بين "القالي" و"الفالي".. خلطٌ بالمصادر شعرًا ونثرًا
د. محمد علي عطا
ما زالت قضية التصحيف والتحريف رغم المعالجات الضخمة لها في تراثنا الإسلامي تثير إشكالات متجدِّدة، ومن الإشكالات التي وقفت عليها أبيات شعر مصحوبة بقصَّة نُسِبَت لأبي عليٍّ القالي (ت356هـ) مرَّة ولأبي الحسن الفالي (ت448هـ) مرة، إضافة إلى خطأ في نسبة كتاب أحدهما للآخر، وغير خافٍ ما بين النسبتين من تشابهٍ يسهل معه التصحيف والتحريف، ولا تستخِفَّنَّ بهذه النقطة التي أدَّت إلى هذا؛ فهذا أقل تأثيراتها وأحمدها، وإلا فقد أدَّت إلى بتر أعضاء عدة رجال من قبل([1])!
وقد علَّق على هذه القصة من قبل الأستاذ أحمد يوسف نجاتي، في مجلة الرسالة العدد رقم793، 13سبتمبر، 1948هـ، ص1036، تحت عنوان ”تصحيح تصحيف وتحرير تحريف”، وكان سبب تعليقه نقل أحمد أمين لهذه الأبيات والقصة في كتابه ”ظهر الإسلام”، منسوبة للقالي، وقد عالج الأمر بسَوْق التراجم فقط، ولم يقم بتحليل الأبيات ولا سند الرواية، حيث لم يكن “المزهر في علوم اللغة” للسيوطي(ت911هـ) من مصادره، ولم يقف على نسبة كتاب “الأمالي” للفالي كما في “البداية والنهاية” لابن كثير (ت774هـ).
ومنشأ قضية الخلط في نسبة الشعر بينهما أن السيوطي (ت911هـ) قال في “المزهر” ([2]):
”وقال بعضهم: كان لأبي عليٍّ القالي نسخةٌ من “الجمهرة” بخطّ مؤلِّفها، وكان قد أُعْطي بها ثلاثمائة مثقالٍ فأبَى، فاشتدَّت به الحاجةُ فباعها بأربعين مثقالاً وكتبَ عليها هذه الأبيات: (الطويل)
أَنِسْتُ بِهَا عِشْرِيْنَ حَوْلاً وَبِعْتُهَا … لَقَدْ طَالَ وَجدِي بَعْدهَا وَحَنِينِي
وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنَّنِي سَأَبِيعُهَا … وَلَوْ خَلَّدَتْنِي فِي السُّجُونِ دُيُونِي
وَلَكِنْ لِضَعْفٍ وَافتِقَارٍ وَصِبْيَةٍ … صِغَارٍ عَلَيْهِم تَسْتَهِلُّ شُؤُونِي
وَقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ … كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بهنَّ ضَنِيْنِ
قال: فأَرْسَلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين ديناراً أُخْرى، رحمهم اللّه”.
وذكر السيوطي مصدر هذه الحكاية قائلا ([3]): ”وجدت هذه الحكاية مكتوبةً بخطّ القاضي مجد الدين الفيروزآبادي(ت817هـ) صاحب “القاموس” على ظَهْر نسخة من “العُبَاب” للصَّغاني (ت650هـ)، ونقلها من خَطّه تلميذُه أبو حامد محمد بن الضياء الحنفي ونقلتُها من خطِّه”.
ولم يعلِّق محقِّقو “المزهر” في هذا الموضع بشيء عن وجود هذه الأبيات منسوبة لشخص آخر في كتب التراجم، في حين أنه ترجم للفالي (ت448هـ) وذكر الأبيات السابقة منسوبة له كلٌّ من: ياقوت الحموي (ت626هـ) في “معجم الأدباء” ([4])، والذهبي (ت648هـ) في ”سير أعلام النبلاء” ([5])، وابن خلكان (ت681هـ) في “وفيات الأعيان” ([6])، والصَّفدي (ت764هـ) في “الوافي بالوفيات”([7])، واليافعي(ت768هـ) في “مرآة الجنان”([8]).
فنحن أمام أبيات مصحوبة بقصة مختلفة النسبة بين اللغوي الشهير صاحب “الأمالي” أبي عليٍّ القالي (ت356هـ)، والشاعر النحوي أبي الحسن الفالي (ت448هـ)، تحتاج إلى توثيق، وبالمقارنة بين المصادر نلاحظ:
1-أن سند السيوطي إليها سند واهٍ، فهو عبارة عن وِجَادةٍ لم تتوافر لها شروط الصحة والتوثيق؛ وُجِدت في مكان ليس فيه كبير اهتمام بالتحري والدقة، وهو ظهور نسخة من نسخ العباب للصَّاغاني (ت650هـ)، وليست ظهور النسخ موضع دقَّةٍ وتحرٍّ بل موضع تعليق سريع، كما أن بين الصَّغاني(ت650هـ)، ووفاة القالي (ت356هـ) ما يقرب من ثلاثة قرون كاملة، فمن الذي نقل هذه الأبيات خلال هذه القرون؟!
بينما الذي حكى نسبة هذه الأبيات للفالي (ت448هـ) هو الخطيب التبريزي (ت502هـ)، كما في “معجم الأدباء”([9])، و”وفيات الأعيان” ([10])، و”مرآة الجنان” ([11]). فهي مروية بسند متصل، موثقة بالتدوين في كتب يحترز مؤلِّفوها في النقل ويهتمون بالتوثيق.
كما أن الخطيب التبريزي كان معاصرا للفالي وروى عنه بعضا من شعره كما في المصادر؛ لذا هو أكثر الناس اطلاعا على أحواله وما جرى له.
2- ذُكِر في ترجمة الفالي (ت448هـ) أنه كان أديبًا شاعرًا وله نظم جيد، بينما القالي (ت356هـ) ليس بشاعر والشعر الوحيد الذي قاله كان قصيدة في رثاء شيخه ابن دُرَيْدٍ (ت321هـ) ذكرها في نهاية “ذيل الأمالي” و”النوادر”([12])، ولم ينسبها لنفسه صراحة، بل قال: “لبعض البغداديين”، ورغم أنها بلغت (53) بيتًا فإنها من شعر العلماء وليس فيها ماء شعر المطبوعين من الشعراء، يقول في مطلعها:
يَلُومُ عَلَى فَرْطِ الأَسَى ويُفَنِّدُ…خَلِيٌّ مِنَ الوَجْدِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ
ويُكْبِرُ أَنْ يَنْهَلَّ دَمْعٌ أَرَاقَهُ..تَضَرُّمُ نَارٍ في الحِشَا لَيْسَ تَخْمدُ
بينما الأبيات التي نحن بصدد دراستها عليها مسحة الشعراء.
3-وفيما يتصل بالشاعرية أيضا فيبدو من خلال ما وصل لنا من شعر أبي الحسن الفالي (ت448هـ) أنه كان مولعًا بالتَّضمين في شعره، حيث ذكرت له المصادر السابقة ([13]) قوله:
تَصَدَّرَ للتَّدْرِيسِ كُلُّ مُهَوِّسٍ … بَلِيْدٍ يُسَمَّى بِالفَقِيْهِ المُدَرِّسِ
فَحُقَّ لِأَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَتَمَثَّلُوْا … بِبَيْتٍ قَدِيْمٍ شَاعَ في كُلِّ مَجْلِسِ
“لَقَدْ هَزُلَتْ حتَّى بَدَا مِنْ هُزَالِها … كُلَاهَا وحتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ”
والبيت الأخير مُضمَّنٌ من شعر سيَّار مشهور لغَيلان الرَّاعي في وصف ناقته.
ومن شعره أيضا الذي ظهر فيه التَّضمين([14]):
لمَّا تَبَدَّلَتِ المَنَازِلُ أَوْجُهًا … غَيْرَ الَّذِيْنَ عَهِدْتُ مِنْ عُلَمَائهَا
وَرَأَيْتُهَا مَحْفُوْفَةً بِسِوَى الأُلَى … كَانُوا وُلَاةَ صُدُوْرِهَا وَفِنَائِهَا
أَنْشَدْتُ بَيْتًا سَائرًا مُتَقَدِّمًا … وَالعَيْنُ قَدْ شَرِقَتْ بِجَارِي مَائِهَا
“أَمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ … وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا”
فالبيت الأخير مُضَمَّنٌ من شعرٍ لشاعر آخر ورد في “حماسة الظُّرَفاء”، وهو:
قِفْ بالمَطِيّ فَنادِ في صَحَرَائِهِم … فعَسَى يُجيبُ الحَيُّ مِنْ أَبْنَائِهِمْ
لا وَالَّذِي حَجَّتْ قُرَيْشٌ بَيتَهُ … يَسْتَقْبِلُوْنَ الرُّكْنَ مِنْ بَطْحَائِهِمْ
مَا أَبْصَرَتْ عَيْني خِيَامَ قَبيلةٍ … إلاَّ ذَكَرْتُ أَحِبَّتي بِفِنَائِهمْ
أَمَّا الخِيَامُ فَإنَّها كَخِيَامِهِمْ … وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهِمْ
من كل ذلك يتضح أن الفالي كان مولعًا بالتَّضمين في شعره، وقد ظهرت هذه السمة في الأبيات التي نحن بصددها؛ حيث إن البيت الأخير مُضَمَّنٌ، وهو بيت مشهور لأعرابي باع ناقته في السوق ثم نظر إليها وقاله، فردها المشتري وثمنها.
4- القصة ذكرها ابن خلكان واليافعي في سياق ترجمة الشريف المرتضى (ت406هـ) باعتباره موقفًا يحسب له؛ لأنه هو الذي اشترى النسخة من الفالي، بينما ذكر في الوافي بالوفيات هذا الموقف برواية مختلفة وشخوص مختلفين، فقال:” قال التبريزي رأيت نسخة لكتاب الجمهرة لابن دريد باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير من القاضي أبي بكر بن بديل التبريزي وحملها إلى تبريز ونسخت أنا منها نسخة فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها….فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات فتوجَّع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه وكان الفالي قد مات”.
فالأبيات والموقف متوافر بقرائنه وشخوصه وشهوده وإن اختلفوا كما اختلف السعر؛ فتارة كان الذي اشترى النسخة من الفالي هو الشريف المرتضى وتارة كان القاضي أبا بكر بن بديل التبريزي.
ويمكن الجمع بين الواقعتين بأن الفالي باعها للشريف المرتضى فردها عليه مع الدنانير، ثم اضطر الفالي لبيعها مرة أخرى للقاضي ابن بديل ومات بعدها، وهذا ما ذهب إليه نجاتي أيضا في مقاله سابق الذكر.
5- من خلال ما توافر لي من خبرات في التصحيف والتحريف في أسماء الأعلام خاصة فإن الذهن يصرف التصحيف والتحريف إلى الأشهر؛ بمعنى أن القالي أشهر من الفالي، خاصة عند علماء اللغة مثل الفيروزآبادي والصَّغاني اللذين يعايشان ذكر القالي أكثر، فيغلب على الذهن تصحيف الفالي إلى القالي، ويزيد هذا تأكيدا لديهم أن الحديث عن نسخة لكتاب الجمهرة لابن دُرَيْد(ت321هـ) الذي كان من شيوخ القالي وكان يعتز به وينقل عنه كثيرًا في أماليه.
ومن خلال ما سبق يتأكد أن الأبيات للفالي (448هـ) وليست للقالي (360هـ) كما نقل السيوطي (ت911هـ) رحمه الله تعالى.
وإن كان التصحيف والتحريف أدى هنا إلى نسبة شعر الفالي للقالي فإنه عند الإمام ابن كثير (ت774هـ) أدى إلى خلط في نسبة كتاب أحدهما للآخر؛ حيث قال في ترجمة الفالي في “البداية والنهاية”([15]):”وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن أحمد بن علي بن سلك، أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي، صاحب ” الأمالي”… “. ثم ساق بقية ترجمته وبعضا من شعره. فانظر كيف نسب له أمالي القالي الشهيرة! وقد نبَّه محقِّقوه على هذا الوهم.
وتبقى النهاية التراجيدية حاضرة في الأحداث المصاحبة لهذه الأبيات بالنسبة للفالي؛ حيث ذكر “الوافي بالوفيات” أن القاضي أبا بكر بن بديل لما أطلعه التبريزي على الأبيات توجَّع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه. وكان الفالي قد مات”. بينما ذكرت إحدى طبعات وفيات الأعيان أن الشريف المرتضى “أرجع النسخة إليه وترك له الدنانير”، وسائر نسخ الوفيات لم تذكر ذلك، ولم ترد هذه النهاية الحسنة في المصادر الأخرى، وأرى أنها زيادة مهمة تستحق الإثبات في المتن؛ فلو لم يحدث هذا من الشريف المرتضى فلا داعي لذكر هذه القصة في مناقبه، بل بالعكس تكون من مثالبه؛ لأنه لم يرحم مفجوعًا بكتابه!
وبينما كانت نهاية الواقعة عند القالي أكثر سعادة؛ إذ عادت له نسخته مع الدنانير فقرَّ بهما عينًا إلى حين، والله أعلم، فإن فاجعتنا نحن -بضياع هذه النسخة وعدم وصولها لنا لتكون شاهدة على معاناة المفلوكين الذين أصابتهم حُرْفة الأدب- أشد من فاجعة القالي والفالي:
“لَقَدْ طَالَ وَجْدِي بَعْدَهَا وَحَنِيني”.
————————————
هوامش البحث:
([1]) راجع في هذه الواقعة الطريفة وغيرها مقال العلامة خفيف الظل محمود الطناحي رحمه الله: “هذه النقطة وقضية التصحيف والتحريف”.
([2]) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى بك وآخرين، (1/95)، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1986م.
([3]) المزهر، (1/95-96).
([4]) معجم الأدباء، (4/1646).
([5]) سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، (18/54-55)، مؤسسة الرسالة، ط3، 1985م.
([6]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، (3/316)، دار صادر، بيروت.
([7]) الوافي بالوفيات، خليل بن أيبك الصفدي، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، (7/140)، دار إحياء التراث، بيروت، 2000م.
([8]) مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي، (3/56)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1993م.
([9]) (4/1646).
([10]) (3/316).
([11]) مرآة الجنان، اليافعي، (3/56).
([12]) الأمالي للقالي، (ص231)، دار الكتب المصرية، 1926م.
([13]) وهناك مصادر أخرى نسبت هذه الأبيات لأبي علي الآمدي(ت499هـ) مثل الوافي بالوفيات(12/228)، وأراه للفالي واستشهد بها الآمدي فظُنَّت له؛ لأن للفالي شعرا آخر في ذم التدريس وما آل إليه من أحوال، فهي ظاهرة شائعة عنده، كما سيظهر في هائيته التالية، بالإضافة إلى أنه لا يعرف للآمدي شعر غيرها.
([14]) معجم الأدباء، (4/1646).
([15]) البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق علي شيري، (12/ 87)، دار التراث العربي، 1988.
د. محمد علي عطا
ما زالت قضية التصحيف والتحريف رغم المعالجات الضخمة لها في تراثنا الإسلامي تثير إشكالات متجدِّدة، ومن الإشكالات التي وقفت عليها أبيات شعر مصحوبة بقصَّة نُسِبَت لأبي عليٍّ القالي (ت356هـ) مرَّة ولأبي الحسن الفالي (ت448هـ) مرة، إضافة إلى خطأ في نسبة كتاب أحدهما للآخر، وغير خافٍ ما بين النسبتين من تشابهٍ يسهل معه التصحيف والتحريف، ولا تستخِفَّنَّ بهذه النقطة التي أدَّت إلى هذا؛ فهذا أقل تأثيراتها وأحمدها، وإلا فقد أدَّت إلى بتر أعضاء عدة رجال من قبل([1])!
وقد علَّق على هذه القصة من قبل الأستاذ أحمد يوسف نجاتي، في مجلة الرسالة العدد رقم793، 13سبتمبر، 1948هـ، ص1036، تحت عنوان ”تصحيح تصحيف وتحرير تحريف”، وكان سبب تعليقه نقل أحمد أمين لهذه الأبيات والقصة في كتابه ”ظهر الإسلام”، منسوبة للقالي، وقد عالج الأمر بسَوْق التراجم فقط، ولم يقم بتحليل الأبيات ولا سند الرواية، حيث لم يكن “المزهر في علوم اللغة” للسيوطي(ت911هـ) من مصادره، ولم يقف على نسبة كتاب “الأمالي” للفالي كما في “البداية والنهاية” لابن كثير (ت774هـ).
ومنشأ قضية الخلط في نسبة الشعر بينهما أن السيوطي (ت911هـ) قال في “المزهر” ([2]):
”وقال بعضهم: كان لأبي عليٍّ القالي نسخةٌ من “الجمهرة” بخطّ مؤلِّفها، وكان قد أُعْطي بها ثلاثمائة مثقالٍ فأبَى، فاشتدَّت به الحاجةُ فباعها بأربعين مثقالاً وكتبَ عليها هذه الأبيات: (الطويل)
أَنِسْتُ بِهَا عِشْرِيْنَ حَوْلاً وَبِعْتُهَا … لَقَدْ طَالَ وَجدِي بَعْدهَا وَحَنِينِي
وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنَّنِي سَأَبِيعُهَا … وَلَوْ خَلَّدَتْنِي فِي السُّجُونِ دُيُونِي
وَلَكِنْ لِضَعْفٍ وَافتِقَارٍ وَصِبْيَةٍ … صِغَارٍ عَلَيْهِم تَسْتَهِلُّ شُؤُونِي
وَقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ … كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بهنَّ ضَنِيْنِ
قال: فأَرْسَلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين ديناراً أُخْرى، رحمهم اللّه”.
وذكر السيوطي مصدر هذه الحكاية قائلا ([3]): ”وجدت هذه الحكاية مكتوبةً بخطّ القاضي مجد الدين الفيروزآبادي(ت817هـ) صاحب “القاموس” على ظَهْر نسخة من “العُبَاب” للصَّغاني (ت650هـ)، ونقلها من خَطّه تلميذُه أبو حامد محمد بن الضياء الحنفي ونقلتُها من خطِّه”.
ولم يعلِّق محقِّقو “المزهر” في هذا الموضع بشيء عن وجود هذه الأبيات منسوبة لشخص آخر في كتب التراجم، في حين أنه ترجم للفالي (ت448هـ) وذكر الأبيات السابقة منسوبة له كلٌّ من: ياقوت الحموي (ت626هـ) في “معجم الأدباء” ([4])، والذهبي (ت648هـ) في ”سير أعلام النبلاء” ([5])، وابن خلكان (ت681هـ) في “وفيات الأعيان” ([6])، والصَّفدي (ت764هـ) في “الوافي بالوفيات”([7])، واليافعي(ت768هـ) في “مرآة الجنان”([8]).
فنحن أمام أبيات مصحوبة بقصة مختلفة النسبة بين اللغوي الشهير صاحب “الأمالي” أبي عليٍّ القالي (ت356هـ)، والشاعر النحوي أبي الحسن الفالي (ت448هـ)، تحتاج إلى توثيق، وبالمقارنة بين المصادر نلاحظ:
1-أن سند السيوطي إليها سند واهٍ، فهو عبارة عن وِجَادةٍ لم تتوافر لها شروط الصحة والتوثيق؛ وُجِدت في مكان ليس فيه كبير اهتمام بالتحري والدقة، وهو ظهور نسخة من نسخ العباب للصَّاغاني (ت650هـ)، وليست ظهور النسخ موضع دقَّةٍ وتحرٍّ بل موضع تعليق سريع، كما أن بين الصَّغاني(ت650هـ)، ووفاة القالي (ت356هـ) ما يقرب من ثلاثة قرون كاملة، فمن الذي نقل هذه الأبيات خلال هذه القرون؟!
بينما الذي حكى نسبة هذه الأبيات للفالي (ت448هـ) هو الخطيب التبريزي (ت502هـ)، كما في “معجم الأدباء”([9])، و”وفيات الأعيان” ([10])، و”مرآة الجنان” ([11]). فهي مروية بسند متصل، موثقة بالتدوين في كتب يحترز مؤلِّفوها في النقل ويهتمون بالتوثيق.
كما أن الخطيب التبريزي كان معاصرا للفالي وروى عنه بعضا من شعره كما في المصادر؛ لذا هو أكثر الناس اطلاعا على أحواله وما جرى له.
2- ذُكِر في ترجمة الفالي (ت448هـ) أنه كان أديبًا شاعرًا وله نظم جيد، بينما القالي (ت356هـ) ليس بشاعر والشعر الوحيد الذي قاله كان قصيدة في رثاء شيخه ابن دُرَيْدٍ (ت321هـ) ذكرها في نهاية “ذيل الأمالي” و”النوادر”([12])، ولم ينسبها لنفسه صراحة، بل قال: “لبعض البغداديين”، ورغم أنها بلغت (53) بيتًا فإنها من شعر العلماء وليس فيها ماء شعر المطبوعين من الشعراء، يقول في مطلعها:
يَلُومُ عَلَى فَرْطِ الأَسَى ويُفَنِّدُ…خَلِيٌّ مِنَ الوَجْدِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ
ويُكْبِرُ أَنْ يَنْهَلَّ دَمْعٌ أَرَاقَهُ..تَضَرُّمُ نَارٍ في الحِشَا لَيْسَ تَخْمدُ
بينما الأبيات التي نحن بصدد دراستها عليها مسحة الشعراء.
3-وفيما يتصل بالشاعرية أيضا فيبدو من خلال ما وصل لنا من شعر أبي الحسن الفالي (ت448هـ) أنه كان مولعًا بالتَّضمين في شعره، حيث ذكرت له المصادر السابقة ([13]) قوله:
تَصَدَّرَ للتَّدْرِيسِ كُلُّ مُهَوِّسٍ … بَلِيْدٍ يُسَمَّى بِالفَقِيْهِ المُدَرِّسِ
فَحُقَّ لِأَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَتَمَثَّلُوْا … بِبَيْتٍ قَدِيْمٍ شَاعَ في كُلِّ مَجْلِسِ
“لَقَدْ هَزُلَتْ حتَّى بَدَا مِنْ هُزَالِها … كُلَاهَا وحتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ”
والبيت الأخير مُضمَّنٌ من شعر سيَّار مشهور لغَيلان الرَّاعي في وصف ناقته.
ومن شعره أيضا الذي ظهر فيه التَّضمين([14]):
لمَّا تَبَدَّلَتِ المَنَازِلُ أَوْجُهًا … غَيْرَ الَّذِيْنَ عَهِدْتُ مِنْ عُلَمَائهَا
وَرَأَيْتُهَا مَحْفُوْفَةً بِسِوَى الأُلَى … كَانُوا وُلَاةَ صُدُوْرِهَا وَفِنَائِهَا
أَنْشَدْتُ بَيْتًا سَائرًا مُتَقَدِّمًا … وَالعَيْنُ قَدْ شَرِقَتْ بِجَارِي مَائِهَا
“أَمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ … وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا”
فالبيت الأخير مُضَمَّنٌ من شعرٍ لشاعر آخر ورد في “حماسة الظُّرَفاء”، وهو:
قِفْ بالمَطِيّ فَنادِ في صَحَرَائِهِم … فعَسَى يُجيبُ الحَيُّ مِنْ أَبْنَائِهِمْ
لا وَالَّذِي حَجَّتْ قُرَيْشٌ بَيتَهُ … يَسْتَقْبِلُوْنَ الرُّكْنَ مِنْ بَطْحَائِهِمْ
مَا أَبْصَرَتْ عَيْني خِيَامَ قَبيلةٍ … إلاَّ ذَكَرْتُ أَحِبَّتي بِفِنَائِهمْ
أَمَّا الخِيَامُ فَإنَّها كَخِيَامِهِمْ … وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهِمْ
من كل ذلك يتضح أن الفالي كان مولعًا بالتَّضمين في شعره، وقد ظهرت هذه السمة في الأبيات التي نحن بصددها؛ حيث إن البيت الأخير مُضَمَّنٌ، وهو بيت مشهور لأعرابي باع ناقته في السوق ثم نظر إليها وقاله، فردها المشتري وثمنها.
4- القصة ذكرها ابن خلكان واليافعي في سياق ترجمة الشريف المرتضى (ت406هـ) باعتباره موقفًا يحسب له؛ لأنه هو الذي اشترى النسخة من الفالي، بينما ذكر في الوافي بالوفيات هذا الموقف برواية مختلفة وشخوص مختلفين، فقال:” قال التبريزي رأيت نسخة لكتاب الجمهرة لابن دريد باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير من القاضي أبي بكر بن بديل التبريزي وحملها إلى تبريز ونسخت أنا منها نسخة فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها….فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات فتوجَّع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه وكان الفالي قد مات”.
فالأبيات والموقف متوافر بقرائنه وشخوصه وشهوده وإن اختلفوا كما اختلف السعر؛ فتارة كان الذي اشترى النسخة من الفالي هو الشريف المرتضى وتارة كان القاضي أبا بكر بن بديل التبريزي.
ويمكن الجمع بين الواقعتين بأن الفالي باعها للشريف المرتضى فردها عليه مع الدنانير، ثم اضطر الفالي لبيعها مرة أخرى للقاضي ابن بديل ومات بعدها، وهذا ما ذهب إليه نجاتي أيضا في مقاله سابق الذكر.
5- من خلال ما توافر لي من خبرات في التصحيف والتحريف في أسماء الأعلام خاصة فإن الذهن يصرف التصحيف والتحريف إلى الأشهر؛ بمعنى أن القالي أشهر من الفالي، خاصة عند علماء اللغة مثل الفيروزآبادي والصَّغاني اللذين يعايشان ذكر القالي أكثر، فيغلب على الذهن تصحيف الفالي إلى القالي، ويزيد هذا تأكيدا لديهم أن الحديث عن نسخة لكتاب الجمهرة لابن دُرَيْد(ت321هـ) الذي كان من شيوخ القالي وكان يعتز به وينقل عنه كثيرًا في أماليه.
ومن خلال ما سبق يتأكد أن الأبيات للفالي (448هـ) وليست للقالي (360هـ) كما نقل السيوطي (ت911هـ) رحمه الله تعالى.
وإن كان التصحيف والتحريف أدى هنا إلى نسبة شعر الفالي للقالي فإنه عند الإمام ابن كثير (ت774هـ) أدى إلى خلط في نسبة كتاب أحدهما للآخر؛ حيث قال في ترجمة الفالي في “البداية والنهاية”([15]):”وممن توفي فيها من الأعيان: علي بن أحمد بن علي بن سلك، أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي، صاحب ” الأمالي”… “. ثم ساق بقية ترجمته وبعضا من شعره. فانظر كيف نسب له أمالي القالي الشهيرة! وقد نبَّه محقِّقوه على هذا الوهم.
وتبقى النهاية التراجيدية حاضرة في الأحداث المصاحبة لهذه الأبيات بالنسبة للفالي؛ حيث ذكر “الوافي بالوفيات” أن القاضي أبا بكر بن بديل لما أطلعه التبريزي على الأبيات توجَّع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه. وكان الفالي قد مات”. بينما ذكرت إحدى طبعات وفيات الأعيان أن الشريف المرتضى “أرجع النسخة إليه وترك له الدنانير”، وسائر نسخ الوفيات لم تذكر ذلك، ولم ترد هذه النهاية الحسنة في المصادر الأخرى، وأرى أنها زيادة مهمة تستحق الإثبات في المتن؛ فلو لم يحدث هذا من الشريف المرتضى فلا داعي لذكر هذه القصة في مناقبه، بل بالعكس تكون من مثالبه؛ لأنه لم يرحم مفجوعًا بكتابه!
وبينما كانت نهاية الواقعة عند القالي أكثر سعادة؛ إذ عادت له نسخته مع الدنانير فقرَّ بهما عينًا إلى حين، والله أعلم، فإن فاجعتنا نحن -بضياع هذه النسخة وعدم وصولها لنا لتكون شاهدة على معاناة المفلوكين الذين أصابتهم حُرْفة الأدب- أشد من فاجعة القالي والفالي:
“لَقَدْ طَالَ وَجْدِي بَعْدَهَا وَحَنِيني”.
————————————
هوامش البحث:
([1]) راجع في هذه الواقعة الطريفة وغيرها مقال العلامة خفيف الظل محمود الطناحي رحمه الله: “هذه النقطة وقضية التصحيف والتحريف”.
([2]) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى بك وآخرين، (1/95)، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1986م.
([3]) المزهر، (1/95-96).
([4]) معجم الأدباء، (4/1646).
([5]) سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، (18/54-55)، مؤسسة الرسالة، ط3، 1985م.
([6]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، (3/316)، دار صادر، بيروت.
([7]) الوافي بالوفيات، خليل بن أيبك الصفدي، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، (7/140)، دار إحياء التراث، بيروت، 2000م.
([8]) مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي، (3/56)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1993م.
([9]) (4/1646).
([10]) (3/316).
([11]) مرآة الجنان، اليافعي، (3/56).
([12]) الأمالي للقالي، (ص231)، دار الكتب المصرية، 1926م.
([13]) وهناك مصادر أخرى نسبت هذه الأبيات لأبي علي الآمدي(ت499هـ) مثل الوافي بالوفيات(12/228)، وأراه للفالي واستشهد بها الآمدي فظُنَّت له؛ لأن للفالي شعرا آخر في ذم التدريس وما آل إليه من أحوال، فهي ظاهرة شائعة عنده، كما سيظهر في هائيته التالية، بالإضافة إلى أنه لا يعرف للآمدي شعر غيرها.
([14]) معجم الأدباء، (4/1646).
([15]) البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق علي شيري، (12/ 87)، دار التراث العربي، 1988.

تعليق