضموم العين الفعل (اقتُل)،ومثال مكسور العين الفعل (اضرِب).
3 ـ صيغة الفعل المضارع:وهي صيغة بنيت للدلالة على شيئين هما:
الأوّل: الدلالة على حدث لم يقع،وأردتَ أن تخبر بوقوعه في المستقبل،فهي إذن تشترك مع صيغة الأمر في الدلالة على ما لم يقع من الأحداث.وخلاصة القول أنّ صيغة الأمر،والمضارع،تشتركان في الدلالة على أحداث المستقبل،والفرق بينهما أنّ صيغة الأمر يطلب بها حدوث الفعل،فقولك: (اقرأ) تطلب به من مخاطبك إحداث فعل القراءة،فإن حدث منه ذلك،فيكون بعد انتهائك من اللفظ نطقا،أي في المستقبل.
أمّا صيغة المضارع،فيخبر بها عن حدوث الفعل في المستقبل،ففي قولك: (يسافرُ زيد غدا،أو سيسافر زيد،أو سوف يسافر زيد)،إخبار عن حدوث السفر من زيد في المستقبل.
الثاني: الدلالة على ما هو واقع من الأحداث،ولم ينقطع. ويمتاز هذا النوع من الأحداث ـ إذا تناوله الكلام ـ بكونه مخبراً به فقط،ولا يصح طلب حدوثه،لأنّه طلب تحصيل حاصل.وهذا ما أراده سيبويه بقوله: (وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت).
والرسم الموالي يبيّن دلالة الفعل في العربية على الزمن.
الباحث: محمد دلوم
أستاذ علوم اللغة العربية بجامعة محمد بوضياف بالمسيلة
المصدر: مجلة الحكمة - مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع - الجزائر، ع9
تاريخ النشر: 2011
تعريف الفعل:
لقد درج كثير من النحاة على تعريف الفعل بأنّه لفظ دال على معنى مقترن بزمان.
أمّا سيبويه فقد عرّفه بقوله:"أمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء،وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع،وما هو كائن لم ينقطع." ثمّ يسترسل في الشرح والتفصيل قائلا: " وأمّا بناء ما مضى فَذَهَبَ، وسَمِعَ، ومَكُثَ، وحُمِدَ. وأمّا بناء ما لم يقع، فإنّه قولك آمرا:اذهَبْ، واقتُلْ،واضرِبْ. ومخبرا: يَقْتُلُ، ويَذْهَبُ، ويَضْرِبُ ويُقْتَلُ، ويُضْرَبُ. وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت. فهذه أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء،ولها أبنية كثيرة ستُبيّن إن شاء الله. والأحداث نحو الضرب،والحمد،والقتل."
وهذا التعريف يحتاج إلى تأمّل وتمعّن كبيرين،كي يفهم على حقيقته،لأنّه أوجز وأشمل تعريف للفعل ـ في حدود علمنا المتواضع ـ أمّا التعاريف الأخرى فهي وإن كانت تشاركه في الإيجاز،فإنّها لا تبلغ مبلغه من الشمولية والتدقيق، وذكر الفروق الجوهرية والخصائص المميّزة للفعل.وما يؤخذ عنها أنّها وإن كانت جامعة،تستقطب كلّ أنواع الفعل في العربية (الماضي،والمضارع،والأمر)،إلاّ أنّها ليست مانعة،لأنّها تشمل إلى جانب الأفعال بعض المشتقات،كاسم الفاعل مثلا،ففي قولك: (هذا سارقُ الثوبِ) دلّت كلمة (سارق) على حدوث السرقة من المشار إليه في الماضي.وفي قولك: (أنا ذاهبٌ إلى وهران)،دلّ اسم الفاعل (ذاهب) على وقوع فعل الذهاب من المتكلّم في المستقبل.
ومن تحجج بقوله أنّ اسم الفاعل يتضمّن إلى جانب الدلالة على الحدث والزمن،الدلالة على الفاعل.فالجواب أنّ الفعل أيضا قد يتضمّن الدلالة على الفاعل. وذلك إذا كان فاعله ضميرا مستترا فيه،كفعل الأمر (قف) مثلا، دلّ علّ على الحدث، والزمن، والفاعل.
أمّا تعريف سيبويه، فإنّك تلمس فيه علم صاحبه،ودرايته الواسعة بالعربية وأسرارها.
وأوّل ما شدّ انتباهنا في هذا التعريف،هو عبارة (أحداث الأسماء)،وهي المصادر،كما فسّرها في شرحه للتعريف،حيث قال: (والأحداث نحو الضرب والحمد والقتل)،ولفهم مراد سيبويه من هذه العبارة نقارنها بعبارة (أسماء الأحداث)،التي تدلّ هي الأخرى على المصادر،والفرق بينهما أنّ عبارة سيبويه (أحداث الأسماء)،فيها اعتبار للفاعل الذي يلازم الفعل بالضرورة.لأنّه لكلّ فعل ـ مهما كان نوعه ـ فاعل قام به.أمّا عبارة (أسماء الأحداث)،فهي وإن دلّت على المصادر،ليس فيها مراعاة أو اعتبار للفاعل،ولبيان ذلك نقول:
إنّ المصدر إذا أُضيف إلى الاسم،فإنّ المعنى يحتمل وجهين إذا كان فعل المصدر متعدّيا،أحدهما أن يكون المضاف إليه فاعلا في المعنى،والآخر أن يكون مفعولا به.ففي قولك: (ضربُ زيد أزعجني)،يحتمل أن يكون زيد ضاربا،ويحتمل أن يكون مضروبا.أمّا إذا كان فعل المصدر لازما،فالتركيب للإضافي يحتمل معنى واحدا فقط،وهو أنّ المضاف إليه فاعل في المعنى لا غير،فلفظ ( زيد) في قولك: (ذهاب زيد) فاعل في المعنى لا غير،لأنّه قام بفعل الذهاب.
فالمعنى الدائم الذي يتضمّنه التركيب الإضافي،الذي أضيف فيه المصدر إلى الاسم هو الفاعلية،سواء أكان فعل المصدر لازما أم متعدّيا.
أمّا إذا كان المضاف اسما غير مصدر،فإنّ الإضافة تكون متضمّنة معنى أحد حروف الجرّ،ومثال ذلك التراكيب الإضافية التالية: (خاتم ذهب)، (كتاب زيد)، (زيارة مكّة)،تضمّن التركيب الأوّل معنى حرف الجرّ (من)،وتضمّن الثاني معنى اللام وتضمّن الثالث معنى (إلى).ولا أثر للفاعلية أو المفعولية،في هذا النوع من التراكيب الإضافية.
وكلمة (أحداث) جمع، مفرده حَدَثٌ، وهو مصدر للفعل (حَدَثَ).أمّا كلمة أسماء فهي جمع اسم، وهي ليست مصدرا. وعليه فعبارة (أحداث الأسماء)فيها إضافة المصدر إلى الاسم، أمّا عبارة (أسماء الأحداث)، فهي من إضافة الاسم إلى المصدر،والفرق بينهما كما بيّنا.أي أنّه إذا كان المضاف مصدرا احتمل التركيب معنى الفاعلية،أمّا إذا كان اسما غير مصدر،تضمّن التركيب معنى أحد حروف الجرّ.
والتركيب الإضافي (أحداث الأسماء)، باعتباره من نوع إضافة المصادر إلى الأسماء،فهو يتضمّن بالضرورة معنى كون الأسماء فواعل، سواء أكان فعل المصدر لازما، أم متعدّيا، أمّا معنى كون الأسماء مفعولات، فلا يكون محتملا إلاّ مع مصادر الأفعال المتعدّية.أمّا التركيب الإضافي (أسماء الأحداث)، باعتباره ليس من نوع إضافة المصادر إلى الأسماء، فهو يتضمّن معنى أحد حروف الجرّ،وهو هنا اللام،لأنّ المعنى:أسماء للأحداث.
وقوله: ( لفظ أحداث الأسماء)، يعني ألفاظ المصادر،وأراد بهذا القول أنّ الفعل يؤخذ من لفظ المصدر لا من معناه.إذ لو كان الفعل يشتقّ من معنى المصدر لاشتقّ من مرادفه،وهذا غير وارد في اللغة.وقد يسأل سائل فيقول:ما الذي دفع سيبويه لذكر هذه الخصّيصة؟
والجواب أنّ الذي دفعه أمران:
الأوّل:أنّه أراد أنّ المصدر أصل،والفعل فرع.لأنّ هناك من يرى العكس.
والثاني:أنّه أراد بهذا الإشارة والتنبيه إلى بعض المصادر التي قد تؤخذ من معاني الأفعال. كالمفعول المطلق الذي يعرّف بأنّه مصدر مأخوذ من لفظ الفعل الذي عمل فيه النصب،أو من معناه.تقول على سبيل المثال:(جلستُ جلوسا)،وتقول: (جلست قعودا).
وقوله: (أمثلة) يريد بها صيغ الفعل،وقد مثّل لكل صيغة بمثال،واكتفى بالتمثيل للثلاثي لأنّه الأكثر اطرادا في الاستعمال اللغوي،فمثّل لمفتوح العين بذَهَبَ ولمكسورها بسَمِعَ،ولمرفوعها بمَكُثَ،هذا بالنسبة للمبني للمعلوم،أمّا صيغة المبني للمجهول،فقد مثّل لها بحُمِدَ.
ويريد بقوله: (بنيت لما مضى،وما يكون ولم يقع،وما هو كائن لم ينقطع.) زمن الحدث الذي دلّ عليه الفعل.والزمن ثلاثة أزمنة:ماض،وحاضر،ومستقبل.
فالماضي يبدأ من الماضي المطلق،أي من ناقص ما لا نهاية ـ بلغة الرياضيين ـ وينتهي عند بداية الحاضر.
والحاضر يبدأ من بداية النطق بلفظ الفعل،و ينتهي بانتهاء النطق به.
أمّا المستقبل فيبدأ من نهاية الحاضر،أي من الانتهاء من النطق بالفعل،ويمتدّ إلى ما لا نهاية.
ويمتاز الحاضر بأنّه قصير جدّا،لذا لا وجود له منفردا في الواقع اللغوي،لأنّه لا يتّسع لاستيعاب الحدث الذي دلّ عليه الفعل،فالحدث إمّا أنّه قد تمّ قبل النطق بلفظ الفعل الدال عليه،أو أنّه سيتحقق بعد النطق.والذي يستوعب الحدث أو الأحداث،هو الماضي،والمستقبل فقط،أمّا الحاضر فهو في الحقيقة فاصل بينهما لا غير. وإذا كان لابدّ من توظيفه،أو التعبير عنه كي لا تكون هناك فجوة في الدلالة على الزمن،فلا مفرّ من وصله بأحد الزمنين، (الماضي أو المستقبل).وقد وظّف في العربية موصولا بالمستقبل،وذلك في المضارع كما سنرى.وقد عبّر سيبويه عن هذا بدقّة ووضوح،ولمزيد من البيان والتوضيح نتناول دلالة الفعل على الزمن عند سيبويه.
دلالة الفعل على الزمن عند سيبويه:
1 ـصيغة الفعل الماضي: وهي صيغة بنيت للدلالة عمّا مضى من الأحداث،وقد عرّفها سيبويه بقوله: (بنيت لما مضى)،ومثّل لها بـ (ذهَب،وسمِع،ومكُث وحُمِد)،ورمز ـ كما ذكرنا ـ بكلّ فعل من الأمثلة المذكورة لصيغة صرفية معيّنة واكتفى بالثلاثي لكثرته.
2 ـ صيغة فعل الأمر: و هي صيغة بنيت للدلالة على أحداث لم تقع ويطلب وقوعها في المستقبل،وقد عبّر عن هذا بقوله: (وأمّا بناء ما لم يقع،فإنّه قولك آمرا: اذهب،واقتل،واضرب). وهي أمثلة أراد بها صيغ الأمر من الثلاثي،فمثال مفتوع العين الفعل (اذهَب)،ومثال مضموم العين الفعل (اقتُل)،ومثال مكسور العين الفعل (اضرِب).
3 ـ صيغة الفعل المضارع:وهي صيغة بنيت للدلالة على شيئين هما:
الأوّل: الدلالة على حدث لم يقع،وأردتَ أن تخبر بوقوعه في المستقبل،فهي إذن تشترك مع صيغة الأمر في الدلالة على ما لم يقع من الأحداث.وخلاصة القول أنّ صيغة الأمر،والمضارع،تشتركان في الدلالة على أحداث المستقبل،والفرق بينهما أنّ صيغة الأمر يطلب بها حدوث الفعل،فقولك: (اقرأ) تطلب به من مخاطبك إحداث فعل القراءة،فإن حدث منه ذلك،فيكون بعد انتهائك من اللفظ نطقا،أي في المستقبل.
أمّا صيغة المضارع،فيخبر بها عن حدوث الفعل في المستقبل،ففي قولك: (يسافرُ زيد غدا،أو سيسافر زيد،أو سوف يسافر زيد)،إخبار عن حدوث السفر من زيد في المستقبل.
الثاني: الدلالة على ما هو واقع من الأحداث،ولم ينقطع. ويمتاز هذا النوع من الأحداث ـ إذا تناوله الكلام ـ بكونه مخبراً به فقط،ولا يصح طلب حدوثه،لأنّه طلب تحصيل حاصل.وهذا ما أراده سيبويه بقوله: (وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت).
والرسم الموالي يبيّن دلالة الفعل في العربية على الزمن.

تعليق