نظرات في تحقيقات علمية لتراثيات عربية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #16
    تَعْقيبٌ على نَقْد كِتَاب "الآمَل وَالمأمُول" المَنْسُوب للجَاحِظ
    للدكتُور إبراهِيم السامرائي
    للأستاذ محمد أحمد الدالي
    أُتيح لي أن أطلع على مجلة مجمع اللغة العربية الأردني (العدد المزدوج 23-24، السنة السابعة، كانون الثاني- حزيران 1984م)، فوجدت فيها نقداً لكتاب "الآمل والمأمول" المنسوب للجاحظ الذي حققه الدكتور رمضان ششن، وطبع ببيروت مرتين عام 1972 و1983م.
    وكنت طالعت الكتاب، وعرفت أن الكتاب ليس للجاحظ غير شك، وإنما لمحمد بن سهل بن المرزبان البغدادي الكرخي المتوفى بعد سنة 322هـ، والملقب بـ"الباحث" أو "الباحث عن مُعْتَاص العلم". وعنّت لي جملة تعليقات يسيرة عليه، فكتبت مقالة أرسلتها إلى مجلة الفيصل بتاريخ 17/7/1984، وعنوانها "كتاب الآمل والمأمول – تحقيق نسبته ونظرات فيه" لمّا تنشر.
    فقرأت ما كتبه الدكتور الفاضل إبراهيم السامرائي، فوجدته شاركني في بعض ما أخذته على المحقق، وقد أصاب في بعض ما قاله، ووهم في بعض، ولم يوفق إلى معرفة صاحب الكتاب.

    ورأيت أن أقف عند بعض ما قاله الدكتور الفاضل، وهذا بعض ما اتّفق لي أعرضه على القراء ليروا فيه رأيهم:
    1- وقف الدكتور الفاضل عند قول صاحب الكتاب (الآمل والمأمول 9، المجلة 139): "... والمجد في التماس ما هو به أعذر من التجافي عما إن فاته قعد به عن مرتبة أهل الفضل ودرجة ذوي المروءة"، وعلق عليه بقوله: "أقول: والوجه أن يقال: والمجد في التماس... عما قعد به عن مرتبة أهل الفضل ودرجة ذوي المروءة إن فاته..." ثم احتج لما ذهب إلى أنه الوجه بقوله: "إن تقديم الفعل "قعد" وهو جواب الشرط في كلام المؤلف متطلب، لأن التقديم يجعل هذا الفعل صدراً لجملة الصلة للموصول "ما". وشرط جملة الصلة أن تكون خبراً لا إنشاء. وهذا يعني أننا لو أبقينا على نص المؤلف لكانت جملة الصلة إنشاء وهي جملة شرطية (إن فاته قعد) وهذا ممتنع وقد ورد هذا كله في المظان النحوية".
    كذا قال الدكتور، ولعله اتّكأ على ما وعته الذاكرة ولم يعد إلى المظان النحوية.
    فقول صاحب الكتاب: ".. عما إن فاته قعد به..." صواب محض، وهو كقول المجنون:
    فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وأنت التي إن شئت أنعمت باليا

    والجملة التي تكون شرطاً وجزاء (الشرطية) تقع صفة وصلة للموصول. قال ابن يعيش (شرح المفصل 3/ 52): "وقد تقع الجمل صفات للنكرات، وتلك الجمل هي الخبرية المحتملة للصدق والكذب، وهي التي تكون أخباراً للمبتدأ وصلات للموصولات، وهي أربعة أضربٍ:
    الأول: أن تكون جملة مركبة من فعل وفاعل.............
    والثالث: أن تكون الجملة الصفة جملة من شرط وجزاء، وذلك نحو: مررت برجل إن تكرمه يكرمك، فقولك "إن تكرمه يكرمك" في موضع الصفة لرجل...".
    وقال (شرح المفصل 3/151): "... ومثال وَصْلِك بالشروط والجزاء قولك: جاءني الذي إن تأته يأتك عمرو، فقولك "إن تأته يأتك عمرو" صلة، والعائد الهاء في تأته..."، وذكر أن القائل بالخيار: إلحاق العائد، فإن شاء أتى به في الجملة الأولى نحو المثال الذي ذكره، وإن شاء أتى به في الجملة الثانية، نحو: جائني الذي إن تكرم زيداً يشكرك، وإن شاء أتى بالضمير فيهما، وهو "أحسن شيء، نحو قولك: جاءني الذي إن تَزُرْه يحسنْ إليك...".
    فالجملة الشرطية تكون خبرية وتكون إنشائية، وذلك باعتبار جوابها، فإذا كان الجواب خبراً كانت خبرية ووقعت صفةً وصلة للموصول، وإذا كان الجواب إنشاءً كانت إنشائية ولم تقع صفة ولا صلة للموصول.
    وانظر همع الهوامع 1/ 86 (1/ 296، ط الكويت)، وحاشية الخضري على ابن عقيل 1/ 77، وحاشية الصبان على الأشموني 1/ 163، والنحو الوافي 1/ 374-375، وانظر المقتضب 3/ 130.

    2- ووقف عند قول الشاعر (الآمل والمأمول 43، المجلة 148):
    لئن أخطأتُ في مَدْحِـ
    فقد أحللت حاجاتي
    ـكَ ما أَخطأتَ في منعي
    بوادٍ غير ذي زرعِ
    وقال: "أقول: الصواب: لقد أحللت حاجاتي.......
    وذلك لأن ورد "لئن" في البيت الأول يؤذن أن يكون الجواب مقترناً باللام التي هي لام القسم ]كذا[ وهذا كقوله تعالى: )لئن شكرتم لأزيدنكم(".
    كذا قال الدكتور؛ والصواب كما جاء "فقد" والفاء فيه تعليلية استئنافية. أما جواب القسم فهو قوله "ما أخطأتَ في منعي" وهو كلام واضح لا يحتاج إلى تقدير.

    3- ووقف عند قول المؤلف (الآمل والمأمول 48، المجلة 150): "... ثمّ إنه أثرى فاستفاد نيفاً وتسعين ببراً للنخل بالمدينة" وقال: "أقول: لا وجه لكلمة "ببر" في هذا النص، والذي أراه أن يكون الأصل "جريباً" والجريب من الأرض مقدار معلوم الذراع والمساحة يغرس نخلاً، وهو معروف، وما زال الجريب معروفاً لدى أهل النخل. وليس من مكان للببر، وهو من وحوش السباع".
    كذا قال الدكتور، وليس لنا أن نغير النصوص بما نراه. وعندي أن "ببراً" محرفة عن "بِئْراً".
    وبئر النخل: حفيرة تحفر حول الفسيلة لتغرس فيها، واسم البئر "الفَقِيرُ". قال أبو عبيد (المخصص 11/104): (فإذا قلعت الوديّةُ من أمّها بِكَرَبِها قيل ودِيَّة مُنْعَلَةٌ، فإذا حفَر لها بِئْراً وغرسها ثم كبس حولها بتَرْنُوق المسيل والدِّمْن – يعني بالترنوق السماد والطين- فقد فَقَّرَ لها، واسم البِئْر: الفَقِيرُ. وجمعها فُقُرٌ". وانظر المخصص 10/34، واللسان (فقر).

    4- دفع الدكتور نسبة الكتاب إلى الجاحظ بقوله (ص 137 من المجلة): "... ففي الكتاب من الرجال ممن ]كذا[ عاشوا بعد الجاحظ، وهذا دليل قاطع على أن الكتاب ليس للجاحظ كما سنشير إلى ذلك...".
    وقد أشار إلى ذلك في تعليقه على قول محمد بن حازم الباهلي (الآمل والمأمول 12-13، المجلة 141):
    ما كان مال يفوت دون غد فليس بي حاجة إلى أحدِ

    قال: "وقد علق المحقق على محمد بن حازم الباهلي، فأثبت موجزاً بترجمته في الحاشية جاء فيها أنه توفي سنة 315 هجرية" ثم قال الدكتور السامرائي: "أقول: وتاريخ وفاة الباهلي هذا دليل كاف على أن الآمل والمأمول ليس من كتب الجاحظ، وعلى هذا فالقول أنه منسوب للجاحظ ليس بشيء".
    أقول: أما أن الكتاب ليس للجاحظ فهو حق صحيح، وقد سلف اسم صاحب الكتاب في أول هذه الكلمة.
    وأما ما استدل به الدكتور ليقطع بأن الكتاب ليس للجاحظ فخطأ، لأنه بناه على أن وفاة محمد بن حازم الباهلي كانت سنة 315هـ، وقد تابع في ذلك ما ورد في تعليق محقق الكتاب من غير أن يثبت منه. وأظن ما وقع في حاشية محقق الكتاب خطأ مطبعياً، وصوابه "215هـ"، وكان ينبغي للدكتور الفاضل السامرائي أن يتحقق منه قبل أن يبني عليه ما بناه.
    وليس بين أيدينا ما يعين على تحديد وفاة محمد بن حازم الباهلي تحديداً دقيقاً. وقد استظهر الزركلي رحمه الله (الأعلام 6/75) بما انتهى إلينا من أخباره وأشعاره أن وفاته كانت نحو سنة 215هـ، ولم يقل إن شاء الله إلا صواباً أو قريباً منه.
    وقد مدح ابن حازم الخليفة المأمون (ت 218هـ) ولم يمدح من الخلفاء غيره، واتصل بإبراهيم بن المهدي (ت 224هـ)، والحسن بن سهل وزير المأمون ووالد زوجه بوران (ت 436هـ)، وله مع إبراهيم بن المهدي خبر، وقد شاب وتجاوز الخمسين من عمره.
    ثم إن الجاحظ أنشد له أبياتاً في كتاب الحجاب (رسائل الجاحظ 2/61) وفي كتاب البغال (رسائل الجاحظ 2/255-256، 303).
    انظر ترجمة ابن حازم في معجم الشعراء 371، وطبقات الشعراء لابن المعتز 318-319، والمحمدون من الشعراء 312-313، والورقة 117-119، والأغاني 14/ 92-111.
    وجمع شعره محمد خير البقاعي، ونشرته دار قتيبة بدمشق سنة 1982م.

    5- وعلّق الدكتور الفاضل على قول المؤلف (الآمل والمأمول 39، المجلة 147): "أنشدني هشام بن محمد للعتابي..." بقوله:
    "أقول: لا بد أن يكون هشام بن محمد أبي النضر بن السائب بن بشر الكلبي المؤرخ النسابة والعالم بأخبار العرب وأيامها. انظر إرشاد الأريب 7/ 250-254".
    كذا قال، ولمَ يكون حتماً أن يكون "هشام بن محمد" هو ابن السائب الكلبي؟ وكيف يورد المؤلف أبيات ابن حازم – وهو المتوفى سنة 315 هـ كما ذكر الدكتور نقلاً عن محقق الكتاب، وبنى عليه ما بناه – ثم يروي عن هشام بن محمد أبي النضر بن السائب بن بشر الكلبي سنة 204 هـ؟!
    فليس هشام بن محمد هو ابن السائب الكلبي بل هو رجل آخر لعل البحث يكشف عنه.
    وبعد، فهذا ما اتفق لي من القول، وأرجو أن أكون أصبت في بعضه، وأثني على الجهود التي يبذلها الدكتور الفاضل إبراهيم السامرائي في خدمة التراث العربي. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    محمد أحمد الدالي
    (حماه- سورية)

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #17
      معجم ديوان الأدب للفارابي ( تنبيهات وتصحيحات ) .
      د/ محمد جواد النوري ، أ/ علي خليل حمد

      البحث مستل من مجلة مجمع اللغة العربية الأردني
      السنة 23 ، العدد 57
      ربيع الثاني - رمضان 1420 هـ
      للتحميل
      http://majles.alukah.net/t74213/

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #18
        هذا بحث آخر للدكتور محمد جواد النوري ، والأستاذ على خليل حمد
        فى التنبيه على ما فى مقاييس ابن فارس المطبوع بتحقيق شيخ المحققين عبد السلام هارون - رحمه الله - من أغلاط منها مطبعية ، ومنها ما فات المحقق .
        مقاييس اللغة لابن فارس تنبيهات وتصحيحات
        مجلة المجمع اللغوي الأردني
        السنة 19 - العدد 48
        ومع البحث الغلاف والفهرس للتوثيق
        للتحميل
        http://majles.alukah.net/t75247/

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #19
          تنبيهات الدكتور محمد جواد النوري التى رآها فى تصحيح الشواهد الشعرية في التكملة والذيل والصلة للصغاني على صحاح الجوهرى
          وهو معجم شهير فى الرد على الجوهرى والتعقيب على كتابه وتكملته .
          مقالات منشورة فى مجلة المجمع الأردني
          مع كل مقال توثيقه وفهرس عدده من المجلة

          صحح نسختك من التكملة للصغانى .
          مصدر المجلة الموقع الإيراني نور
          التحميل من

          archive

          تعليق

          • عبدالله بنعلي
            عضو نشيط
            • Apr 2014
            • 6053

            #20
            بحث مميز وممتاز
            التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بنعلي; الساعة 04-19-2016, 02:33 PM.

            تعليق

            • مصطفى شعبان
              عضو نشيط
              • Feb 2016
              • 12782

              #21
              نقد تحقيق كتاب الحروف للمزني

              مقدمة:
              صدر عن دار الفرقان للنشر والتوزيع في عمان بالأردن (كتاب الحروف للمزني) سنة 1403هـ/ 1983م، وقد تعاضد على تحقيقه والتعليق عليه والتقديم له الدكتوران محمود حسني محمود، ومحمد حسن عواد المدرسان بكلية الآداب في الجامعة الأردنية، وكتاب الحروف هذا أحد كتب علماء اللغة الذين عنوا عناية واضحة بالتأليف في معاني الحروف العربية واستعمالاتها، فأفردوها بمؤلفات خاصة.

              وكتاب المزني في أصله ذو حجم صغير لكنّ المحققين ضخّماه كثيراً بحواشٍ وتعليقات. موضحة لبعض غوامضه، فالمؤلف رحمه الله تعالى في كتابه يقتصر على ذكر مصطلح الحرف ومثال له، فرأى المحققان أن يحيلا القارئ على الكتب المماثلة له لإزالة ما في عبارات الكتاب من إبهام وغموض، بل إنهما في كثير من المواضع ينقلان نصوصاً كثيرة من تلك الكتب.

              ترجمة المؤلف:
              كان عمل الدكتورين في كتاب ذا شقين:

              دراسة الكتاب والمؤلف – تحقيق النص.

              أما في الدراسة فأول ما يطالعه القارئ منها قول المحققين: (مؤلف كتاب الحروف الذي نقدمه إلى قراء العربية هو أبو الحسين المزني، كما جاء في نسخة الكتاب الوحيدة المحفوظة بمركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية، وهذه النسخة شريط مصور يحمل الرقم 280، ولقد بذلنا ما في الوسع والطاقة – بالرجوع إلى كثير من كتب التراجم التي بين أيدينا – من أجل الوقوف على خبر المؤلف، أو ذكر لشيوخه أو تلاميذه فلم نظفر بشيء مما سعينا إليه، وذهب جهدنا المبذول أيادي سبأ، وعلة ذلك أن لا نعرف الاسم الصريح لأبي الحسين هذا، ولا نعرف في أيِّ القرون سلخ أيامه وسنيه)[1].

              وفي كلامهما هذا مزالق عظيمة عجبت لوقوع الدكتورين فيهما:

              أولهما: أنهما حرّفا كنية المزني إلى (أبى الحسين) وهو (أبو الحسن).

              وثانيهما: أنهما لم يذكرا أين يوجد أصل مخطوطة الكتاب الذي حققاه، لا في المقدمة ولا عند وصفهما النسخة التي اعتمدا عليها في التحقيق[2]، وإنما تحدثا عن مصورتها، ويبدو أنهما لم يعلما أن أصلها محفوظ في مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية.

              وثالثها: عدم معرفتهما اسم مؤلف الكتاب، وادعاؤهما بذل ما في الوسع والطاقة والرجوع إلى كثير من كتب التراجم، ومع ذلك فلم يظفرا بشئ، وإني أشك في دقة كلامهما لأن للمؤلف ترجمة في كتاب السيوطي (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة 2/183) وهذا الكتاب من مراجعهما، وهو من أوائل الكتب التي يرجع إليها الباحث في ترجمة نحوي، ولا أظن أن سبب عدم اهتدائهما إلى ترجمة المؤلف تحريفهما كنيته كما ذكرت آنفاً، لأنهما لو اطلعا على تلك الترجمة لتشبثا بها ولو كانت محتملة لديهما غير مؤكدة، لكنهما عمدا إلى تسطير ست صفحات في الدراسة[3] محاولين تسويغ عجزهما عن الظفر بترجمة للمؤلف، بأن كتباً غير قليلة نشرت وهي غفل من أصحابها، وضربا مثالاً لذلك كتاب (إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج) وذكرا أن الشك في نسبته إلى الزجاج بدأه المحقق للكتاب نفسه الأستاذ إبراهيم الأبياري[4]، ومع ذلك لم يثنه ذلك عن نشر الكتاب، ومن ثم أثبت الأستاذ أحمد راتب النفاخ أن الكتاب المذكور هو لأبي الحسن علي بن الحسين الأصبهاني الباقولي المعروف بجامع العلوم، لكنّ النفاخ ظنه كتاب الجواهر للأصبهاني[5] وكذلك صنع الزميل الدكتور إبراهيم بن محمد أبو عباة في رسالته التي نال بها درجة الدكتوراه من كلية اللغة العربية بالرياض ((شرح اللمع للأصبهاني: دراسة وتحقيقاً)) حيث أيّد رأي النفاخ بأدلة قطعية على صحة نسبه الكتاب إلى الأصفهاني[6].

              وكان الأستاذ النفاخ قد قال:

              "وأما القول الفصل فرهين بظهور نسخة من الكتاب تحمل اسمه الصحيح وتقطع الشك باليقين"[7].

              وقد تكرم الأخ الدكتور عبدالرحمن بن سليمان العثيمين فأطلعني في مكتبة السليمانية باستنبول على نسخة من إعراب القرآن مخرومة الأول، لكن في وسطها عنوان كتب فيه: (الجزء الثاني من إعراب القرآن لجامع العلوم) وهي نسخة مخطوطة من الكتاب المطبوع المنسوب إلى الزجاج وهي في مكتبة شهيد عليّ تحت رقم (307)، فلم يعد هناك مجال للشك في اسم المؤلف ولا اسم الكتاب.

              واستمر المحققان بضرب الأمثلة للكتب المطبوعة مع الجهل بمؤلفيها، وكانا في غنى من كل ذلك لو نقلا الترجمة المختصرة للمزني التي سطرها يراع السيوطي في البغية، أو اطلعا على الترجمة التي كتبها ياقوت الجموي في معجم الأدباء (14/98 – 99) قال ياقوت:

              "على بن الفضل المزني أبو الحسن النحوي: نقلت من خط أبي سعيد عبدالرحمن بن علي اليزدادي في كتابه المسمى ((جلاء المعرفة)) تعرّض فيه للمآخذ على العلماء، قال: وكان قرئ كتاب الكرمانيّ في النحو على أبي الحسن المزني، وقرأه هو على أبيه، وأبوه على الكرمانيّ. وفضل أبي الحسن في عصره على من كانت تضرب إليه آباط الإبل في العراق لاقتباس العلم منه. وكان ابن جرير يحثه أبداً على قصد العراق علماً منه بأنه لو دخل بغداد لقبل فوق غيره، ولكان الأستاذ المقدم، وبلغ من فضل علمه أنه صنف كتاباً في علم ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وسماه ((البسملة)) ويقع في ثلاثمائة ورقة، وله في النحو والتصريف مصنفات لطيفة نافعة. وقد روي المزني عن إسحاق بن مسلم عن أبي سعيد الضرير". انتهى كلامه.

              وياقوت – وإن لم يذكر سنة ولادته ولا سنة وفاته – حدد العصر الذي عاش فيه المزني حيث إنه عاصر ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ[8]. وذكر الحموي بعض شيوخ المزني وهما والده وإسحاق بن مسلم.

              دراسة المحققين للكتاب
              بدأها المحققان بسرد مؤلفات خاصة بالحروف، فذكرا تسعة وثلاثين مصنفاً، وفات عليهما ذكر مؤلفات أخرى كثيرة، وإن كانا قد اعتذرا لنفسيهما في البداية فقالا: (وحسبنا أن نثبت هنا بعض ما وقفنا عليه[9] ومما فاتهما ذكره:

              1- منازل الحروف للرماني: حققه د.مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني.

              2- الحروف في اللغة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي.

              3- الحروف في النحو لأبي عبدالله محمد بن جعفر القزاز.

              4- معاني الحروف وأقسامها لأبي القاسم حسين بن الوليد بن العريف.

              5- معاني الحروف لعبدالجليل بن فيروز الغزنوي.

              6- شرح معاني الحروف لعلي بن فضال المجاشعي.

              7- معاني الأدوات والحروف لابن القيم.

              وغيرها.

              ثم انتقل المحققان إلى الحديث عن منهج المؤلف في كتابه فقالا: (سار المؤلف في كتابه على نهج مطرد مستتب لا يتخلف إلا قليلاً، فهو يذكر الألفات أولاً فالباءات فالتاءات.. إلى أن يصل إلى الياءات، ثم يعقد – كما تقدم القول في ذلك – للهمز والهمزات واللام ألفات حديثاً آخر.

              وخطته أن يذكر الأنواع المختلفة للحرف الواحد ثم يشرع في تفسيرها. والتفسير عنده لا يعني غير التمثيل على نوع الحرف الذي ذكره أولاً)[10]. وواضح من كلام المحققين أن الكتاب مختصر جداً، وأن مؤلفه يكتفي باسم الحرف ومثال له، لكن المحققين – بسبب اعتمادها على نسخة واحدة للكتاب ولأسباب أخرى – أخذا على المؤلف اضطراب خطته من جهات أربع:

              الأولى: ذكره بعض الحروف ثم عدم تفسيرها، وذكرا لذلك أمثلة:

              1- إغفاله ذكر الفاء التي بمعنى ((حتى)) في التفسير[11]، والسبب في ذلك أن المؤلف مثّل لها عند تعداده الفاءات فقال: (وفاء بمعنى حتى كقوله تعالى: "فأنتم فيه سواء" أي حتى أنتم فيه سواء)[12].

              2- إغفاله ذكر لام الصيرورة في التفسير[13]، والسبب في ذلك أنه قال: (ولام الصيرورة وقيل: لام الملك)[14] ثم مثّل للام الملك فقال: لزيد مال، وهذا المال لزيد[15] فهو يعدهما شيئاً واحداً.

              3- إغفاله ذكر لام النهي في التفسير[16]، وهذا المأخذ من المحققين جاء بسبب النسخة الوحيدة التي اعتمدا عليها في التحقيق، إذ ((لام النهي)) غير موجودة في نسخة ليدن، وهي النسخة الثانية للكتاب التي ظفرت بها، ويؤيد إسقاطها أن المؤلف قال: (اللامات ثلاثون)[17] وبزيادة النهي صارت إحدى وثلاثين، وقد حار المحققان في الأمر فعلقا قائلين: (لم نعثر على لام مفردة للنهي، كما أن المؤلف أسقطها في التفسير كما سيأتي، ولعله أراد اللام المركبة المعروفة بلا الناهية)[18] والصحيح أن المؤلف لا يريد ((لا الناهية)) لأنه قد ذكرها في آخر الكتاب[19].

              4- إغفاله ذكر ألف التنكير[20]، وهذه الدعوى من المحققين يصدق عليها المثل القائل (أسماء سمعاً فأساء جابة) فهما حرّفا الكلمة من التكرير – كما ورد في نسخة ليدن – إلى التنكير، ثم طفقا يبحثان عن مثال أو تفسير لهما فلما لم يجدا ما لا باللائمة على المؤلف، وقد مثّل المؤلف لألف التكرير فقال: (وأما ألف التكرير فنحو ألف فعّال مثل قتّال وصبّار)[21].

              5- إغفاله ذكر باء الإلصاق، والباء بمعنى من أجل، والباء بمعنى إلى[22]، والصحيح أن المؤلف ذكرها فقال: (وباء الإلصاق نحو: كتبت بالقلم، و"فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ" والباء بمعنى ((من أجل)) نحو:

              غُلْبٌ تَشَدَّرُ بالِّذحُولِ

              أي من أجل. وبمعنى ((إلى)) نحو "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا" أي إلى أمرنا)[23].

              6- إغفاله ذكر فاء الصرف عند تعداد الفاءات وذكرها في التفسير[24] وهذا المأخذ من المحققين غير صحيح لأنها مذكورة في نسخة ليدن.

              الجهة الثانية: ذكر أنواع الحروف أولاً، ثم التمثيل على كل نوع في التفسير، وعدم سير المؤلف في كتابه على هذه الوتيرة، وهذا المأخذ لا يصلح أن يقال عن المؤلفات المتقدمة لأن أصحابها لم يريدوا ذلك.

              الجهة الثانية: اختلاف مستويي النظر والتطبيق في عدة الحروف، وضرب المحققان مثالاً لذلك لأن أصحابها لم يريدوا ذلك.

              الجهة الثالثة: اختلاف مستويي النظر والتطبيق في عدة الحروف، وضرب المحققان مثالاً لذلك بأن المؤلف أخبر أن اللامات ثلاثون، وهي على التحقيق – على ما ذكره – اثنتان وثلاثون لاماً[25]. والصحيح أنَّ المحققين واهمان فاللامات التي ذكرها ثلاثون فقط وقد بينت أن نسختهما المخطوطة المعتمدة في التحقيق زيد فيها ((لام النهي)) ثم إن المحققين عدا قوله: (ولا الصيرورة وقيل: لام الملك)[26] مشتملاً على لامين والصحيح أنها لام واحدة عرفت باسمين.

              الجهة الرابعة: أغفل المؤلف ذكر بعض الحروف، وضرب المحققان أمثلة لذلك بالخاءات والزايات والشينات[27]، والصحيح أن المؤلف لم يغفلها لكنها سقطت من نسخة المحققين.

              دراسة المحققين لمذهب المؤلف النحويّ:
              خلص المحققان إلى أن المؤلف كوفي المذهب[28]، وهذا مما لا شك فيه لدى المطلع على الكتاب، قالا: (يدلنا على ذلك أمران: حدوده ((مصطلحاته)) واختياراته النحوية)[29].

              وههنا خلط المحققان مصطلحين هما: الحد والمصطلح، وجعلاهما شيئاً واحداً، وهذا غير سليم، فالمصطلح يراد به، (اتفاق جماعة على أمر مخصوص)[30] ومنه المصطلحات النحوية، كالاسم والفعل والفاعل والحال والتمييز، حيث اتفق النحاة على أن ما دل على حدث مقترن بزمان معين، أنه فعل (وهذا الاتفاق بين النحاة على استعمال ألفاظ فنية معينة في التعبير عن الأفكار والمعاني هو ما يعبِّرُ عنه بالمصطلح النحوي)[31].

              أما الحد عند النحاة فهو (ما يميز الشيء عما عداه)[32] وهو ما يعرف اليوم بالتعريف كقولك في حد الحال: ((الوصف الفضلة المسوق لبيان هيئة صاحبه أو تأكيده أو تأكيد عامله أو مضمون الجملة قبله)).

              النص المحقق:
              اعتمد المحققان في تحقيقهما على نسخة واحدة حديثة، فيها تصحيف وسقط كثيران، وقد بذلا جهداً مشكوراً في محاولة تقويم النص فوفقا كثيراً، وجانبهما الصواب في مواضع، وإنني قد بذلت جهداً في البحث عن نسخة ثانية من الكتاب، لأنني حينما اطلعت على النص المحقق وجدت فيها تحريفاً لا يخفى على متبصر، ولقد عجبت كيف لم يتنبه المحققان إلى التحريف في قولهما: (كُلْ ما شئت من عمرو وزيد بمعنى أو زيد)[33]. فمن سيأكل عمراً أو زيداً؟ ومثل هذا تكرر في مواضع سأذكر بعضها مرتبة حسب صفحات الكتاب، وقد اعتمدت في التصويب على نسخة ليدن ذات الرقم (2881)، وهي نسخة تقع في خمس عشرة ورقة، وتاريخ الفراغ من نسخها 13 من ربيع الثاني سنة ألف من الهجرة، وناسخها سليمان الأزهري:



              تعليق

              • مصطفى شعبان
                عضو نشيط
                • Feb 2016
                • 12782

                #22
                ص س

                37 3 ((باب الألفات: الألفات ثلاثة وخمسون ألفاً، ألف أصل، ألف وصل.. الخ.

                الصواب: (باب الألفات: ثلاثة وخمسون ألفاً، ألف أصل وألف وصل.... إلخ.

                بحذف كلمة (الألفات المكررة، وبعطف بعضها على بعض.

                38 13 قال عن الألف الأصل (ويجوز وصلها) وعلّق المحققان قائلين، يعني في الضرورة، والصواب: (ولا يجوز وصلها).

                41 حاشية (17) واردة في نسخة ليدن.

                44 حاشية (31) أخذا المحققان على المؤلف عدم ذكره ألف التنكير، وقد ذكرها[34].

                47 1 (ويندب بلا واو نحو: أزيداه) والصواب: (ويندب بلا وا نحو: أزيداه).

                48 1 (وأما ألف الأدوات فهي التي بأحرف سواها) والصواب: التي تقرن بأحرف سواها.

                49 4 (فهذه الألف هي علامة النصب ههنا) الصواب: فهذه الألف علامة النصب ههنا.

                49 5 (وأما ألف القسم فهي ألف: الله وأيم...) والصواب: فهي ألف: الله إنك لظالم وأيم....).

                50 4 (لأن ثاني حرف في الاستقبال ساكن) قال المحققان: في الأصل: (لأن حرف الثاني) والصواب ما أثبتناه، وأقول: بل الصواب: لأن الحرف الثاني في الاستقبال ساكن).

                50 ح (73) واردة في نسخة ليدن.

                51 5 (ولا يقال ذلك لمن فعل مرة حتى يكرر) زاد المحققان كلمة (ذلك) وقالا: (زيادة يقتضيها السياق) والصحيح أنها زيادة لا داعي لها.

                52 2 (راضية، أي في عيشة فيها رضى لصاحبها) وفي نسخة ليدن: فيها رضى بصاحبها – بالباء لا اللام – ولعله الصحيح فالمؤلف قد يريد أن فاعلة على أصلها، لا أنها بمعنى مفعولة.

                52 9 (هاء الداهية) قال المحققان: في الأصل: (والراهبة) تحريف والصواب ما أثبتناه، وأقول: في النسخة الأخرى: (هاب الواهية).

                53 2 (كقولك: ألا هي، قال بعضهم: نعم هي) والصواب: (قال بعضهم: معناه نعم هي).

                53 4 (نحو: لا يقم) والصواب: لا تقم.

                53 7 (أمثلي يجفى) وفي النسخة الأخرى: (أمثلي يخفي).

                53 9 (وأما ألف التمني فهي التي تصحب الياء) قوله: (فهي التي) زاده المحققان، وهو في النسخة الأخرى.

                53 10 (والماء فأشربه) والصواب: (ألا ماء فأشربه.

                54 4 (نحو: الموصي من أوصيت والمنقضي والمستقضي) والصواب: (نحو: ألف الموصى من أوصيت والمنقضي والمستقضي).

                54 8 (وياء الصلة وباء بمعنى ((في)) ) الصواب: (وباء الصلة، وباء بمعنى ((مع)) وباء بمعنى ((في)) ).

                55 7 (وأما باء التعدي فكقولك: خرجت بزيد أي أخرجت زيداً) زاد المحققان قوله: (خرجت بزيد أي) لأنه ساقط من نسختهما، والصحيح أن في الكلام حذفاً والصواب: (أما باء التعدي فكقولك: أخرجت زيداً، فإذا أسقطت الألف جئت بباء فعدت الفعل كقولك: خرجت بزيد بمعنى أخرجته).

                56 1 (وفاتني فقه كثير بأبي حنيفة أي بعلمه) زاد المحققان (أي بعلمه) والصواب: (أي بفراق أبي حنيفة) كما ورد في نسخة ليدن.

                57 1 (خذ بخط، معناه: خذ من الخطوط خطا) الصواب: (خذ بحظ معناه: خذ من الحظوظ حظا).

                57 5 (أي والنعمة لربك أنت تعرف) والصواب: (أنت تعرفها).

                58 1 (رميت بالقوس أي على القوس، وجئت بحال حسنة أي على حال حال حسنة) زاد المحققان أيّاً في الموضعين والصواب (رميت بالقوس وعلى القوس وجئت بحال حسنة وعلى حال حسنة).

                58 7 (شربت بماء الدحرضين) في نسخة لدين بعدها: (أي من ماء الدحرضين).

                60 14 (كالرحمة والسبعة) الصواب: والسعة.

                61 7 (في الأسماء كتاء تعتب) والصواب: (تغلب).

                63 2 (وكل تاء تسقط في الجمع كتاء عنكبوت لأن جمعه على عناكب). زاد المحققان (كتاب عنكبوت) وصواب الكلام: (وكل تاء في اسم تسقط في الجمع فهي زائدة كتاء العنكبوت لأن جمعه على عناكب).

                63 4 (في الثاءات والجيمات والحاءات والدالات والراءات والصادات). الصواب: (والثاءات والجيمات والحاءات والخاءات والدالات والذالات والراءات والشينات والصادات).

                64 7 (وإذا قلت: سيقوم أو سوف يقوم فلم يحتمل إلا الاستقبال) الصواب: (وإذا قلت: سيقوم أو سوف يقوم لم يحتمل إلا الاستقبال).

                65 2 (ولا تجتمع السينات إلا في قولهم: مسلم بن سسن).

                الصواب: (ولا يجتمع سينان...).

                65 5 (فاء النسق وفاء الصلة). الصواب: (فاء النسق وفاء الصرف وفاء الصلة).

                66 3 (وأما فاء الصلة فكقولك: أما المحن فمعان) والصواب: (... أما المحسن فمعان).

                71 1 (وحكى الفراء أن وعكلا وسليما) الصواب: (أن ضبة وعكلا وسليما).

                71 3 (لأدثاها وما فيها وفي لبرقد ثم برقد لن يضارا). وهذا البيت محرف جدا وصوابه:

                لأرثاها وما فيها وفيّ

                ليرقد ثم يرقد لن يضارا

                73 5 (وقد شابهها أيضاً من التوكيد لو ولولا ولو في هذا الموضع سيان). وههنا خلط كبير فالصواب، (وقد شابها أيضاً شيء من التوكيد، ولو ولولا في هذا الموضع سيان).

                72 7 (ولعمر أبيه) في نسخة ليدن: (ولعمر الله).

                78 1 (يعني: خاضت عينه) والصواب: (يعني فاضت عينه).

                79 11 (وتلك اللام في هؤلاء الكلمات غير صحيح ولا فصيح) والصواب: (وترك اللام....) وقد بنى المحققان على ذلك التحريف تعقيباً طويلاً على المؤلف: انظر حاشية (312).

                81 1 (للولا حصين سافي أن أسوءه....

                معناه: لولا لسافي.

                والصواب: للولا حصين ساءني أن أسوءه....

                معناه: لولا حصين لساءني).

                82 10 (فإذا كان يفعل رباعياً فليس إلا لضم كالمُدخل، وقد تجئ مفتوحة ومكسورة). زاد المحققان هنا ونقصا وحرَّفا، وصواب الكلام: (فإذا كان لفعل رباعي فليس إلا الضم كالمُدخل والمُخرج، وأما ميم الأسماء فقد تجيء مفتوحة ومكسورة).

                82 11 (فكلما كان على مفاعل فهي مفتوحة، وكلما كان على مفعال أو فعالة فهي مكسورة). وههنا حرف المحققان وزادا، والصواب: (فكلما كان على مِفْعَال أو مِفْعالة فهي مكسورة).

                85 7 (والعائشان) والصواب: (والعابسان).

                85 11 (تقول: زيد وزيداك) والصواب: (وزيدان).

                86 8 (نحو: غلمان وصبيان) زاد المحققان كلمة (نحو) وصواب الكلام (نحو: نون غلمان وصبيان).

                87 6 (والعقنقل) والصواب (والعنقل).

                90 3 (ولا أمر لا ينهى به نحو: أسلم وها هي) والصواب: (ولا أمر ولا نهي نحو: هلمّ وهلمّي).

                91 2 (لأنها لا تجمع بين ساكنين) والصواب: (لأنها لا تجمع ساكنين).

                92 7 (وزوجة وزوج فاطمة) الصواب: وزوج وزوجة وفاطمة).

                92 8 (وغدوة وعروة) والكلمة الأخيرة أضافها المحققان لأنها في نسختهما مطموسة، والصواب: (وغدوة ودوبية).

                92 9 (فإن كان الفعل فيما يختص به الأنثى) والصواب: (فإن كان الفعل مما يختص به الأنثى).

                93 1 (تاء الجمع كالهيئات) الصواب: (كالهبات).

                94 3 (كل هاء عمدت أواخر الأفعال المعتلة) والصواب: (المعتلة بها).

                94 4 (فإن وصلت الكلام قلت: يا فتى) والصواب قلت: ((ر)) يا فتى).

                94 5 (فإذا لم تصله بكلام بعده اختاروا الهاء ههنا للينها).

                والصواب: (فإذا لم تصله بكلام بعده بعده اختاروا لها ((ها)) ههنا للينها).

                94 6 (لأن النفس بها يكون) في نسخة ليدن: (لأن التنفس بها يكون).

                94 7 (وقال بعضهم: هاء العماد نحو: إنه قام زيد، وأظنه نعم الرجل زيد، لأن الظن فعل ونعم فعل) والصواب: (لأن أظن فعل ونعم فعل).

                94 11 (وهي جمع الجمع ولا يكون أكثر منها في الجمع) وقد زاد المحققان هنا والصواب: (وهي في جمع الجمع أكثر منها في الجميع).

                95 2 (فإنها تنبئ عن كرة واحدة) والصواب: (فالهاء تنبئ عن كرة واحدة).

                95 5 (فإنها ههنا دليل الحال) والصواب: (فالهاء ههنا دليل الحال).

                95 6 (في هذه الهاء – لمتجوز – الرفع والكسر) والصواب: (في هذه الهاء لغتان: الرفع والكسر).

                96 2 (فإذا اتصلت هاء الكناية بفعل فهي كناية المنصوب بوقوع الفعل عليها ففيها خمس لغات). في نسخة ليدن: (فإن اتصلت بفعل فهي كناية المنصوب بوقوع الفعل عليها، وفيها خمس لغات).

                96 4 (نحو: يؤدّهِ إليك، ويؤدهُ، ويؤدهْ، ويؤدهو إليك ويؤدهى).

                زاد المحققان الثالثة والخامسة، وفي نسخة ليدن: (نحو: يؤدهِ إليك، ويؤدهي إليك، ويؤدهُ ويؤدهو).

                98 8 ((وواو الظرف، وواو الإِشباع، وواو الانقلاب، وواو بمعنى ((رب)) في الفعل، وواو علامة الرفع، وواو المدح، وواو بمعنى أو). ههنا تقديم وتأخير الصواب: (وواو الظرف في الفعل، وواو علامة الرفع وواو المدح، وواو الإشباع وواو الانقلاب، وواو بمعنى ((رب)). وواو بمعنى أو). ويؤيد هذا الترتيب ترتيبها عند التفسير ص111.

                99 3 (وليس فيه إيجاب تبدية اليد بالغسل) والصواب: (وليس فيه إيجاب ببدئه اليد بالغسل).

                99 4 (إذ لو كان كذلك لما بدأه r بغسل اليدين قبل الوجه) والصواب: (لما بدأ r بغسل اليدين قبل الوجه).

                99 5 (وكذلك يقول اللغويون كلهم) علق المحققان على ((يقول)) فقالا: (في الأصل: يقولون، وهذا على لغة أكلوني البراغيث) والصواب: (يقوله).

                99 7 (ويجوز وقوعها إلى جنب صفة) الصواب: (إلى جنب صفة تامة).

                100 4 (الجمع الذي على مجائين) الصواب: (الجمع الذي على هجائين) ومثله في السطر السابع.

                101 3 (فهي التي تجمع الاسم ونحوه) علّق المحققان على كلمة الاسم بقولهما: (في الأصل: (الفعل) والصواب: ما أثبتناه كما يبدو من خلال التمثيل). وعلقا على كلمة (ونحوه) بقولهما: (في الأصل ((ونحوهما)) وهذا لا يتفق مع ما يعود الضمير عليه). وصواب الكلام: (فعي التي تجمع الفَعْل والفِعْل ونحوهما) ويقصد بذلك الاسم الذي على وزن ((فَعْل)) والاسم الذي على وزن ((فِعْل)).

                101 7 (غزوا غزوا، ويغزوا يغزون) الصواب: (ويغزوان يغزون).

                102 10 (واستأنف ((المحاين)) بأمر إغراء وكأنه قال) والصواب: (كأنه قال).

                102 11 (يقال: بعت الشاء شاة وربما نصبت) والصواب: (بعت الشاء شاة ودرهما، نصبت....).

                103 2 (نحو: بعت الجملان جمل ودرهم) وهذا من عجائب المحققين والصواب: (نحو بعث الحِمْلان حمْلٌ ودرهم) بالحاء لا الجيم. ومثله في الأسكر: الثالث والخامس والسادس.

                103 7 (فكل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا مع التاء) والصواب (مع التام).

                106 3 (من خفض وبه قرئ) والصواب: (من خفض ((الحقِ)) وبه قرئ).

                108 2 (والخؤولة والأمومة) والصواب: (والأموّة).

                108 4 (ودوارس من درس) والصواب: (ودِرْواس من درس). والدِّرْواس: الجمل الذلول غليظ العنق.

                108 7 (وللفعل: حوقل في مشيه) والصواب: (وفي الفعل: حوقل في مشيه).

                109 2 (فابتدأ الكلام بالواو والابتداء) والصواب: (فابتدأ الكلام بواو الابتداء).

                110 4 (والمعنى ألفاها، والدليل على ذلك تكرار القصة...) والصواب: (والمعنى ألغاها، والدليل على تكرر القصة...).

                111 4 (فيجعل الواو ظرفا، ولكن لا يجوز أن يقرأ به، ويجوز في النحو) والصواب: (فتجعل الواو ظرفاً للفعل، ولكن لا يجوز أن يقرأ به في هذا المكان، لأن القراءة سنة يأخذ بها الخلف عن السلف ولم يقرأ به، ويجوز في النحو).

                113 2 (وإذا تحركت الواو وقبلها فتحة تحولت الواو ألفا ساكنة) وفي النسخة الأخرى: (وإذا تحركت الواو وقبلها فتحة تحولت ألفا ساكنة).

                113 7 (أراد: ربّ قاتم الأعماق أو قاتم الأعماق، ورب أقرب).

                والصواب: (أراد: رب قاتم الأعماق، أو قاتم الأعماق بحذف الواو، ورب أقرب).

                113 9 (تقول: كل ما شئت من عمرو وزيد بمعنى: أو زيد) وهذا من عجائب المحققين فكيف يؤكل عمرو أو زيد والصواب: (كل ما شئت من تمر وزبد أي أو زبد).

                114 بعد السطر الثالث سَقْطٌ هو: وأما الواو التي بمعنى ((في)) فنحو: أنت وبعض ما يجب، أي في بعض ما يجب).

                114 4 (فنحو: كل الثوب وثمنه أي مع ثمنه) والصواب: (فنحو: خذ الثوب وثمنه....).

                115 3 (وأما الواو التي هي دليل فعل مضمر) في نسخة ليدن: (وأما التي هي دليل فعل مضمر).

                115 5 (في إحدى القراءتين) والصواب: (وفي إحدى القراءتين).

                118 4 (والأثاني والمذي ونحو ذلك) والصواب: (والأثاني والمذي والمني ونحو ذلك).

                118 6 (هي كناية عن الخبر) والصواب (هي كناية عن المخبر).

                118 7 (إلا أن يضطر الشاعر) وفي نسخة ليدن: (ألا أن يضطر شاعر).

                119 9 (نحو: صغيّ ووصيّ) والصواب: (نحو: صفي ووصيّ).

                119 10 (وإذا اتصلت بياء التصغير منها شددت) والصواب: (وإذا اتصلت بياء التصغير فيها شددت).

                120 8 (فهي التي تدخل في جميع المخفوض) والصواب: (فهي التي تدخل في جمع المخفوض).

                122 1 (ورضوى للجبل وذفرى) وعلّق المحققان على (ذفرى) بقولهما: (في الأصل: غفرى، والصواب: ذفرى، وهو ما أثبتناه... الخ). وأقول: بل الصواب: (عقرى) وهي الحائض. وهو ما في نسخة ليدن وفيها أيضاً: (ورضوى لجبل) ولم يعرّف المحققان هذا الجبل.

                123 9 (زيدت الياء في هذه للإشباع) والصواب: (زيدت الياء في هذه الأسماء للإشباع).

                125 3 (فاكتفوا بالكسرة من الياء) وفي نسخة ليدن: (فاكتفي بالكسرة من الياء).

                126 1 (وتقول العرب: أيُّ شئ تريد..) والصواب: (وتقول العرب: أيشٍ عندك تريد...).

                126 1 (فحرّفوا ياء أيش) والصواب: (فحذفوا ياء أيش).

                126 3 (فهي التي آخر الكلام) والصواب: (فهي التي تأتي آخر الكلام).

                126 4 (نحو: ثماني وأيادي سبأ) والصواب: (نحو: ثماني عشرة وأيادي سبأ).

                127 3 (وأما ياء الندبة فهي التي تدخل في التاء نحو:......).

                والصواب: (وأما ياء الندبة فهي التي تدخل في التأسيّ نحو...).

                127 7 (هذه الياء شددت أبداً) والصواب: (هذه الياء مشددة أبداً).

                127 9 (وكاد وأصله كيد، ووفى وأصله وفى) وفي النسخة الأخرى: (وكال وأصله كيل، ورمى وأصله رمي).

                128 1 (نحو: يلمعي وألمعي للمذكر) وفي نسخة ليدن: (للذكر) والصواب: ((للذكيّ)).

                129 6 (إن عليا يقرأ لنفسه) وفي نسخة ليدن بعدها: (وإنما نحن مصلحون يريد رياضة ألسنتهم).

                131 1 (إنما علمني أبو الدرداء الهمزة والقطع) وفي نسخة ليدن: (إنما علم أبو الدرداء الهمز والقطع).

                131 3 (يقال: نبر نبراً) والصواب: (نبر ينبر نبراً).

                131 5 (وقالوا: نراها في المصاحف نقطة بهمزة) والصواب: (نقطة بحمرة).

                133 2 (وبقيت الهمزة) والصواب: (وهي الهمزة).

                133 3 (ولا بدال) والصواب: (والإبدال).

                133 7 (ولا تحقيقا...) والصواب: (وتحقيقا).

                133 9 (والله لا تقم) والصواب: (والله لا تقوم).

                تعليق

                • مصطفى شعبان
                  عضو نشيط
                  • Feb 2016
                  • 12782

                  #23
                  تعليقات على التخريج:
                  كتاب الحروف للمزني – في أصله – كتاب صغير الحجم لكن المحققين ضخّماه بالحواشي، ومع كثرة حواشيهما التي لم يستدع المقام كثيراً منها، فإن هناك مواضع من الكتاب كانت جديرة منهما بتعليقات مثل:

                  1- قول المؤلف عن ألف الشركة: (وفلان عاين الموت، وما أشبه ذلك)[35] كان على المحققين أن يذكرا نماذج أخرى مثل: عافى، وعاقب، وداين، وشارف، وباعد، وجاوز، وسافر، وناول، وضاعف، وناعم، وظاهر عليه، وعاليت رحلي على الناقة، وطارقت النعمل[36].

                  2- (غُلْبٌ تَشَذَّر بالدُخولِ) أكمل المحققان بيت لبيد لكنهما لم يرجعاه إلى ديوان لبيد، وهو من معلقته المشهورة التي مطلعها:

                  عفت الديار محلها فمقامها

                  بمنى تأبّد غولها فرجامها

                  شرح ديوانه 297، 317.

                  3- هن الحرائر لا ربات أخمرة

                  سود المحاجر لا يقرأن بالسور

                  نسب المحققان البيت إلى القتال الكلابي، وهو في ديوانه في أربعة أبيات أولها:

                  (ديوانه 53) لكن محقق الديوان أشار إلى أن البيت المستشهد به للراعي النميرى، وهو في ديوانه في قصيدة له مطلعها:

                  يا أهل الديار ما بال هذا الليل في صفر

                  يزداد طولاً وما يزداد من قصر

                  (شعره: 100، 101).

                  وصواب البيت (أحمرة) بالحاء لا بالخاء كما رواه المحققان).

                  4- بيت عنترة، من معلقته التي مطلعها:

                  هل غادر الشعراء من متردم

                  أم هل عرفت الدار بعد توهم

                  (ديوانه 186، 201).

                  5- (حتى وردن لتم خمس باكر).

                  رواية ديوان الراعي: خمس بائص.

                  والبيت من قصيدة له يمدح عبدالملك بن مروان مطلعها:

                  ما بال دقك بالفراش مذيلاً

                  أقذى بعينك أم أردت رحيلا

                  (شعره: 46، 51).

                  خاتمة:
                  إن المحققين بذلاً جهداً كبيراً في تصحيح النص المحقق، حيث إن نسختهما الفريدة من الكتاب سقيمة، ولقد وفقا كثيراً فيما زاده على النص مما يقتضيه سياق الكلام، وما ملحوظاتي عليهما إلا تذكير لكل محقق بعدم الاعتماد على نسخة واحدة في التحقيق، لا سيما النسخة المتأخرة غير المصححة. والله أسأل أن يوفق المحققين في أعمال علمية أخرى. والله الموفق.



                  --------------------------------------------------------------------------------

                  [1] كتاب الحروف للمزني ص5.

                  [2] ص31.

                  [3] ص5 – 10.

                  [4] ص7.

                  [5] مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق م49 ص20.

                  [6] شرح اللمع للأصفهاني 64:1.

                  [7] مجلة المجمع م49 ص20.

                  [8] وفيات الأعيان 194:4.

                  [9] ص11.

                  [10] ص16.

                  [11] ص65.

                  [12] ص16.

                  [13] ص69.

                  [14] ص16.

                  [15] ص68.

                  [16] ح226 ص68.

                  [17] ص133.

                  [18] ص16.

                  [19] ص51.

                  [20] ص16.

                  [21] ص55.

                  [22] ص17.

                  [23] ص17.

                  [24] ص68.

                  [25] ص18.

                  [26] ص25.

                  [27] المصطلح النحوي: نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري لعوض حمد القوزي ص22.

                  [28] المصطلحات النحوية شأنها وتطورها لسعيد أبو العزم إبراهيم: ص ق المقدمة.

                  [29] الحدود النحوية لعبدالله بن أحمد الفاكهي ق216.

                  [30] ص113.

                  [31] ص44.

                  [32] الكتاب 2/239، أدب الكاتب 464.

                  [33] ص55.

                  [34] ص56.

                  [35] ص58.

                  [36] ص76.

                  المصدر:
                  http://wadod.org/vb/showthread.php?p=13067

                  تعليق

                  • مصطفى شعبان
                    عضو نشيط
                    • Feb 2016
                    • 12782

                    #24
                    نقد النشرة الثانية لكتاب الإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في الإيضاح
                    المؤلف: حاتم صالح الضامن
                    عن مركز جمعة الماجد
                    للتحميل
                    http://wadod.net/library/24/2479.rar

                    تعليق

                    • مصطفى شعبان
                      عضو نشيط
                      • Feb 2016
                      • 12782

                      #25
                      ديوان أبي النجم العجلي
                      استدراك وتعليق
                      عبد الإله نبهان
                      حمص- سورية
                      للقراءة
                      http://www.majma.org.jo/index.php/20...3-mag32-7.html

                      تعليق

                      • مصطفى شعبان
                        عضو نشيط
                        • Feb 2016
                        • 12782

                        #26
                        دراسَة نقديَة لبَعض المعالجات الرئيسيّة
                        لكتابَات المَعرّي
                        للدكتور سحبان خليفات
                        (الجامعة الأردنية)

                        مقدمـة
                        لا يقل اهتمام المثقفين العرب المعاصرين بالأفكار التي عبر عنها أبو العلاء المعري في مؤلفاته، عن اهتمام القدماء، إن لم يزد عليه بفعل الإحساس بالظلم والتجني اللذين ألحقهما معظم القدماء به، حين أساؤوا فهمه. وهكذا بدأت بوادر، ما يمكن أن نسميه، حركة إعادة الاعتبار لهذا الفيلسوف العقلي.
                        لقد عبر هذا الاهتمام المنصف عن نفسه في صور كثيرة كالبحث عن مخطوطات مؤلفات الفيلسوف، وتحقيقها تحقيقاً علمياً وافياً، ونشرها. هذا ما فعلته، على سبيل المثال، د. عائشة عبدالرحمن في "رسالة الغفران"، والأستاذان إحسان عباس وعبدالكريم خليفة فيما يتصل بالرسائل القصار، و د. أمجد الطرابلسي في "زجر النابح"، وكنشر الشروح القديمة الممتازة، لا سيما التي اهتمت بالجوانب الفلسفية في شعره. وهذا ما فعله د. حامد عبدالمجيد بالنسبة لكتابي ابن السيد البطليوسي: "الانتصار ممن عدل عن الاستبصار" و"شرح المختار من لزوميات أبي العلاء"، وما فعلته اللجنة المشرفة على إصدار السفر الأول من "تعريف القدماء بأبي العلاء"، حيث جعلت الجزء الذي سمح الزمان ببقائه من دراسة ابن العديم (الانصاف والتحري) في متناول الباحثين المعاصرين، وكالدراسة المنهجية الجادة لهذا الفكر في أبعاده المختلفة. ومن المؤكد أن جهد هذه الحركة – غير المنظمة وغير المعلنة – إنما يمثل- في الواقع- امتداداً لجهود طائفة ممتازة من الدارسين والشراح القدماء كابن السيد البطليوسي، وابن العديم.
                        إن "فلسفة" المعري هي ما أهتم به، لذا فإني غير معني، بصورة مباشرة، بتلك الدراسات التي تناولت الجوانب الجمالية والأدبية واللغوية لكتاباته. إن بعض هذه "الدراسات"- ومنها للأسف الشديد أبحاث أكاديمية – ليس إلا تجميعاً لآراء القدماء في أبي العلاء، دون إخضاع هذه لأي تحليل أو نقد حقيقي رغم التناقض بينها، كما أن بعضاً آخر منها لا يزيد عن كونه عرضاً تقليدياً لا عمق فيه لآراء المعري في موضوع ما، وبطريقة لا تكاد تختلف عن تلك التي كانت سائدة في عصر المعري ذاته. ومن ثم فإنه ليس لهذا النوع من "الدراسات" قيمة كبيرة في مجال تقييم تراث الفيلسوف من وجهة النظر المعاصرة.
                        لعل أبرز الدراسات الحديثة التي حاولت تحديد "فلسفة المعري" – بموضوعية- تلك التي قام بها الأستاذ عبدالله العلايلي في كتابه "المعري ذلك المجهول"، حين اتخذ من التحليل اللغوي والفلسفي مدخلاً لفهم تراث المعري. وإنني أنظر إلى هذه الدراسة كامتداد أصيل لتيار البطليوسي وابن العديم. إن هناك بالطبع دراسات أخرى حديثة قام بها مستشرقون من أمثال فون كرايمر ونيكلسون، وباحثون عرب من أمثال د. طه حسين، وحامد عبدالقادر، و د. عمر فروخ، وعبدالوهاب عزام، وأمين الخولي، وطائفة من الكتاب الذين أسهموا في "المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري". ومن الممكن تصنيف هذه الدراسات المختلفة في مجموعات، لكل واحدة اتجاه معين وخصائص محددة.
                        (أ) إن الدراسات التي قام بها نيكلسون، وأمين الخولي، وحامد عبدالقادر، على سبيل المثال، تجسيد للاتجاه النفساني في الأدب، إذ رفض هؤلاء لعدة اعتبارات كشيوع الألفاظ الغريبة في التراكيب المعقدة، وتناقض الأحكام الخاصة بالمسألة الواحدة، أن ينظروا إلى كتابات المعري كتعبير عرفاني عن فلسفة بالمعنى الفني، ورأوا أن التحليل الفلسفي لن ينتهي بنا إلى شيء ذي قيمة عرفانية، فما جدوى الحديث عن رأيه في الدين أو القيم ما دام يقرر في كل قضية حكماً لا يلبث أن ينقضه في موضع آخر؟. إن التناول النفسي – فيما رأوا- هو وحده الذي يمكن أن يضيء لنا أبعاد هذا التراث، ويكشف عن حقيقته. وقد نسي هؤلاء أنهم- بهذا المنهج- إنما يحللون أساساً شخصية المعري لا تراث المعري، لأن هذا المنهج يرمي أساساً للكشف عن "الدوافع" النفسية التي حملت الكاتب على أن يقول ما قال، وليس للتحليل العرفاني أو المنطقي لهذه الكتابات، سواء كانت خلقية أو ميتافيزيقية. وهكذا فإن النتيجة الفعلية للتناول النفسي لكتابات المعري هي اختفاء فلسفته، إذ نحملها بتطبيق مقولات المنهج النفسي على أن تفر من بين أيدينا أو تختفي، ثم ننكر بعد هذا وجودها.
                        (ب) انطلق معظم الدراسات القديمة لتراث أبي العلاء المعري من منظور ديني- سياسي محافظ. هذا ما يمكن أن نصف به كتابات ابن الجوزي، والذهبي، وغرس النعمة، وياقوت الحموي ... إلخ. ليس خطأ أن تكون هناك دراسات لكتابات المعري من وجهة النظر الدينية أو السياسية السائدة في عصره أو في أي عصر آخر، لكن الخطأ هو ارتكاب واحد أو أكثر من الأمور التالية:
                        (1) تحريف النصوص الشعرية والنثرية: فمن هؤلاء الدارسين "من يقتضب جملة من قوله في رسالة، أو بيتاً من شعره في قصيدة، فيزعم أن أبا العلاء أراد به معارضة القرآن ... كما فعل الزمخشري في بيته الذي وصف به النار في مرثية الشريف الموسوي، وكما فعل ياقوت فيما نقله عن الفصول والغايات"، وابن الجوزي الذي نحله بيتين من الشعر دالين على الكفر الصريح، والذهبي فيما يتصل بتحريف عنوان الفصول والغايات ليصير دالاً على تحدي القرآن. لقد اعتمد هؤلاء في تكفيرهم للمعري "على شبه وأوهام و.. جعلوا دينه نهباً مقسماً بين الأديان، فجعلوه زنديقاً وملحداً ومزدكياً وبرهمياً وقرمطياً ودهرياً.
                        (2) تزييف النصوص، أعني وضعها ونسبتها إلى المعري.
                        (3) تجاهل القضايا الكثيرة التي تناولتها كتاباته، والتركيز على جانب واحد فقط مع إبرازه كأنه القضية الوحيدة التي اشتغل بها. إن في هذا العمل طمساً للجوانب الأخرى، وهو أمر أقل ما يقال فيه إنه لا يتسق وأخلاقيات البحث الفلسفي. لقد كانت غاية التركيز على عقيدة المعري الدينية والطعن فيها إخفاء الموقف العقلي – الخلقي له من الحياتين الدينية والسياسية السائدتين في مجتمعه: لقد هاجم الفقهاء وعلماء الكلام، والاخباريين، ورجال الحديث متهماً إياهم صراحة بإقحام آرائهم الخاصة في صلب الدين، وهذا اتهام بالتزييف، فردوا بتكفيره. وهاجم أيضاً فساد رجال الحكم والسياسة متهماً إياهم بالطغيان، ونهب الأموال، والمغالاة في جمع الضرائب لصالحهم الخاص، والفسق. وحين "طعن في كثير من رؤساء المذاهب والنحل، وكشف عن حقائق أعمالهم، وشنع على المتلبسين بالتقى والمتدلسين .. أراد هؤلاء أن يسقطوه من أعين الناس، ويصرفوهم عن النظر فيما قاله فيهم، فطعنوا في دينه".
                        (4) القيام بالدراسة بعيداً عن أي منهج.
                        إن معظم الدراسات الصادرة عن المنظور الديني أو السياسي قد اقترف واحداً أو أكثر من الأخطاء السابقة، وكان ذلك أمراً غايته تجريم الفيلسوف دينياً وسياسياً على نحو ما فعل الأثينيون بسقراط. ويقيني أنه لو كان المعري في سن دون التي كان فيها حين كاتبه داعي الدعاة الفاطمي، أو مُدَّ له في الأجل مع شيء من القوة، لقامت السلطتان السياسية والدينية بقتله. وإذا كان التناول، أو المعالجة الدينية – السياسية لتراث المعري، غارقاً في الأخطاء السابقة فمن المؤكد والحالة هذه أنه ليس الطريق الصحيح إلى فلسفة المعري أو إلى تقييمها.
                        (ج) انقسم الدارسون المحدثون لأفكار المعري إلى عدة فرق: يرى الفريق الأول منها أن في استخدام المعري للشعر دون النثر في التعبير عن أفكاره، ما يبعده عن فئة الفلاسفة. النثر هو أسلوب الفلسفة في الشرح والتدليل، إذ لا تسمح الصياغة الشعرية بعرض الفكرة والبرهان الواضح الدقيق عليها. والعبارات المجازية تتنافى وشروط الاستدلال الصحيح. ورأى هذا الفريق أيضاً أنه ليس في كتابات المعري ما يدل على وجود "منهج" يقرر أحكامه المختلفة ابتداءاً منه، الأمر الذي انتهى به – على حد قولهم- إلى تقرير أحكام متناقضة. نعم إن في كتاباته "قدراً" من الأفكار الفلسفية، لكن هذا القدر منقول عن معاصريه أو عن الفلاسفة القدماء. وبالتالي فإن الأسلوب الذي كتب به المعري مؤلفاته، وخلو هذه من المنهج، وشيوع التناقض بين أحكامه، وكون القلة القليلة من أفكاره المتسقة، منقولاً عن سواه – كل هذا يحول دون تصنيفه في زمرة الفلاسفة، ويحملنا على أن نصنفه في زمرة الشعراء المتفلسفين.
                        لقد حاول فريق من الدارسين ذوي الدراية الفلسفية رفع التناقض المدعى في كتابات المعري عن طريق استخدام المنهج التاريخي. ومن ثم فقد ركزوا جهودهم باتجاه تحديد تاريخ لكل واحد من مؤلفاته مع البحث في "اللزوميات" عن أدلة تساعد على وضع ترتيب تاريخي دقيق لكل لزومية. وهكذا رأوا أن رفع التناقض المدعى يكون بإسقاط أحد الحكمين المتناقضين باعتباره سابقاً زمناً على الآخر. إنه يمثل عندئذ مرحلة تجاوزها الفيلسوف، ولا قيمة لها بالتالي في تحديد فلسفته النهائية. لكن هذا الفريق، وفي مقدمته د. عمر فروخ قد اعترف باستحالة ترتيب جميع اللزوميات ترتيباً تاريخياً دقيقاً. يضاف إلى هذا أنه لا سبيل إلى تأريخ كل مؤلفات المعري، كما أن ضياع الجزء الأعظم من هذه المؤلفات قد حال بيننا وبين تحديد أفكار الفيلسوف النهائية. وهكذا نرى أن هناك عقبات موضوعية تحول دون استخدام المنهج التاريخي في دراسة فلسفة المعري. وحتى لو افترضنا إمكانية استخدامه فإن ما سيقدمه في نهاية المطاف لن يكون شيئاً كثيراً.
                        (د) غير أن معظم الدارسين المحدثين قد رفض إمكانية رفع التناقض من كتابات المعري. وترجع أهمية هذا الاتجاه وخطورته إلى أن كثرة عدد المتبنين له وعمل معظمهم في الجامعات قد مكنهم – عبر المحاضرات والمؤلفات- من إشاعة هذا الفهم الذي سأبين أنه خاطئ تماماً. إن جل هؤلاء ممن لا حظ له في الفلسفة، بل غاية معرفته بها قراءة بعض الكتب العامة عنها. ومن هنا فإنه غير مؤهل لدراسة أفكار المعري الفلسفية، ولهذا جارى هؤلاء الدارسون القدماءَ في رد فلسفة المعري إلى الفلسفات الهندية أو الفارسية أو اليونانية، وعجزوا عن إبراز الجوانب الأصيلة فيها. ومن هنا فإننا لا نستغرب تقييمهم السلبي لفلسفة المعري، سواء من جهة الأصالة – وهم غير مؤهلين لتبينها- أو من جهة الاتساق الذاتي- وليس لهم إلمام بالمنطق ليكونوا قادرين على فحصها.
                        الدليل على صدق الحكم السابق أننا لا نجد في كتابات هذه الفئة من دارسي المعري ما يدل على أنهم قد عرفوا أن "النثر" ليس شرطاً لعد كتابة ما فلسفية. لقد عبر بارمنيدس عن فلسفته بالشعر، ولم يقل أحد إنه ليس فيلسوفاً لهذا السبب. ويعرف كل من قرأ شذرات هيراقليطس المعروف بالمظلم أنها عبارات مجازية في غاية التعقيد. ولا أحد يقول إن هيراقليطس ليس فيلسوفاً لأنه استعمل المجاز بهذه الدرجة. إن فشل هؤلاء الدارسين في تحديد الأداة المعرفية التي استعملها المعري وقبل بها هو الذي حملهم – عند النظر في كتاباته – على إنكار وجود منهج للتحليل أو التركيب. كما أن عجزهم عن توجيه النصوص وجهتها الصحيحة، وفهم العبارات المجازية بالطريقة المناسبة هو الذي حملهم على الحكم عليها بالتناقض. ومما ساعدهم على ارتكاب هذا الخطأ عدة أمور:
                        الأول: ضياع عدد كبير جداً من مؤلفات المعري التي بلغت قرابة ستين مؤلفاً. إن من بين المؤلفات الشعرية الضائعة ديوان "استغفر واستغفري" الذي ذكر ياقوت أن "فيه نحواً من عشرة آلاف بيت" و"جامع الأوزان" و"فيه شعر منظوم .. عدد أبيات شعره نحو تسعة آلاف بيت، وهو ثلاثة أجزاء"، أما "لزوم ما لا يلزم" – والذي "يحتوي على أحد عشر ألف بيت من الشعر" – فقد فقدت مؤلفات عدة تتصل به مثل: "شرح اللزوم وهو جزء واحد"، "وكتاب راحة اللزوم ويشرح فيه ما في كتاب لزوم ما لا يلزم من الغريب، نحو مائة كراسة"، و"كتاب الراحلة، ثلاثة أجزاء في تفسير كتاب لزوم ما لا يلزم". أما كتاب "قاضي الحق" الذي رأي القفطي منه "سبعة مجلدات" فقد احترق "في مقام إبراهيم عندما احترق". ولم يكن حظ كتاباته ومؤلفاته النثرية الأخرى بأفضل من حظ شعره، فكتاب "الفصول والغايات" في "سبعة أجزاء" لم يصلنا منها غير جزء واحد. و "الايك والغصون" "اثنان وتسعون جزءاً" رأى القفطي منه "في فهرست وقف نظام الملك الحسن بن إسحاق الطوسي .. ثلاثة وستين مجلداً" فقط، ولم يصلنا من هذا الكتاب الضخم غير شذرات قليلة نقلها يوسف البديعي في كتابه عن أبي العلاء. وتدل هذه الشذرات على أن تصور المعري للذات الإلهية هو أحد موضوعات هذا الكتاب. أما رسائله التي ربما أوضحت بعض جوانب فلسفته فكانت مجموعة في كتاب "قيل إنه أربعون جزءاً"، لم يبق منها إلا عدد محدود للغاية.
                        واضح مما سبق أن ما وصلنا من شعر المعري لا يبلغ النصف أبداً، وأن حظ النثر ليس أفضل. ولقد حال ضياع هذا الجزء الكبير من تراثه بيننا وبين معرفة قضايا كثيرة عالجها. إن كتبه التي بين أيدينا لا تقدم سوى جزء من فلسفته، وليس لأحد أن يستنبط من هذا الجزء حكماً على الكل، كما ليس له أن يستدل منه على سبيل اليقين على الأفكار الواردة في باقي مؤلفاته. لقد ساعدت الوقائع السابقة الدارسين الذين نتحدث عنهم على أن يذهبوا في الرجل كل مذهب، فافترضوا أموراً كثيرة لفقوا لها الأدلة مما بين أيديهم من تراثه. وشتان بين فرض مستمد من واقع كتابات الفيلسوف وآخر مستمد من تخيلات باحث غير متخصص في الموضوع، أو واقف على كامل تراث من يدرسه. لا شك لدي أن مثل هذا الباحث سيلفق الأدلة في حدود رؤيته، وهذا ما كان. إن الأحكام الموجودة في هذه الدراسات مجرد "تخمينات" أو "توقعات" صاغها صاحبها في صورة تقريرية مضللة.
                        الثاني – إن جزءاً من تراث المعري الذي وصلنا لم يزل غير محقق بطريقة علمية. هذا هو شأن ديوان "سقط الزند" و"لزوم ما لا يلزم" مثلاً. فإذا أخذنا في اعتبارنا تحريف بعض القدماء لبعض شعره في اللزوميات، ووضعهم الشعر على لسانه – مما تكشف عنه مقارنة بعض الأبيات الواردة في الديوان المطبوع مع ما أورده ابن السيد البطليوسي من شعر اللزوميات – عرفنا كم هي صعبة عملية تحديد أفكار الرجل أو تقييمها. لكن الباحثين السابقين ممن نتحدث عنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء تحقيق النصوص قبل دراستها أو الحكم عليها، بل تجاهلوا هذا الأساس العلمي للدراسة، واقبلوا على عرض أفكاره وتقييمها ابتداءاً من النصوص المنشورة بكل ما فيها من أخطاء وتحريفات وتزييف.
                        إن ضياع القسم الأعظم من مؤلفات المعري، وعدم تحقيق جزء مما بقي حتى اليوم قد ساعد الفئة السابقة في إطلاق بعض الدعاوى العريضة باسم العلم، مع أنهم لم يستقرئوا كتابات المعري كلها أو الموجودة منها، بعد تحقيقه، ليحق لهم تقرير دعاويهم. ويكشف هذا عن السمة العلمية الزائفة لدراساتهم.
                        الثالث- إن ادعاء القدرة على فهم العبارات الفلسفية أمر شائع، فكل فرد يدعي – في العادة- القدرة على التفلسف، فما بالك حين يكون هذا الفرد كاتباً أو عميداً للأدب العربي أو محاضراً في جامعة؟. لقد أعطى هؤلاء الباحثون لأنفسهم – دون مسوغ موضوعي- حق تفسير عبارات المعري الفلسفية دون أن يكونوا ملمين بالتيارات الفلسفية أو عارفين بمناهجها وأساليبها في التحليل والحكم. وقد تحدث المعري نفسه عن واحد من شاكلة هؤلاء الكتاب فقال: "هذا الملحد – أبعده الله- أي شيء سمعه تأوله على ما ثبت في صدره". لقد كشف لنا ابن السيد البطليوسي عن طبيعة الدراسات التي قام بها أدباء تلك العصور لفلسفة المعري. وبيَّن فهمهم القاصر والمشوه لكتاباته فقال في رده على أحدهم:
                        "قد عبتنا بذكرنا في هذا الشرح لبعض الفلاسفة المتقدمين، من الطبيعيين والإلاهيين، وذلك أمر اضطررنا إليه، إذا كان شعر هذا الرجل يبعث عليه، لأنه سلك في شعره غير مسلك الشعراء ... ولم يقتصر على ذكر مذاهب المتشرعين، حتى خلطها بمذاهب المتفلسفين، فتارة يخرج ذلك مخرج من يرد عليهم، وتارة يخرجه مخرج من يميل إليهم ... فمن تعاطى تفسير كلامه وشعره، وجهل هذا من أمره، بعد عن معرفة ما يومي إليه، وإن ظن أنه قد عثر عليه".
                        ومعنى هذا أن ابن السيد البطليوسي قد رأى أن الدارسين من النوع الذي نتحدث عنه لم يسلكوا المدخل الصحيح إلى فلسفة المعري، لذا لم يصلوا إلى فهم أفكاره قط، بل فهموا من كتاباته أموراً ظنوها ما قصده، وليس الأمر كذلك. ومن هنا حكم عليهم بأنهم قوم "يخبطون فيه خبط العشواء، ويفسرونه بغير الأغراض التي أراد والانحاء".
                        وقد علق باحث معاصر على الدراسات الحديثة لفكر المعري فقال: إنها قد جاءت "دون ما ينبغي لها أن تكون، بل مبتسرة في كثير منها، ومرتجلة .. لكونها لم تجر وفق منهج محقق"، أو "طريقة منطقية أو موضوعية يستقيم لها أن تفرغ في صيغ منهجية".
                        لقد عرض بعض الدارسين المحدثين فلسفة المعري كشرح لفكرة واحدة تباينت آراؤهم في تعيينها. وقد نتج عن هذا التباين أن فُسِّرَ فكر المعري عدداً من التفسيرات المتعارضة التي يزعم كل واحد منها أنه التفسير الصحيح، لكن الذي يتبين بعد الفحص الدقيق لهذه الدراسات، ومقارنة نتائجها مع كتابات المعري، أن ما زعم الدارس أنه الفكرة الرئيسية الموجِّهة أو محور فلسفة المعري ليس غير فكرة مُسَبَّقَة في ذهن هذا الدارس، توهمها أو استخلصها متعجلاً قبل أن يثبتها الاستقراء. فبيت نية عرض فلسفة المعري على أساسها. ومن هنا وجد هذا الباحث نفسه مضطراً، إذا وجد نصوصاً تناقضها، أن ينحيها أو يفسرها متعسفاً.
                        يلاحظ مما سبق أن الإلمام الواسع والعميق بالتيارات الفلسفية اليونانية والإسلامية، والقدرة على التفسير الصحيح لعبارات المعري المجازية، أمران ضروريان للفهم الصحيح والدقيق لكتاباته. والدليل على ذلك أن في شعر المعري ما لا يمكن لغير دارس الفلسفة والمتعمق فيها أن يفهمه. مثال ذلك المقطوعة التالية:

                        تعليق

                        • مصطفى شعبان
                          عضو نشيط
                          • Feb 2016
                          • 12782

                          #27

                          مُغيريَّة ورزامية
                          وعُتبيَةٌ ومُنميَّة
                          وقالوا سوانا حِماريَّةٌ
                          مقالاتُ مَنْ كادَ دينَ الإلـ
                          وبَتريّةٌ كلُّهم قد لَغا
                          أطاعت شيطانها النَّزَغا
                          وكلُّهم مثلَ شاءٍ ثَغا
                          ـهِ فنالَ بحيلَتِهِ ما ابْتَغا


                          وواضح أنه لا مجال لفهم موقف المعري من علم الكلام – والذي يعبر عنه البيت الأخير- إلا في ضوء المعرفة الواسعة والعميقة بالحركات الكلامية التي ذكرها. أما من لا اطلاع له على فرق المتكلمين فقد يظن، مثلاً، أن علم الكلام هو علم الدفاع عن الدين الإسلامي، فيستنتج من هذا أن عداء المعري لهذا العلم جزء من عدائه للإسلام .. فانظر كيف يكون الاستدلال؟.
                          اما إساءة تفسير عبارات المعري المجازية فراجعة إلى أنه لم تتوفر على دراستها فئة متخصصة كتلك التي درست – في التراث الغربي – شذرات هيراقليطس، من أمثال مارتن هيجر وفيليب ويلرايت وجون بيرنت وأمثالهم. لقد جمعت عبارات المعري الفلسفية المجازية بين شاعرية بارمنيدس وغموض هيراقليطس، دون أن يتوفر على درسها رجال كالذين توفروا على كتابات هذين الفيلسوفين الغربيين.
                          لقد وصف بعض القدماء عبارات المعري بأنها غريبة لا تصدر إلا عن مجنون معتوه. أما عميد الأدب العربي فقد حار في فهمها حتى قال إنها لون من العبث، أي تشكيلات لغوية فارغة من المعنى، كان المعري يسلي نفسه بها، مظهراً أمام نفسه أولاً وأمام الآخرين ثانياً قدراته اللغوية الفائقة. ومن السهل علينا – إذا فهمنا الطبيعة الجوهرية للمجاز – أن نفسر شعور الدارسين القدماء والمحدثين بالغرابة والحيرة إزاء عبارات المعري، بل وأن نفسر إحساس فريق منهم بتناقض هذه العبارات:
                          معلوم أن الفارق الرئيسي بين "الإسناد الحقيقي" و"الإسناد المجازي" إنما يكمن في التوتر القائم بين موضوع العبارة المجازية وواصفها. ويولد هذا التوتر فينا يقظة خاصة، مبعثها الشعور بشيء غريب تماماً في التركيب اللغوي. ومن هنا وصف بول زيف المجاز بأنه ضرب "من الكلام المنحرف". لكن الإسناد المجازي ليس مجرد اقتران غريب بين لفظين بدليل أننا نحس بالغرابة أمام التركيبات اللغوية الفارغة من المعنى أيضاً. إن من أخص خصائص الإسناد المجازي أنه قابل للفهم، في الوقت الذي يفتقر فيه التركيب الفارغ من المعنى لقابلية أن يفهم. وفي عبارة أخرى فإن "المجاز ينطوي، بصورة جوهرية، على تضارب منطقي بين المعاني الرئيسية" للألفاظ بحيث تبدو العبارة المجازية، للوهلة الأولى، كاذبة.
                          إن للإسناد المجازي ميزة هامة من حيث هو "اختزال مكثف يمكن به نسبة عدد كبير جداً من الصفات إلى موضوع ما دفعة واحدة". لكن المجاز "بسبب تعقد معناه، معرَّض بصورة خاصة إلى سوء الفهم .. إن معنى المجاز ينتشر .. على الحافة معطياً تأكيدات متناقضة"، مما يوهم القارئ غير العارف بطبيعته أو القادر على تحليل طبيعة الإسناد فيه بأنه أمام عبارة كاذبة، أو فارغة من المعنى، أو حتى متناقضة. وهذا ما حدث بالنسبة لعدد من دارسي المعري.
                          غير أن علينا أن ندرك أن الفيلسوف، والفيلسوف الميتافيزيقي بصورة خاصة، مضطر إلى استخدام المجاز في تعبيراته. وقد عبر دوجلاس بيرجن عن هذه الحقيقة الهامة حين قال: إن "من الضروري أن تكون الميتافيزيقا ذات طبيعة مجازية بصورة أساسية". لأنه "إذا كان للميتافيزيقا اللازمة للتفكير الخلاق أن تتغلب على ثنائيات محيرة مثل "العقل – الجسم"، دون أن تفقد هوية الألفاظ، فمن الواجب أن تحتفظ بالرؤية الستيريوسكوبية". إن كثيراً من العبارات الانطولوجية العامة لا بد أن يتضمن في الأصل شكلاً من المجاز. ومن هنا فإن التحليل الفلسفي للغة الدينية والتعبيرات الانطولوجية وما يماثلها يكشف دائماً عن مشكلات ابستمولوجية ثاوية في أعماق استعمالنا للعبارات المجازية في هذه الميادين.
                          لا شك أن التعبير المجازي، من جهة أولى، شكل من أشكال "الجهد العام المكافح للوصول إلى المتعالي، أو إلى نمط من التعبير فوق الطبيعي"، لكن القيمة الأساسية لهذا التعبير، من جهة ثانية، لا بد أن تكمن في قابلية معناه للترجمة إلى معاني لغة الحقيقة. أما إذا كانت العبارة المجازية "استبصارات" غير قابلة للترجمة فمن الصعب أن تدعي لنفسها المعنى.
                          بناء على ما سبق فإن التحليل الفلسفي المعاصر للعبارات المجازية قادر على مساعدتنا في دراسة كتابات المعري من جهتين: الأولى – تفسير كثير من الأوصاف التي وسمت بها كتاباته كالغرابة، والتفكك، والتناقض، والجنون. الثانية – تحديد معنى هذه العبارات على نحو يمكننا من رسم صورة صادقة لأفكاره، بعيداً عن أوهامنا وتصوراتنا الذاتية، ومواقفنا المتحيزة أو المعادية. ولا شك أن التحليل اللغوي- المنطقي – لهذه العبارات لن يزيد من فهمنا لها فحسب بل وسيعمقه أيضاً.
                          في وسعنا أن نلاحظ على بعض دارسي المعري، من وجهة لغوية – منطقية – أنهم قد نحوا جانباً كل ما قرأوه أو سمعوه عنه، وأقبلوا بفكر محايد، وعقل مفتوح، على نصوصه، يكدون في تحديد دلالالتها ليكون في وسعهم، بعدئذ، تقييمها. هذا ما يلاحظه الدارس على كتابات ابن العديم وابن السيد البطليوسي وعبدالله العلايلي مثلاً. لقد أدرك هؤلاء الطبيعة اللغوية – الفلسفية المميزة لتراكيب المعري، وامتناع فهمها معجمياً أو بردها إلى آراء الفلاسفة المعاصرين أو السابقين له، واتفقوا على أن لتراكيبه – الشعرية والنثرية على حد سواء – بنية لغوية أصيلة، واستخداماً مجازياً فريداً.
                          إذا نحن انتقلنا من تحليل لغة المعري، والمنهج المناسب لدراستها، لاحظنا في كل كتاباته أنه لا يهتم كثيراً أو قليلاً بالأسلوب التقليدي لذلك العصر في عرض القضايا الفلسفية وتحليلها. إنه لا يهتم بنقل أكبر عدد من الآراء الفلسفية منسوباً إلى أصحابه، لأنه أكثر اهتماماً بعرض أفكاره الخاصة. نعم إن تحليل المشكلة قد يحمله – بطريقة عرضية أساساً- على عرض رأي غيره أو التلميح إليه أو نقده بطريقة مختصرة وجادة. ولا شك أن هذا المنهج لم يقتصر على كتاباته الفلسفية بل شمل كل مجال من مجالات نشاطه العقلي. فقد نقل إلينا القفطي رواية خلاصتها أنه شاهد "على نسخة من (إصلاح المنطق) .. أن الخطيب أبا زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي قرأه على أبي العلاء، وطالبه بسنده متصلاً، فقال له: إن أردت الدراية فخذ عني ولا تتعد، وإن قصدت الرواية فعليك بما عند غيري". إن هذه الرواية تؤكد صحة المنهج الذي نسبته إلى المعري، وعلينا أن نراعي هذا عند تحليلنا لأفكاره، وكشفنا عن مصادرها. فما دام اهتمام المعري بنسبة الفكرة إلى صاحبها أقل من اهتمامه بصحة الفكرة في ذاتها، فمن الخطأ أن نرد فلسفته إلى مجرد تلفيق لآراء الآخرين من سابقين ومعاصرين، وعلينا أن نبحث أساساً عن الوحدة أو "البنية" التي وظفت فيها تلك العناصر المستمدة من فلسفاتهم، ففي هذه البنية تكمن أصالة الفيلسوف. إن مادة كل خلية في جسد الإنسان قد أتت من نبات أو حيوان ما، لكن ما يميز هذه المادة، ويعطيها طابعاً إنسانياً هو استحالتها فينا إلى شكل جديد. هذا الشكل الجديد أو هذه البنية الجديدة هو ما ينبغي أن نبحث عنه في كتابات المعري.
                          1: تتمثل حجج الباحثين الذين أنكروا صحة وصف المعري بالفيلسوف في الأدلة التالية:
                          1,1 (أ) صاغ المعري أفكاره في صورة شعرية حفلت بغريب اللغة وبديعها، والمعقد من تراكيبها، على خلاف العرف الفلسفي الذي درج على استخدام النثر أسلوباً في التعبير. ولو كان المعري فيلسوفاً لكان عليه أن يتابع هذا العرف، فيصوغ "آراءه أو مذهبه في عبارات منثورة واضحة قائمة على التقرير العلمي المنظم، ليستطيع الشرح والتدليل". وهذا الحكم خاص بما أورده أبو العلاء في ديوان "اللزوميات" و"سقط الزند".
                          1,2 (ب): ذهب أحد المستشرقين، وهو نيكلسون، إلى "أن مؤلفات المعري لا تتضمن أو تشتمل على نسق فلسفي، وأنه يجب أن تستنتج آراءه من الأفكار التي نثرها بصورة مفككة وغير مترابطة". ومضى من هذا الوصف إلى التشكيك في قيمة ومكانة فلسفة المعري فقال: إن هذا "قد ترك من الفلسفة أكثر مما عرف" و"إن الجانب السلبي والهدمي في فلسفته قد حجب الجانب البنائي فيها. فأخلاقيته النقية الشامخة لا تترك في النفس غير انطباع باهت لا يلبث أن يزول وسط صخب يُحْدِثُ باستمرار أصواتاً من الشك واليأس". وقد سبق لمارجليوث أن زعم أيضاً أن المعري "لم يكن واعياً بقيمة ما يشير إليه(!)، لذا لم يكن قادراً على متابعة هذه الأفكار حتى النهاية أو الالتزام بها بصورة دائمة".
                          وقد استنتج بعض الباحثين العرب من هذا التقييم زعماً خلاصته أن عدم انتظام أفكار المعري في مذهب أو نسق يعني أنه ليس فيلسوفاً بالمعنى الدقيق للفظ. إنه لا يعد فيلسوفاً إلا "إذا توسعنا في معنى الفلسفة، وقصدنا بها مجرد السعي وراء الحق والحقيقة. فإذا أردنا بالفلسفة هذا المعنى الذي كان يرتضيه القدماء من فلاسفة الإغريق – وفي مقدمتهم فيثاغورس وسقراط وأفلاطون – كان لنا أن نصف المعري بأنه فيلسوف، إذ لا ريب أنه كان يسعى جاهداً في سبيل تكوين رأي معقول عن الحياة والكون". "أما إذا أردنا بالفلسفة: البحث المنطقي المنظم في مشكلات الحياة والكون ... فإنه يتحتم علينا أن نصف أبا العلاء بأنه أديب متفلسف.". وانطلاقاً من هذا الفهم ذهبوا إلى حد القول بأن التناقض ظاهرة عامة شاملة في آراء أبي العلاء جميعاً"، "لا فرق في ذلك بين دين ودنيا، وفن وحكمة، وأدب وعلم"، بل إن هناك من يذهب إلى أبعد من هذا فيرى أن المعري قد "رفع الثقة بالمنطق والعقل" أصلاً حين تبنى "اتجاهات تخل بالمنهج الفلسفي إخلالاً واضحاً، فقد حدد مقدرة العقل، وقرر وجود الأسرار التي لا ترام، ونفى ثبات النواميس واطراد السنن الكونية، وترك الكون للمشيئة المطلقة".
                          1,3 (جـ) التفت بعض الباحثين إلى كثرة التعبيرات اللغوية المثقلة بغريب اللغة وصيغها البلاغية في كتابات المعري، ولم يصبروا حتى يتبينوا "الفكر" المبثوث فيها، فأسرعوا إلى استنتاج أنه أديب "يعبث بالألفاظ والمعاني ألواناً من العبث لأنه لم يكن يستطيع أن يصنع غير هذا". كل ما كان المعري يفعله بهذه الصيغ والتراكيب – في رأي هذا الفريق – أنه كان "يسلي عن نفسه ألم الوحدة، ويهون عليها احتمال الفراغ، ويشعرها ويشعر الناس بأنه قد ملك اللغة وسيطر عليها". وقد سبق لأحد القدماء أن جمع في نقده لكتابات المعري بين الملاحظتين (ب، جـ) فقرر أن التناقض الشامل والطابع اللغوي المعقد لهذه الكتابات دليل على "التحذلق" و"الجنون".
                          1,4 (د) أغرت ظاهرة "التناقض" السابقة الذكر بعضاً آخر من الباحثين المحدثين بالانصراف عن التحليل الفلسفي أو حتى الأدبي لكتاباته للعمل على تحليلها تبعاً لمقولات منهج التفسير النفسي للأدب، والذي بدأ بالانتشار في العالم العربي. فشرع هؤلاء بالكشف عن الدوافع النفسية التي حملت المعري على تبني هذه الأفكار بالذات وإعلانها، فألمحوا إلى وجود دوافع جنسية تقف وراء "ترك النسل" وتحريم الزواج. وقالوا: إن اليأس إذا بلغ الذروة، واقترن بالفكر، قاد صاحبه "إلى فقدان الأمل بأية نجاة ممكنة، حتى في الآخرة، التي هي – عادة- ملاذ اليائسين". وقد ذهب أحد أصحاب هذا الاتجاه إلى أن التناقض "لم يكن عاماً شاملاً لجميع عناصر الفلسفة العلائية، بل إنه كان مقصوراً على العقائد الإلهية والتعاليم الإسلامية الشرعية". وقد فسر الباحث هذا التناقض كحالة من التردد النفسي التي تدل "على وجود دافعين أو عاملين نفسيين متضاربين، يدفعه أحدهما إلى التعبير عن آرائه، وينصح له الآخر بالكتمان وعدم التعبير" ... "أما أولهما فهو الميل إلى الظهور، وأما ثانيهما فهو الميل إلى المحافظة على النفس ... وكأني به وقد وقف بين هذين الميلين المتضاربين موقف الحائر المضطرب". لكن هذا الباحث يرجح في النهاية "أن يكون العامل المباشر الذي دفع المعري إلى التعبير عن آرائه وإذاعتها في الناس هو حب الظهور، وذلك لكي يعوض على نفسه ما أصابها من فشل في الحياة الاجتماعية، ويزيل عنها وصمة النقص والعجز". فأفكار المعري – في رأي هذا الفريق- تعبيرات عن مشاعر وانفعالات، وعقد، وتركيب نفسي مخصوص، وليس لنا بالتالي أن نناقشها كمنظومة معرفية.
                          1,5 (هـ) أما من أعرض عن التفسير النفسي، وتجاوز الصياغة اللغوية المعقدة أو الأسلوب الشعري اللذين اختارهما المعري، وغض النظر عن التناقض البادي في تقديراته – لأسباب رآها وجيهة – فقد انتهى إلى أن المعري "لم يبتكر شيئاً في الفلسفة يعد رأيه أو مذهبه .. فإن فلسفته إما مأخوذة من أصول قديمة اختارها وآمن بها، وإما تأملات في الحياة مردها ما لقي من تجارب وأحداث ... فكانت أفكاراً عامة ... ]تمثل[ أقل درجات الفيلسوف". المعري دارس للفلسفة وليس مبتكراً فيها، وهو – كما عبر أحد الباحثين – "فيلسوف بدون فلسفة". وقد مهد هذا الرأي لفريق أخرج المعري من دائرة الفلاسفة وأدخله في فئة الشعراء الميتافيزيقيين، بحجة "أن الفكر الميتافيزيقي تأمل في العالم، أما الفلسفة فتتضمن أكثر من التأمل: تتضمن طريقة ومنهجاً في تأمل العالم". وقد أسس هذا الحكم على ملاحظة أن المعري "مأخوذ بالعودة إلى حضن الأم – الأرض، مأخوذ بالمطلق: بالزمن، والموت، والفناء والأبدية". وهو يتأمل في هذه القضايا لكن دون منهج، ومن ثم فإنه شاعر ميتافيزيقي وليس فيلسوفاً. وقد نشط هذا الفريق – قديماً وحديثاً- في البحث، في الفلسفات المختلفة، عن أفكار تناظر أو تشابه تلك التي نادى بها المعري، ليردوا أفكاره إليها، ويثبتوا أنه مجرد دارس أو عارض للفلسفة ولكن ليس فيلسوفاً.
                          1,6 (و) اتخذت الدراسات القديمة لكتابات المعري صورة نقد لتوجهها اللاديني. فاتهم بالإلحاد وإفساد القيم. لقد وصفت "الغفران" مثلاً، بأنها رسالة "احتوت على مزدكة واستخفاف" بالإسلام، وقيل إن "اللزوميات" تصدر عن رأي البراهمة، وإن "الفصول والغايات" محاكاة للقرآن، كما وصفت المؤلفات الأخرى – وهي مفقودة اليوم – بأنها دعوة صريحة إلى الكفر.

                          تعليق

                          • مصطفى شعبان
                            عضو نشيط
                            • Feb 2016
                            • 12782

                            #28
                            هذه هي جملة الانتقادات التي وجهت إلى كتابات المعري، ورأى مطلقوها أنها تُخْرِجُ الفكر المبثوث فيها- إن وجد- من دائرة التراث الفلسفي، مثلما تخرج صاحبها من دائرة الفلاسفة. إن من المناسب أن ننتقل الآن إلى تحليل هذه الانتقادات، وفحص الحجج التي سيقت بين يديها، لنخلص إلى التعرف على حقيقة وأبعاد النشاط الفلسفي للمعري.
                            1,11 (أ) ذهب الانتقاد الأول إلى أن الصياغة الشعرية لفكر المعري، وعزوفها عن مجاراة العرف الفلسفي السائد، أمر يحول دون إدخال هذا الفكر في دائرة الكتابات الفلسفية. صحيح أن هذه الصياغة قد تعقد عملية الاستدلال، لكن الصياغة النثرية – في المقابل- ليست شرطاً ضرورياً للكتابة الفلسفية. لقد كان جميع التراث الفلسفي اليوناني، وحتى ظهر كتاب انكسيماندريس، منظوماً. "ومن المرجح أن يكون هذا هو أول كتاب يوناني يكتب بالنثر. ويمكن أن نلاحظ هنا أن النثر الايوني كان الأداة المألوفة للكتابة الفلسفية والعلمية. وقد كتب الفيلسوفان اليونانيان بارمنيدس وامبدوقليس بالشعر في تاريخ متأخر. غير أن هذا الأمر كان استثنائياً تماماً". ونحن لا ندري في الحقيقة لماذا نظم المعري أفكاره، لكننا نعلم من صريح أقواله أن الصياغة الشعرية لم تخرج أحكامه من دائرة الدقة اللازمة للفلسفة، فقد كتب يقول: "احبس لسانك أن يقول مجازا"، مثلما وصف شعره في "اللزوميات" بأنه "أبنية أوراق، توخيت فيها صدق الكلمة، ونزهتها عن الكذب، والميط"، والديوان بكامله "قول عرى من المين". كل واحد منا يعلم أن الصياغة الشعرية لم تخرج بارمنيدس من بين صفوف الفلاسفة، وينبغي بالمثل ألا تخرج المعري أو سواه، فبأي شيء تهمنا الصياغة الشعرية التي اختارها المعري لأفكاره ما دام قد كفل لنا فيها دقة التفكير والتعبير؟.
                            1,21 (ب) أما الحجة الثانية فمكونة من ثلاث حجج فرعية: غياب النسق والمنهج، واللاعقلانية المتمثلة في التناقض الشامل في فكره، ونفيه فكرة القوانين الطبيعية الضرورية والمطردة.
                            1,211 ما ينبغي أن يقال في وجه الحجة الأولى أن المعري فيلسوف عقلي جعل العقل الأداة الرئيسية للمعرفة اليقينية، إن لم تكن الوسيلة الوحيدة إليها. وقد اتسم فكره بذات خصائص المذاهب العقلية التأملية، فاعتمد البرهان الاستدلالي في كافة حججه، ورأى أن ما توصلنا إليه الحواس لا يزيد عن "الظن"، وكون في النهاية مذهباً يتناول قضايا الميتافيزيقا والأخلاق.
                            أما أنه لا يعرض في مؤلفاته، وعلى نحو منهجي، نسقاً أو مذهباً فلسفياً، فليس حجة على أنه فيلسوف، فهيراقليطس ومعظم الفلاسفة السابقين لسقراط لم يعرضوا أفكارهم في صورة نسق أو مذهب، كما عُرِفَ فلاسفة الوجودية في هذا العصر بعدائهم للمذهبية، دون أن يكون في هذا الموقف ما يحمل على إخراجهم من فئة الفلاسفة. والأكثر غرابة من هذا الادعاءُ القائل، دون أي برهان، أن المعري قد ترك من الأفكار الفلسفية أكثر مما كان يعرف ويعي أو أنه لم يعرف القيمة الفلسفية لما كان يقوله.
                            ربما يكون السبب وراء الأحكام السابقة الطابع المتعجل لتلك الدراسات، فقد بين باحثون آخرون، لا يقلون عن هؤلاء إن لم يكونوا أفضل منهم، أن المعري "فيلسوف جدير بالاحترام"، كما أن فون كريمر Von Kremer "الذي قام بدراسة شاملة "للزوميات"، وفحص مضامينها في بحث يدل على البراعة، قد اكتشف في أبي العلاء واحداً من أعظم فلاسفة الأخلاق في مختلف العصور، وأنه قد سبق، بعبقريته الفذة، إلى كثير من الأفكار التي تنسب عادة إلى ما يدعى بالروح الحديث للتنوير". وقد رأى أحد الباحثين المعاصرين أن "من أبرز سمات المعري باعتباره فيلسوفاً ... اعتماده في نقده على العقل وحده، الذي له الحق المطلق في التفكير الحر، دون الاعتداد بما تقضي به التقاليد ... وما تذيعه السلطات الدينية، وما تقره الشرائع ... ومع كونه لا يعارض معارضة صريحة ما جاء به القرآن من تعاليم فإنه كان يناقش المسائل التي يعدها المسلمون غير قابلة للمناقشة كالحشر والثواب والعقاب. فهو في عرف الفلاسفة المحدثين فيلسوف راشينالي أي عقلي ... يتخذ العقل حجته، ويجعل التفكير والنظر سبيله إلى الحكم على الأشياء". إنه إذن فيلسوف عقلي يستخدم منهجاً عقلياً تأملياً. ولا يلزم من عدم إدراك بعضنا لهذا المنهج أنه غير موجود.
                            1,212 أما حجة اللاعقلانية المتبدية في التناقض الشامل الذي قيل إنه يسم كتاباته فمؤسسة على القراءة العاجلة للزوميات، وقد حاول بعض الباحثين رفع هذا التناقض عن طريقين: الأول – تحديد زمن تأليفها، والثاني – الترتيب التاريخي لكل لزومية فيها. وقد نجح هؤلاء في تحقيق الهدف الأول، واعترفوا في نفس الوقت بأن "ترتيب جميع اللزوميات ترتيباً صحيحاً دقيقاً مما يدخل في باب المستحيل". وبالتالي فإن هذا الفريق لم ينجح في رفع كل التناقض الذي أشار إليه أصحاب الحجة. لقد أنكر أحد الباحثين الممتازين "ضرورة ترتيب اللزوميات ترتيباً تاريخياً التماساً لإدراك تطور المعري الفكري، ذلك أن المعري نفسه قد وصف "اللزوميات" مجتمعة بالصدق وعدم التناقض. وليس لأحد أن يرفض هذا الوصف قبل إقامة الدليل على بطلانه. غير أن "اللزوميات" لم تزل حتى اليوم دون تحقيق أو دراسة علمية لتراكيبها اللغوية وصيغها البلاغية، وأفكارها الفلسفية. ومن ثم فإن تهمة التناقض لا تقوم على أساس علمي بل على القراءة المتعجلة. ومعنى هذا أن التناقض لا يكمن في "اللزوميات" نفسها بل في "فهم" هذا الفريق لها.
                            1,213 أمّا إنكار المعري وجود القوانين الطبيعية الضرورية المطردة فقد أثبت بطلانه في غير هذا المكان.
                            1,31 في وسعنا أن ننتقل الآن إلى الحجة (جـ) التي قررت كون المعري أديباً يعبث بالألفاظ بغرض المباهاة بقدرته اللغوية. إن ما يؤخذ على أنصار هذه الحجة هو أنهم لم ينتبهوا إلى اللافتات التحذيرية التي نصبها لهم المعري نفسه وبثها في مختلف كتبه. لقد نبه قارئه إلى أن مؤلفاته ليست مصادر للغة أو النحو كما قد يظن الناظر فيها، لكنها كتب تسجل فلسفته، فإن وقع قارئ في المحذور دل بهذا على سذاجته وعدم قدرته على التمييز بين المختلفات جوهراً والمتشابهات مظهراً، تماماً كما يعجز ناقص العقل عن التمييز بين كلمتي "الهادي" و"الهاذي" لتقارب حروف الصورتين اللتين تكتبان فيهما:

                            من يبغ، عنديَ، نحواً، أو يُرِدْ لغةً
                            يكفيك شراً، من الدنيا، ومنقصة
                            فما يساعَفُ من هذا ولا هذي
                            أن لا يبين لك الهادي من الهاذي

                            1,32 وإذا نحن تعمقنا خصائص التعبير اللغوي عند المعري وجدنا أن هذا المفكر قد نظر إلى اللغة مفردات وتراكيب ونحواً باعتبارها صورة تطابق الوجود، أشياء ووقائع وعلاقات. إنه يفهم "الوجود" على ضوء "اللغة"، فالنسق اللغوي يتكون يتكون من "الجذور" وتفريعاتها الاشتقاقية المتكونة وفقاً "لمبادئ" معينة. كما أن للنسق الرياضي جذوراً هي العدد، وتفريعات هي النظريات المتحصل عليها بقوانين الاستدلال الرياضي. وكما يجري "النسغ" في كل أجزاء النبات، فإن "دلالة" الجذر تسري في التفريعات الممتدة والتراكيب المتكونة منه، ليكون "الواحد" في "الكل". وكما أن في اللغة أمراً هو بناء ثابت، وإعراباً هو ضم وفتح وسكون، كذلك فإن في الوجود أشياء ينتابها الكمون والحركة والسكون. فإذا فسدت "ثوابت" اللغة سقطت دلالة الإعراب. وبالمثل فإنه إذا فسدت المفاهيم الأولية للفكر فسد النسق المكون منها.
                            ليست "اللغة" إذن مجرد "أداة تعبير" بل ما يمكننا من رؤية الأشياء في كينونتها. ولا شك أن حرص المعري على خصائص معينة في شكل التعبير أمر "يعبر التكلف له والاحتفال به عن قصد لا يتم إلا به أيضاً". فمن الخطأ أن ننظر إلى هذا "الأسلوب" على أنه ضرب من العبث بالألفاظ. وعلينا ألا ننسى أبداً أن المعري حين "أخذ بنواميس اللغة لفهم النواميس العامة، تنكر كثيراً لمن يتلاعبون بها تلاعباً عبثياً من فقهاء اللفظ".
                            1,33 إذا صح ما قلناه عن ارتباط ألفاظ المعري وتراكيبه بطريقة مخصوصة في التفكير، فما هو المضمون المعرفي الإجمالي للديوان المسمى بـ"لزوم ما لا يلزم"؟. إن هذا الاسم ليس مجرد مصطلح عروضي يدل على التزام الشاعر في الروى بأكثر من حرف، كما توهم مقدمة الديوان مثلاً، لكنه في نفس الوقت مصطلح من "علم الجدل" المعروف لعلماء الكلام والفلاسفة، ويدل – من هذه الناحية- على أمرين: (1) النتائج السلبية التي تلزم بالضرورة عن أفكار الخصم واعتقاداته، والتي يظن أنها غير لازمة عنها. (2) الأفكار الصحيحة اللازمة للحياة العقلية والخلقية، والتي يظن الخصوم أنها غير لازمة ولا ضرورية. وبهذا يتبين أن في "اللزوميات" جانبين: جانباً هدمياً، ينقد فيه المعري آراء خصومه، ويشكك في قيمتها العقلية على نحو يغري الآخرين بتركها والبحث عن فكر جديد أكثر تماسكاً، وجانباً إيجابياً يعرض فيه الفيلسوف أفكاره الخاصة. إن من الخطأ أن نظن أن هذا الوصف للزوميات "تكنيك" لحل التناقضات المدعى وجودها، ذلك أنه وصف موضوعي مستمد من قول المعري في مقدمة "اللزوميات": إن بعضها "تمجيد لله ... وبعضها تذكير للناسين، وتنبيه للرقدة الغافلين، وتحذير من الدنيا الكبرى التي عبثت بالأول". وينبغي أن نقرر في حالة كل لزومية ما إذا كانت تنتمي إلى الجزء النقدي من فلسفة المعري أم إلى الجزء البنائي ليصير في وسعنا تحديد مكانها في فلسفته.
                            1,41 إن حجة أنصار الفهم النفسي لفكر المعري مؤسسة على مغالطة فاضحة: فبيان الدوافع الكامنة وراء اعتناق فكرة ما أو مذهب ما- وأياً تكن هذه الدوافع – لا يشكل إثباتاً أو نقضاً لصدق الفكرة أو صحة المذهب. فإذا كان الدافع الكامن وراء تبني المعري لفكرة ترك النسل هو "العجز الجنسي" مثلاً، فهذا لا يعني بالضرورة أن "ترك النسل" خطأ، وأن النسل صواب، وإلا لجاز في المقابل أن نقول: بما أن الدافع وراء مناداة أينشتين بالنسبية هو الرغبة في تدمير الكون، وبما أن هذه الرغبة شريرة، ومن الخطأ قبولها، لذلك فإن النظرية النسبية خطأ. والإشارة إلى أن فلسفة المعري "تعويض" عن النقص الذي كان يحسه، والفشل الذي كان يعيشه في الحياة الاجتماعية إشارة لا معنى لها، لأن المعري لم يكن نكرة تسعى إلى إثبات ذاتها في الحياة الاجتماعية أو الأدبية أو الثقافية، بل كان فيلسوفاً يفر من الناس ما استطاع. يضاف إلى هذا أن الحريص على الظهور لا يرفض إقبال الناس عليه أو تكريمهم له، والمعري كان يفعل هذا كما نعلم.
                            1,51 أما ما تذهب إليه الحجة (هـ) فهو أن ما يسمى بـ"فكر المعري" أو "فلسفته" لا يخرج – عند التحليل والفحص- عن كونه آراء أخذها عن سواه من الفلاسفة، ولم يعمل عقله فيها تحليلاً، وتركيباً، وتغييراً، لتنسب إليه. لكن هذه الدعوى غريبة تماماً، ففي الوقت الذي حكم فيه صاحبها على المعري بأنه "فيلسوف بدون فلسفة" قال: إنه قد أقام "للحياة دستوراً فلسفياً خاصاً". ونحن نسأل: أليس الدستور الفلسفي الخاص الذي قال إن المعري قد أقامه هو نفسه المقصود بـ"الفلسفة" و"المذهب الفلسفي"؟.
                            أما من أنكر أن يكون للمعري مذهب أو نسق فلسفي فقد كتب يقول: "لقد نجح هذا الشاعر نجاحاً باهراً في تحليل النظريات، وتشريح الأفكار والآراء، ولكن ذلك النجاح لم يصادفه في أن يؤلف بين الآراء والنظريات، ويكوّن منها وحدة منظمة مترابطة العناصر، مؤتلفة الأجزاء مبوبة، كما فعل الفلاسفة من قبل ومن بعد. وإنك إذا أردت أنت أن تكوّن هذه المرحلة الفلسفية كان عليك أن تقرأ "اللزوميات" من أوله إلى آخره لتلم بأطراف فلسفته وتجمع بين متفرقها". أوليس "التحليل" هو الجانب الأكثر أصالة في عرف عصرنا"، أوليس "التركيب" نظرية مدعاة لا يمكن إثباتها في عرف فلاسفة العصر؟. إذا قلنا بهذا الرأي كان المعري فيلسوفاً أعطى للتحليل والنقد مكانة ممتازة، أما تركيب النتائج التي انتهت إليها تحليلاته فربما يكون موجوداً في مؤلفاته المفقودة، وهو أمر يستطيع الباحث المعاصر، على أي حال، أن يقوم به.
                            1,511 كتب المعري في إحدى رسائله يقول: إنني مذ "فارقت العشرين من العمر ما حدثت نفسي باجتداء علم من عراقي ولا شامي". وإنما الذي دفعني إلى الرحلة إلى بغداد "مكان دار الكتب فيها". وفي هذا دليل على أنه قد استمد معارفه الفلسفية من الكتب، غير أنه كان مدفوعاً إلى هذا البحث المحموم عن المعرفة بدوافع فلسفية أصيلة: "حملتُ ثِقَلَ اللّيالي في بَني زمني". ولم تكن "المعرفة" و"المعاناة" هي كل ما لدى المعري، إذ تبنى نتائج التفكير الفلسفي، وكان مستعداً لدفع "الثمن" الذي سبق لسقراط أن دفعه: "وأردتموني أن أكون مُدَلِّساً، هيهات غيري آثر التدليسا". إن فلسفة المعري، كما تبدو للمحقق المتعمق، فلسفة تأملية، وليست نقلاً أو توفيقاً، أو تلفيقاً لفلسفات ما، ليمكن ردها إليها. إنها تركيب مبدع، مثلما أن حياته ونشاطه العقلي نموذج للسيرة الفلسفية في مفهوم ذلك العصر.
                            1,61 لا تمثل الحجة (و) إنكاراً لوجود فلسفة للمعري، لكنها حكم يقرر أن لهذه الفلسفة وجهة معينة، أعني الإلحاد. فهي حكم عليها من وجهة النظر الدينية. وقد اختلف النقاد الدينيون في حقيقة المصدر الإلحادي الذي استمد منه المعري فلسفته، فمنهم من قال إنه المزدكية، ومنهم من نسبه إلى البرهمية أو المانوية ... إلخ. ويبدو لي أن إغفال النقاد القدماء وسكوتهم عن الجوانب الخلقية والميتفيزيقية الأخرى في فلسفة المعري، والتوجه في النقد نحو الجانب أو الطابع اللاديني لها- إن صح- ليس ناجماً عن طبيعة العصر، كما قد نتوقع، لكنه عملية إعلامية خالصة رمت إلى تحويل أنظار الناس عن "شيء ما" خطر في هذا الفكر. ولقد كان الدين ولم يزل سلاح السياسة، فما الذي قال به المعري حتى أشهروا في وجهه هذا السلاح، وجعلوا فكره محرماً نقله واعتقاده، ليقتل في مهده أو يحاصر، فلا ينتشر على أقل تقدير؟. لقد اتخذت عملية "العزل" و"التحريم" و"القتل" هذه صورة قذف المفكر بالإلحاد والزندقة، مع لعنه والحكم "عليه بالخسران في الدنيا وعذاب الجحيم في الآخرة".
                            1,612 ليس صعباً على الدارس ملاحظة أن سيرة المعري الفلسفية والحياتية تحاكي بإعجاب شديد سيرة سقراط شهيد الفلسفة في أثينا: سواء في زهده وتقشفه أو في امتحانه لفئات المجتمع المختلفة، أو هجومه على الجهلة من رجال الدين والسياسة. لقد أعلن المعري موقفه من الفقهاء الذين يحرفون الدين ابتغاء المال والجاه. وفي "اللزوميات" نقد مر لأفعالهم، فكان من الطبيعي أن يدافع هؤلاء عن أنفسهم. وكُتُبُ ذلك العصر حافلة بما نسبه الفقهاء إلى المعري من كفر، وما نحلوه من شعر إلحادي، وما اختلقوه من روايات، قصدوا فيها جميعاً توفير دليل ما، إما لتحريم فكره الذي كان يشكل خطراً يتهددهم، أو لإدانته والتخلص منه – خدمة لجهة عليا ما – كما فعل أو حاول داعي الدعاة الفاطمي أن يفعل.
                            1,6121 نقلت كتب التراجم التي وضعها خصومه أو التي اكتفت بنقل رواية الخصوم دون نقد، أن فقهاء بغداد طاردوه حتى خرج منها، لأجل بيتين من الشعر قالهما في اليد. والحقيقة التاريخية غير هذا، فإن خروجه من بغداد كان مناسبة احتشد فيها البغداديون لوداعه، مؤملين حمله على الرجوع عن عزمه مغادرة مدينتهم. وكتب الفقهاء هي أول مصدر ظهرت فيه هذه الحكاية، فضلاً عن كونها المصدر الذي استمدت منه أخبار إلحاد المعري.

                            تعليق

                            • مصطفى شعبان
                              عضو نشيط
                              • Feb 2016
                              • 12782

                              #29
                              بدأت عملية الحصار وتلفيق تهمة الإلحاد بذكر الزندقة التي نسبها إليه ابن الجوزي، إذ نحله في كتابه "المنتظم" نقلاً عن أستاذه محمد بن ناصر مُحَدِّث العراق بيتين من الشعر دالين على الكفر الصريح. وظن بهذا أنه قد توفر أمام الناس الدليل الكافي لتكفير المعري. وقد تناقلت الدليل المصنوع، وعلى مر العصور، طائفة من الفقهاء والقضاة وكتاب التراجم من أمثال سبط ابن الجوزي، وابن كثير، وياقوت الحموي ... إلخ. لقد وصفت دليل ابن الجوزي بالمختلق لسببين، الأول: إن البيتين مما لم يرو في ديوانه، والثاني: إن العباسي قد ذكر بيتين مماثلين لهما في المعنى في كتابه "معاهد التنصيص" لابن الرواندي الملحد.
                              1,6122 وعمد ابن الجوزي – كما عمد سواه- إلى كتاب "الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات" فبدلوا العنوان إلى "الفصول والغايات محاذاة للسور والآيات". وبينما يدل العنوان الأصلي على إعجاب المعري بالأسلوب القرآني يدل العنوان المحرَّف على تحدي المؤلف للقرآن. ثم قام الكتَّاب بإطلاق اسم جديد على الكتاب وهو "قرآن أبي العلاء"، فإذا نقلوا منه نصاً قالوا: وجاء في قرآن أبي العلاء، كذا، ليُرَسِّخوا في نفوس قرائهم زعمهم الأول. وقد اختلقوا رواية جاء فيها أنه قيل لأبي العلاء: "ما هذا إلا جيد، إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن. فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا كيف يكون".
                              1,6123 لم يتصد المعري لرجال الدين فقط بل وللحكام أيضاً على نحو يذكر بسيرة سقراط، فالساسة فئة تحولت مهمتها من رعاية المجتمع لصالحه إلى رعاية المجتمع لصالحهم. لقد "ظلموا الرعية واستجازوا كيدها، وعدوا مصالحها وهم اجراؤها". وقد وسع المعري من نقده للحياة السياسية بنقد الحركات الفلسفية – السياسية – وعلى رأسها الباطنية التي جعلت "الإمام" لا العقل مصدراً للمعرفة اليقينية والتشريع. وقد سفه الفيلسوف هذا الرأي وأعلن صراحة أنه قد "كذب القومُ، لا إمام سوى العقلِ مشيراً في صبحه والمساءِ". فـ"إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ لجذبِ الدنيا إلى الرّؤساءِ". وحين وصل أنصار الباطنية إلى السلطة عزموا على تصفية حسابهم معه، فكاتبه داعي الدعاة الفاطمي بهدف الإيقاع به، فحاور المعري وحاول دفعه إلى إعلان موقف يسمح بإدانته بتهمة الكفر، وهي تهمة تكفي لتصفيته جسدياً. وقد ابتدأ الحوار الغادر برسالة بعث بها داعي الدعاة إلى المعري، وواضح من صيغتها ومضمونها أنها معدة بصورة مسبقة للنشر – وقد نشرت الرسائل بالفعل على أوسع نطاق فيما بعد- إذ حرص كاتبها على أن توحي عباراتها لكل قارئ بوجود سر في اعتقاد المعري الديني.
                              1,6124 ما دام المعري قد خصص جزءاً من نشاطه الفلسفي لنقد رجال الدين والسياسة، فقد كان من الطبيعي أن يتحالف هؤلاء في العمل على الخلاص منه. فشرعوا – كما يحدثنا ابن العديم وهو أدق من أرخ سيرته – بالنظر في كتاباته فوجدوها "خالية من الزيغ والفساد. وحين علموا سلامتها .. سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمين، ورموه بالإلحاد والتعطيل ... فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوباً ... وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرفوا كَلِمَهُ عن مواضعه،

                              وأوقعوه في غير مواقعه".
                              1,6125 يحس الإنسان بالدهشة أمام الحملة الواسعة المكثفة على عقيدة المعري الدينية. ومصدر الدهشة "أن تلك العصور التي رجمت أبا العلاء بتهمة الزندقة والإلحاد ]قد[ رثّ فيها الدين ... وفقد حرمته في صراع المذاهب ومعترك الأهواء، ففيم كانت هذه الحمية للدين، تنكر على أبي العلاء ما حرم على نفسه من طيبات الرزق الحلال، ولا تنكر إباحة المحرمات وانتهاك المقدسات؟ ترى في امتناعه عن أكل اللحم وشرب اللبن إثماً ... ولا ترى إثماً في أكل حقوق الناس وشرب دمائهم".
                              إن غضب خصوم المعري، من رجال السلطتين الدينية والسياسية، راجع في الواقع إلى احتجاجه على إفسادهم الدين واستغلاله "بادعاء النبوة، واعتناق المثنوية، والجهر بالحلول، والتناسخ، والرجعة"، مما حفلت به فلسفات العصر ومذاهبه الكلامية. فتآمروا عليه ورموه في عقيدته الدينية لتحويل أنظار الناس عما في تعاليمهم ومواقفهم من تجميد للعقول، وإبطال لحق العقل في البحث، وتخريب للنفوس، وإفساد للقيم، ولم يكن في وسع الفيلسوف أن يسكت على ما يجري من إفساد، فكان الموقف الفلسفي الجذري الذي اتخذه علة تلك الحملة الشرسة عليه.
                              1,7 في وسعنا أن نقرر الآن عدداً من النتائج:
                              أ- للمعري فلسفة عقلية بعيدة في نتائجها وأهدافها عن إفساد القيم الخلقية أو التنكر للأديان. إنها على العكس مما قيل فلسفة ترسخ القيم الخلقية، وتحارب التدين الشكلي.
                              ب- لا تقدح الصياغة الشعرية أو التراكيب اللغوية المعقدة في الطابع الفلسفي الأصيل لكتابات المعري وأفكاره. لقد حرف خصومه بعض أشعاره، واختلقوا بعض الحكايات عنه فإذا نحينا هذا جانباً، واستطعنا أن نفهم طريقة الفيلسوف في التفكير والتعبير وجدنا كتاباته متسقة من الناحية المنطقية، وتبينا أن الأحكام المؤلفة لها مقررة في ضوء العقل، وليست بأي حال ضرباً من العبث واللهو، ولا حاجة بالتالي إلى أية محاولة للدفاع عن صاحبها بالتماس تفسيرات نفسية لأفكاره.
                              ج- فلسفة المعري مذهب متكامل يغطي مجال الميتافيزيقا، والطبيعة، والإنسان والقيم.
                              د- لهذه الفلسفة منهج في التفكير والبرهان.
                              ه- تتمثل سيرة المعري في سلسلة من المواقف الفلسفية الجذرية كانت السبب في محاربة رجال السلطتين الدينية والسياسية له وإلى حد التطلع إلى قتله.
                              و- إذا أخذنا في اعتبارنا أن معظم الدراسات التي ظهرت حتى الآن عن فلسفة المعري هي حملات تشهير صريح أو ضمني به أو تأويلات غير سوية لكتاباته، ظهر أن منهج التحليل اللغوي – المنطقي، والوصف الفينومينولوجي هما أفضل مدخل لدراسة فكره.
                              1,8 إن الأفكار أو المحاور الرئيسية التي قررتها الدراسات اللامنهجية لفكر المعري مجرد أفكار للباحثين الذين قاموا، بغية إثباتها، بتفتيت فكر الفيلسوف وإعادة بنائه من جديد على أساسها. لقد كانت نتائج هذه الدراسات بعيدة عن التوافق مع منظومة المعري الفلسفية، لهذا فإن الدراسة البعيدة عن الأفكار المسبقة ضرورية في إظهار بنية هذه الفلسفة.
                              إذ قلنا إن فكر المعري "شيء مستغلق أشد الاستغلاق"، فإن علينا أن نضيف إلى هذا أنه لا يكاد يكون له نظير في تاريخ الفلسفة غير هيراقليطس المظلم الذي صاغ أفكاره في عبارات مجازية ضاعفت من صعوبة فهمه. وعلينا أن نأخذ هذه الواقعة في اعتبارنا عند تحليل كتابات المعري. كما أن محاولة رد فلسفته إلى فلسفة ما، معاصرة أو سابقة، لن تنتهي إلا بعدم الفهم. نعم إن هذه الفلسفات قد تنير لنا شيئاً هنا وهناك، لكنها لن توفر لنا الفهم التام لهذا الفكر ذي الخصوصية المتميزة، فالمعري "يلح بشيء جديد ويشير إلى آفاق جديدة للفكر" جعلته "قمة من أسمى قمم الفكر العربي الضائعة في عزلتها". وأخيرا فإنه:
                              لا ينبغي أن يقر في أذهاننا أو نتوهم أن النتائج الصحيحة هي ما أجمع عليه الباحثون القدماء أو المحدثون، أو رجحوه "فإن الحقيقة لم تعد تنال بالتصويت، كما إن الانتخاب من عمل الطبيعة وهي لا تغالط نفسها، كما لا تعمد إلى التزوير".
                              ______________
                              أ- المراجع الأساسية العربية
                              1- أبو العلاء المعري: الفصول والغايات، ج1، تحقيق محمود حسن الزناتي، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، 1938.
                              2- أبو العلاء المعري: رسائل أبي العلاء المعري، تحقيق م. أ. مرجليوث، أكسفورد المطبعة المدرسية، 1898، طبعة بالأوفست، بغداد، مكتبة المثنى.
                              3- أبو العلاء المعري: رسائل أبي العلاء المعري، ج1، تحقيق د. عبدالكريم خليفة، عمان، منشورات اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة والنشر، 1976.
                              4- أبو العلاء المعري: لزوم ما لا يلزم، المجلد 1، 2، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر، 1961.
                              5- أبو العلاء المعري: زجر النابح، تحقيق د. أمجد الطرابلسي، دمشق، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، المطبعة الهاشمية، 1965.
                              6- ابن السيد البطليوسي: شرح المختار من لزوميات أبي العلاء، القسم الأول، تحقيق د. حامد عبدالمجيد، القاهرة، مركز تحقيق التراث، وزارة الثقافة، 1970.
                              7- ابن العديم: "الانصاف والتحري" في "تعريف القدماء بأبي العلاء".
                              8- ابن كثير (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل): البداية والنهاية، ج12، القاهرة، مطبعة السعادة، بلا تاريخ.
                              9- أمين الخولي: رأى في أبي العلاء، القاهرة، جماعة الكتاب، 1945.
                              10- حامد عبدالقادر: فلسفة أبي العلاء، القاهرة، مطبعة لجنة البيان العربي، 1950.
                              11- حنا فاخوري و د. خليل الجر: تاريخ الفلسفة العربية، ط2، بيروت، مؤسسة أ. بدران، 1963.
                              12- محمد بن احمد الذهبي: "تاريخ الإسلام" في "تعريف القدماء بأبي العلاء".
                              13- د. طه حسين: مع أبي العلاء في سجنه، القاهرة، دار المعارف، 1961.
                              14- د. عائشة عبدالرحمن: أبو العلاء المعري، (اعلام العرب)، القاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والانباء والنشر، 1965.
                              15- عبدالله العلايلي: المعري ذلك المجهول، ط2، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1981.
                              16- د. علي سامي النشار: "هيراقليطس في العالمين اليوناني والمسيحي" في "هيراقليطس فيلسوف التغير"، ط1، الإسكندرية، دار المعارف، 1969.
                              17- ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ.

                              ب- المراجع الإنجليزية
                              18- Beardsley (Monroe C.): “****phor”, in “the Encyclopedia of Philosophy”, (Edwards (p.), ED.,). Reprinted Edition, New York, The Macmillan co. and free press, 1972.
                              19- Burnet (John) Greek Philosophy, London Macmillan co. LTD, 1960.
                              20- Nicholson (Reynold): A Literary History of the Arabs, London, 3rd impression, T Fisher Unwin LTD, 1923.
                              21- Ziff (Paul): Semantic Analysis, Ithaca, New York, 1960.

                              جـ- المراجع الثانوية
                              22- ابن الجوزي: المنتظم في "تعريف القدماء بأبي العلاء"، السفر الأول، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1944.
                              23- ابن السيد البطليوسي: الانتصار ممن عدل عن الاستبصار، تحقيق د. حامد عبدالمجيد، القاهرة، المطبعة الأميرية، 1955.
                              24- ابن الوردي: تتمة المختصر في تاريخ البشر، ج1، القاهرة، جمعية المعارف، 1285هـ.
                              25- أحمد تيمور: أبو العلاء المعري، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1940.
                              26- أحمد الشايب: "أبو العلاء المعري: شاعر أم فيلسوف؟" في "المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري"، دمشق، مطبوعات المجمع العربي بدمشق، مطبعة الترقي، 1945.
                              27- إدوار أمين البستاني: أبو العلاء المعري- متأمل في الظلمات، ط1، بيروت، بيت الحكمة، 1970.
                              28- علي أحمد سعيد (أدونيس): ديوان الشعر العربي، صيدا – بيروت، منشورات المكتبة العصرية، 1964.
                              29- الخطيب البغدادي: تاريخ مدينة السلام، المجلد 4، بيروت، دار الكتاب العربي، بلا تاريخ.
                              30- د. سحبان خليفات: "الجوانب الميتافيزيقية للنفس ونظرية المعرفة عند أبي العلاء المعري"، دراسة ستنشر قريباً في مجلة "دراسات" – الجامعة الأردنية.
                              31- الصفدي (صلاح الدين): الوافي بالوفيات، ج7، تحقيق إحسان عباس، فرانز شتاينر، فيسبادن، 1969.
                              32- عبدالرحمن بن عبدالرحمن بن أحمد العباسي: معاهد التنصيص (شرح شواهد التلخيص)، القاهرة، المطبعة البهية المصرية، 1316هـ.
                              33- د. عبدالوهاب عزام: "لزوم ما لا يلزم" في "المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري"، مطبوعات المجمع العربي بدمشق، مطبعة الترقي، 1945.
                              34- د. عمر فروخ: حكيم المعرة، ط2، بيروت، مطبعة الكشاف، 1948.
                              35- القفطي (جمال الدين): إنباه الرواة على أنباه النحاة، ج1، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1950.
                              36- مارون عبود: أبو العلاء المعري – زوبعة الدهور، دار مارون عبود، 1970.
                              37- يوسف البديعي: الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، القاهرة، دار المعارف، 1963.
                              38- يوسف البديعي: أوج التحري عن حيثية أبي العلاء المعري، تحقيق إبراهيم الكيلاني، دمشق، مطبعة الترقي، 1944.

                              د- الموسوعات
                              39- دائرة المعارف الإسلامية (النسخة العربية)، ط2، ج1، دار الشعب، القاهرة، 1969، مادة: "أبي العلاء المعري".

                              تعليق

                              • مصطفى شعبان
                                عضو نشيط
                                • Feb 2016
                                • 12782

                                #30
                                حَول كتاب "المقنع في الفلاحة"
                                للأستاذ حسن الكرمي
                                (عضو شرف في المجمع الأردني)

                                قرأت هذا الكتاب الذي أخرجه مجمع اللغة العربية الأردني من المخطوطات الأصلية، وكان جل اهتمامي منصبًّا على المفردات الزراعية سعياً وراء الفائدة من الوقوف على ماهيتها وصفتها بصورة دقيقة. ولاحظت أن معظم أسماء الحشائش والأشجار قريبة من الأسماء التي نعهدها باستثناء عدد من الأسماء الخاصة بأهل الأندلس.. كالسُّعْدَى فقد تكون هي السُّعادَى عندنا، والبرشياوش هي البرشاوشان عندنا، وهكذا، وبالطبع لا يستفيد القارئ عندنا من الكتاب إذا لم تشرح هذه المصطلحات والأسماء الأندلسية شرحاً وافياً، ونذكر على سبيل المثال كلمة (اليَـلّ) فان المحققين في صفحة 9 قالا في تفسيرها: من الأدوات الزراعية، ولم يزيدا على ذلك شيئًا، وكان من الواجب ذكرها بشيء معروف، وأظن أن هذه الأداة هي التي نسميها بالطورية وفي الإنكليزيةHou . و يظهر أن أهل الأندلس يستعملون الباقلاء بدلاً من الفول. ومن استعمالاتهم القنة (بفتح القاف لا بكسرها كما أوردها المحققان في صفحة 25)، وهي بمعنى Ferula بالإنكليزية و férule بالفرنسية، وهم في الأندلس يقولون نانخة (بفتح النون) لا نانخة (بكسر النون كما وردت في صفحة 36).
                                وفي الصفحة 69 قال المحققان إن (قراميل) هي بمعنى شجر ضعيف بلا شوك، وهذا لا يستقيم مع المعنى. والحقيقة أن القراميل في لغة أهل الأندلس هي ألواح حجرية تعرف بالإنكليزية باسم Slate وبالفرنسية Ardois. ومن ذلك أيضاً الكُحَيلا .. وقد ذكر المحققان في صفحة 111 عن داود الأنطاكي أنها لسان الثور، ولكنهم في الأندلس يقولون إنها الهندباء أو الشيكورية. والنَّشَم المذكور في الصفحة نفسها له أنواع، وقد ذكر دوزمي ذلك في معجمه. والعِرْناس في صفحة 23 ليس قضيب الدالية، وإنما هو شيء تُرْفَع به. وقد لاحظت أن عدداً من الكلمات لم يُفَسَّر مثل (لَيتْيَن) على الصفحة 33، و (المِدْوَر) على الصفحة 13، وكذلك الكَسْح وهو التشذيب والتقليم عندهم.
                                وفي الكتاب بعض الهفوات في اللغة، مثل (الأنْوَق) والصحيح (أنُوق)، وذلك في الصفحة 25. وكلمة (مَضَاضة) في الصفحة 55 ليست كما يفسرها الوسيط (وهو قليل الدقة في شروحه) بأنها الحموضة والملوحة، وإنما هي حرقة الطعم التي تحذو اللسان.
                                وحبذا لو أن المحققين ألحقا بالكتاب جدولاً بأسماء النباتات والأشجار باللغة الإنكليزية بإزاء أسمائها باللغة العربية، حتى تتم الفائدة، ولو أن أحد الزراعيين العرب كالأستاذ نصوح الطاهر ألقى نظرة على الكتاب وزاد فيه شروحاً من عنده لكان الكتاب أكثر نفعاً. ويستحسن وضع الشكل على الأسماء.
                                والمجمع الأردني مشكور لما يقوم به من مجهود في إحياء اللغة والتراث، وفقه الله وسدد خطاه.

                                لندن حسن سعيد الكرمي

                                تعليق

                                يعمل...