آراءٌ وَاقتِراحَات
حول جُهدٍ معجمي مَنشود في الاتصَال
الدكتور نبيل حداد
جامعة اليرموك
إربد، الأردن
حول جُهدٍ معجمي مَنشود في الاتصَال
الدكتور نبيل حداد
جامعة اليرموك
إربد، الأردن
يناقش هذا المقال عدداً من القضايا المتصلة بنقل إنجازات علم الاتصال إلى العربية، ولا سيما نقل مفاهيمه الأساسية في الميدانين النظري والتطبيقي ضمن اصطلاحات منضبطة. ويدعو المقال إلى ضرورة توفير معجم متكامل لاصطلاحات الاتصال للباحث والطالب العربي، يكون ثلاثي اللغة: إنجليزي – فرنسي – عربي بحيث تكون الغاية الأساسية منه تقديم مقابل عربي ملائم للاصطلاح الإنجليزي، مع تقديم المقابل الفرنسي كذلك، ويحاول المقال تحديد الإطار العلمي للمعجم المنشود، ويتعرض لأهم المشكلات التي قد تعترض جهداً كهذا، ثم يخلص إلى تقديم بعض الاقتراحات المحددة.
-1-
من المعروف أن الاتصال Mass Commmunication من العلوم الحديثة، ومن الحقائق المقررة أن هذا العلم – في شكله الحالي – قد نشأ في الغرب، وأن البدايات الأولى له، نظريات مستقلة، لم تترسخ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
على أن ما سبق لا يعني أن الممارسة الاتصالية، ببعدها الاجتماعي، حديثة، بل قديمة قدم الإنسان نفسه؛ فالإنسان، في أشهر تعريفاته، حيوان اجتماعي، وما كان له أن يكون اجتماعياً إلا لأنه يعيش مع الجماعة وما الأساس الذي تقوم عليه الجماعة إلا التواصل بأدواته وسبله وأشكاله ومظاهره.
وما نظن بأن رد نشوء علم الاتصال الحديث إلى الغرب يضير مكانة أمتنا التاريخية، فالمكانة المتميزة لأمة من الأمم لا تتوقف على الابتكار حسب، بل –كذلك- على الاستجابة السريعة للمنجزات والانطلاق بها نحو آفاق أخرى تكسبها خصائص جديدة تزيد من جدواها وقدرتها على التعامل مع البيئة – أو البيئات - المحلية، وربما مع كل بيئة.
ولئن فات أمتنا حق الريادة الحديثة، علمياً، في هذا الصدد، فلا يحق لنا أن نفوت على أنفسنا حق البدء من حيث انتهى الآخرون في حقل الاتصال. وممارسة هذا الحق هي بدورها نمط "اتصالي" بين إنجازات هذا العلم، وبين مكونات ثقافتنا بصورة عامة. وما توصل إليه، بعض القدماء من علماء اللغة عندنا من نتائج، يمكن ردها بدون تحفظ إلى مفاهيم اتصالية لها وشائج قوية بما حققه علماء الاتصال في عصرنا هذا.
وليس من المغالاة، من وجهة نظرنا، أن ننظر إلى جهود ابن وهب في كتابه "البرهان" في وجه البيان" بوصفها إرهاصات قوية لفهم متقدم للعملية الاتصالية بأطرافها المعروفة لدينا الآن. ولا نظن أن جهود ابن وهب في هذا الحقل تقل أهمية عن مفاهيم عبدالقاهر في البلاغة التي تكاد تلامس مفاهيم علماء الجمال المعاصرين، أو آراء ابن جني في اللغة التي تقترب كثيراً من آراء علماء اللغة المعاصرين. على أننا لا نملك الدليل على أن جهود هؤلاء قد شكلت المنطلقات الأساسية للعلوم الثلاثة بأشكالها المعاصرة. وعلى هذا لا نجد غضاضة حين نزعم أن المادة الأساسية للإنجازات الملموسة في حقل الاتصال ما زالت تكتب في لغات ليس من ضمنها – للأسف- العربية. ذلك أن هذه الإنجازات، في الغالب الأعم، تحققت في الغرب، ومن ثم ظلت اللغات الغربية، ولا سيما اللغة الإنجليزية، الوعاء الأساسي الذي يحوي مفردات هذا العلم، ويتحكم، من ثم، في كثير من صور هذه المفردات وأشكالها. ولعل هذا يبين الحاجة الملحة إلى جهود عربية بحتة في مجالات البحث والتأليف والترجمة والتعريب، للوصول إلى إنجازات عربية تسهم حقاً في فهم أفضل لقضايانا، وتساعدنا على عرض صورتنا الحقيقية أمام العالم في الوقت الذي تنقل إلينا فيه صورة دقيقة لما يجري حولنا.
ثم إن الاتصال بات الآن، علماً ونشاطاً، من ضرورات الحياة المعاصرة، ولم تعد الأهداف التي يمكن أن يحققها مقصورة على مجرد التواصل بالمعلومات، بل لقد بات الاتصال الآن أداة رئيسية بيد القائمين على التنمية بأشكالها الاقتصادية والاجتماعية، ولا شك أن تزايد أهمية هذا الميدان يفرض على علمائه ودارسيه والمشتغلين فيه القيام بجهود مكثفة لوضع إنجازاته بين يدي جمهوره.
-2-
ولقد واجهت جهود نقل مفاهيم الاتصال واصطلاحاته إلى العربية ما واجهته سائر العلوم الحديثة الأخرى من صعوبات ومشكلات، وأهم هذه المشكلات عدم توافر اصطلاح موحد متفق عليه، مما يؤدي إلى استعمال اصطلاحات متباينة للاصطلاح الأجنبي الواحد بين المؤلفين العرب، وأحياناً يتباين الاصطلاح الواحد عند كاتب واحد بعينه. إن جزءاً كبيراً من هذه الصعوبات والمشكلات يرد إلى عدم توافر معجم للاصطلاحات الإعلامية ثنائي أو ثلاثي اللغة. ومع أنه قد جرت بعض المحاولات في هذا الصدد، فإننا في موقف نستطيع الزعم منه بأننا لم نظفر حتى الآن بمعجم متكامل يضع بين أيدي الدارسين والعاملين في الاتصال اصطلاحات هذا العلم بصورة دقيقة من حيث المعنى والمبنى، وتمكن الإشارة هنا إلى عدد من الصعاب التي وقفت حتى الآن حائلاً دون تحقيق هذا المطمح:
أولاً: إن الاتصال ما زال علماً حديثاً جداً، وأربعون سنة في عمر نظريات علم ما ليست بالحقبة الطويلة. يضاف إلى ذلك طبيعة هذا العلم المتطورة يوماً بعد يوم، ولعل القائمين على الاتصال هم أكثر فئات العاملين حاجة للإسراع في وضع المقابلات العربية للعدد الكبير من العبارات والاصطلاحات التي تستجد كل حين، ويصف أحد المتصلين بهذه القضية – المشكلة، هذا الوضع على النحو الآتي: "لغة الأخبار ذاتها في ديمومة من التطور والتفاعل، تستجد على مفرداتها اصطلاحات جديدة لا بد من إدخالها إلى قواميس السياسة والعلوم والاقتصاد والاجتماع. ولو كانت لغة الأخبار غير مرنة فكيف يمكننا أن ننقل أنباء تكنولوجيا عصر الفضاء "والكمبيوتر" ومن قبلهما عصر الذرة والتلفزة؟ ... وبما أنا في دائرة الأخبار أول من يتعامل مع أنباء التطورات في تلك المجالات وغيرها فيقع على كاهلنا واجب استنباط اصطلاحات جديدة تفي بالمعنى المطلوب ولكن مع مراعاة العنصر الزمني حفاظاً على السبق الزمني".
إن أهمية الاقتباس السابق لا تكمن في كونه يعرض أبعاد المشكلة ويجسدها حسب، بل تكمن فيما ينطوي عليه من تنبيه إلى ضرورة مبادرة الجهات المعنية إلى وضع الاصطلاحات والمقابلات العربية سواء للمفاهيم الإعلامية ذاتها أو لتلك التي تتداولها وسائل الإعلام، وإن أي تأخير في هذا الصدد يعني ترك المسألة للقائمين على الإعلام ليعالجوها بحسب دراياتهم اللغوية، وقد يترتب على ذلك نتائج خطيرة، ذلك أن درايات هؤلاء تتفاوت مما ينجم عنه شيوع الاصطلاح الدقيق أو غير الدقيق. ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن هذا الشيوع يأتي من خلال وسائل لها قوة تأثير لا تقاوم، مما يجعل عملية إصلاح الخطأ، إن تأخرت أكثر مما ينبغي، عملية صعبة، إن لم تكن محالة.
ثانياً: وثانية هذه المشكلات تكمن في طبيعة العلم ذاته، إذ إن علاقة علم الاتصال بغيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية شديدة التداخل، فلقد انطلق هذا العلم كما هو معروف من إهاب علم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. وما تزال الكثير من مفاهيمه مرتبطة أشد الارتباط بهذه العلوم، كما أن وشائج "الاتصال" قوية ومباشرة مع سائر أوجه الحياة ونشاطها. بكلمة أخرى فإن لغة الإعلام لا تقتصر على الاصطلاحات التي تكوِّن علمه بل تمتد إلى كثير من المواد التي يتداولها. إن لغة الإعلام، بناء على هذا، في حاجة متجددة إلى طاقات تعبيرية هائلة في الأدب، والسياسة، والاقتصاد، والرياضة، والعلوم ... إلخ. ونحن لا نزعم أن من مهمات الإعلام إيجاد المصطلحات للعلوم الأخرى، لكننا نرى أن من واجب وسائل الإعلام توفير بعض المقابلات العربية المناسبة لما يستجد من مفردات في مناحي الحياة المختلفة، وهي المناحي التي تشكل مادة الرسائل الإعلامية. ويورد عبدالله كنون مئات الألفاظ العربية المتداولة، في معارف شتى لا يعرف لها واضع بعينه ولا صانع محدد، وقد أصبحت الآن من "صميم اللغة العربية وثروتها الواسعة التي لا تعرف حداً هي من عمل رجال الصحافة وابتكارهم إما بالترجمة من اللغات الأجنبية وإما باستعمال المجاز والاستعارة توسعاً في دلالات الكلمات وإما بالوضع الموحي الذي يجيء عفو الخاطر ويكون مطابقاً لقواعد اللغة وأحكام اللغة من اشتقاق وتعريب وغيرهما". ومن خلال القائمة الطويلة التي يوردها كنون نتبين مدى إسهام وسائل الاتصال في شيوع كثير من الكلمات في أوجه الحياة كافية، على أن هذا لا يعني أن من مهمات الإعلام التدخل في العلوم الأخرى ونشاطها النظري والتطبيقي بغية فرض الاصطلاحات عليها، بل إن غاية الإعلام هنا وواجبه هو تخفيف حدة اختصاص بعض الاصطلاحات والتراكيب في العلوم الأخرى وجعلها متاحة للغالبية العظمى من المتلقين. ذلك أن لغة الاتصال ليست لغة خاصة، شأنها شأن لغات الطب والعلوم والاقتصاد ... إلخ." وعندما نؤكد أن لغة الإعلام ليست اللغة الخاصة نستند إلى واقع لا مراء فيه وهو أن الإعلام يعالج كافة الزوايا القانونية والدينية والاجتماعية وغير ذلك ولكن بلغته هو أي بلغة الإعلام".
نخلص مما سبق إلى نتيجة مؤداها أن إطار معجم الإعلام العام، أو معجم وسائل الاتصال الشامل المتوخى لا ينحصر بالضرورة في نطاق مصطلحات العلم ذاته بل لا بد أن يمتد هذا الإطار ليغطي بعض المفاهيم الأساسية في أوجه الحياة الأخرى، وعلى سبيل المثال فإن من غير المتصور أن يصدر معجم إعلامي عام دون أن يتضمن عبارات مثل: "وجهة نظر" و"هيئة سياسية" و"وسيط دبلوماسي" إلخ ... ومفاهيم هذه الاصطلاحات لا تدخل بالضرورة في نطاق الاتصال علماً. ولعل هذا أن يقربنا من واحدة من أخطر المشكلات التي ينبغي التصدي لها قبل إصدار معجم إعلامي خاص، ونعني به المعجم الذي يقتصر على إيراد مصطلحات العلم ذاته بالمعنى الدقيق للتخصص العلمي، وهي قضية حدود علم الاتصال. هذه القضية – المشكلة الأكثر صعوبة من بين جميع القضايا والمشكلات التي تفرض نفسها عند التصدي لمهمة كهذه، ذلك أن تحديد العلم نفسه، يعني تحديد إطار المعجم الذي يقودها إلى عملية فرز الاصطلاحات. ولا أظن أننا مطالبون هنا بالتصدي لهذه المشكلة، بل حسبنا أن نعرض لها ونبين أبعادها، تاركين أمر معالجتها لمن هم أولى منا بذلك من العلماء التأصيليين.
-3-
لم يتم الإجماع بين العلماء والمتخصصين على الإطار الدقيق النهائي للاتصال ببعديه النظري والتطبيقي، ولعل السبب الرئيسي الكامن وراء هذا الوضع أن صلات الإعلام بالعلوم الأخرى صلات عضوية بمعنى الكلمة، وعلى الرغم من استقلال شخصية هذا العلم ونموه السريع خلال السنوات الأخيرة فإن هذه الصلات ما زالت تتوثق يوماً بعد آخر، ولئن شهد الاتصال تخصصات داخلية تحت مظلته العامة، فإن لهذه التخصصات بدورها امتدادات بل جذوراً خارج النطاق العام للاتصال. وحتى تتضح هذه المسألة أكثر يحسن أن نشير إلى أن الاتصال بعامة شأنه شأن سائر العلوم الاجتماعية يتضمن دائرتين:
الدائرة الأولى: هي المفاهيم النظرية، وتهتم بالفلسفات التي تحكم العلم، والأسس النظرية التي يقوم عليها، ومع أن لهذه الفلسفات والأسس روابطها مع العلوم الأخرى، فقد استطاع الاتصال خلال السنوات الأخيرة أن يشق لنفسه طريقاً مستقلة وأن يختص بنظرياته الخاصة به علماً، واصطلاحاته "الداخلية" ذات المفاهيم والمدلولات الاتصالية حسب.
أما الدائرة الثانية فهي الجانب الميداني أو التطبيقي، وهذا الجانب هو الغاية والهدف وبه يتجسد مفهوم الاتصال ويتحقق وجوده. وفي هذا الجانب أيضاً يتصل الإعلام بالحياة ونشاطها كافة، وتبرز من ثم قضية حدود العلم، وتبرز معها قضية تشابك الاصطلاحات. فالعملية الاتصالية في أبسط نماذجها تتكون من خمسة أطراف هي المرسل والمستقبل والرسالة والوسيلة ورجع الصدى، ولكل طرف من هذه الأطراف جوانبه الخارجية، فاللغة مثلاً تمثل الوعاء الذي يحمل الرسالة، فهي عنصر مهم إذن في العملية، كما أن تصميم الرسالة يتطلب دراية كاملة بالجوانب النفسية والاجتماعية للمستقبل، أما رجع الصدى فهو يتوقف بدوره على هذه العناصر اللغوية والاجتماعية والنفسية، وكل هذا يفترض بداهة التعامل مع كثير من اصطلاحات هذه الجوانب الخارجية ورموزها.
أضف إلى ما سبق أن تنفيذ العملية الاتصالية يحتاج إلى أجهزة وأسس علمية (نظرية وتطبيقية) تتبع في الأساس تخصصات أخرى، فالرسم والتصوير والتصميم يدخل في صميم تخصص الفنون الجميلة أو التطبيقية، ومع هذا يفترض في المهني الإعلامي دراية واسعة بهذه الجوانب وقدرة متميزة في أدائها، كما أن العملية الإعلامية تتطلب استخداماً مباشراً لكثير من الأجهزة التي تتبع في تكوينها وتشغيلها لمجال الهندسة، وضمن هذا السياق هناك آلاف من الاصطلاحات التي هي بطبيعة تكوينها وما تؤديه من مهام أقرب إلى الهندسة أو الفنون التطبيقية بفروعها كافة منها إلى مجال الإعلام، مثل الكاميرات بأنواعها، والميكروفونات، وأجهزة الحاسوب، والمطابع ... إلخ.
-1-
من المعروف أن الاتصال Mass Commmunication من العلوم الحديثة، ومن الحقائق المقررة أن هذا العلم – في شكله الحالي – قد نشأ في الغرب، وأن البدايات الأولى له، نظريات مستقلة، لم تترسخ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
على أن ما سبق لا يعني أن الممارسة الاتصالية، ببعدها الاجتماعي، حديثة، بل قديمة قدم الإنسان نفسه؛ فالإنسان، في أشهر تعريفاته، حيوان اجتماعي، وما كان له أن يكون اجتماعياً إلا لأنه يعيش مع الجماعة وما الأساس الذي تقوم عليه الجماعة إلا التواصل بأدواته وسبله وأشكاله ومظاهره.
وما نظن بأن رد نشوء علم الاتصال الحديث إلى الغرب يضير مكانة أمتنا التاريخية، فالمكانة المتميزة لأمة من الأمم لا تتوقف على الابتكار حسب، بل –كذلك- على الاستجابة السريعة للمنجزات والانطلاق بها نحو آفاق أخرى تكسبها خصائص جديدة تزيد من جدواها وقدرتها على التعامل مع البيئة – أو البيئات - المحلية، وربما مع كل بيئة.
ولئن فات أمتنا حق الريادة الحديثة، علمياً، في هذا الصدد، فلا يحق لنا أن نفوت على أنفسنا حق البدء من حيث انتهى الآخرون في حقل الاتصال. وممارسة هذا الحق هي بدورها نمط "اتصالي" بين إنجازات هذا العلم، وبين مكونات ثقافتنا بصورة عامة. وما توصل إليه، بعض القدماء من علماء اللغة عندنا من نتائج، يمكن ردها بدون تحفظ إلى مفاهيم اتصالية لها وشائج قوية بما حققه علماء الاتصال في عصرنا هذا.
وليس من المغالاة، من وجهة نظرنا، أن ننظر إلى جهود ابن وهب في كتابه "البرهان" في وجه البيان" بوصفها إرهاصات قوية لفهم متقدم للعملية الاتصالية بأطرافها المعروفة لدينا الآن. ولا نظن أن جهود ابن وهب في هذا الحقل تقل أهمية عن مفاهيم عبدالقاهر في البلاغة التي تكاد تلامس مفاهيم علماء الجمال المعاصرين، أو آراء ابن جني في اللغة التي تقترب كثيراً من آراء علماء اللغة المعاصرين. على أننا لا نملك الدليل على أن جهود هؤلاء قد شكلت المنطلقات الأساسية للعلوم الثلاثة بأشكالها المعاصرة. وعلى هذا لا نجد غضاضة حين نزعم أن المادة الأساسية للإنجازات الملموسة في حقل الاتصال ما زالت تكتب في لغات ليس من ضمنها – للأسف- العربية. ذلك أن هذه الإنجازات، في الغالب الأعم، تحققت في الغرب، ومن ثم ظلت اللغات الغربية، ولا سيما اللغة الإنجليزية، الوعاء الأساسي الذي يحوي مفردات هذا العلم، ويتحكم، من ثم، في كثير من صور هذه المفردات وأشكالها. ولعل هذا يبين الحاجة الملحة إلى جهود عربية بحتة في مجالات البحث والتأليف والترجمة والتعريب، للوصول إلى إنجازات عربية تسهم حقاً في فهم أفضل لقضايانا، وتساعدنا على عرض صورتنا الحقيقية أمام العالم في الوقت الذي تنقل إلينا فيه صورة دقيقة لما يجري حولنا.
ثم إن الاتصال بات الآن، علماً ونشاطاً، من ضرورات الحياة المعاصرة، ولم تعد الأهداف التي يمكن أن يحققها مقصورة على مجرد التواصل بالمعلومات، بل لقد بات الاتصال الآن أداة رئيسية بيد القائمين على التنمية بأشكالها الاقتصادية والاجتماعية، ولا شك أن تزايد أهمية هذا الميدان يفرض على علمائه ودارسيه والمشتغلين فيه القيام بجهود مكثفة لوضع إنجازاته بين يدي جمهوره.
-2-
ولقد واجهت جهود نقل مفاهيم الاتصال واصطلاحاته إلى العربية ما واجهته سائر العلوم الحديثة الأخرى من صعوبات ومشكلات، وأهم هذه المشكلات عدم توافر اصطلاح موحد متفق عليه، مما يؤدي إلى استعمال اصطلاحات متباينة للاصطلاح الأجنبي الواحد بين المؤلفين العرب، وأحياناً يتباين الاصطلاح الواحد عند كاتب واحد بعينه. إن جزءاً كبيراً من هذه الصعوبات والمشكلات يرد إلى عدم توافر معجم للاصطلاحات الإعلامية ثنائي أو ثلاثي اللغة. ومع أنه قد جرت بعض المحاولات في هذا الصدد، فإننا في موقف نستطيع الزعم منه بأننا لم نظفر حتى الآن بمعجم متكامل يضع بين أيدي الدارسين والعاملين في الاتصال اصطلاحات هذا العلم بصورة دقيقة من حيث المعنى والمبنى، وتمكن الإشارة هنا إلى عدد من الصعاب التي وقفت حتى الآن حائلاً دون تحقيق هذا المطمح:
أولاً: إن الاتصال ما زال علماً حديثاً جداً، وأربعون سنة في عمر نظريات علم ما ليست بالحقبة الطويلة. يضاف إلى ذلك طبيعة هذا العلم المتطورة يوماً بعد يوم، ولعل القائمين على الاتصال هم أكثر فئات العاملين حاجة للإسراع في وضع المقابلات العربية للعدد الكبير من العبارات والاصطلاحات التي تستجد كل حين، ويصف أحد المتصلين بهذه القضية – المشكلة، هذا الوضع على النحو الآتي: "لغة الأخبار ذاتها في ديمومة من التطور والتفاعل، تستجد على مفرداتها اصطلاحات جديدة لا بد من إدخالها إلى قواميس السياسة والعلوم والاقتصاد والاجتماع. ولو كانت لغة الأخبار غير مرنة فكيف يمكننا أن ننقل أنباء تكنولوجيا عصر الفضاء "والكمبيوتر" ومن قبلهما عصر الذرة والتلفزة؟ ... وبما أنا في دائرة الأخبار أول من يتعامل مع أنباء التطورات في تلك المجالات وغيرها فيقع على كاهلنا واجب استنباط اصطلاحات جديدة تفي بالمعنى المطلوب ولكن مع مراعاة العنصر الزمني حفاظاً على السبق الزمني".
إن أهمية الاقتباس السابق لا تكمن في كونه يعرض أبعاد المشكلة ويجسدها حسب، بل تكمن فيما ينطوي عليه من تنبيه إلى ضرورة مبادرة الجهات المعنية إلى وضع الاصطلاحات والمقابلات العربية سواء للمفاهيم الإعلامية ذاتها أو لتلك التي تتداولها وسائل الإعلام، وإن أي تأخير في هذا الصدد يعني ترك المسألة للقائمين على الإعلام ليعالجوها بحسب دراياتهم اللغوية، وقد يترتب على ذلك نتائج خطيرة، ذلك أن درايات هؤلاء تتفاوت مما ينجم عنه شيوع الاصطلاح الدقيق أو غير الدقيق. ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن هذا الشيوع يأتي من خلال وسائل لها قوة تأثير لا تقاوم، مما يجعل عملية إصلاح الخطأ، إن تأخرت أكثر مما ينبغي، عملية صعبة، إن لم تكن محالة.
ثانياً: وثانية هذه المشكلات تكمن في طبيعة العلم ذاته، إذ إن علاقة علم الاتصال بغيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية شديدة التداخل، فلقد انطلق هذا العلم كما هو معروف من إهاب علم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. وما تزال الكثير من مفاهيمه مرتبطة أشد الارتباط بهذه العلوم، كما أن وشائج "الاتصال" قوية ومباشرة مع سائر أوجه الحياة ونشاطها. بكلمة أخرى فإن لغة الإعلام لا تقتصر على الاصطلاحات التي تكوِّن علمه بل تمتد إلى كثير من المواد التي يتداولها. إن لغة الإعلام، بناء على هذا، في حاجة متجددة إلى طاقات تعبيرية هائلة في الأدب، والسياسة، والاقتصاد، والرياضة، والعلوم ... إلخ. ونحن لا نزعم أن من مهمات الإعلام إيجاد المصطلحات للعلوم الأخرى، لكننا نرى أن من واجب وسائل الإعلام توفير بعض المقابلات العربية المناسبة لما يستجد من مفردات في مناحي الحياة المختلفة، وهي المناحي التي تشكل مادة الرسائل الإعلامية. ويورد عبدالله كنون مئات الألفاظ العربية المتداولة، في معارف شتى لا يعرف لها واضع بعينه ولا صانع محدد، وقد أصبحت الآن من "صميم اللغة العربية وثروتها الواسعة التي لا تعرف حداً هي من عمل رجال الصحافة وابتكارهم إما بالترجمة من اللغات الأجنبية وإما باستعمال المجاز والاستعارة توسعاً في دلالات الكلمات وإما بالوضع الموحي الذي يجيء عفو الخاطر ويكون مطابقاً لقواعد اللغة وأحكام اللغة من اشتقاق وتعريب وغيرهما". ومن خلال القائمة الطويلة التي يوردها كنون نتبين مدى إسهام وسائل الاتصال في شيوع كثير من الكلمات في أوجه الحياة كافية، على أن هذا لا يعني أن من مهمات الإعلام التدخل في العلوم الأخرى ونشاطها النظري والتطبيقي بغية فرض الاصطلاحات عليها، بل إن غاية الإعلام هنا وواجبه هو تخفيف حدة اختصاص بعض الاصطلاحات والتراكيب في العلوم الأخرى وجعلها متاحة للغالبية العظمى من المتلقين. ذلك أن لغة الاتصال ليست لغة خاصة، شأنها شأن لغات الطب والعلوم والاقتصاد ... إلخ." وعندما نؤكد أن لغة الإعلام ليست اللغة الخاصة نستند إلى واقع لا مراء فيه وهو أن الإعلام يعالج كافة الزوايا القانونية والدينية والاجتماعية وغير ذلك ولكن بلغته هو أي بلغة الإعلام".
نخلص مما سبق إلى نتيجة مؤداها أن إطار معجم الإعلام العام، أو معجم وسائل الاتصال الشامل المتوخى لا ينحصر بالضرورة في نطاق مصطلحات العلم ذاته بل لا بد أن يمتد هذا الإطار ليغطي بعض المفاهيم الأساسية في أوجه الحياة الأخرى، وعلى سبيل المثال فإن من غير المتصور أن يصدر معجم إعلامي عام دون أن يتضمن عبارات مثل: "وجهة نظر" و"هيئة سياسية" و"وسيط دبلوماسي" إلخ ... ومفاهيم هذه الاصطلاحات لا تدخل بالضرورة في نطاق الاتصال علماً. ولعل هذا أن يقربنا من واحدة من أخطر المشكلات التي ينبغي التصدي لها قبل إصدار معجم إعلامي خاص، ونعني به المعجم الذي يقتصر على إيراد مصطلحات العلم ذاته بالمعنى الدقيق للتخصص العلمي، وهي قضية حدود علم الاتصال. هذه القضية – المشكلة الأكثر صعوبة من بين جميع القضايا والمشكلات التي تفرض نفسها عند التصدي لمهمة كهذه، ذلك أن تحديد العلم نفسه، يعني تحديد إطار المعجم الذي يقودها إلى عملية فرز الاصطلاحات. ولا أظن أننا مطالبون هنا بالتصدي لهذه المشكلة، بل حسبنا أن نعرض لها ونبين أبعادها، تاركين أمر معالجتها لمن هم أولى منا بذلك من العلماء التأصيليين.
-3-
لم يتم الإجماع بين العلماء والمتخصصين على الإطار الدقيق النهائي للاتصال ببعديه النظري والتطبيقي، ولعل السبب الرئيسي الكامن وراء هذا الوضع أن صلات الإعلام بالعلوم الأخرى صلات عضوية بمعنى الكلمة، وعلى الرغم من استقلال شخصية هذا العلم ونموه السريع خلال السنوات الأخيرة فإن هذه الصلات ما زالت تتوثق يوماً بعد آخر، ولئن شهد الاتصال تخصصات داخلية تحت مظلته العامة، فإن لهذه التخصصات بدورها امتدادات بل جذوراً خارج النطاق العام للاتصال. وحتى تتضح هذه المسألة أكثر يحسن أن نشير إلى أن الاتصال بعامة شأنه شأن سائر العلوم الاجتماعية يتضمن دائرتين:
الدائرة الأولى: هي المفاهيم النظرية، وتهتم بالفلسفات التي تحكم العلم، والأسس النظرية التي يقوم عليها، ومع أن لهذه الفلسفات والأسس روابطها مع العلوم الأخرى، فقد استطاع الاتصال خلال السنوات الأخيرة أن يشق لنفسه طريقاً مستقلة وأن يختص بنظرياته الخاصة به علماً، واصطلاحاته "الداخلية" ذات المفاهيم والمدلولات الاتصالية حسب.
أما الدائرة الثانية فهي الجانب الميداني أو التطبيقي، وهذا الجانب هو الغاية والهدف وبه يتجسد مفهوم الاتصال ويتحقق وجوده. وفي هذا الجانب أيضاً يتصل الإعلام بالحياة ونشاطها كافة، وتبرز من ثم قضية حدود العلم، وتبرز معها قضية تشابك الاصطلاحات. فالعملية الاتصالية في أبسط نماذجها تتكون من خمسة أطراف هي المرسل والمستقبل والرسالة والوسيلة ورجع الصدى، ولكل طرف من هذه الأطراف جوانبه الخارجية، فاللغة مثلاً تمثل الوعاء الذي يحمل الرسالة، فهي عنصر مهم إذن في العملية، كما أن تصميم الرسالة يتطلب دراية كاملة بالجوانب النفسية والاجتماعية للمستقبل، أما رجع الصدى فهو يتوقف بدوره على هذه العناصر اللغوية والاجتماعية والنفسية، وكل هذا يفترض بداهة التعامل مع كثير من اصطلاحات هذه الجوانب الخارجية ورموزها.
أضف إلى ما سبق أن تنفيذ العملية الاتصالية يحتاج إلى أجهزة وأسس علمية (نظرية وتطبيقية) تتبع في الأساس تخصصات أخرى، فالرسم والتصوير والتصميم يدخل في صميم تخصص الفنون الجميلة أو التطبيقية، ومع هذا يفترض في المهني الإعلامي دراية واسعة بهذه الجوانب وقدرة متميزة في أدائها، كما أن العملية الإعلامية تتطلب استخداماً مباشراً لكثير من الأجهزة التي تتبع في تكوينها وتشغيلها لمجال الهندسة، وضمن هذا السياق هناك آلاف من الاصطلاحات التي هي بطبيعة تكوينها وما تؤديه من مهام أقرب إلى الهندسة أو الفنون التطبيقية بفروعها كافة منها إلى مجال الإعلام، مثل الكاميرات بأنواعها، والميكروفونات، وأجهزة الحاسوب، والمطابع ... إلخ.

تعليق