من طرائف التصحيف
في الجزء الأوّل من كتاب
" الزهرة"
الدكتور محمد خير البقاعي
في الجزء الأوّل من كتاب
" الزهرة"
الدكتور محمد خير البقاعي
يعدّ كتاب (الزهرة) لمحمد بن داود الأصفهاني المتوفى (296هـ) أو (297هـ) من أوّل الكتب التي عرضت لمعالجة موضوع الحب، وقد ذاع صيته وطار خبره لِمَا جمع مؤلفه فيه من آداب وأتى فيه من نوادر، فأنت تجد فيه مختارات من الشعر الرصين النادر الذي يعبّر عن الأحوال التي سيق للدلالة عليها. لقد طبع هذا الكتاب على مراحل أولاها العمل الذي قام به الأستاذ (نيكل) بمساعدة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان فنشرا معاً النصف الأول من كتاب الزهرة في عام (1932) وفي سلسلة منشورات الجامعة الأميركية في بيروت وذلك عن مخطوطة دار الكتب المصرية ذات الرقم (7246).
ثمّ قام الأستاذان الدكتوران نوري حمودي القيسي وإبراهيم السامرائي رحمهما الله بإصدار النصف الثاني من الكتاب عام (1975) في سلسلة مطبوعات وزارة الثقافة والإعلام العراقية وذلك عن مخطوطتي المتحف العراقي ومكتبة تورينو الإيطالية.
ثمّ قام الدكتور إبراهيم السامرائي فأخرج الكتاب كاملاً عام (1406هـ 1985م) وصدر عن مكتبة المنار الأردن – الزرقاء.
ونجده يقول في الصفحة (21) من المقدمة: وقد وقفت على النصف الأول المطبوع الذي نشره نيكل وطوقان فبدا لي أنّ عمل الناشرين معوز، وأنّ فيه من الأوهام الكثيرة ما يحفزني على إعادة نشره… إنّ الأوهام التي حفل بها هذا النصف الأول من الكتاب تتصل بمسائل عدة منها أنّ الأعلام قد عرض لها من التصحيف والخطأ الشيء الكثير.
ومن الأوهام ما يتصل برواية الشعر فقد حفل الكتاب بمختارات كثيرة وقد عرض التصحيف والخطأ لكثير من الشعر، وفيه ما اشتهر في روايته، وليس من عذر في ارتكاب الخطأ فيه… وكنت قد جمعت هذه الأوهام وضمنتها مقالة نشرت في مجلة معهد المخطوطات (الجزء الثاني من المجلد الثامن والعشرين).
أما بخصوص النصف الثاني فيقول الدكتور السامرائي في مقدمة نشرته (2/495): هذه نشرة جديدة للجزء الثاني من كتاب (الزهرة) راجعت فيها النشرة الأولى فصححتها وبرّأتها ممّا عرض لها من خطأ في الطبع وما أدى إليه سهو المصححين الذين عهدنا إليهم هذه المهمة العسيرة وما فاتنا نحن المحققين ممّا يجب ألاّ نقع فيه. ثم أنّي ضبطتها بالشكل وزدت في تعليقاتها لتكون أوفى بالغرض الذي ابتغيناه في نشرتنا الأولى…
ولكنّ مراجع الكتاب يجد أنّ طبعة الدكتور السامرائي ليست أحسن حالاً من طبعة (نيكل وطوقان) في النصف الأول، لأنّ تقويم كتاب صدر في عام (1932) يختلف عن تقويم الكتاب نفسه عندما يصدر عام (1985) وقد طبعت كثير من الكتب ودواوين الشعر التي تساعد المحققين في عملهم. ولا أقول هذا دفعاً بالصدر وإنَّما أقوله بعد مقارنة بين المطبوعتين وتتبع دقيق وخاصة للنصف الأول وكان ثمرة هذا التتبع مقالة طويلة تقع في مئة وخمسين صفحة تقريباً، وفيها من التعليقات الطريفة الشيء الكثير، وأرجو أن تجد طريقها للنشر قريباً.
وأودّ أن أقف في هذه العجالة عند بعض مواضع التصحيف التي فيها شيء من الطرافة، وإنْ دلّت على شيء فإنما تدلّ على أنّ الوهم يظلّ أساس العمل في الكتب التراثية حتى يبرز ما ينفيه قطعاً، لترامي أطراف تراث هذه الأمة الذي ينبغي أن نكون له خدماً ليبوح لنا بأسراره، وحينئذ نصير قادرين على تجاوزه.
جاء في الصفحة (47) من النصف الأول (ط. الدكتور السامرائي):
وقال يزيد بن سويد الضبعي:
بيضٌ أوانسُ يَلْتَاطُ العبيرُ بها
مِيْلُ السوالفِ غيدٌ لا يزالُ لها
كفَّ الفواحشَ عنها الأنسُ والخَفَـرُ
من القلوبِ إذا لاقَيْنَها جَزَرُ
قال المحقق في الحاشية(8): لم أهتد إلى ترجمته، ولم أجده بين المسمّين (يزيد) من الشعراء.
وجاء في الصفحة (185) من النصف نفسه:
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَه
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
قال المحقق في الحاشية (12): لم أهتد إلى (يزيد) هذا.
وأقول: هذا مكان من التصحيف سبق إلى الوقوع فيه المرحوم عبد السلام هارون في موضعين من كتبه التي أخرجها، أولهما: في كتاب (ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه) لأبي جعفر محمد بن حبيب وهو منشور في (نوادر المخطوطات) (2/297-328) والكتاب منشور عام (1393هـ – 1973).
جاء في الصفحة (315) تحت عنوان (ألقاب شعراء ربيعة بن نزار):
… ومنهم (يزيد الغواني) وهو يزيد بن سويد بن حطّان، أخو بني ضبيعة بن ربيعة، وهو القائل:
لا تدعونّي بَعْدَها إنْ دَعَوْتَني
يزيدَ الغواني وادْعني للفوارسِ
قال المحقق في الحاشية رقم (3): انظر أمالي الزجاجي 133، وأقول: هو بهذه الرواية طويل مخروم في صدره وتصحف (بُرَيْد) إلى (يزيد) وصواب انشاده (بُرَيْد الغواني…).
وإذا عدنا إلى أمالي الزجاجي في الصفحة التي أشار إليها وجدنا موضع الوهم الثاني، فقد جاء في أمالي الزجاجي (ط. بيروت، دار الجيل، 1407هـ – 1987) (ص133-134): …أنشدنا أبو موسى الحامض، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن أبن الأعرابي، ليزيد الغواني:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَـه
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
وأحال في الحاشية رقم (3) إلى نوادر المخطوطات ونقل ما جاء فيها.
والحقّ أنّ الأمكنة المذكورة تصحيفاً يدلّ عليه ما أورده الآمدي في المؤتلف والمختلف (ط. مكتبة القدسي – القاهرة، 1354هـ) ص(198):
(باب الياء في أوائل الأسماء):
(من يقال له يزيد وبريد)… قال: (وأمّا بريد بالباء معجمة بواحدة من أسفل…ومنهم بريد الغواني بن سويد بن حطّان أحد بني بهثة بن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن ومنهم بريد بن نزار شاعر فصيح وهو القائل:
لا تدعونّي إنْ تكن لي داعيا
بُرَيْد الغواني فادعني للفوارسِ
وله في كتاب بني ضبيعة أشعار حسان جياد).
وقد وجدت الآمدي في مقدمة المؤتلف (ص8) يقول:
(…وأدخلت الذي ليس بمشهور عليه مثل "النعيت" بالنون أدخلته في باب "البعيث" ومثل "بُرَيْد" بالباء مضمومة أدخلته مع "يزيد" في باب الياء…).
وجاء في تاج العروس (7/429) (ط. الكويت) (برد):
(…وبريد بن سويد بن حطّان، شاعر، يقال له بريد الغواني…)
أمّا نسبته إلى بني عجل (العجلي) فأظنّها تصحيف (الجلّيّ) وهو اسم جدّه. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم 292-293.
وقد تصحف بُرَيْد إلى (يزيد) في الحماسة البصرية 2/195 (وفيه القطعة (260): (وقال يزيد الغواني العجلي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة…
وأنشد بيتين من الأبيات الثلاثة:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا فصدّقت
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
والصواب أن الشاعر هو (بريد الغواني) الجلّي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة) والله أعلم. وبذلك يكون صواب ما جاء في نصّ الزهرة هو (بُرَيْد) وليس (يزيد) والأبيات التي جاءت في ص(185) من النصف الأول هي الأبيـات التي أنشدها الزجاجي في أماليه. أما بيتا الصفحة (47) من النصف الأول فلم أجدهما في مصدر آخر. وبانتظار أن تبوح لنا كتب التراث بمزيد من الأخبار عن هذا الشاعر الذي وصفه الآمدي فقال: إنه شاعر فصيح وله أشعار حسان جياد، بانتظار ذلك، تبقى المتابعة هي السبيل لتجنب مثل هذه التصحيفات.
وجاء في 171-172:
وقال ابن عبدوس لنفسه:
قد أتيناكَ وإنْ كنـ
وتوخيْنَاك بالبـ
كلّما جئْنَاكَ قالوا
لا أنامَ الله عَيْنَيْـ
ـتَ بنا غيرَ حقيقِِ
ـرّ على بُعْدِ الطريقِِ
نائمٌ غيرُ مفيقِِ
ـكَ وإنْ كنتَ صديقيِ
لم يعلّق المحقق على الأبيات بشيء وصحّف اسم الشاعر أو تركه مصحفاً ولو حاول تخريج الأبيات لوجدها منسوبة في أمالي الزجاجي: 120 لأبي عروس.
قال محقق الأمالي الأستاذ المرحوم عبدالسلام هارون في الحاشية:
(لم أعثر له على ترجمة، لكن في طبقات الشعر لابن المعتز 419 ومعجم المرزباني 389 من يدعى محمد بن عروس، وفي فوات الوفيات 2/194 ومعجم المرزباني 390 من يُدْعَى محمد بن محمد بن عروس).
قلت: وأبو عروس في أمالي الزجاجي تصحيف ابن عروس وقـد نسبت له الأبيات في ربيع الأبرار 3/99 وسماه الزمخشري ابن عروس الكاتب.
وقال محقق الكتاب في الحاشية: (إن المرزباني في معجم الشعراء والثالث والرابع من الأبيات في محاضرات الأدباء 1/102 بلا نسبة).
وهما محمدان في معجم المرزباني 389-390، قال المرزباني:
(محمد بن عروس الكاتب الشيرازي) وأنشد له أبياتاً في عتاب عبدالله بن محمد بن يزداد رواها أبو طالب الكاتب…
و (محمد بن محمد بن عروس أبو علي الكاتب)، وأنشد له أبياتاً في عتاب أبي أحمد عبيدالله بن عبدالله بن طاهر والشعر لأحدهما ولعل صواب النص (وأنشد بن عروس لنفسه)…
وجاء في ص306 وقال الجويرية:
يصحّحُ أوصابي على النأي والهوى
وما اعْتَرَضَتْ للرّكبِ أدماءُ حرّةٌ
وعاتبةٍ عندي لها قلت أَقْصري
مُهيجَ الصَّبا من نحوها حين تَنْفَحُ
من العِيْن إلاّ ظلّتِ العينُ تَسْفَحُ
فغيرُك خيرٌ منكِ قولاً وأنصحُ
قال المحقق: (الجويرية بنت الحارث إحدى أزواج النبي "ص"، انظر طبقات ابن سعد 8/83، والإصابة 1/265، وصفة الصفوة 2/26)، وهذا عجيب، لأنّ في نصّ الزهرة سقطاً، ولو كان المؤلف يعني الجويرية لقال: (قالت) ولكنّه لمّا قال (قال) عرفنا أنه يعني شاعراً. والصواب أَنْ يقال: إنّ الشاعر هو أبو الجويرية العبدي، ويكون صواب نص الزهرة: ((وقال (أبو) الجويرية…)) هو شاعر أموي الشعر اسمه عيسى بن أوس بن عُصَيَّة أحد بني عامر بن معاوية يتصل نسبه بربيعة بن نزار. قال المرزباني فيه: (شاعر متمكن ومحسن).
وقد فرغ من ترجمته أستاذنا الدكتور محمد رضوان الداية في حاشية الحماسة المغربية 1/307 ورجّح أَنْ تكون وفاته تأخرت إلى أواخر العقد الثاني وربما تجاوزته إلى العقد الثالث.
انظر مصادر ترجمته في حاشية الحماسة المغربية 1/307، وفي تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (الترجمة العربية) مج2، مج3، ص43-43. أما الأبيات فأظنّها والأبيات التي أنشدها صاحب الحماسة البصرية 1/33 (40) من قصيدة واحدة، وانظر حماسة الخالدين 2/35، وفيها تخريج.
وجاء في الجزء الأول الصفحة 424: وقال أحمد بن أبي قين:
ولمّا أَبَتْ عيناي أَنْ تسترا الهوى
تثاءبْتُ كيلا ينكرَ الدمعَ منكرٌ
أَعَرَّضْتُماني للندى ونَمَمْتُما
وأَنْ تَقِفا فيضَ الدموعِ السواكبِ
ولكنْ قَليلٌ ما بقاءُ التثاؤبِ
عليَّ لبئسَ الصاحبان لصاحبِ
قال المحقق: (لم أهتد إلى ترجمته) والصواب أَنّه لا وجود لشاعر بهذا الاسم لأنّه مصحف، والصواب (أحمد بن أبي فنن) وهو شاعر مشهور عباسي الشعر جمع شعره ونشره في كتاب (شعراء عباسيون) 1/101-184 الدكتور يونس السامرائي، والأبيات في 1/143 من الكتاب المذكور برقم (8)، وانظر أمالي القالي 1/70 وفي شعره المجموع تخريجات أخرى.
ووجدت مثل هذا التصحيف في اسم الشاعر في كتاب (أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة) للدكتور محمد بن شريف، ص247، 269 فليصحّح في الموضعين.
هذه بعض المواضع من التصحيف الطريف في كتاب (الزهرة) الذي لا زال يموج بأخطاء التصحيف والتحريف والأخطاء المطبعية، ونرجو أَنْ يجود علينا المهتمون بطبعة جديدة بعد أن حُقِّقت كثير من الكتب الأدبية وكتب المختارات التي تساعد المحققين في عملهم…
والله من وراء القصد.
المصادر والمراجع
أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة، د. محمد بن شريفة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م.
أمالي الزجاجي، تح عبدالسلام هارون، ط. دار الجيل، بيروت 1987م.
أمالي القالي، لأبي علي القالي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، مصورة عن طبعة دار الكتب.
تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، (الترجمة العربية)، ط. جامعـة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1403هـ – 1983م.
جمهرة أنساب العرب، لابن حزم، ذخائر العرب (2)، دار المعارف، مصر، تحقيق عبدالسلام هارون، 1977، ط.4.
الحماسة البصرية، للبصري، مصورة عن طبعة الهند، عالم الكتب، بلا تاريخ.
حماسة الخالديين (الأشباه والنظائر)، مجلدان، الأول عام 1958، الثاني 1965، ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر.
الحماسة المغربية، لأبي العباس الجراوي، ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، 1991م.
ربيع الأبرار، للزمخشري، تح د. سليم النعيمي، دار الذخائر للمطبوعات، قُمْ، إيران، 1310هـ.
الزهرة لمحمد بن داود الأصبهاني، تح د. إبراهيم السامرائي، ط. دار المنار، الأردن، الزرقاء، 1985م.
شعراء عباسيون، د. يونس السامرائي، مجلدان، عالم الكتب، بيروت، بلا تاريخ.
المؤتلف والمختلف للآمدي، ط. مكتبة القدسي، القاهرة، 1453هـ.
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء للراغب الأصبهاني (1-2)، بيروت.
معجم تاج العروس من جواهر القاموس، للمرتضى الزبيدي، ط. الكويت.
نوادر المخطوطات، تح عبدالسلام هارون، ط. البابي الحلبي، مصر، 1973.
ثمّ قام الأستاذان الدكتوران نوري حمودي القيسي وإبراهيم السامرائي رحمهما الله بإصدار النصف الثاني من الكتاب عام (1975) في سلسلة مطبوعات وزارة الثقافة والإعلام العراقية وذلك عن مخطوطتي المتحف العراقي ومكتبة تورينو الإيطالية.
ثمّ قام الدكتور إبراهيم السامرائي فأخرج الكتاب كاملاً عام (1406هـ 1985م) وصدر عن مكتبة المنار الأردن – الزرقاء.
ونجده يقول في الصفحة (21) من المقدمة: وقد وقفت على النصف الأول المطبوع الذي نشره نيكل وطوقان فبدا لي أنّ عمل الناشرين معوز، وأنّ فيه من الأوهام الكثيرة ما يحفزني على إعادة نشره… إنّ الأوهام التي حفل بها هذا النصف الأول من الكتاب تتصل بمسائل عدة منها أنّ الأعلام قد عرض لها من التصحيف والخطأ الشيء الكثير.
ومن الأوهام ما يتصل برواية الشعر فقد حفل الكتاب بمختارات كثيرة وقد عرض التصحيف والخطأ لكثير من الشعر، وفيه ما اشتهر في روايته، وليس من عذر في ارتكاب الخطأ فيه… وكنت قد جمعت هذه الأوهام وضمنتها مقالة نشرت في مجلة معهد المخطوطات (الجزء الثاني من المجلد الثامن والعشرين).
أما بخصوص النصف الثاني فيقول الدكتور السامرائي في مقدمة نشرته (2/495): هذه نشرة جديدة للجزء الثاني من كتاب (الزهرة) راجعت فيها النشرة الأولى فصححتها وبرّأتها ممّا عرض لها من خطأ في الطبع وما أدى إليه سهو المصححين الذين عهدنا إليهم هذه المهمة العسيرة وما فاتنا نحن المحققين ممّا يجب ألاّ نقع فيه. ثم أنّي ضبطتها بالشكل وزدت في تعليقاتها لتكون أوفى بالغرض الذي ابتغيناه في نشرتنا الأولى…
ولكنّ مراجع الكتاب يجد أنّ طبعة الدكتور السامرائي ليست أحسن حالاً من طبعة (نيكل وطوقان) في النصف الأول، لأنّ تقويم كتاب صدر في عام (1932) يختلف عن تقويم الكتاب نفسه عندما يصدر عام (1985) وقد طبعت كثير من الكتب ودواوين الشعر التي تساعد المحققين في عملهم. ولا أقول هذا دفعاً بالصدر وإنَّما أقوله بعد مقارنة بين المطبوعتين وتتبع دقيق وخاصة للنصف الأول وكان ثمرة هذا التتبع مقالة طويلة تقع في مئة وخمسين صفحة تقريباً، وفيها من التعليقات الطريفة الشيء الكثير، وأرجو أن تجد طريقها للنشر قريباً.
وأودّ أن أقف في هذه العجالة عند بعض مواضع التصحيف التي فيها شيء من الطرافة، وإنْ دلّت على شيء فإنما تدلّ على أنّ الوهم يظلّ أساس العمل في الكتب التراثية حتى يبرز ما ينفيه قطعاً، لترامي أطراف تراث هذه الأمة الذي ينبغي أن نكون له خدماً ليبوح لنا بأسراره، وحينئذ نصير قادرين على تجاوزه.
جاء في الصفحة (47) من النصف الأول (ط. الدكتور السامرائي):
وقال يزيد بن سويد الضبعي:
بيضٌ أوانسُ يَلْتَاطُ العبيرُ بها
مِيْلُ السوالفِ غيدٌ لا يزالُ لها
كفَّ الفواحشَ عنها الأنسُ والخَفَـرُ
من القلوبِ إذا لاقَيْنَها جَزَرُ
قال المحقق في الحاشية(8): لم أهتد إلى ترجمته، ولم أجده بين المسمّين (يزيد) من الشعراء.
وجاء في الصفحة (185) من النصف نفسه:
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَه
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
قال المحقق في الحاشية (12): لم أهتد إلى (يزيد) هذا.
وأقول: هذا مكان من التصحيف سبق إلى الوقوع فيه المرحوم عبد السلام هارون في موضعين من كتبه التي أخرجها، أولهما: في كتاب (ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه) لأبي جعفر محمد بن حبيب وهو منشور في (نوادر المخطوطات) (2/297-328) والكتاب منشور عام (1393هـ – 1973).
جاء في الصفحة (315) تحت عنوان (ألقاب شعراء ربيعة بن نزار):
… ومنهم (يزيد الغواني) وهو يزيد بن سويد بن حطّان، أخو بني ضبيعة بن ربيعة، وهو القائل:
لا تدعونّي بَعْدَها إنْ دَعَوْتَني
يزيدَ الغواني وادْعني للفوارسِ
قال المحقق في الحاشية رقم (3): انظر أمالي الزجاجي 133، وأقول: هو بهذه الرواية طويل مخروم في صدره وتصحف (بُرَيْد) إلى (يزيد) وصواب انشاده (بُرَيْد الغواني…).
وإذا عدنا إلى أمالي الزجاجي في الصفحة التي أشار إليها وجدنا موضع الوهم الثاني، فقد جاء في أمالي الزجاجي (ط. بيروت، دار الجيل، 1407هـ – 1987) (ص133-134): …أنشدنا أبو موسى الحامض، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن أبن الأعرابي، ليزيد الغواني:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنَـه
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
وقد يَكْذِبُ الواشي فيُسْمَعُ قولُه
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
ويَصْدُقُ بعضُ القولِ وهو كذوبُ
وأحال في الحاشية رقم (3) إلى نوادر المخطوطات ونقل ما جاء فيها.
والحقّ أنّ الأمكنة المذكورة تصحيفاً يدلّ عليه ما أورده الآمدي في المؤتلف والمختلف (ط. مكتبة القدسي – القاهرة، 1354هـ) ص(198):
(باب الياء في أوائل الأسماء):
(من يقال له يزيد وبريد)… قال: (وأمّا بريد بالباء معجمة بواحدة من أسفل…ومنهم بريد الغواني بن سويد بن حطّان أحد بني بهثة بن حرب بن وهب بن جلّي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن ومنهم بريد بن نزار شاعر فصيح وهو القائل:
لا تدعونّي إنْ تكن لي داعيا
بُرَيْد الغواني فادعني للفوارسِ
وله في كتاب بني ضبيعة أشعار حسان جياد).
وقد وجدت الآمدي في مقدمة المؤتلف (ص8) يقول:
(…وأدخلت الذي ليس بمشهور عليه مثل "النعيت" بالنون أدخلته في باب "البعيث" ومثل "بُرَيْد" بالباء مضمومة أدخلته مع "يزيد" في باب الياء…).
وجاء في تاج العروس (7/429) (ط. الكويت) (برد):
(…وبريد بن سويد بن حطّان، شاعر، يقال له بريد الغواني…)
أمّا نسبته إلى بني عجل (العجلي) فأظنّها تصحيف (الجلّيّ) وهو اسم جدّه. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم 292-293.
وقد تصحف بُرَيْد إلى (يزيد) في الحماسة البصرية 2/195 (وفيه القطعة (260): (وقال يزيد الغواني العجلي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة…
وأنشد بيتين من الأبيات الثلاثة:
سَرَتْ عرضَ ذي قارٍ إلينا فصدّقت
أحاديثُ سدّاها شبيبٌ ونارَها
أحاديثُ للواشي بهنّ دبيبُ
وإنْ كانَ لم يَسْمَعْ بهن شبيبُ
والصواب أن الشاعر هو (بريد الغواني) الجلّي وهو ابن سويد بن حطّان من بني بهثة) والله أعلم. وبذلك يكون صواب ما جاء في نصّ الزهرة هو (بُرَيْد) وليس (يزيد) والأبيات التي جاءت في ص(185) من النصف الأول هي الأبيـات التي أنشدها الزجاجي في أماليه. أما بيتا الصفحة (47) من النصف الأول فلم أجدهما في مصدر آخر. وبانتظار أن تبوح لنا كتب التراث بمزيد من الأخبار عن هذا الشاعر الذي وصفه الآمدي فقال: إنه شاعر فصيح وله أشعار حسان جياد، بانتظار ذلك، تبقى المتابعة هي السبيل لتجنب مثل هذه التصحيفات.
وجاء في 171-172:
وقال ابن عبدوس لنفسه:
قد أتيناكَ وإنْ كنـ
وتوخيْنَاك بالبـ
كلّما جئْنَاكَ قالوا
لا أنامَ الله عَيْنَيْـ
ـتَ بنا غيرَ حقيقِِ
ـرّ على بُعْدِ الطريقِِ
نائمٌ غيرُ مفيقِِ
ـكَ وإنْ كنتَ صديقيِ
لم يعلّق المحقق على الأبيات بشيء وصحّف اسم الشاعر أو تركه مصحفاً ولو حاول تخريج الأبيات لوجدها منسوبة في أمالي الزجاجي: 120 لأبي عروس.
قال محقق الأمالي الأستاذ المرحوم عبدالسلام هارون في الحاشية:
(لم أعثر له على ترجمة، لكن في طبقات الشعر لابن المعتز 419 ومعجم المرزباني 389 من يدعى محمد بن عروس، وفي فوات الوفيات 2/194 ومعجم المرزباني 390 من يُدْعَى محمد بن محمد بن عروس).
قلت: وأبو عروس في أمالي الزجاجي تصحيف ابن عروس وقـد نسبت له الأبيات في ربيع الأبرار 3/99 وسماه الزمخشري ابن عروس الكاتب.
وقال محقق الكتاب في الحاشية: (إن المرزباني في معجم الشعراء والثالث والرابع من الأبيات في محاضرات الأدباء 1/102 بلا نسبة).
وهما محمدان في معجم المرزباني 389-390، قال المرزباني:
(محمد بن عروس الكاتب الشيرازي) وأنشد له أبياتاً في عتاب عبدالله بن محمد بن يزداد رواها أبو طالب الكاتب…
و (محمد بن محمد بن عروس أبو علي الكاتب)، وأنشد له أبياتاً في عتاب أبي أحمد عبيدالله بن عبدالله بن طاهر والشعر لأحدهما ولعل صواب النص (وأنشد بن عروس لنفسه)…
وجاء في ص306 وقال الجويرية:
يصحّحُ أوصابي على النأي والهوى
وما اعْتَرَضَتْ للرّكبِ أدماءُ حرّةٌ
وعاتبةٍ عندي لها قلت أَقْصري
مُهيجَ الصَّبا من نحوها حين تَنْفَحُ
من العِيْن إلاّ ظلّتِ العينُ تَسْفَحُ
فغيرُك خيرٌ منكِ قولاً وأنصحُ
قال المحقق: (الجويرية بنت الحارث إحدى أزواج النبي "ص"، انظر طبقات ابن سعد 8/83، والإصابة 1/265، وصفة الصفوة 2/26)، وهذا عجيب، لأنّ في نصّ الزهرة سقطاً، ولو كان المؤلف يعني الجويرية لقال: (قالت) ولكنّه لمّا قال (قال) عرفنا أنه يعني شاعراً. والصواب أَنْ يقال: إنّ الشاعر هو أبو الجويرية العبدي، ويكون صواب نص الزهرة: ((وقال (أبو) الجويرية…)) هو شاعر أموي الشعر اسمه عيسى بن أوس بن عُصَيَّة أحد بني عامر بن معاوية يتصل نسبه بربيعة بن نزار. قال المرزباني فيه: (شاعر متمكن ومحسن).
وقد فرغ من ترجمته أستاذنا الدكتور محمد رضوان الداية في حاشية الحماسة المغربية 1/307 ورجّح أَنْ تكون وفاته تأخرت إلى أواخر العقد الثاني وربما تجاوزته إلى العقد الثالث.
انظر مصادر ترجمته في حاشية الحماسة المغربية 1/307، وفي تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (الترجمة العربية) مج2، مج3، ص43-43. أما الأبيات فأظنّها والأبيات التي أنشدها صاحب الحماسة البصرية 1/33 (40) من قصيدة واحدة، وانظر حماسة الخالدين 2/35، وفيها تخريج.
وجاء في الجزء الأول الصفحة 424: وقال أحمد بن أبي قين:
ولمّا أَبَتْ عيناي أَنْ تسترا الهوى
تثاءبْتُ كيلا ينكرَ الدمعَ منكرٌ
أَعَرَّضْتُماني للندى ونَمَمْتُما
وأَنْ تَقِفا فيضَ الدموعِ السواكبِ
ولكنْ قَليلٌ ما بقاءُ التثاؤبِ
عليَّ لبئسَ الصاحبان لصاحبِ
قال المحقق: (لم أهتد إلى ترجمته) والصواب أَنّه لا وجود لشاعر بهذا الاسم لأنّه مصحف، والصواب (أحمد بن أبي فنن) وهو شاعر مشهور عباسي الشعر جمع شعره ونشره في كتاب (شعراء عباسيون) 1/101-184 الدكتور يونس السامرائي، والأبيات في 1/143 من الكتاب المذكور برقم (8)، وانظر أمالي القالي 1/70 وفي شعره المجموع تخريجات أخرى.
ووجدت مثل هذا التصحيف في اسم الشاعر في كتاب (أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة) للدكتور محمد بن شريف، ص247، 269 فليصحّح في الموضعين.
هذه بعض المواضع من التصحيف الطريف في كتاب (الزهرة) الذي لا زال يموج بأخطاء التصحيف والتحريف والأخطاء المطبعية، ونرجو أَنْ يجود علينا المهتمون بطبعة جديدة بعد أن حُقِّقت كثير من الكتب الأدبية وكتب المختارات التي تساعد المحققين في عملهم…
والله من وراء القصد.
المصادر والمراجع
أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة، د. محمد بن شريفة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م.
أمالي الزجاجي، تح عبدالسلام هارون، ط. دار الجيل، بيروت 1987م.
أمالي القالي، لأبي علي القالي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، مصورة عن طبعة دار الكتب.
تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، (الترجمة العربية)، ط. جامعـة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1403هـ – 1983م.
جمهرة أنساب العرب، لابن حزم، ذخائر العرب (2)، دار المعارف، مصر، تحقيق عبدالسلام هارون، 1977، ط.4.
الحماسة البصرية، للبصري، مصورة عن طبعة الهند، عالم الكتب، بلا تاريخ.
حماسة الخالديين (الأشباه والنظائر)، مجلدان، الأول عام 1958، الثاني 1965، ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر.
الحماسة المغربية، لأبي العباس الجراوي، ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، 1991م.
ربيع الأبرار، للزمخشري، تح د. سليم النعيمي، دار الذخائر للمطبوعات، قُمْ، إيران، 1310هـ.
الزهرة لمحمد بن داود الأصبهاني، تح د. إبراهيم السامرائي، ط. دار المنار، الأردن، الزرقاء، 1985م.
شعراء عباسيون، د. يونس السامرائي، مجلدان، عالم الكتب، بيروت، بلا تاريخ.
المؤتلف والمختلف للآمدي، ط. مكتبة القدسي، القاهرة، 1453هـ.
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء للراغب الأصبهاني (1-2)، بيروت.
معجم تاج العروس من جواهر القاموس، للمرتضى الزبيدي، ط. الكويت.
نوادر المخطوطات، تح عبدالسلام هارون، ط. البابي الحلبي، مصر، 1973.

تعليق