الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

جهود عبْدالقاهر الجرجَاني في الدراسات التصريفيّة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    جهود عبْدالقاهر الجرجَاني في الدراسات التصريفيّة

    جهود عبْدالقاهر الجرجَاني في الدراسات التصريفيّة
    للدكتور علي توفيق الحمَد
    جامعة اليرموك

    أولاً: الدافع إلى البحث:
    ما دفعني إلى هذا البحث هو شهرة عبدالقاهر الجرجاني التي طبّقت الآفاق، وتنوّع مباحثه في علوم العربية المختلفة: أصواتها، وصرفها، ونحوها، وبلاغتها، ونقدها، إضافة إلى جهوده في علم الدلالة وإعجاز القرآن الكريم والدراسات القرآنية.
    وقد توالت البحوث والمؤلفات، وتناول كلّ منها جانباً من هذه الجوانب التي برع فيها الرجل، ونظرت في هذه البحوث فوجدتها قد استوفت – أو كادت- الجوانب المختلفة من علمه، وقد أجمعتْ على أنّ لدى الرجل نزعات تجديدية، وأنّه سبق المحدثين في غير قضية من قضايا بحوثه، ولكني وجدت نقصاً في البحوث التي تناولت مكانته وجهوده في الجانب التصريفي.
    فاستقرّ في نفسي أن أحاول تتبّع جهوده في هذا الجانب، ورأيت أنّ الأمر سيبقى ناقصاً إن لم أطّلع على مصنفاته فيه، فحصلت على مصوّرة من كتاب صغير له هو "المفتاح في الصرف"، وشغلت نفسي في تحقيقه، وهو الآن قيد الطبع والحمد لله. ثم حصلت على مصوّرة لرسالة أخرى له، وهي العمدة في التصريف، كما اطّلعت على مصورة من كتابه المقتصد في شرح الإِيضاح.
    ولفت نظري اقتصاره في بحوثه التصريفية على أبواب مخصوصة، الأمر الذي دعاني إلى بحث هذه الظاهرة.
    وكذلك ما أورده في الورقة الأولى (ظ1- و2) من كتابه المفتاح في الصرف، وهو قوله: والتمثيل – ويعني به الوزن الصرفي- وهو أن يقابل حروف الكلمة الثلاثية بالفاء والعين واللّام، وتكرّر اللّام في الرباعي مطلقاً – أي في الاسم والفعل- وكذا في الاسم الخماسي، ... وفي البدل من الأصل جاز فيه المثالان، فمثل كساء: فعال أو فعاء، أصله كساو، قلبت الواو همزة لتطرفها.
    ومما دفعني إلى البحث أيضاً ما أورده الرضي عن عبدالقاهر أنه يزن (قالَ) على فالَ، وهو رأي حديث، سبق عبدالقاهر غيرَه إليه، مع مخالفة المحدثين له في أنه يرى أنّ هذا الوزن على البدل، أمّا المحدثون فلم يقرّوا نظرية البدل هذه، ويرون أنّ (قالَ) ومثيلاتها لا بدل فيها.
    ومن دواعي هذا البحث أيضاً، أنّ بعض الباحثين الذين كتبوا عن عبدالقاهر لم يستطيعوا تبيّن حقيقة كتابه "المفتاح"، ومنهم من قال: "قد يكون من مصنفاته التي تتصل بمذهبة الفقهي الشافعي، وقد تكون اتجاهاته اللغوية غلبت عليه، فجعلته يصنّفه في بعض المباحث اللغوية".
    هذه جملة الدوافع إلى هذا البحث، إذ اطّلعت على كتابه "المفتاح في الصرف"، وتجمّع لديّ بعض الملحوظات والأفكار عن جهوده التصريفية بشكل خاص، فوجدت أنّ الكتابة أصبحت ممكنة، لعلّها تجلو بعض الجوانب والحقائق.

    ثانياً: حول المصطلح "أصرْفٌ هو أمْ تصريف"، وموضوعه، وعلاقته بمستويات البحث اللغوي الأخرى:
    التصريف أو الصرف: علم بأصول، يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب.
    والتصريف عند عبدالقاهر: (تفعيل من الصرف، وهو أن تصرّف الكلمة المفردة فتتولد منها ألفاظ مختلفة ومعان متفاوتة).
    وقد اضطرب إطلاق المصطلح بين القدماء من جهة، وبينهم وبين المحدثين من جهة أخرى.
    فلو تتبّعنا إطلاقه عند القدماء، لوجدنا الموضوع يرد في نوعين من المؤلفات:
    أ- الأول: المؤلفات النحوية بمفهوم النحو الواسع العام الذي يضمّ أبواباً صوتية وصرفية ونحوية، ففي تلك المؤلفات، نجد مصنفيها أطلقوا مصطلح "التصريف" على أبواب مخصوصة تتناول التغير الذي يطرأ على بِنى الكلمات لإِظهار ما في حروفها من أصالة أو زيادة أو حذف، وما يطرأ عليها من إبدال أو إعلال.
    ومفهوم النحو بمعناه الواسع العام يشمل مستويات الدراسة اللغوية كلها (أصواتها وبناها وتراكيبها)، فأبو علي الفارسي عرّف النحو بأنه علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، وهو ينقسم قسمين:
    أحدهما: تغيير يلحق أواخر الكلم.
    والآخر: تغيير يحلق ذوات الكلم وأنفسها.
    وإلى ذلك ذهب أبو حيان؛ فعلم النحو – عنده- مشتمل على أحكام الكلمة، والأحكام على قسمين:
    قسم يلحقها حالة التركيب، وهو قسمان: قسم إعرابي وقسم غير إعرابي .
    والثاني يلحقها حالة الإِفراد، وهو قسمان أيضاً: قسم تتغير فيه الصيغ لاختلاف المعاني، نحو ضرب وضارب وتضارب واضطراب، وكالتصغير والتكسير وبناء الآلات، وأسماء المصادر وغير ذلك، وهذا جرت عادة النحويين بذكره قبل علم التصريف وإن كان منه.
    وقسم تتغير فيه الكلمة لا لاختلاف المعاني كالنقص والإِبدال والقلب والنقل وغير ذلك.
    ولحظ عباس حسن أن جمهرة اللغويين العرب القدماء عدّوا التصريف بأنه التغيير الذي يتناول صيغة الكلمة وبنيتها، ذلك التغيير الذي لا يتصل باختلاف المعاني، وقال: فليس من التصريف عند جمهرة النحاة تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لتؤدي معاني مختلفة – كالتصغير والتكسير والتثنية والجمع والاشتقاق وغير ذلك-، فذلك التحويل يدخل في اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة.
    أما الفارسي فضمّ كل الأبواب التي يلحق التغيير فيها ذوات الكلم، إن كان ذلك التغيير يسبّب اختلافاً في المعاني أو لا يسبّب، فنجده قد خصّص الجزء الثاني من كتابه (الإِيضاح العضدي)، وهو ما يعرف بالتكملة، فعرض فيه أبواب التثنية والجمع السالم والنسب، وتخفيف الهمزة والمقصور والممدود والعدد والتأنيث والتذكير وجمع التكسير والتصغير والإِمالة والمصادر والمشتقات وغيرها، والتصريف – الذي لا يحدث اختلافاً في المعاني- كالزيادة والإِبدال والقلب والإِدغام وغيرها.
    وجاء بعده ابن عصفور في كتابه "المقرّب"، فكان أكثر تنظيماً في منهجه وتبويبه، فخصّص أكثر الجزء الثاني للأبواب التصريفية، فقد ذكر الأحكام التصريفية (الجزء 2/78)، وعرض النوع الأول من التصريف، وفيه: باب التصغير، وجمع التكسر والمصادر والمشتقات والمقصور والممدود والحروف الزوائد، ثم ذكر النوع الثاني من التصريف، وفيه: الإِدغام، وحروف البدل، والقلب والحذف والنقل.
    ولكننا نرى أنه لم يدخل بعض الأبواب التصريفية ضمن ما خصّصه لتلك الأبواب، فلم يدخل أبواب النسب والتذكير والتأنيث والتثنية وجمع السلامة، وإنما أدخلها ضمن الأبواب النحوية.
    وبإنعام النظر في منهج القدماء وتبويبهم، نتبيّن أنهم خصّصوا – باستثناء الفارسي وابن عصفور- أبواب التصريف لموضوعات صوتية بحته، والبدل والقلب والحذف والإِدغام ألصق بعلم الأصوات.
    وربما أحسّوا بارتباط الموضوعات التصريفية بموضوعات النحو، وإن كنت لا أرى ما يقنع في صنيعهم ذلك، لأنهم لو أدركوا تلك الرابطة لقدموا الأبواب التصريفية على مباحث النحو والتراكيب، ولو فعلوا ذلك لكان عملهم متّسقاً إلى حد كبير ووجهة النظر الحديثة، التي تعدّ الصرف مقدمة للنحو أو خطوة تمهيدية له، فهو ليس غاية في ذاته إنما هو وسيلة وطريق من طرق دراسة التركيب والنص.
    ويرى د. عبدالصبور شاهين أنه لا يفصل الصرفَ عن النحو خط عريض، بل خط رفيع جداً، بحيث تتداخل الظواهر النحوية والصرفية، فلا يجوز عزل أحد هذين العلمين عن الآخر في النظر والتطبيق، لأنّ مسائلهما متشابكة إلى حدّ كبير.
    ب- الثاني: المصنفات التصريفية التخصيصة، التي قصرها مصنفوها على الأبواب التصريفية، فأقدم ما وصل إلينا منها هو كتاب أبي عثمان المازني الذي وسمه بالتصريف، ولو نظرنا في موضوعاته لوجدناها مقتصرة على الأبواب التصريفية بمعنى التصريف الضيق، الذي يتناول الأبواب الأكثر التصاقاً بالدراسات الصوتية، ففي ذلك الكتاب تطالعنا أبواب أبنية الأسماء والأفعال، الأصول والزيادات، حروف الزيادة، باب من مسائل الياء والواو، ومسائل من القلب والتضعيف في بنات الياء والواو وتاء الافتعال، فهذه الأبواب في جملتها من النوع الثاني من التصريف الذي ذكره ابن عصفور وأبو حيان، وهو الذي لا يؤدي التغيير فيه إلى اختلاف في المعنى.
    ولم يحد ابن جني في مصنفه على شرح تصريف المازني عن منهجه أو أبوابه.
    ووضع ابن جني أيضاً كتابه "الملوكي" في التصريف أيضاً، وقصره على أبواب التصريف الذي هو من النوع الثاني.
    وسار على منهجه ابن يعيش أيضاً في شرحه على الملوكي الذي وسمه "شرح الملوكي في التصريف".
    وصنّف الميداني كتاباً في التصريف وسمه "نزهة الطرف في علم الصرف"، والتزم فيه منهج السابقين، واقتصر على الأبواب التصريفية بالمفهوم الضيق أيضاً.
    كما صنّف ابن عصفور كتاباً متخصصاً في التصريف اسمه "الممتع في التصريف"، فصرّح في مقدمة كتابه أنّ للتصريف قسمين، وهما القسمان اللذان ذكرهما في كتابه "المقرّب"، وذكر أن القسم الأول الذي يتناول جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، ذكر أنّ هذا القسم جرت عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف، فلذلك لم يضمنه كتابه الممتع، مع أنّ أكثره مبني على معرفة الزائد من الأصلي، وقصر موضوعات كتابه على النوع الثاني الذي لا يؤدي تغيير مبنى الكلمة فيه إلى اختلاف في المعنى. ولكنه يؤكد أن التصريف يتناول القسمين، بقوله: "فإذا بيّنا جميع ما ذكرناه في هذين القسمين فقد أتينا على جملة التصريف".
    وصنّف عبدالقاهر كتابه الموسوم "المفتاح" الذي خصّصه للتصريف، صنّفه على نهج من ذكرنا، أي أنّه قصره على الأبواب التصريفية التي هي من النوع الثاني.
    ولم يخرج عن هذا المنهج في التصنيف من القدماء إلّا ابن الحاجب في "الشافية"، فقد ضمّنها أبواباً تصريفية من النوعين، فالناظر فيها وفي شرح الرضي عليها تطالعه أبواب مفصلة في المصدر والمشتقات والتصغير والنسب وجمع التكسير واسم الجنس واسم الجمع وجمع الجمع والتقاء الساكنين وهمزة الوصل والوقف والمقصور والممدود وحروف الزيادة والإِمالة والإِعلال والإِبدال والإِدغام، ولكني لا أدري لِمَ أغفل ابن الحاجب موضوعات تصريفية أخرى كالمذكر والمؤنث والتثنية والجمع السالم مثلاً.
    بعد هذا الاستعراض، فإنني أميل إلى القول إنّ جمهرة القدماء قد فهموا النحو بمعناه الواسع العام وصنّفوا فيه، وهذا الفهم يوافق ما ذكره الدكتور بشر "أن التقليد الغالب الآن جرى على مناقشة هذين العلمين معاً – علم التصريف وعلم النحو-، مع ملاحظة البدء بقضايا الصرف بوصفه مقدمة ضرورة، ويجمع العلمين كليهما في هذا الرأي مصطلح لغوي واحد هو جراماتيكا (Gremmar) الذي يشمل كذلك – طبقاً لبعض الأقوال- علم وظائف الأصوات (Phonology).
    صحيح أنّ منهجهم هذا افتقر إلى دقة التصنيف، فكان عليهم أن يعلّموا أوّلاً الأصوات ووظائفها – التي أطلق القدماء على بعضها مصطلح التصريف من النوع الثاني-، لكني أقول: إنهم تنبّهوا إلى هذه القضية، واعتذروا لتأخيرهم الأبواب التصريفية الصوتية، فهذا ابن جني يقول: "التصريف يحتاج إليه جميع أهل العربية أتمّ حاجة، وبهم إليه أشدّ فاقة، لأنه ميزان العربية"، فهذا يدلّ على استشعارهم أهمية هذا العلم، ويقول في موضع لاحق: "... فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف ... إلّا أنّ هذا الضرب من العلم لمّا كان عويصاً صعباً بُدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد، ليكون الارتياض في النحو موطئاً للدخول فيه، ومعيناً على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    وذكر ابن يعيش أنّ حاجة النحوي إليه ضرورية، ومعنى هذا أنّ النحوي لا بدّ له من النظر فيه والتسلّح بمسائله أوّلاً.
    ويقول ابن عصفور في المعنى نفسه: "وقد كان ينبغي أن يقدم علم التصريف على غيره من علوم العربية ... إلّا أنّه أُخر للطفه ودقّته، فجعل ما قدّم عليه من ذكر العوامل توطئة له، حتى لا يصل إليه الطالب إلّا وهو قد تدرّب وارتاض للقياس".
    وأيّاً كان موقفنا من قبول اعتذارهم أو ردّه، فإن ما قدّموه يؤكد – بلا شك- إدراكهم لأهمية علم وظائف الأصوات والتصريف للنحو، وما يقدمانه للتراكيب. هذا الإدراك منهم يستحقّ التقدير، ويقتضي الإِنصافُ والموضوعيةُ أن يُسجَّل هذا لصالحهم، وهو ملحظ يتفق وما أقرّته الدراسات اللغوية الحديثة.
    ولا بدّ أن نسجّل أنّ ثمة لغويّاً تنبّه إلى أهميّة تقديم الدراسة الصوتية فالتصريفية قبل عرض المباحث النحوية، ذلكم هو السكّاكي المتوفى (626هـ) في كتابه (مفتاح العلوم)، جاء في خطبته: "وجعلت هذا الكتاب ثلاثة أقسام: القسم الأول في علم الصرف، القسم الثاني في علم النحو، القسم الثالث في علمي المعاني والبيان. ... فعلما الصرف والنحو يرجع إليهما في المفرد والتأليف، ويرجع إلى علمي المعاني والبيان في كون المركب مطابقاً لما يجب أن يتكلم له.
    ولما كان علم الصرف هو المرجوع إليه في المفرد أو في ما هو في حكم المفرد، والنحو بالعكس من ذلك كما ستقف عليه، وأنت تعلم أنّ المفرد متقدّم على أن يؤلّف، وطباق المؤلّف للمعنى متأخر عن نفس التأليف، لا جرم أنا قدمنا البعض على هذا الوجه وَضْعاً لنؤثر ترتّباً استحقته طبعاً".
    فهو يدافع عن مخالفته سابقيه في المنهج بعرضه الأبواب التصريفية قبل النحو، لأنه أحسّ باقتضاء دراستها أوّلاً، فهي بطبيعتها تستحقّ التقديم، وهذا إحساس لغوي سليم، إذ إنّ دراسة بنى الكلمات تعدّ مدخلاً لدراسة التراكيب النحوية، لما لتغير تلك البنى من أثر في تغيير تراكيب الجمل، فقولنا: "أَكْرَمَ زيدٌ الضيفَ" اقتضت صيغة (أَكْرَمَ) وجود مفعول به، فإذا ما غيرناها إلى صيغة المبنى للمجهول قلنا: "أُكْرِمَ الضيفُ"، فإنّ تركيب الجملة بكاملها يحدث فيه التغيير، وهذا التغيير تبع تغيير صيغة الفعل "أكرم" من المعلوم إلى المجهول.
    أما التأليف لدى المحدثين والمعاصرين، فقد اتّسم بالتخصص والفصل بين مستويات الدراسة اللغوية، فنجد الكتب النحوية قد اقتصرت على الموضوعات النحوية، وخصّصت مصنفات خاصة لعلم وظائف الأصوات، ومصنفات أخرى مستقلة لأبواب التصريف وموضوعاته، لكنها جمعت الأبواب التصريفية بشكل عامّ وبنوعيها اللذين ذكرهما ابن عصفور وأبو حيان.
    أمّا عن المصطلح، فقد تواتر لدى القدماء استخدام مصطلح التصريف، حتى أنّ كتاب (نزهة الطرف في علم الصرف)، بدأه مصنفه باستخدام مصطلح التصريف على الرغم من استخدام مصطلح الصرف في اسم الكتاب. وكذلك فإنّ كتاب "المفتاح" للجرجاني بدأه بعد الخطبة القصيرة بتعريف هذا العلم، واستخدم مصطلح التصريف أيضاً، ولا أذكر أني عثرت على استخدام واحد لمصطلح الصرف لدى القدماء عند تناولهم قضايا هذا العلم وأبوابه.
    أمّا المحدثون فقد دمجوا بين المصطلحين "التصريف والصرف" في الاستخدام، فقد ذكر الشيخ محمد الطنطاوي أنّ الصرف إنما يبحث عن الكلمات العربية في ذاتها وجوهرها لمعرفة ما فيها من التغيرات العارضة، سواء أكان لداعي اللفظ أم المعنى.
    وذكر الشيخ هارون عبدالرزاق أنّ الصرف قواعد يعرف بها أحوال أبنية الكلم غير الإِعراب... ولا فرق بين الصرف والتصريف، وأنهما اسمان نقلا لهذا الفنّ، وكلاهما في لغة العرب يفيد التحويل والتغيير.
    أمّا الشيخ يس فقد استخدم مصطلح الصرف وأراد به المعنى العلمي، بينما رأى أن مصطلح التصريف هو المعنى العملي لفعل المصرّف..
    وكذلك فعل الشيخ الحملاوي الذي فرّق بين المعنى العلمي والعملي كما فعل الشيخ يس..
    وبعد، فإن أردنا أن نكون اتّباعيين فإنّنا نرتضي استخدام مصطلح التصريف، الذي استخدمه القدماء، مع أنني أحسّ بالناحية العملية في دلالة هذا المصطلح، كما ذكر الشيخ يس في حاشيته على شرح التصريح، بينما يدل مصطلح الصرف على مطلق التحوّل أو التغيّر في الأبنية. وأرى أنّ عمليات التغيير التي تعتري بنية الكلمة في المعنى الثاني (الزيادة والنقص والإِبدال والإِعلال والقلب وغيرها)، وهي الموضوعات التي اعتاد اللغويون القدماء وضعها في أواخر كتبهم، أرى التعمّل والصنعة واضحين، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الموضوعات والأبواب التي صنّفها المازني في كتابه في التصريف، فبعضها موضوعات قصد منها المهارة في الصياغة والمماحكة والمعاياة. علاوة على التعريف الذي وضعه السيرافي لمصطلح التصريف إذ قال: "هو تغيير الكلمة بالحركات والزيادات والقلب للحروف التي رسمنا جوازها حتى تصير على مثال كلمة أخرى".
    كما أنّ تلك الموضوعات التي يبدو لنا فيها التعمّل والمهارة هي أدخل في الدراسة الصوتية منها في الدراسة الصرفية.
    وإذا اتفقنا على أنّه لا مشاحّة في الاصطلاح، فإننا لا نرى بأساً في استخدام أيّ من المصطلحين، وإن كنت إلى استخدام مصطلح التصريف أميل.

    عبدالقاهر الجرجانيّ:
    هو الإمام أبو بكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن، الناقد البلاغي النحويّ اللغويّ، فارسيّ الأصل، شافعيّ المذهب، ولد بجرجانة، وأقام فيها، وتوفي فيها سنة 471هـ/ 1078م، أو سنة 474هـ/ 1081م. ولعلّ أبرز شيوخه هو أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبدالوارث الفارسيّ، ابن أخت أبي عليّ الفارسيّ.
    ونحسّ بنزعة أبي علي الفارسي العقلية التعمّقية الإِبداعية في ما صنّف عبدالقاهر، مما يحدوني إلى الزعم بأنه امتداد لمذهب خاص متميز في الدراسات اللغوية، تتجلّى فيه النزعة الفكرية، تلك النزعة التي أتاحت لعبدالقاهر أن يكون متميّزاً في علمه ونظراته الثاقبة وتحليلاته الصائبة، ذلك المذهب أجيز لنفسي أن أطلق عليه المذهب اليونسي، نسبة إلى يونس بن حبيب، الذي تسلسل على النحو التالي:
    (يونس- الأخفش الأوسط- الجرمي- المبرّد- ابن السرّاج- أبو علي الفارسي فابن جني وعبدالقاهر الجرجاني)، وما قوّى لديّ هذا الزعم أنّ هؤلاء اللغويين اشتهروا بالعمق ومخالفة معاصريهم من اللغويين من كلا المذهبيين البصري والكوفيّ، ومن يتتبّع هؤلاء الرجال وآراءهم ومخالفاتهم يذهب مذهبنا أو يقاربه.
    ومن أبرز تلاميذ عبدالقاهر علي بن زيد الفصيحي، و أبو زكريا (الخطيب) التبريزي.
    أما علمه وآثاره العلمية: فقد صنّف في النحو والأدب، وهو أوّل من دوّن علم المعاني، تناولت مصنفاته علوماً شتّى، فقد صنّف في الدراسات القرآنية، والدراسات البلاغية، والنحو والتصريف والعروض.
    ومن أشهر آثاره كتاب "المغني" الذي وضعه شرحاً على كتاب (الإِيضاح العضدي) للفارسي، وضعه في ثلاثين مجلداً، ولكنه لم يصل إلينا، ولو وصل إلينا لأطلعنا على علم غزير، يؤكّد ذلك كتاب "المقتصد" الذي هو مختصر لكتاب المغني، وكتاب المقتصد المختصر هذا فيه علم غزير، فماذا يكون حال المغني؟ كما خلّف لنا كتابين هما من أشهر مصنفاته، إن لم يكونا أشهرهما على الإِطلاق، ذانكم الكتابان هما: كتاب دلائل الإِعجاز الذي أودع فيه نظريته في النظم، التي أطلق عليها د. مصطفى ناصف اسم "النحو الثاني". وقد قال فيه إبراهيم مصطفى: "وعبدالقاهر رسم في كتابه دلائل الإِعجاز طريقاً للبحث النحوي تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإِعراب"، وهذه لفتة متقدمة فيها تطوير للبحث النحوي عند القدماء، لو تمسّك بها اللاحقون وطوّروها لسبقوا كل النظريات اللغوية الحديثة بمئات السنين.
    أمّا الكتاب الثاني فهو (أسرار البلاغة)، الذي هو صنو الدلائل، وقد ألفه لغاية بلاغية، ووضع الأصول والقوانين وبيان الأقسام وذكر الفروق بين العبارات والفنون البيانية... ولا نجد في كتب البلاغة والنقد السابقة تحليلاً كتحليل عبدالقاهر، ولا نظرة كنظراته، ولا فهماً كفهمه، وإنْ بحَثَ فنوناً سَبَقَ أنْ تحدّث عنها السابقون، وهذا هو الفرق بين عالم مجدّد وآخر مقلّد. وقد أقام دراسته فيه على العلاقات الأسلوبية بين الألفاظ، وهي في رأيه موطن البلاغة، فاللفظ والمعنى لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، إنهما وجه الصورة وعمادها، وهذه هي نظرية الكثيرين من النقاد العالميين وبخاصة النقاد الجماليون....، وفي هذا يتلاقي عبدالقاهر مع كل النقاد الكبار في الشرق والغرب على السواء.
    هذا بعض من تعليقات المحدثين على كتابيه، أمّا ما قاله طاش كبرى زاده فيهما: "ولو لم يكن له سوى كتاب أسرار البلاغة ودلائل الإِعجاز لكفاه شرفاً وفخراً. فهذا القول أبلغ تعبير عن مكانتهما.

    التعريف بجهوده التصريفية:
    أمّا في الدراسات التصريفية – وهي موضع اهتمامنا في هذا البحث- فلم يصل إلينا من جهوده سوى ما ورد في كتابه (المقتصد)، وخلّف لنا كتابين آخرين صغيرين، قصرهما على المسائل والأبواب التصريفية، إنهما كتاب "المفتاح"، وكتاب "العمدة في التصريف"، وهو رسالة في إحدى عشرة ورقة مخطوطة، ضمن مجموعة في مكتبة لاله لي، في المكتبة السليمانية في إستانبول، رقم المجموعة (3740/3) وتاريخ نسخ العمدة سنة 682هـ، وفي آخر رسالة العمدة فصل في مخارج الحروف في صفحة واحدة.
    أمّا أبواب تلك الرسالة، فهي:
    باب الأفعال الثلاثية، باب المعتل من الأفعال: المعتل الفاء، المعتل العين، المعتل اللام، باب المعتل العين واللام غير المضاعف، باب المعتل العين واللام المضاعف، وباب أمثلة الأفعال التي فيها زيادة من الثلاثي.
    وختم تلك الأبواب بمسائل أربع:
    - مسألة "افتعل" من المعتل الفاء.
    - مسألة الأصول التي يجب لفظها.
    - مسألة: كلّ واو وقعت بعد كسرة وهي لام الفعل، فإنها تنقلب ياء في الفعل خصوصاً، وكذلك في الاسم.
    - مسألة المفعول من المعتل العين.
    أمّا ما ورد في كتابه "المقتصد"، فهو شرح وتعليقات وتعقيبات على آراء أبي علي الفارسي في تكملة الإِيضاح، وقد التزم منهج الفارسي في ترتيب الأبواب، وسار في شرحه على طريقة الشرح بالنص، فهو يورد عبارة الفارسي أوّلاً، ثم يتبعها شرحه وآراءه وتعليقاته. ولكنه كان يخالف الفارسي في بعض الآراء والتوجيهات، وربما أثار رأياً طريفاً، من ذلك ما أورده في مناقشة قضية الأصل والفرع في أحوال بناء الكلمة، وسنعرض هذه القضية بشيء من التفصيل في موضع لاحق.

    كتاب المفتاح:
    هو كتاب صغير في سبع عشرة ورقة، مخطوط بخط فارسي معجم مشكول أحياناً، محفوظ في دار الكتب الوطنية الظاهرية بدمشق تحت رقم (10603) عامّ.
    بدأ عبدالقاهر كتابه بخطبة قصيرة مناسبة، منها قوله:
    "وهذا كتاب قليل الإِفاضة كثير المعاني، سهل الحفظ قريب التناول"...
    وقد ضمّنه اثني عشر فصلاً، أعقبها بباب خاص، هو باب العقد، أمّا الباب الأوّل فهو علم التصريف وتعريفه وأنه مشترك بين الأسماء والأفعال، ثم التمثيل والوزن.
    وتناول في الباب الثاني أبنية الأسماء، وفي الثالث أبنية الأفعال، وفي الرابع المعاني في الأفعال وزياداتها، وفي الخامس تعريف المصدر، وفي السادس الفعل، وفي السابع الاشتقاق – وقصره على الاشتقاق الصرفي الأصغر-، وفي الثامن أبنية المصادر، وفي التاسع الأمثلة – ويعني بها تصريف الأفعال-، وفي العاشر الزيادة وحروفها، وفي الحادي عشر الإِبدال والحروف التي تبدل، وفي الثاني عشر الحذف والحروف التي تحذف.
    ثم باب العقد وهي عشر مسائل، أطلق على كل مسألة "عقدة" وتتناول أحكاماً متفرقة في إِعلال بعض الكلمات.
    وبعقد المقابلة بين أبواب الكتاب ومادته من جهة، وبين كتب التصريف المتخصصة المتقدمة عليه واللاحقة، نخلص إلى الملحوظات الآتية:
    1- إنّ الكتاب موجز يشبه في إِيجازه كتاب الملوكي في التصريف لابن جني، وشافية ابن الحاجب.
    2- إنّ موضوعاته من ضمن الموضوعات التي عدّها ابن عصفور من باب التصريف في معناه الثاني – التي لا يؤدّي تغيير المبنى فيها إلى اختلاف في المعنى-، وذلك بشكل عامّ، إلّا أنه أضاف موضوعات من التصريف في معناه الأول، كما يظهر ذلك في أبواب "المعاني في الأفعال، والاشتقاق، والأمثلة".
    3- خلا الكتاب من المسائل التي لم يقصد بها سوى الترويض والمهارة والمعاياة، تلك المسائل التي حفل بها كتاب المنصف مثلاً.
    4- خلا الكتاب من مسائل التمرين التي وردت في آخر كتاب (الممتع) لابن عصفور، وكتاب (شرح الملوكي) لابن يعيش.
    5- ضمّ الكتاب باباً للعُقَد، وهو يشبه في هذا ما جاء في كتاب (الملوكي) لابن جني وشرحه لابن يعيش، و(نزهة الطرف) للميداني.
    6- ثمّة تشابه كبير بين ما أورده ابن جني في مختصره "الملوكي" وكتاب الجرجاني، حتّى أن العبارات كانت متماثلة علاوة على الأمثلة، وقد أشرنا إلى ذلك في مواضعه في تحقيقنا الكتاب، وهذا دليل تأثّره، وربّما إِعجابه بابن جني.
    ونلحظ تشابهاً واضحاً بين إضافات عبدالقاهر على ما جاء في الملوكي، وابن يعيش، وهو لاحق متأخر عن عبدالقاهر زمَنَاً.
    كما نلحظ تشابهاً آخر واضحاً بين ما في الكتاب وما في نزهة الطرف للميداني، وهو متأخر عن عبدالقاهر أيضاً.
    ونرى تشابهاً آخر بين ما في الكتاب وما أورده ابن الحاجب في الشافية، وهو متأخر عن عبدالقاهر كذلك.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      وقد أشرنا إلى هذا التشابهات كلها في مواضعها خلال تحقيقنا للكتاب.
      7- خلا الكتاب – شأنه شأن المختصرات– من الشواهد، فلم يرد فيه سوى شاهدين قرآنيين ومثل واحد.
      8- من ينظر في الكتاب يجد مصطلحات صرفية، لا يجد بعضها أو أكثرها في كتب اللغويين الآخرين، منها:
      ‌أ- أطلق لقب "المطابق" على الفعل المضاعف (و3)، ولقب "النبر" على المهموز العين (و3)، و"الهمز" على المهموز اللام (و3)، و(القطع) على المهموز الفاء (و3).
      ‌ ب- أطلق لقب ذي الثلاثة على الفعل الأجوف (ظ3)، لصيرورته على ثلاثة أحرف في المتكلم، نحو: قلت.
      ‌ ج- أطلق لقب ذي الأربعة على الفعل المعتل الناقص، لصيرورته على أربعة أحرف في المتكلم، وهو: دعوت ورميت (ظ3).
      ‌ د- مصطلح "القلب المستوي": وهو أن تكون حروف الثاني مثل حروف الأول، مثاله في قوله تعالى: "وربّك فكبّر".
      هـ- الأفعال المنشعبة: ويعني بها المزيدة على الأصول الثلاثة أو الأربعة.
      و- أطلق مصطلح "الفعل الواقع والمجاوز" على المتعدي، و"غير الواقع والمطاوع" على الفعل اللازم (و6).
      ز- "مصدر للنوع" ويعني به اسم الهيئة.
      ح- فرّق بين الجحد والنفي، فالنفي عنده ما انجزم بلا، ومعناه الإِخبار عن معدوم، أمّا الجحد فما انجزم بلم (و6).
      وقد فرّق الكفوي بين الجحد والنفي، فقال: والجحد هو نفي ما في القلب ثباته، وإِثبات ما في القلب نفيه، وليس بمرادف للنفي من كل جهة..
      وقال في موطن آخر: "والنافي إن كان صادقاً يسمّى كلامه نفياً، ولا يُسمَّى جحداً، وإن كان كاذباً يسمَّى جحداً ونفياً.
      والجحد في المعاجم: إِنكار الشيء مع العلم به، وهو مصطلح استخدمه الكوفيون.
      وفي هذه التراكيب - لم يفعل وإنْ يفعلْ، أي ما فَعَلَ-، يقول برجشتراسر: "والعربية فقدت استعمال المضارع بمعنى الماضي إلّا بعد لَمْ وإنْ وأخواتها، نحو: لم يفعلْ وإنْ يفعلْ، أي: ما فعلَ وإنْ فعَلَ"..
      أقول: وهذا – أي الحرف "لم+" صيغة يَفْعل – ما أطلق عليه الجحد، أما النفي فمركّب من "لا أو ما + يفعل". فالجحد إنكار، والإِنكار يكون لشيء ماض. أما النفي فعلي سبيل الحاضر والاستمرار أو الاستقبال.
      وثمة رأى لعبدالقاهر جدير بالتسجيل، وهو أنه يرى أن لاسم الفاعل صيغ مبالغة تختلف عن صيغ المبالغة من اسم المفعول، فخصّ المبالغة من اسم الفاعل بفعّال وفعيل مطلقاً، أما المبالغة من اسم المفعول فخصّها بمِفْعال ومِفْعيل كمِنصار ومِنْصير مُطْلقاً.(و9).
      بعد هذا التعريف الموجز بكتاب المفتاح: أبوابه ومصطلحاته ومنهجه، ومقابلته بكتب التصريف الأخرى نخلص إلى القضية الأخيرة وهي مفهوم عبدالقاهر للتصريف، وأبرز آرائه.
      لكن بقيت نقطة في جوانب حياة عبدالقاهر لا بدّ من الإِشارة إليها، وهي تبرّمه من الزمان وأهله، وذمّه العصر والناس، فقد جمعت كتب التراجم والطبقات بعض أشعاره في هذا المعنى، منها قوله:

      أيّ وقت هذا الذي نحن فيه
      كلّما سارت العقول لكي تقـ
      قد دجا بالقياس والتشبيهِ
      ـــطـع تِيهاً توغّلت في تِيهِ
      وله أيضاً:

      هذا زمان ليس فيـ
      لم يَرْقَ فيه صاعد
      ـه سوى النذالة والجهالة
      إلّا وسُلَّمُه النذالة

      وتصل نقمته على عصره وأهل عصره وعدم وعيهم وتقديرهم العلم أَوْجَها، فيقول:

      كَبِّرْ على العلم يا خليلي
      وعش حماراً تعش سعيداً
      ومِلْ إلى الجهل مَيْلَ هائم
      فالسّعد في طالع البهائم

      ويقول في باب "الكلام على من زهّد في النحو وبيان خطئه في ما ذهب إليه" في كتاب دلائل الإِعجاز:
      "ولو أنّ القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة... ولم يخوضوا في التفسير ولم يتعاطوا التأويل لكان البلاء واحداً، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا. فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب، وحيّر اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حدّ يُئِسَ من تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلّا التعجّب والسكوت.
      ... ثم إنَّا وإن كنّا في زمان هو على ما هو عليه من إِحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلّا الشر صرفاً، والغيظ بحتاً، وإلا ما يدهش عقولهم، ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأياً عند الجميع من كانت له همّة في أن يستفيد علماً أو يزداد فهماً أو يكتسب فضلاً أو يجعل له ذلك بحال شغلاً، فإنّ الإِلْفَ مِن طباع الكريم، وإذا كان من حقّ الصديق عليك، ولا سيّما إذا تقادمت صحبته، وصحّت صداقته أن لا تجفوه، بأن تنكبك الأيام وتضرّ بك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طيّاً، فالعلم الذي هو صديق لا يحول عن العهد ولا يَدْخلُ في الودّ، وصاحب لا يصحّ عليه النكث والغدر، ولا يظنّ به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقّه عليك أكبر".
      فمن ينعم النظر في هذه الأشعار وهذا الكلام الذي أوردناه لا يشكّ في أنّ الرجل كان يعيش غريباً في عصره بين أهل زمانه، فهم جهلة مدّعون العلم، وهم منافقون متملّقون، ويرى أنّ العلم الحقيقي لا أنصار له يقدّرونه ويفهمونه، ولذا أستطيع القول أنّ عبدالقاهر بعلمه المتميّز وبصيرته الثاقبة كان له مذهب غير مذاهب معاصريه، فلم يقدّروا ما توصّل إليه وما كان يدعو إليه، فأراه كان في واد، وكان معاصروه في واد، فلم يفقهوا صرخاته ونزعاته التجديدية الثاقبة، التي لم تتكشّف إلّا حديثاً، بعد أن جاء الشرق والغرب بنظريات لغوية ونقدية حديثة، نستطيع أن نجد منها ملامح أو إِرهاصات أو ظلالاً في مصنفات عبدالقاهر، توصّل إليها ونادى بها قبل ما يقرب من ألف عام.

      أبرز آراء عبدالقاهر التصريفية:
      تجلّت آراء عبدالقاهر التصريفية في كتابه (المقتصد) على شرح الإِيضاح والتكملة، وقد كانت جلّ جهوده وآرائه متسقة مع آراء السابقين والمعاصرين له، وكذلك الحال في كتابيه المختصرين المتخصصين لمسائل التصريف – المفتاح والعمدة-، فهو بوجه عام يأخذ من السابقين ويوافقهم، وإن كنا نلمح محاولات ونزعات تجديدية، لكنها لم تكن واضحة كنزعاته في مجالات الدراسة اللغوية والنقدية والبلاغية الأخرى.
      ومن تلك النزعات ما يتصل بالمنهج، ومنها ما يتصل بمفهومه العام للتصريف، ومنها آراء في قضايا تصريفية متفرّقة.
      (1) في ما يتصل بالمنهج:
      اقتفى عبدالقاهر آثار القدماء في منهجه بشكل عام، فهو لم يعرض للمسائل الصوتية كمقدمة للدراسة التصريفية، لكنه أضاف شيئاً في موضوعاته التصريفية التي خصص لها كتابه "المفتاح"، فقد أضاف فيه موضوع المعاني في الأفعال، تلك المعاني التي تكتسبها بالزيادات، صحيح أنّ القدماء سبقوه إلى ذلك، لكنهم لم يخصّصوا لها باباً مستقلاً ضمن موضوعات التصريف بالمعنى الثاني، كما أنه أدخل ضمن تلك الموضوعات باب الاشتقاق، الذي فصل المازني وابن جني بينه وبين موضوعات التصريف، كما اهتمّ بإِيراد التصريفات والأمثلة، فاهتمّ بتصريف الأفعال إلى صيغها التصريفية الزمنية، وصرّفها مع نون التوكيد، وغيّر صيغها إلى النهي والأمر والجحد والنفي()، ثم اهتم بإِيراد صيغة المبني للمفعول، وهذه الصيغ هي التي تلزم في التراكيب، ولكنه لم يدخل أبواباً تصريفية أخرى يرى البحث اللغوي الحديث ضرورة دراستها لأهميتها، وصلتها بدراسة التراكيب، كالتصغير والنسب والتثنية والجمع والتأنيث.
      ولعلّ من أبرز ما يتّصل بمنهجه، أنه لم يدخل في موضوعاته المسائل التي يقصد بها الترويض والتمرين، التي تعتمد على التعمّل وكدّ الذهن، وتبرز فيها المماحكة والمعاياة. واقتصرت موضوعاته على وصف ظواهر لغوية وبِنَى مستخدمة –فعلاً-، وتحليلها وفق مفهومه.
      وهو يصرّح بعدم أهميّة تلك المسائل، ولا يرى حرجاً في طرحها وإِهمال النظر فيها، فهو يقول في (دلائل الإِعجاز):
      "فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا، وكقولهم: ما وزن كذا، وتتبّعهم الألفاظ الوحشية، كقولهم: ما وزن عزويت، وما وزن أرونان؟.... وأشباه ذلك. وقالوا: أتشكّون أنّ ذلك لا يجدي إلّا كدّ الفكر وإضاعة الوقت. قلنا لهم: أمّا هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه، ولم تعنوا به، وليس يهمّنا أمره".
      (2) مفهومه للتصريف:
      المفهوم الحديث للتصريف: هو كلّ دراسة تتصل بالكلمة أو بأحد أجزائها إذا أدّت دوراً أو وظيفة في خدمة العبارة، ووضّح الدكتور كمال بشر معنى ذلك بأنه تلك الدراسة التي تعرض لدراسة الكلمات وصورها لا لذاتها، وإنّما لغرض معنوي، أو للحصول على قيم صرفية تفيد في خدمة الجمل والعبارات.
      والغرض المعنوي المقصود هو المعاني أو القيم الصرفية التي تكتسبها الصيغة بتغيرها إلى صورة جديدة، أو قُلْ: إنّها الخواصّ الصرفية للكلمات التي يترتب على وجودها وجود خواصّ معيّنة في الجمل والتراكيب، فلا يقصد بالغرض المعنوي المعاني المعجميّة.
      وعرّف فندريس المورفيم بأنه الوحدة النحويّة التي تقوم عليها الدراسة المورفولوجيّة، وهو يرى أن تصنيف الفصائل النحوية عمل من أعمال الصرف الذي لا يزال حتى الآن ينشد من يقوم بعمله.

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        نلاحظ مما سبق أن المفهوم الحديث للتصريف يقوم على دراسة بنية الكلمة وتغيّرها مقدمة للنحو، أو خطوة تمهيدية له، فهو بذلك يؤكّد على صلة التصريف بالنحو، وأن معرفة قضاياه ومسائله تساعدنا في بناء التراكيب.
        وقد تناول الدكتور البدراوي زهران في كتابه (عالِم اللغة – عبدالقاهر الجرجاني- المفتنّ في العربية ونحوها) جانباً من الدراسة التصريفية عند عبدالقاهر، خصّص لها فصلاً في كتابه، وأوضح أن عبدالقاهر أدرك وظيفة التصريف وعلاقته بتصنيف الفصائل النحويّة، يتّضح ذلك في حديثه في باب تعليق الكلم بعضه ببعض، وفي أبواب أخرى في كتابه (دلائل الإِعجاز)، ويتجلّى ذلك أكثر في الفصل الذي أطلق عليه "الألفاظ المفردة وضعت في اللغة لكي يضمّ بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها من فوائد". وهذا يدلّ على إدراك واعٍ للصلة القائمة بين الكلمة المفردة كوحدة صرفيّة والتراكيب الجمليّة، وسنوضّح ذلك في القضية التالية.
        (3) نظريّة الاقتضاء عند عبدالقاهر:
        يقول في باب تعليق الكلم بعضها ببعض: "ألا ترى أنك إذا قلت (كأنّ) اقتضى ذلك مشبَّهاً ومشبَّهاً به، كقولك: كأنّ زيداً الأسد".
        ويقول في موضع آخر: (وكذلك إذا قلت "لو ولولا" وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جواباً للأولى).
        ويتحدّث عن واو الحال في موضع آخر، وهي وحدة صرفيّة، فيقول: (وتسميتنا لها واو الحال لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لتضمّ جملة إلى جملة).
        وكذلك في حديثه عن الفاء الواقعة في جواب الشرط يقول: (إنّها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن تربط نفسها بنفسها).
        وحينما يعرض باب "الذي وذو" يركّز على مناقشة استخدامهما، فيقول: (الذي، وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب "ذو" ليتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس).
        وعند مناقشته لـ"إنّ، وما تقتضيه في الجملة بعدها"، ذكر لها الخصائص التركيبّة الآتية:
        1- ضمير الشأن يلطف ويحسن معها، كقوله تعالى: (فإنّه مَنْ يتّق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين)، وذكر آيات كريمة أخرى شواهد على ذلك.
        2- تهيّئ النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ.
        3- تغني عن الخبر في بعض الكلام، كقول العرب: إنّ مالاً، أي: إنَّ لهم مالاً.
        4- يُقصد بها إلى الجواب، وتربط بين جملتين، كقوله تعالى: (يأيّها الناس اتّقوا ربكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم).
        5- تفيد الربط، وتتبادل هي والفاء الأثر والتأثير، وضرب لذلك مثلاً قول بشّار:
        بكّرا صاحبيّ قبل الهجير إنّ ذاك النجاح في التبكير
        فيقول: لو أسقطت (إنّ) من عجز البيت لم يكن الكلام شيئاً، لأن الجملتين لا يبقى بينهما صلة أو ارتباط، ولو أحللت الفاء محلّ (إنّ) لاستقام الكلام.
        وهكذا، فعبدالقاهر حينما يعرض للحديث عن أداة (وحدة صرفيّة)، فإنّه يصرف اهتمامه إلى قيمتها في التركيب وصلتها به، وأثرها فيه، ولم يعتن اعتناء القدماء بعمل هذه الأداة في تغيير إعراب ما بعدها وتأثيرها فيه، وإعرابها أو بنائها، ومعناها في ذاتها مفردة. ونرى ذلك في نصّ آخر له أكثر وضوحاً، إذ يقول:
        (ليس الفضل للعلم بأن الواو للجميع، والفاء للتعقيب بغير تراخ، (ثمّ) له بشرط التراخي، و(أنّ) لكذا، و(إذا) لكذا، ولكن لأن يؤتى لك إذا نظمت أو ألّفت رسالة أن تحسن التخيّر، وأن تعرف لكلّ من ذلك موضعه).
        فالجرجاني لا يرى - في هذا النصّ- فضلاً في التوقّف عند حدود ما قدمته الدراسات السابقة عليه، بل جعل الفضل في معرفة أثر الوحدة الصرفية في التركيب، وأهمية هذه الوحدات وما تقتضيه من كلمات - وحدات صرفية- أخرى في إتمام بناء الجمل، وما تؤديه من معان بعد دخولها في التراكيب.
        هذه النظرة - في رأيي- ثورة تجديدية واضحة، وإدراك واع لوظيفة الوحدات الصرفيّة، وصلة الدراسة التصريفية بالنحو والتراكيب، وأنّها مقدّمة وخطوة تمهيديّة له، فهو لا يَعُدّ دراسة التصريف غاية في ذاته، وإنما يتخذه وسيلة وطريقاً مؤدياً لدراسة التراكيب، وهذا ما يريده الدارس اللغوي الحديث من دراسة التصريف وقضاياه.
        ونظرية الاقتضاء هذه تتجلى الآن في اتجاهات اللغويين المحدثين والمعاصرين، فهم حينما يقولون: إن استخدام أداة التعريف (The) في الإنجليزية مثلاً يقتضي وجود اسم بعدها، وهكذا في أدوات أخرى. ولعلّ من باب الاقتضاء أيضا ما يعرف عندهم بالمطابقة (Agreement)، من ذلك مثلاً:
        I come، الفعل المضارع (come) خال من اللاحقة الصرفية (s)، فإن استخدمنا (He) أو أحد ضمائر الغائب المفردة اقتضى الحال إضافة اللّاحقة الصرفيّة (s) في آخر الفعل، فيقول: (He comes). هذا الاستشعار ليس بعيداً عمّا قرّره عبدالقاهر من أنّ وجود كلمة معيّنة - وحدة صرفيّة- يقتضي وجود كلمات معيّنة، ونسقاً معيّناً في بناء الجملة.
        (4) صلة دراسة الصيغة في التصريف بعلم الأساليب:
        ثمّة ملحظ آخره، أراه تالياً نظرية الاقتضاء, وهو العلاقة بين دراسة الصيغة وعلم الأسلوب، وقبل أن نخوض في هذه القضية لا بدّ من بيان الفرق بين مصطلحين هما: الصيغة والوزن:
        فالوزن كما يذكر د. مصطفى النحاس مبنى صوتيّ يخضع للتغييرات التي تحدث للكلمة أحياناً.
        أّما الصيغة فمبنى صرفيّ، وتمثّل الكلمة في صورتها الصحيحة، ولا تخضع لأيّ تغيير، ولذا تعتبر الصيغة المرجع الأساسي للتحليل الصرفي، وعليها يعتمد اللغوي في معرفة التغييرات التي تحدث للكلمة.
        ويرى الدكتور تمّام حسّان أن التفريق مهمّ جداً، فله من الأهميّة ما يكون منها للتفريق بين علمي الصرف والأصوات.
        وقد يتّفق هيكل الصيغة في صورته مع هيكل الميزان، فالفعل (ضَرَبَ) صيغته (فَعَلَ) وميزانه (فَعَلَ) أيضاً، ولكنهما قد يختلفان، فالفعل (قالَ) وزنه فالَ، و(اسْتَعَانَ) وزنه استفالَ، ولكنّ صيغة الأوّل (فَعَلَ)، وصيغة الثاني (اسْتَفْعَلَ)، وقد استشعر الجرجاني ذلك حينما قال: "فوزن لَمْ يَبِعْ لَمْ يَفِلْ، ولَمْ يَقُلْ لَمْ يَفُلْ. وذكر أنّ وزن (مَقول) - على رأي الأخفش- مَفول، بينما ذهب سيبويه إلى أنّه مَفُعْل، فرأي الأخفش موافق لوجهة النظر الحديثة، وإن اختلفت وجهات النظر في التحليل.
        والكلام عن الصيغة والوزن يتطلب بعض المناقشة والتفصيل، وسنتناوله في موضع لاحق .
        ونعود إلى الصلة بين الصيغة وعلم الأسلوب، فقد ذكر أحد الباحثين أن دراسة الصيغة في الصرف ينبغي أن تربط بالدراسات اللغوية الحديثة لعلاقتها المباشرة بعلم أساليب اللغة.
        وأضاف باحث ثانٍ بُعْداً آخر للقضية بقوله: "إنّ الدراسات الصرفية والنحوية معاً متداخلة مع دراسة الأسلوب إلى حدّ بعيد.
        فهل أحسّ عبدالقاهر بهذه الصلة بين الدراسات التصريفية والنحوية وعلم الأسلوب؟
        للإِجابة عن هذا السؤال أورد الدكتور البدراوي زهران المثال الآتي الذي جاء في كتاب دلائل الإِعجاز, يقول عبدالقاهر:
        "وممّا يُرى تقديم الاسم فيه كاللّازم (مثل وغير)، ومن أمثلته:
        "غيري بأكثر هذا الناس ينخدع"
        ويكمل: ومعلوم أن الشاعر لم يرد أن يعرّض بواحد كان هناك فيستنقصه، ويصفه بأنّه مضعوف يُغَرّ ويُخْدَع، بل لم يرد إلّا أن يقول: إني لست ممّن ينخدع ويغترّ .
        ويتابع بقوله: وكذلك لم يرد أبو تمّام أن يعرض بشاعر سواه غير أنه لا يريد إلّا أن ينفي عن نفسه أنه ممن يكفر بالنعمة ويلؤم، عندما يقول:

        وغيري يأكلُ المعروفَ سُحْتاً
        وتُشْجَبُ عندَهُ بيضُ الأَيادي

        أفلا ترى أنك لو قلت: .... ينخدع غيري بأكثر هذا الناس،
        ويأكل غيري المعروف سحتا، رأيت كلاماً مقلوباً عن جهته، ومغيراً عن صورته، ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه، ورأيت الطالع يأبى أن يرضاه.
        أقول: نرى من هذا التوجيه الجرجاني للبيتين وغيرهما – ممّا أورد في كتابه- أنه لاحظ أهمية دراسة الوحدات الصرفية ومعانيها، واختيار أداة معيّنة دون غيرها لاستخدامها في التعبير عن موقف معيّن ومعنى معيّن، واهتمّ بموقعها في التركيب. وهو حينما كتب عن الفرق بين القصر بالنفي والاستثناء والقصر بإنما – مثلاً-، فإنمّا يكون قد مسّ جانباً من جوانب الدراسة الأسلوبية في الدراسات الحديثة، إذ إن مهمة التميز بين الأدوات التي تبدو متقاربة في المعنى - حيث يكون على القائل أن يختار أداة دون أخرى- هذه المهمّة تقع على عاتق علم الأسلوب.
        فاهتمام عبدالقاهر وتفريقه بين أداة وأخرى في الاستخدام للتعبير عن معنى معيّن، يدلّ على إدراكه للصلة بين دراسة الوحدات الصرفية والتراكيب من جهة، والأسلوب من جهة أخرى.

        (5) قضيّة الأصل والفرع:
        عندما يتحدّث المحدثون عن الصيغة بأنّها تمثّل الكلمة في صورتها الصحيحة قبل الإِعلال والتغيّر الذي حدث، يجرّنا هذا الحديث إلى الحديث عن قضيّة الأصل والفرع.
        فالأصل الذي تعود إليه الصيغة إمّا أن يكون أمراً افتراصيّاً لا وجود له، وإمّا أن يكون أمراً تطوّرياً، يمثّل ما قبل مرحلة الإِعلام والارتقاء اللغوي.
        فيذكر الدكتور عبده الراجحي أنه "في حين يرى الوصفيّون في بحث الأصل الافتراضي للكلمة بحثاً ميتافيزقيّاً لا يعتمد على مبدأ علمي سليم، يرى المنهج التحويليّ أن قضيّة الأصلية والفرعيّة قضية أساسيّة في فهم البنية العميقة وتحوّلها إلى بنية السطح، وفي العربية مثلاً لا نستطيع أن ننظر إلى الفعل (قالَ) على أنّ أصله قالَ، وأنّ الفعل (باع) أصله باع، مع وجود (يقولُ ويبيعُ)، بل علينا أن نعرف أصل الألف فيهما، ولا نستطيع أيضاً أن نغفل عن أن الطاء في (اصطبر) (واضطرب) لست طاء، وإنّما أصلها تاء. وليس من العلم أن يقف الدرس الوصفي المحض عند حدّ وصف الظاهرة كما هي، دون أن يجد تفسيراً لها، ومن هذا التفسير البحث عن الأصل.
        وقد ناقش عبدالقاهر قضية الأصل والفرع، فعنده أنّ: قالَ أصلها (قَوَلَ) وأن باع أصلها (بَيَعَ)، ويقول إنّ هذا أصل مرفوض من أوّل أحواله، وهو في هذا يوافق مذهب ابن جنّي. ويتابع عبدالقاهر كلامه بقوله: ولو كان القصد أن الأصل (قال وباع) لوجب أن يتصرف كله عليه، فيقال: قالَ يَقالُ قالاً، وباعَ يَباعُ باعاً، وهذا مرفوض. ويقول: "ومَثَلُ مَن يدّعي هذا مَثَلُ منْ يقول: إنّ رفع الفاعل ونصب المفعول وجرّ المضاف إليه ليس من قصد ووضع، وإنّما هو من شيء جرى به الألسنة على الاتفاق، وكفى بهذا فضيحة فاعرفه.
        نستنتج من نصّ عبدالقاهر هذا أن الخلاف حول هذه القضية ليس حديثاً، بل كان موجوداً في زمنه، وقبل زمنه، وأن مذهبه أكّدته مناهج المدرسة التحويلية الحديثة.
        وأقول: إنّ الاقتصار على الوصف أمر قد يكون كافياً من الشخص العاديّ، أمّا العالم فعليه مهمّة التعمّق وسبر أغوار الظاهرة اللغوية، حتى يصل إلى كنهها ومعرفة جوهرها، وإلى تفسير مقنع للعقل، لعل ذلك يوصله إلى تفسير مقبول أو كشف جديد.
        وقل مثل ذلك أو أكثر منه في العلوم الأخرى، فالشخص العاديّ حينما رأى تفاحة تسقط عن شجرتها، لم يثر ذلك الحدث فيه شيئاً، ولم يزد على وصف ظاهر الحدث، وهو سقوط التفاحة عن الشجرة، فلو اكتفى نيوتن بذلك لما توصّل إلى قانون الجاذبية، الذي غيّر مفاهيم كثيرة، وقاد إلى كشوف هائلة في مجال الجاذبية والكهرباء والمغناطيسية والطيران.
        وما يؤكّد – في رأيي- صحّة اتجاه القول بالأصل والفرع، أني لا أرى من الصواب أن نعزل (قالَ) مثلاً عن صيغ مادتها الأخرى، لا سيّما أن هذه الصيغ جميعاً تشترك في المعنى الأساسي، ويتغّير ذلك المعنى قليلاً تبعاً لتغيّر الصيغة المولّدة.

        (6) قضيّة الوزن الصرفي:
        ذكر الرضيّ أن الجرجاني قال في وزن (قالَ: فالَ)، وأشار الدكتور عبدالصبور شاهين إلى سبق عبدالقاهر في وزن (قالَ: فالَ) على البدل، ولكن الدكتور سجّل مخالفة المحدثين له، على أنه لا بدل فيها.
        ولكني لم أجد هذا القول لعبدالقاهر في أيّ من كتبه التي رجعت إليها، ووجدت في كتابه (المفتاح) أنه أجاز الوزن على البدل من الأصل، فأجاز في وزن (كِساء) فِعال أو فِعاء، أصله (كِساو).
        وفي هذا النص دلالة على استشعار عبدالقاهر الوزن الصوتي، لكنّ تمسكه بقضية الأصل والفرع ألزمه القول بالوزن الصوتي أنه على البدل.
        كما أنه ذكر في كتابه (المقتصد) أنّ (لم يَبِعْ) وزنها لم (يَفِلْ)، و(لَمْ يَقُلْ) وزنها لم يَفُلْ، وقد ذكرنا ذلك خلال مناقشة القضية الرابعة في موضع سابق.
        وأيّاً كان الأمر، فهذا ملمح ذكي، وتوجيه دقيق، توصّل إليه عبدالقاهر وقرّره، وقد سُجّل له السبق فيه.
        وبعد، فهذه بعض الملاحظ التي أحسسنا بنزوع عبدالقاهر إلى التجديد في معالجتها، وأرى أنه لو أتيح لأفكار عبدالقاهر من تبنّاها واتّخذها أساساً لدراسته مِن معاصريه، ومَنْ تبعهم، لتَقدَّمَ الدرس اللغويّ العربي أشواطاً كثيرة، ولتوصّل إلى آفاق بعيدة، لم تصل إلها الدراسات اللغويّة إلّا في العصر الحديث، وفي هذا القرن أو منتصفه على وجه التحديد.
        ولا ندّعي الإِحاطة والكمال في قضايا هذا البحث، ولعلّ الأيام تكشف لنا جوانب أكثر إقناعاً وإضاءة.

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5
          (مصادر البحث ومراجعه)
          - إبراهيم مصطفى (إحياء النحو) القاهرة، 1959م.
          - أحمد مختار عمر/ دكتور.
          (الفارابي اللغوي، وتحقيق مقدمة معجمه ديوان الأدب) مجلة معهد المخطوطات العربية، جامعة الدول العربية، المغرب، المجلّد السابع، الجزء الثاني، ص111-151، جمادى الأولى 1381هـ/ 1961م.
          - أحمد مطلوب/ دكتور
          (عبدالقاهر الجرجاني- بلاغته ونقده) وكالة المطبوعات، ط1، الكويت – 1393هـ/ 1973م.
          - الأزهري/ الشيخ خالد
          - (شرح التصريح على التوضيح) دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، د. ت.
          - الأشموني (شرح ألفية ابن مالك) دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة، د. ت.
          - الأنباري/ أبو البركات
          (نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء) تحقيق د. إبراهيم السامرائي، بغداد، 1959م.
          - ابن الأنباريّ/ أبو بكر
          (كتاب مختصر في الألفات) مخطوط، ضمن مجموعة، مكتبة لاله لي، المكتبة السليمانية بإستنبول، برقم 3740/ 12.
          - البدراوي زهران/ دكتور
          (عالم اللغة- عبدالقاهر الجرجاني- المفتنّ في العربية ونحوها) ط2، دار المعارف بالقاهرة، 1981.
          - برجشتراسّر (التطور النحويّ للغة العربية) المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1981م، طبعة مصورة عن طبعة 1929، التي عني بطبعها محمد حمدي البكري.
          - تمّام حسّان/ دكتور
          (اللغة العربية معناها ومبناها) الهيئة المصرية العامّة للكتاب، القاهرة 1973م.
          - ابن جني (الخصائص) تحقيق محمد علي النجار، ط2، دار الهدى للطباعة والنشر – بيروت.
          (المنصف في التصريف) تحقيق إبراهيم مصطفى وعبدالله أمين، مطبعة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط1، القاهرة، 1954م.
          - حاجي خلفة (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) ط3، طهران 1387هـ/ 1967م.
          - الحملاويّ/ الشيخ أحمد.
          (شذا العرف في فنّ الصرف) ط16، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، 1384هـ/ 1965م.
          - الحنبلي/ ابن العماد
          (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) القاهرة، 1350هـ.
          - الخضري/ الشيخ محمد
          (حاشية الخضر على ابن عقيل) المطبعة الميمنيّة بالقاهرة، 1305هـ.
          - رضي الدين الأستراباذي (شرح شافية ابن الحاجب) تحقيق محمد نور الحسن وزميليه، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/ 1975م.
          - الزجّاجي (الجمل في النحو) تحقيق د. علي توفيق الحمد، مؤسسّة الرسالة ببيروت، ودار الأمل بإربد/ الأردن، 1304هـ/ 1984م.
          - (حروف المعاني) تحقيق د. علي توفيق الحمد، مؤسّسة الرسالة ببيروت ودار الأمل بإربد- الأردن، 1304هـ/ 1984م.
          - السكاكي (مفتاح العلوم) دار الكتب العلمية ببيروت، د. ت.
          - سيبويه (الكتاب) تحقيق عبدالسلام محمد هارون، الهيئة المصرية العامّة بالقاهرة، 1397هـ/ 1977م.
          - السيرافي (شرح السيرافي على كتاب سيبويه) من كتاب (السيرافي النحويّ في ضوء شرحه لكتاب سيبويه) دارسة وتحقيق، د. عبدالمنعم فائز، دار الفكر/ ودار نجد للنشر والتوزيع بالرياض، السعودية، ط1، 1403هـ/ 1983م.
          - السيوطيّ (بغية الوعاء في طبقات اللغويين والنحاة) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، 1384هـ/ 1965م.
          (همع الهوامع) بتصحيح السيد محمد بدر الدين النعساني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، د. ت.
          - الشريف الجرجاني (التعريفات) مطبعة مصطفى البابي الحلبي، بالقاهرة، 1357هـ/ 1938م.


          - شكري محمد عيّاد/ دكتور
          (مدخل إلى عالم الأسلوب) دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، السعودية، ط1، 1402هـ/ 1982م.
          - طاش كبرى زاده (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) تحقيق كامل بكري وعبدالوهاب أبو النور، القاهرة.
          - عباس حسن (النحو الوافي) ط5، دار المعارف بمصر، 1975م.
          - عبدالصبور شاهين/ دكتور
          (المنهج الصوتي للبنية العربية) مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ/ 1980م.
          - عبدالفتاح لاشين/ دكتور
          (التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبدالقاهر) دار المريخ، الرياض- السعودية، 1980م.
          - عبدالقاهر الجرجاني
          (دلائل الإعجاز) تحقيق محمد عبدالمنعم خفاجي، الناشر مكتبة القاهرة بالقاهرة، 1396هـ/ 1976م.
          (العمدة في التصريف) مخطوط، ضمن مجموعة برقم 3740/3، مكتبة لاله لي بالمكتبة السليمانية في إستانبول.
          (المفتاح في الصرف) مخطوط، دار الكتب الظاهرية بدمشق، رقم 10603 عامّ.
          (المقتصد في شرح الإيضاح) مخطوط بدار الكتب الظاهرية بدمشق رقم 354 نحو.
          - عبده الراجحي/ دكتور
          (النحو العربي والدرس الحديث) دار النهضة العربية، بيروت 1979م.
          - ابن عصفور (المقرّب) تحقيق أحمد عبدالستار الجواري وعبدالله الجبوري، مطبعة العاني ببغداد، ط1، 1391هـ/ 1971م.
          (الممتع في التصريف) تحقيق د. فخر الدين قباوة، ط4، 1399هـ/ 1979م، دار الآفاق الجديدة – بيروت.
          - علي توفيق الحمد/ دكتور
          (نظرة في أثر اللغويين العرب في علم الدلالة) مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة الآداب واللغويات، المجلد الثاني، العدد الأول، ص17.
          - الفارابي (مقدمة ديوان الأدب) تحقيق أحمد مختار عمر، مجلة معهد المخطوطات العربية بالمغرب، المجلد السابع، الجزء الثاني، ص129-151، جمادى الأولى 1381هـ/ 1961م.
          - الفارسيّ (التكملة) تحقيق د. حسن شاذلي فرهود، الناشر عمادة شؤون المكتبات، جامعة الرياض، الرياض – السعودية، ط1، 1401هـ/ 1981م.
          - الفرّاء (معاني القرآن) تحقيق محمد علي النجار، الدار المصرية العامة.
          - فندريس (اللغة) ترجمة القصّاص والدواخلي، القاهرة، 1370هـ/ 1951م.
          - الفيروزأبادي (البلغة في تاريخ أئمة اللغة) تحقيق محمد المصري، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1392هـ/ 1972م.
          - القفطي (إنباه الرواة على أنباه النحاة) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة دار الكتب بالقاهرة، 1371هـ/ 1972م.
          - الكفويّ (الكليّات) تحقيق د. عدنان درويش ومحمد المصري، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1981- 1982م.
          - كمال محمد بشر/ دكتور
          (دراسات في علم اللغة) دار المعارف بمصر، 1973م.
          - ابن مالك (تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد) تحقيق محمد كامل بركات، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، 1387هـ/ 1967م.
          - محمد الطنطاويّ (تصريف الأسماء) ط5، مطبعة وادي الملوك بالقاهرة، 1375هـ/ 1955م.
          - محمد عبدالمنعم خفاجي
          (مقدمة تحقيق كتاب أسرار البلاغة) ج1، (ط2)، 1396هـ/ 1976م، الناشر مكتبة القاهرة بالقاهرة، مطبعة الفجالة.
          - محمد مندور/ دكتور
          ( الميزان الجديد) دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة بالقاهرة 1973م. (النقد المنهجي عند العرب) دار نهضة مصر للطبع والنشر بالقاهرة 1969م.
          - مصطفى النحّاس/ دكتور
          (مدخل إلى دراسة الصرف العربي على ضوء الدراسات اللغوية المعاصرة) ط1، مكتبة الفلاح، الكويت، 1401هـ/ 1981م.
          - الميداني (نزهة الطرف في علم الصرف) تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة ببيروت (ط1)، 1401هـ/ 1981م.
          - هارون عبدالرازق (عنوان الظرف في علم الصرف) مكتبة الأمل – السالمية/ الكويت، د. ت.
          - يسن/ الشيخ
          (حاشية الشيخ يسن على شرح التصريح) دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة . د. ت.
          - ابن يعيش (شرح الملوكي في التصريف) تحقيق د. فخر الدين قباوة، (ط1)، المكتبة العربية بحلب، سوريا، 1393هـ/ 1973م.

          تعليق

          • عبدالله بنعلي
            عضو نشيط
            • Apr 2014
            • 6053

            #6
            من موقع جلالة الملكة العربية :
            أ.د. علي توفيق الحمد

            الأردن

            من مواليد سنة 1944م ،في بلدة عرّابة / جنين – فلسطين ، عربي يحمل الجنسية الأردنية .

            عملت معلمًا في مدارس المملكة السعودية لمدة ثماني سنوات ، ثم في مدارس الكويت لمدة ثماني سنوات أيضًا . وبدأت التدريس الجامعي منذ عام 1977م في كلية التربية للمعلمات في الكويت مدرسًا للنحو والصرف والعلوم اللغوية لمدة ثلاث سنوات.

            أحمل درجة الدكتوراه في العلوم اللغوية (النحو والصرف) من جامعة القاهرة سنة 1979م ، بإشراف ورعاية أخينا الأكبر وأستاذنا العالم اللغوي محمود فهمي حجازي حفظه الله . ثم التحقت سنة 1980م عضو هيئة تدريس في قسم اللغة العربية في جامعة اليرموك في الأردن. و توليت بعض المناصب الجامعية فيها .

            عملت محاضرًا في جامعات وكليات عربية عديدة؛ في الكويت و الأردن وفلسطين وعُمان والإمارات والمملكة السعودية ، أُدرّس النحو والصرف وعلوم اللغة العربية.

            لي من البحوث المتخصصة ما يقرب من 50 بحثًا في علوم اللغة المختلفة في مجلّات علمية متخصصة، ومؤتمرات لغوية عربية وعالمية، إذ شاركت وأسهمت ببحوث لغوية متخصصة في عشرات المؤتمرات الوطنية والإقليمية العربية والدولية، في خدمة اللغة العربية المجيدة. و شرفت بالمشاركة ببحوث لغوية في خدمة صاحبة الجلالة اللغة العربية في مؤتمراتها الثلاثة السابقة كلها؛ في بيروت ثم في دبي برعاية المجلس الدولي للغة العربية والإخوة المخلصين الغيارى القائمين عليها، وها أنا أشرُف بالمشاركة في المؤتمر الدولي الرابع، وسنبقى – إن شاء الله – أوفياء في العطاء وخدمة لغتنا العربية الشريفة .

            وأشرفت على عشرات كثيرة من الرسائل الجامعية على مستوى الماجستير والدكتوراه، وشاركت في مناقشة عشرات أكثر، وربما مئات الرسائل اللغوية في الأردن وفلسطين والسعودية والإمارات.

            وقد أصدرت عددًا من الكتب في علوم العربية – تحقيقًا وتأليفًا - ، ولا أزال – بحمد الله – أبحث وأنشر وأشارك في الأنشطة والمؤتمرات اللغوية ، وفي الإشراف على الرسائل العلمية الجامعية ومناقشتها بعد أن أتممت سن السبعين من فضل الله ، وبعد التقاعد من التدريس في جامعة اليرموك في هذا العام (2014م) .

            كما أسهمت في تحكيم عشرات الترقيات العلمية والكتب المتخصصة في الأردن وفلسطين والعراق والسعودية واليمن والإمارات والبحرين ، و تحكيم عشرات كثيرة من البحوث المتخصصة للنشر في هذه الدول وغيرها.

            وكنت عضوًا في فريق الإشراف على تأليف كتب اللغة العربية في مدارس وزارة التربية والتعليم الأردنية لمرتين؛ في الأعوام 1996 – 1997م ، 2005 – 2007م.

            وأسهمت بالمشاركة في تحرير عدد من المداخل في موسوعة علماء العرب والمسلمين ، التي أشرفت عليها وأصدرتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . كما أسهمت في عضوية تحرير معجم ألفاظ الحياة العامة في الأردن، الذي أصدره مجمع اللغة العربية الأردني سنة 2006م في مكتبة دار لبنان. والحمد لله دائمًا وأولًا وآخرًا .

            تعليق

            • عبدالله بنعلي
              عضو نشيط
              • Apr 2014
              • 6053

              #7
              من موقع جامعة ام القرى :
              السيرة الذاتية » أولا- معلومات شخصية

              الاسم: علي توفيق محمد الحمد.

              الجنسية: أردني.

              الديانة: مسلم.

              الرتبة الجامعية: أستاذ.

              العنوان: الأردن – إربد- جامعة اليرموك/قسم اللغة العربية.

              تلفاكس (منزل): 7101899- 2- 00962

              فاكس: 7276174 – 2 -00962

              جوال شخصي: 6256660 – 79 - 00962




              المؤهلات العلمية طباعة محتويات الصفحة

              1- لسانس آداب – اللغة عربية وآدابها - بتقدير جيد جدا بمرتبة الشرف الثانية - 1970م - بيروت العربية /

              لبنان.

              2- ماجستير آداب - النحو والصرف - بتقدير جيد جدًا - 1976م - كلية الآداب جامعة القاهرة/مصر.

              3- دكتوراه آداب - دراسات لغوية (نحو) – بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف الأولى – 1979م - كلية الآداب جامعة

              القاهرة/مصر.



              عنوان أطروحة الماجستير: كتاب شرح الجمل الكبرى/ لابن هشام الأنصاري (دراسة وتحقيق).



              عنوان أدروحة الدكتـــوراه: بناء الجملة في شعر ذي الرّمة.

              ثالثًا: معرفة اللغات طباعة محتويات الصفحة

              - الإنجليزية: القراءة والكتابة: جيد جدًا.

              - العبرية: القراءة والكتابة لإغراض البحث العلمي.

              - الفرنسية: لإغراض البحث فقط.


              » السيرة الذاتية » رابعًا- العمل والوظائف طباعة محتويات الصفحة

              * مدرس:

              - في مدارس وزارة المعارف/ السعودية.

              - مدرس في مدارس وزارة التربية والتعليم/الكويت.

              - مدرس في معهد التربية للمعلمات/ الكويت، 1976-1980م.



              * محاضر متفرغ برتبة أستاذ مساعد:

              - قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك/الأردن 1980/1981م.

              - أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك/الأردن، 1981- 1986م.



              * أستاذ مشارك:

              - قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك/الأردن، 1986- 1987م.

              - كلية التربية/جامعة الملك سعود، أبها/السعودية 1988-1990م.

              - قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك، 1990- 1996م.

              - قسم اللغة العربية، كلية، كلية التربية للمعلمين، صلالة/عُمان، 1996/1997م.

              - قسم اللغة العربية، كلية، كلية التقنية العليا للطالبات، دبي/الإمارات، 1997/1998م.

              - قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك، 1998- 2000م.

              - قسم اللغة العربية، جامعة الخليل/فلسطين، ، 2000-2001م.

              * أستاذ زائر باحث لجامعة بايرويت/ألمانيا، منحة من مؤسسة داد الألمانية، 1993/1994م.

              * أستاذ زائر محاضر لجامعة ليون/فرنسا، شباط 2000م.

              * أستاذ:

              _ قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك، 2001- 2003م.

              - قسم الدراسات العليا، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى/السعودية، 2004-2005م.

              - قسم اللغة العربية، جامعة اليرموك، 2006-2007م.

              - قسم الدراسات العليا، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى/السعودية، 2008م ـــــــــ .

              تعليق

              • عبدالله بنعلي
                عضو نشيط
                • Apr 2014
                • 6053

                #8
                عبد القاهر الجرجاني

                المعرفة :

                عبد القاهر الجرجاني
                الألقاب الجرجاني.
                الوفاة 471 هـ
                العصر العصر العباسي الثاني
                أصل عرقي فارسي
                المنطقة جرجان
                المذهب سني
                الاهتمامات الرئيسية الشعر والأدب والنحو وعلوم القرآن
                أعمال ملحوظة كتاب دلائل الإعجاز وكتاب أسرار البلاغة
                تأثر بـ سيبويه و الجاحظ

                أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (400-471هـ/1009-1078م) النحوي المتكلم، ولد في جرجان لأسرة رقيقة الحال، نشأ ولوعاً بالعلم، محبّاً للثقافة، فأقبل على الكتب يلتهمها، وخاصة كتب النحو والأدب.
                نشأ فقيراً، في أسرة رقيقة الحال، ولهذا أيضا، لم يجد فضلة من مال تمكنه من أخذ العلم خارج مدينته جرجان، على الرغم من ظهور ولعه المبكر بالعلم والنحو والأدب. وقد عوضه الله عن ذلك بعالمين كبيرين كانا يعيشان في جرجان هما: أبو الحسين بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي، نزيل جرجان، والقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، قاضي جرجان من قبل الصاحب بن عبّاد.

                تأثّر بأستاذه أبي الحسين الفارسي النحوي ابن أخت أبي علي الفارسي. كما أخذ الأدب على يد القاضي الجرجاني وقرأ كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه. والى ذلك يشير ياقوت فيقول: "وكان الشيخ عبدالقاهر الجرجاني قد قرأ عليه واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء إليه" (معجم الأدباء: 14/16).

                تتلمذ عبد القاهر على آثار الشيوخ والعلماء الذين أنجبتهم العربية، فنحن نراه في كتبه ينقل عن سيبويه والجاحظ وأبي علي الفارسي وابن قتيبة وقدامة بن جعفر والآمدي والقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري وابي أحمد العسكري وعبد الرحمن بن عيسى الهمداني والمرزباني والزجاج.

                وتتلمذ على كتب سابقيه ومعاصريه من النحاة والبلاغيين والنقاد والأدباء والمتكلمين، يأخذ عنهم، ويقف متريثاً أمام أفكارهم وأنظارهم. وكان عبد القاهر شافعي المذهب، متكلماً على طريقة الأشعري، ومع علمه الغزير وإنتاجه القيّم فإنه ظلّ في بلدته، فقيراً معدماً، ينمّ على بؤسه ما له من أشعار تنبض بالسخط على حظ العلماء في زمانه.

                كان عصره عصر حروب وفتن ودسائس ومغامرات بين طلاب الملك والسلطان، مصبوغاً بالدماء. ومع ذلك كان العلم واحة السلام والأمن، التي أوى إليها الجرجاني وغيره من العلماء.
                أعماله

                له من المؤلفات كتاب «المغني» ويقع في ثلاثين مجلداً، وهو شرح مبسوط لكتاب «الإيضاح» في النحو لأبي علي الفارسي (377هـ)، وكتاب «المقتصد» وهو ملخص للكتاب السابق، ويقع في مجلد واحد، «التكملة» وفيه إضافات هامة لم يذكرها صاحب «الإيضاح»، «الإيجاز» وهو اختصار للإيضاح، كتاب «الجمل في النحو» وهو كتاب لقي عناية من الدارسين قديماً وحديثاً، كتاب «التلخيص» وهو شرح لكتاب الجمل، كتاب «العوامل المئة» وهو كتاب في النحو، كتاب «العمدة» في التصريف، وكتاب «دلائل الإعجاز» وهو من أهم كتبه، وأكثرها قيمة في ميدان النقد الأدبي والبلاغة، عرض فيه نظرية النظم، التي هي نظرية متكاملة في الأدب والنقد، وتمخض عنها منهجه اللغوي التحليلي الموضعي، أقرب المناهج إلى طبيعة أدبنا العربي. تناول في «الدلائل» مباحث الكناية والمجاز والاستعارة والتشبيه البليغ والإيجاز والنظم، وأهم مباحث علم المعاني مما يتناول بنية الجملة العربية، وأحوال المسند والمسند إليه. وقد أثبت في كتابه هذا أن القرآن الكريم معجز ببلاغته وفصاحته، أي بنظمه. ومن هنا فصّل القول في أسرار جمال النظم، متخذاً من الشعر والقرآن مصدراً يستنبط منه فنون البلاغة عامة، ومباحث علم المعاني خاصة. ويمثل هذا الكتاب مرحلة الاكتمال في ثقافة عبد القاهر.

                وله أيضاً «أسرار البلاغة» وهو يماثل «الدلائل» في القيمة العلمية، وقد ألفه بعده، وفيه عني بدراسة الأنواع البلاغية للصورة الأدبية من جهة: أنواعها، أقسامها، وظائفها، تشكيلها الجمالي، أثرها في المتلقي وروعتها، فاهتم بدراسة الاستعارة وأنواعها، والتشبيه وأقسامه والتمثيل وتأثيره، بطريقة تحليلية رائعة، وبمنهج يبحث عن الدقائق والأسرار والفروق بين صياغة فنية وأخرى. وقد كانت آراؤه في «الأسرار» أوسع وأدق منها في «الدلائل»، إذ أطال الشرح والعرض والتحليل والتعليل، كي يستخلص القاعدة، متوخياً من ذلك -وقد استطاع- أن يضع نظرية البيان العربي. وبذلك أكد عبد القاهر أنه ناقد جمالي عقلاني، يبحث عن قيمة الصورة البلاغية من خلال البحث في الصياغة التي تفصح عن دقائق النظم وأسرار تشكيل السياق. وهكذا كانت نظرية النظم المحور الذي تدور حوله فكرة الكتابين معاً.
                انجازاته

                هو يعتبر مؤسس علم البلاغة، أو أحد المؤسسين لهذا العلم، ويعد كتاباه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة من أهم الكتب التي أُلفت في هذا المجال، وقد ألفهما الجرجاني لبيان إعجاز القرآن الكريم وفضله على النصوص الأخرى من شعر ونثر، وقد قيل عنه: كان ورعًا قانعًا، عالمًا، ذا نسك ودين، كما ألف العديد من الكتب، وله رسالة في إعجاز القرآن بعنوان "الرسالة الشافية في إعجاز القرآن" حققها مع رسالتين أخرىين للخطابي والرماني في نفس الكتاب كل من محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، وهي من أفضل ماكُتِب في الإعجاز نفى فيها الجرجاني القول بالصرفة، مؤيداً كلامه بالأدلة القاطعة، والحجج الدامغة. توفي عبد القاهر الجرجاني سنة 471 هـ.

                تفرد عبد القاهر بنظرته الجديدة الصائبة للغة، إذ أثبت أن اللغة مجموعة من العلاقات المتفاعلة والمتآزرة داخل السياق، وأن خصائص النظم أمور خفية لا تدرك إلا بالذوق ولا تكتشف إلا بالتحليل والموازنة، فكان منهجه اللغوي نتيجة طيبة لنظريته، وفيه يشترط وجوب التمييز بين الخطأ والصواب، والمفاضلة بين الحسن والقبيح، إضافة إلى الثقافة الغزيرة والدقة، والموضوعية، والذوق الصافي، والبعد عن الأحكام السطحية أو الجاهزة.

                وبذلك استطاع عبد القاهر أن يوحِّد بين ركني العمل الفني، اللفظ والمعنى، وأن يقضي على القسمة الجائرة بين التعبير العاري والمزخرف، فوحد بين اللغة والشعر، وبين النحو والبلاغة، ووضح طبيعة الخلق الفني. فبدا ناقداً متميزاً، أعاد للدرس البلاغي حيويته، وحدد خطوات منهج نقدي استمد أصوله وخصائصه من مادة درسه وهي الأدب، فكان أقرب النظريات النقدية والبلاغية العقلية في تراثنا إلى النقد الأدبي الحديث. وقد استحق أن يكون من كبار أئمة العربية والبيان، كما يقول السيوطي في «بغية الوعاة».
                المصادر

                أحمد دهمان. "الجرجاني (عبد القاهر ـ)". الموسوعة العربية.

                للاستزادة

                ابن العماد، شذرات الذهب (دار المسيرة، بيروت 1979).
                القفطي، إنباه الرواة (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981)

                تعليق

                يعمل...