آراءٌ وَاقتِراحَات حول جُهدٍ معجمي مَنشود في الاتصَال

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    آراءٌ وَاقتِراحَات حول جُهدٍ معجمي مَنشود في الاتصَال

    آراءٌ وَاقتِراحَات
    حول جُهدٍ معجمي مَنشود في الاتصَال

    الدكتور نبيل حداد
    جامعة اليرموك
    إربد، الأردن


    يناقش هذا المقال عدداً من القضايا المتصلة بنقل إنجازات علم الاتصال إلى العربية، ولا سيما نقل مفاهيمه الأساسية في الميدانين النظري والتطبيقي ضمن اصطلاحات منضبطة. ويدعو المقال إلى ضرورة توفير معجم متكامل لاصطلاحات الاتصال للباحث والطالب العربي، يكون ثلاثي اللغة: إنجليزي – فرنسي – عربي بحيث تكون الغاية الأساسية منه تقديم مقابل عربي ملائم للاصطلاح الإنجليزي، مع تقديم المقابل الفرنسي كذلك، ويحاول المقال تحديد الإطار العلمي للمعجم المنشود، ويتعرض لأهم المشكلات التي قد تعترض جهداً كهذا، ثم يخلص إلى تقديم بعض الاقتراحات المحددة.

    -1-

    من المعروف أن الاتصال Mass Commmunication من العلوم الحديثة، ومن الحقائق المقررة أن هذا العلم – في شكله الحالي – قد نشأ في الغرب، وأن البدايات الأولى له، نظريات مستقلة، لم تترسخ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
    على أن ما سبق لا يعني أن الممارسة الاتصالية، ببعدها الاجتماعي، حديثة، بل قديمة قدم الإنسان نفسه؛ فالإنسان، في أشهر تعريفاته، حيوان اجتماعي، وما كان له أن يكون اجتماعياً إلا لأنه يعيش مع الجماعة وما الأساس الذي تقوم عليه الجماعة إلا التواصل بأدواته وسبله وأشكاله ومظاهره.

    وما نظن بأن رد نشوء علم الاتصال الحديث إلى الغرب يضير مكانة أمتنا التاريخية، فالمكانة المتميزة لأمة من الأمم لا تتوقف على الابتكار حسب، بل –كذلك- على الاستجابة السريعة للمنجزات والانطلاق بها نحو آفاق أخرى تكسبها خصائص جديدة تزيد من جدواها وقدرتها على التعامل مع البيئة – أو البيئات - المحلية، وربما مع كل بيئة.

    ولئن فات أمتنا حق الريادة الحديثة، علمياً، في هذا الصدد، فلا يحق لنا أن نفوت على أنفسنا حق البدء من حيث انتهى الآخرون في حقل الاتصال. وممارسة هذا الحق هي بدورها نمط "اتصالي" بين إنجازات هذا العلم، وبين مكونات ثقافتنا بصورة عامة. وما توصل إليه، بعض القدماء من علماء اللغة عندنا من نتائج، يمكن ردها بدون تحفظ إلى مفاهيم اتصالية لها وشائج قوية بما حققه علماء الاتصال في عصرنا هذا.

    وليس من المغالاة، من وجهة نظرنا، أن ننظر إلى جهود ابن وهب في كتابه "البرهان" في وجه البيان" بوصفها إرهاصات قوية لفهم متقدم للعملية الاتصالية بأطرافها المعروفة لدينا الآن. ولا نظن أن جهود ابن وهب في هذا الحقل تقل أهمية عن مفاهيم عبدالقاهر في البلاغة التي تكاد تلامس مفاهيم علماء الجمال المعاصرين، أو آراء ابن جني في اللغة التي تقترب كثيراً من آراء علماء اللغة المعاصرين. على أننا لا نملك الدليل على أن جهود هؤلاء قد شكلت المنطلقات الأساسية للعلوم الثلاثة بأشكالها المعاصرة. وعلى هذا لا نجد غضاضة حين نزعم أن المادة الأساسية للإنجازات الملموسة في حقل الاتصال ما زالت تكتب في لغات ليس من ضمنها – للأسف- العربية. ذلك أن هذه الإنجازات، في الغالب الأعم، تحققت في الغرب، ومن ثم ظلت اللغات الغربية، ولا سيما اللغة الإنجليزية، الوعاء الأساسي الذي يحوي مفردات هذا العلم، ويتحكم، من ثم، في كثير من صور هذه المفردات وأشكالها. ولعل هذا يبين الحاجة الملحة إلى جهود عربية بحتة في مجالات البحث والتأليف والترجمة والتعريب، للوصول إلى إنجازات عربية تسهم حقاً في فهم أفضل لقضايانا، وتساعدنا على عرض صورتنا الحقيقية أمام العالم في الوقت الذي تنقل إلينا فيه صورة دقيقة لما يجري حولنا.

    ثم إن الاتصال بات الآن، علماً ونشاطاً، من ضرورات الحياة المعاصرة، ولم تعد الأهداف التي يمكن أن يحققها مقصورة على مجرد التواصل بالمعلومات، بل لقد بات الاتصال الآن أداة رئيسية بيد القائمين على التنمية بأشكالها الاقتصادية والاجتماعية، ولا شك أن تزايد أهمية هذا الميدان يفرض على علمائه ودارسيه والمشتغلين فيه القيام بجهود مكثفة لوضع إنجازاته بين يدي جمهوره.

    -2-

    ولقد واجهت جهود نقل مفاهيم الاتصال واصطلاحاته إلى العربية ما واجهته سائر العلوم الحديثة الأخرى من صعوبات ومشكلات، وأهم هذه المشكلات عدم توافر اصطلاح موحد متفق عليه، مما يؤدي إلى استعمال اصطلاحات متباينة للاصطلاح الأجنبي الواحد بين المؤلفين العرب، وأحياناً يتباين الاصطلاح الواحد عند كاتب واحد بعينه. إن جزءاً كبيراً من هذه الصعوبات والمشكلات يرد إلى عدم توافر معجم للاصطلاحات الإعلامية ثنائي أو ثلاثي اللغة. ومع أنه قد جرت بعض المحاولات في هذا الصدد، فإننا في موقف نستطيع الزعم منه بأننا لم نظفر حتى الآن بمعجم متكامل يضع بين أيدي الدارسين والعاملين في الاتصال اصطلاحات هذا العلم بصورة دقيقة من حيث المعنى والمبنى، وتمكن الإشارة هنا إلى عدد من الصعاب التي وقفت حتى الآن حائلاً دون تحقيق هذا المطمح:

    أولاً: إن الاتصال ما زال علماً حديثاً جداً، وأربعون سنة في عمر نظريات علم ما ليست بالحقبة الطويلة. يضاف إلى ذلك طبيعة هذا العلم المتطورة يوماً بعد يوم، ولعل القائمين على الاتصال هم أكثر فئات العاملين حاجة للإسراع في وضع المقابلات العربية للعدد الكبير من العبارات والاصطلاحات التي تستجد كل حين، ويصف أحد المتصلين بهذه القضية – المشكلة، هذا الوضع على النحو الآتي: "لغة الأخبار ذاتها في ديمومة من التطور والتفاعل، تستجد على مفرداتها اصطلاحات جديدة لا بد من إدخالها إلى قواميس السياسة والعلوم والاقتصاد والاجتماع. ولو كانت لغة الأخبار غير مرنة فكيف يمكننا أن ننقل أنباء تكنولوجيا عصر الفضاء "والكمبيوتر" ومن قبلهما عصر الذرة والتلفزة؟ ... وبما أنا في دائرة الأخبار أول من يتعامل مع أنباء التطورات في تلك المجالات وغيرها فيقع على كاهلنا واجب استنباط اصطلاحات جديدة تفي بالمعنى المطلوب ولكن مع مراعاة العنصر الزمني حفاظاً على السبق الزمني".
    إن أهمية الاقتباس السابق لا تكمن في كونه يعرض أبعاد المشكلة ويجسدها حسب، بل تكمن فيما ينطوي عليه من تنبيه إلى ضرورة مبادرة الجهات المعنية إلى وضع الاصطلاحات والمقابلات العربية سواء للمفاهيم الإعلامية ذاتها أو لتلك التي تتداولها وسائل الإعلام، وإن أي تأخير في هذا الصدد يعني ترك المسألة للقائمين على الإعلام ليعالجوها بحسب دراياتهم اللغوية، وقد يترتب على ذلك نتائج خطيرة، ذلك أن درايات هؤلاء تتفاوت مما ينجم عنه شيوع الاصطلاح الدقيق أو غير الدقيق. ومما يزيد من خطورة هذا الأمر أن هذا الشيوع يأتي من خلال وسائل لها قوة تأثير لا تقاوم، مما يجعل عملية إصلاح الخطأ، إن تأخرت أكثر مما ينبغي، عملية صعبة، إن لم تكن محالة.

    ثانياً: وثانية هذه المشكلات تكمن في طبيعة العلم ذاته، إذ إن علاقة علم الاتصال بغيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية شديدة التداخل، فلقد انطلق هذا العلم كما هو معروف من إهاب علم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. وما تزال الكثير من مفاهيمه مرتبطة أشد الارتباط بهذه العلوم، كما أن وشائج "الاتصال" قوية ومباشرة مع سائر أوجه الحياة ونشاطها. بكلمة أخرى فإن لغة الإعلام لا تقتصر على الاصطلاحات التي تكوِّن علمه بل تمتد إلى كثير من المواد التي يتداولها. إن لغة الإعلام، بناء على هذا، في حاجة متجددة إلى طاقات تعبيرية هائلة في الأدب، والسياسة، والاقتصاد، والرياضة، والعلوم ... إلخ. ونحن لا نزعم أن من مهمات الإعلام إيجاد المصطلحات للعلوم الأخرى، لكننا نرى أن من واجب وسائل الإعلام توفير بعض المقابلات العربية المناسبة لما يستجد من مفردات في مناحي الحياة المختلفة، وهي المناحي التي تشكل مادة الرسائل الإعلامية. ويورد عبدالله كنون مئات الألفاظ العربية المتداولة، في معارف شتى لا يعرف لها واضع بعينه ولا صانع محدد، وقد أصبحت الآن من "صميم اللغة العربية وثروتها الواسعة التي لا تعرف حداً هي من عمل رجال الصحافة وابتكارهم إما بالترجمة من اللغات الأجنبية وإما باستعمال المجاز والاستعارة توسعاً في دلالات الكلمات وإما بالوضع الموحي الذي يجيء عفو الخاطر ويكون مطابقاً لقواعد اللغة وأحكام اللغة من اشتقاق وتعريب وغيرهما". ومن خلال القائمة الطويلة التي يوردها كنون نتبين مدى إسهام وسائل الاتصال في شيوع كثير من الكلمات في أوجه الحياة كافية، على أن هذا لا يعني أن من مهمات الإعلام التدخل في العلوم الأخرى ونشاطها النظري والتطبيقي بغية فرض الاصطلاحات عليها، بل إن غاية الإعلام هنا وواجبه هو تخفيف حدة اختصاص بعض الاصطلاحات والتراكيب في العلوم الأخرى وجعلها متاحة للغالبية العظمى من المتلقين. ذلك أن لغة الاتصال ليست لغة خاصة، شأنها شأن لغات الطب والعلوم والاقتصاد ... إلخ." وعندما نؤكد أن لغة الإعلام ليست اللغة الخاصة نستند إلى واقع لا مراء فيه وهو أن الإعلام يعالج كافة الزوايا القانونية والدينية والاجتماعية وغير ذلك ولكن بلغته هو أي بلغة الإعلام".
    نخلص مما سبق إلى نتيجة مؤداها أن إطار معجم الإعلام العام، أو معجم وسائل الاتصال الشامل المتوخى لا ينحصر بالضرورة في نطاق مصطلحات العلم ذاته بل لا بد أن يمتد هذا الإطار ليغطي بعض المفاهيم الأساسية في أوجه الحياة الأخرى، وعلى سبيل المثال فإن من غير المتصور أن يصدر معجم إعلامي عام دون أن يتضمن عبارات مثل: "وجهة نظر" و"هيئة سياسية" و"وسيط دبلوماسي" إلخ ... ومفاهيم هذه الاصطلاحات لا تدخل بالضرورة في نطاق الاتصال علماً. ولعل هذا أن يقربنا من واحدة من أخطر المشكلات التي ينبغي التصدي لها قبل إصدار معجم إعلامي خاص، ونعني به المعجم الذي يقتصر على إيراد مصطلحات العلم ذاته بالمعنى الدقيق للتخصص العلمي، وهي قضية حدود علم الاتصال. هذه القضية – المشكلة الأكثر صعوبة من بين جميع القضايا والمشكلات التي تفرض نفسها عند التصدي لمهمة كهذه، ذلك أن تحديد العلم نفسه، يعني تحديد إطار المعجم الذي يقودها إلى عملية فرز الاصطلاحات. ولا أظن أننا مطالبون هنا بالتصدي لهذه المشكلة، بل حسبنا أن نعرض لها ونبين أبعادها، تاركين أمر معالجتها لمن هم أولى منا بذلك من العلماء التأصيليين.

    -3-

    لم يتم الإجماع بين العلماء والمتخصصين على الإطار الدقيق النهائي للاتصال ببعديه النظري والتطبيقي، ولعل السبب الرئيسي الكامن وراء هذا الوضع أن صلات الإعلام بالعلوم الأخرى صلات عضوية بمعنى الكلمة، وعلى الرغم من استقلال شخصية هذا العلم ونموه السريع خلال السنوات الأخيرة فإن هذه الصلات ما زالت تتوثق يوماً بعد آخر، ولئن شهد الاتصال تخصصات داخلية تحت مظلته العامة، فإن لهذه التخصصات بدورها امتدادات بل جذوراً خارج النطاق العام للاتصال. وحتى تتضح هذه المسألة أكثر يحسن أن نشير إلى أن الاتصال بعامة شأنه شأن سائر العلوم الاجتماعية يتضمن دائرتين:

    الدائرة الأولى: هي المفاهيم النظرية، وتهتم بالفلسفات التي تحكم العلم، والأسس النظرية التي يقوم عليها، ومع أن لهذه الفلسفات والأسس روابطها مع العلوم الأخرى، فقد استطاع الاتصال خلال السنوات الأخيرة أن يشق لنفسه طريقاً مستقلة وأن يختص بنظرياته الخاصة به علماً، واصطلاحاته "الداخلية" ذات المفاهيم والمدلولات الاتصالية حسب.
    أما الدائرة الثانية فهي الجانب الميداني أو التطبيقي، وهذا الجانب هو الغاية والهدف وبه يتجسد مفهوم الاتصال ويتحقق وجوده. وفي هذا الجانب أيضاً يتصل الإعلام بالحياة ونشاطها كافة، وتبرز من ثم قضية حدود العلم، وتبرز معها قضية تشابك الاصطلاحات. فالعملية الاتصالية في أبسط نماذجها تتكون من خمسة أطراف هي المرسل والمستقبل والرسالة والوسيلة ورجع الصدى، ولكل طرف من هذه الأطراف جوانبه الخارجية، فاللغة مثلاً تمثل الوعاء الذي يحمل الرسالة، فهي عنصر مهم إذن في العملية، كما أن تصميم الرسالة يتطلب دراية كاملة بالجوانب النفسية والاجتماعية للمستقبل، أما رجع الصدى فهو يتوقف بدوره على هذه العناصر اللغوية والاجتماعية والنفسية، وكل هذا يفترض بداهة التعامل مع كثير من اصطلاحات هذه الجوانب الخارجية ورموزها.
    أضف إلى ما سبق أن تنفيذ العملية الاتصالية يحتاج إلى أجهزة وأسس علمية (نظرية وتطبيقية) تتبع في الأساس تخصصات أخرى، فالرسم والتصوير والتصميم يدخل في صميم تخصص الفنون الجميلة أو التطبيقية، ومع هذا يفترض في المهني الإعلامي دراية واسعة بهذه الجوانب وقدرة متميزة في أدائها، كما أن العملية الإعلامية تتطلب استخداماً مباشراً لكثير من الأجهزة التي تتبع في تكوينها وتشغيلها لمجال الهندسة، وضمن هذا السياق هناك آلاف من الاصطلاحات التي هي بطبيعة تكوينها وما تؤديه من مهام أقرب إلى الهندسة أو الفنون التطبيقية بفروعها كافة منها إلى مجال الإعلام، مثل الكاميرات بأنواعها، والميكروفونات، وأجهزة الحاسوب، والمطابع ... إلخ.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    -4-

    وقد انعكست قضية تحديد إطار التخصص على المناهج والخطط الدراسيّة في كليات وأقسام الإعلام العربية، فقد تباينت أطر هذه المناهج ما بين جامعة وأخرى، ومن الطبيعي أن يلقي هذا التباين بظله على حدود العلم نفسه، ومن ثم ينعكس على أي مجهود معجمي متوخى. وعلى سبيل المثال فإن كثيراً من أقسام الإعلام العربية لا تدخل في مناهجها الدراسية "للعلاقات العامة" تخصصاً داخلياً ضمن المظلة العامة لتخصص الاتصال، ومن ثم فإن المجهودات المعجمية المتوخاة – بناء على هذا الفهم - غير مضطرة إلى إيراد الاصطلاحات المتصلة بالعلاقات العامة. وعلى العموم فإن "الاتجاه الغالب" في الجامعات العربية يقوم على أربع أرضيات كل منها له جانبه النظري وجانبه التطبيقي من شأن أخذها في الاعتبار تقديم إطار تقريبي للجهد المعجمي:

    الأرضية الأولى: هي المفاهيم النظرية السائدة للتخصصات الداخلية التطبيقية الثلاثة، وتشمل اصطلاحات: نظريات الاتصال، والتشريعات الإعلامية، والإدارة الإعلامية، والإعلام الإنمائي، الاتصال الدولي، والإحصاء الإعلامي، والدعاية الإعلامية، والرأي العام، والسينما التسجيلية، وتكنولوجيا الاتصال ونظم المعلومات ... إلخ.
    أما الأرضية الثانية: فتشمل الصحافة المطبوعة والمفاهيم الأساسية في هذه الأرضية – التخصص تعتمد اعتماداً كبيراً على أصول لها في اللغة العربية وآدابها. هذا التخصص كما نعلم يشتمل على فنون الكتابة الصحفية، وهذه بدورها تعتمد على الأداء اللغوي والأسلوبي في العربية، وإن اتسمت الكتابة الصحفية بسمات مشتركة في كل لغات العالم.
    أهم اصطلاحات هذا التخصص هو لفظ "التحرير Eeditng" ومعناه اللغوي الخالص مطابق لمعناه في الاستخدام الصحفي. فحرر الكتاب: أصلحه وجود خطه، وحر الكلام هو الحسن والجيد منه(. ولكن المشكلة أن بعض المراجع العلمية العربية التي تتحدث عن "التحرير الصحفي" لا تتعامل مع المصطلح بالدقة التي يتعامل معه العاملون من التطبيقيين. فهو في هذه المراجع يتضمن خلطاً مع مصطلح "الإخبار – بكسر الهمزة- Reporting" على أن عملية التحرير- تختلف - في المراجع الغربية وفي الاستخدامات التطبيقية الشائعة في العالم بما في ذلك العمل الصحفي العربي – عن عملية الإخبار أو الكتابة، وإن كانت كلتا العمليتين متممة إحداهما للأخرى، بل ربما يقوم بهما شخص واحد، لكن هذا لا يعني أن "المحرر Editor" هو "المندوب أو المخبر Refprter” بل لكل منهما مهاراته وواجباته .. هذا الخلط في فهم الاصطلاحات نجده في بعض المراجع العلمية العربية كما سلف.
    وتخصص الصحافة المطبوعة يشمل الكثير من الاصطلاحات التي يمكن أن تندرج في بعض المباحث مثل التحرير الصحفي، والكتابة الصحفية بأشكالها المتعددة من خبر ومقال وصورة قلمية، كما تشمل اصطلاحات أصناف الكتابة المتخصصة مثل الصحافة الأدبية، والرياضية، والعلمية، والاقتصادية ... إلخ. وإضافة إلى ما سبق يتضمن تخصص الصحافة المطبوعة كثيراً من المفاهيم والاصطلاحات ذات الطابع التقني ولا سيما في مباحث الإخراج الصحفي والتصوير الصحفي وأسس المونتاج التقليدي والضوئي وغير ذلك.

    والأرضية الثالثة: تتمثل في تخصص الإذاعة المسموعة والمرئية، وبعض المناهج الدراسية والمؤسسات العامة تستخدم اصطلاح الراديو والتلفزيون أو الإذاعة والتليفزيون. ووجهة النظر وراء استخدام اصطلاح الراديو والتليفزيون أن الإذاعة تشمل كليهما "الراديو والتليفزيون" ومن ثم فإن استخدام كلمة "الإذاعة" لتشير إلى طرف واحد قصر غير جائز لما هو أعم وأشمل. على أن دلالة كلمة "إذاعة" قد اكتسبت وضعاً مستقراً لمدة تزيد على ربع قرن بوصفها "الراديو" أو الإِذاعة المسموعة. فالكلمة – بالمعنى الأخير - مستخدمة في بلادنا العربية منذ أوائل الثلاثينات في حين لم يشع استخدام كلمة "تليفزيون" إلا في نهاية الخمسينات، وعلى الرغم من أن "الإذاعة" - دلالة – تنطبق حقاً على نشاط التلفزة، فإن منطق اللغة أو إرثها لا يجبرنا أن نوسع دلالة اصطلاح مستقر ليشمل نشاطاً جديداً غير مرتبط بالنشاط الأصلي إلا من خلال زاوية واحدة حسب.
    ولعله من المفيد الإشارة إلى أن لفظ "تليفزيون" الذي ما زال مستخدماً في معظم بلدان المشرق العربي قد عرب إلى تلفزة ومن ثم لا ضرورة إلى استمرار استخدام الكلمة بصورتها الفرنسية، ولا سيما أن اللفظ المعرب يتضمن إمكان تصريف الكلمة بصورة تفي بمتطلبات الاستخدام العلمي والأكاديمي. وإضافة إلى ما سبق لا بد من الاعتراف بأن اصطلاحي الإذاعة المسموعة والإذاعة المرئية لم ينجحا في شق طريقهما نحو الاستخدام العملي، ولعل أبرز أسباب ذلك كون الواحد منهما مكوناً من كلمتين وهذا وحده سبب كاف لعدم شيوع أي اصطلاح في حال توافر اصطلاح واحد مكون من كلمة واحدة ولا سيما إذا كان "البديل الأصغر" ضارباً جذوره في أرض الاستخدام الرسمي والشعبي. بناء عليه نرى أن الاصطلاح البديل "للراديو والتلفزيون" و"الإذاعة والتليفزيون" هو "الإذاعة والتلفزة" هذا عن المصطلح – اللافتة، ولكن ماذا عن المصطلحات داخل هذه الأرضية؟

    لا تختلف المصطلحات هنا كثيراً عنها في الأرضية السابقة (الصحافة المطبوعة) فنحن نقول مثلاً: "تحقيق صحفي" للتحقيق المنشور في الصحيفة أو المجلة، ونقول "تحقيق إذاعي" و"تحقيق متلفز" وهكذا بالنسبة لبقية أجناس النشاط الإخباري. لكن هذا الجانب من النشاط الإعلامي يختص بكثير من الاصطلاحات المتعلقة بالجانب العملي مثل: (الاستديوهات = المَفنات) وما تتضمنه من أجهزة كثيرة ومعقدة، إضافة إلى أجهزة الإرسال والاستقبال وما تتألف منه أدوات الإنتاج أو تنطوي عليه عمليات التشغيل، وما إلى ذلك.

    أما الأرضية الأخيرة: التي تقوم عليها مفاهيم الاتصال، ومن ثم اصطلاحاته، فهي العلاقات العامة والإعلان Public Relations & Advertising. ومن وجهة نظرنا فإن العنوان مناسب ومستقر. والملاحظ أن هذا التخصص يقوم على ميدانين إن اختلفا في الوسائل فهما يتطابقان في الأهداف إلى الدرجة التي تصعب فصل الواحد منهما عن الآخر، على أنه تمكن الإشارة إلى أن اصطلاحات العلاقات العامة – في الغالب الأعم - ذات طبيعة أصولية نظرية، في حين أن معظم اصطلاحات الإعلان ذات طبيعة تقنية.
    -5-

    إن أي حديث عن مشروع معجم إعلامي يفترض تأكيد حقيقة أساسية تتعلق بطبيعة العمل ونوع العاملين فيه، فقد اتضح آنفاً أن الاتصال ينتمي إلى جذور معرفية لا تخلو من تباين كبير، ومن البدهي والحالة هذه، عدم تصور إمكان قيام شخص ما، أو شخصين بإنجاز مشروع كهذا، فالعمل هنا عمل فريق لا عمل أفراد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن فريق العمل هذا لا بد أن يكون متنوع الاختصاصات وليس المقصود هنا الاختصاصات الداخلية في علم الاتصال حسب، بل اختصاصات أخرى أصحابها علماء نفس واجتماع ولغة وحاسوب وهندسة ميكانيكية وكهربائية إضافة إلى خبراء نفس واجتماع ولغة وغير ذلك من العلوم والميادين التي لها علاقة مباشرة بعلم الاتصال، ومن ثم هناك اصطلاحات مشتركة بينها وبين الاتصال. ولا شك أن توجهاً كهذا من شأنه أن يسهم في توحيد دلالات عدد كبير من الاصطلاحات، ويسهم في وضع حد لفوضى المفهومات المتعددة للاصطلاح الواحد، المتباينة داخل الحقل الواحد، وهذا مطلب نادت به توصيات ندوات اختيار المصطلحات المنبثقة عن مكتب تنسيق التعريب.

    ولا نظن أن دعوتنا إلى توسيع إطار فريق العمل ستقودنا إلى اصطلاحات بعيدة عن حقل الاتصال ما دمنا ملتزمين بمنهج منضبط في اختيار الاصطلاحات التي لها علاقة بالاتصال وميادينه التطبيقية. ولبلوغ منهج كهذا تمكن الإشارة إلى عدد من المبادئ:

    أولاً: لا بد من تحديد الموضوع، فالاتصال كما أشرنا آنفاً له تفريعاته المتشابكة مع الميادين الأخرى ربما أكثر من أي علم آخر. وتحديد إطار الموضوع خطوة أولية ينبغي أن تسبق الشروع في إعداد المعجم نفسه، وللدلالة على ذلك نشير إلى أن وسائل الاتصال تشمل صوراً عديدة من النشاط الميداني، فبالإضافة إلى الوسائل التقليدية من صحافة وإذاعة وتلفزة، هناك المعارض والسينما ودور النشر وغير ذلك مما يجعل الأبواب مفتوحة على مصاريعها لدخول العديد من الاصطلاحات التي ربما كان الموضع الملائم لها في غير معاجم الإعلام.
    ويمكن أن تكون الأبحاث التي تناولت علاقة الإعلام بالعلوم الأخرى مفيدة في عملية حصر المفاهيم، ومن ثم وضع المقابلات الدقيقة والمرنة في الآن نفسه، بحيث يكون المقابل العربي للاصطلاح الأجنبي مؤدياً الغاية منه. ومن شأن مبادرة الجهد الإعلامي المبكر في هذا الصدد إنجاز مقابلات تأخذ في حسبانها جانب الاستخدام الصحفي، ومن ثم لا يبقى هذا الجانب عالة على جهود الجهات الأخرى التي قد لا تلتفت إلى الحاجة الإعلامية. ونأخذ مثالاً على ذلك كلمة Report، فالإعلامي يفهمها على أنها "تقرير إخباري" في حين يفهمها آخرون على أنها تقرير طبي أو إداري ... إلخ.
    ثانياً: وما سبق يقودنا بالضرورة إلى مبدأ آخر أساسي وهو احترام وحدات المفاهيم وتنسيق الوحدات الوظيفية للاصطلاحات. وهذا يفترض الدقة في الاختيار ووضع المقابل، كما يفترض توازناً دقيقاً بين المعنى الأصلي في سياقه المعجمي الأول، وبين معناه أو دلالته الإعلامية من جهة أخرى.
    ثالثاً: الفهم العميق للاصطلاحات وتصوراتها العقلية والتطبيقية. وربما كان التصور العقلي العميق للاصطلاحات أمراً متاحاً للمدى المطلوب في أي فريق عمل يضم أساتذة وعلماء. لكن المشكلة تبرز في التصور التطبيقي لكثير من الاصطلاحات ذات الطابع التقني، من هنا تأتي ضرورة إشراك عدد من التقنيين، ممن لا يشترط لديهم خلفية عميقة في الاتصال، ضمن فريق إعداد المعجم.
    رابعاً: وغني عن القول إن من يتصدى لمهمة اختيار الاصطلاحات الإعلامية ووضع مقابلاتها العربية لا بد أن يكون على دراية واسعة بدقائق اللغة التي ينقل إليها وتلك التي يترجم عنها. ليس هذا حسب، بل لا بد أن يكون تضلعه هذا مواكباً لقدرته على رصد تطور المفاهيم وتطور الأجهزة والتعديلات التي تطرأ على سبل تشغيلها ومراحل التشغيل، ولا نظن أنه من التعسف في شيء، أن نربط الدراية اللغوية بمواكبة تطور المفاهيم والأجهزة لأن المطلبين متلازمان، ولا يمكن الخروج بنتيجة مرضية هنا دون أخذ هذا التلازم في الاعتبار.
    -6-

    وقبل الخلوص إلى عدد من النتائج والتوصيات حول الموضوع بعامة نعرض فيما يلي لقضية رئيسية تتعلق بالأساس الذي نرى أن يقوم عليه ترتيب الاصطلاحات، وهو أساس يعتمد –بدوره - على اللغات التي ستنتقل منها وإليها معاني الاصطلاحات.

    وربما كان من الأفضل للمعجم الإعلامي المنشود أن يكون ثلاثي اللغة وبترتيب: إنجليزي – فرنسي – عربي. ولعل هذا الوضع يحقق عدداً من المزايا:

    أ‌- إن كون المعجم ثلاثي اللغة يتيح له بلوغ المستخدم العربي في مشرق الوطن ومغربه، ذلك أن نسبة كبيرة من أبناء الوطن تعتمد الفرنسية لغة ثانية.

    ب‌- ثم إن اتخاذ الإنجليزية أساساً للترتيب الأبجدي للمعجم المنشود يستجيب لحقيقة كون النسبة الأكبر من أبناء الوطن تعتمد الإنجليزية لغة ثانية.

    ج- كما أن من شأن الترتيب الأبجدي المقترح أن يستجيب لحقيقة أخرى، لكنها أساسية، وهي أن نشأة حقل الاتصال وتطوره وإنجازاته، قد تحقق – في الغالب الأعم - في الدول الناطقة بالإنجليزية ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، وبهذا فإننا، بالترتيب المقترح، نساير مقولة أساسية: يؤخذ العلم من مصادره. أضف إلى ذلك أن معظم المصادر والمراجع التي سنعتمد عليها في المعجم المنشود هي – في المقام الأول- بالإنجليزية، ومن الخطأ، إن لم يكن من الخطر في الجهود المعجمية بصفة خاصة العمل بموجب: "الترجمة عن الترجمة"، وما أكثر المعاني وظلال المعاني، ودقائق الشعور والأحاسيس التي تضيع في الطريق بين الترجمتين".

    وبعد، لا نظن أن من أهداف هذه المناقشة – وليس ذلك من مهماتها أصلاً - أن تتعرض للجوانب الفنية في أصول ضبط الاصطلاحات واختيارها. ولكن حسبنا الآن أن نكثف بعض النتائج – الأسس، التي يمكن أن تسهم – إضافة إلى ما سبق – في ضبط عملية كهذه:

    أولاً: إن الحاجة ماسة الآن لوضع معجم إعلامي عام يشمل اصطلاحات تخصصات الاتصال الداخلية، والاصطلاحات النظرية والتقنية التي لها علاقة مباشرة بالاتصال مفاهيم وتنفيذاً. أما الجهود التي بذلت في هذا الصدد، فإنها، للآن، لم ترق إلى مستوى هذا المطلب.
    ثانياً: لا بد أن يكون هذا المعجم – من وجهة نظرنا- ذا منحى تعليمي على مستوى التعليم العالي، والمنحى التعليمي –بمفهومنا- هو الذي يجمع بين السمة المعجمية الموجزة للمقابلات والشرح التوضيحي المكثف لها، أي أن يجمع العمل المنشود بين خصائص المعجم، وأساليب الموسوعات. إن من شأن هذا أن يقدم خدمة جليلة للعربية والاتصال ومن ثم للأجيال. ذلك أن معظم اصطلاحات الاتصال لم يقدّر لها الشيوع بعد، ومن شأن مجهود سريع نحو إنجاز المعجم المنشود أن يضع بين أيدي أبنائنا الطلبة - إعلاميّي المستقبل - اصطلاحات سليمة المعنى والمبنى، وأن يقطع الطريق على استعمال شيوع اصطلاحات غير دقيقة هي ثمرة اجتهادات فردية قد تصيب مرة وتخطئ مرات، مع العلم بأن مستخدمي "الأخطاء" يمتلكون وسائل شيوع لا تقاوم ... وسائل الإعلام.
    ثالثاً: إن إنجاز المعجم المنشود لا يعني مجرد جمع الاصطلاحات من المراجع والمعاجم الأخرى وترجمتها، ففي حقل الاتصال بالذات هناك قدر كبير من الألفاظ التي يمكن تعريبها، وحين نأخذ في الاعتبار القاعدة الذهبية للتعريب التي وضعها المجمع اللغوي في القاهرة والقائلة: الاصطلاح العالمي نعربه، أما غير العالمي فنبحث له عن لفظ عربي. حين نأخذ في الاعتبار هذه القاعدة فسنلاحظ بسهولة أن الاتصال من أكثر العلوم الحديثة غِنىً بالاصطلاحات العالمية إن لم يكن أغناها، ومن ثم فالاتصال أوسع ميادين التعريب.
    رابعاً: من العوامل التي تسهل حصر الاصطلاحات الإعلامية وشروحها أن معظم كتب الاتصال بالإنجليزية ملحقة بها مسارد glossaries وفهارس indexes تتضمن اصطلاحات الكتاب وشروحها وتحديد مواضع سياقها. لكن هذا لا ينبغي أن يشكل لنا إغراء بالاعتماد عليها وحدها، وذلك لأسباب منها أن هذه المسارد قد لا تتضمن جميع الاصطلاحات المهمة في الموضوع الذي يتناوله الكتاب الملحقة به، كما أن مفاهيم هذه الاصطلاحات وشروحاتها تكون في كثير من الأحيان متباينة بين مؤلف وآخر، من هنا لا بد من إنجاز العمل ضمن الأسس المتعارف عليها في جمع المادة المعجمية من إحاطة بالمعاجم المتخصصة في عدد من اللغات، إضافة إلى الاستعانة بقوائم الاصطلاحات المتوافرة في مجامع اللغات والهيئات العلمية، وكذا تفريغ المصادر والمراجع ... إلخ.

    تعليق

    يعمل...