جهود عبْدالقاهر الجرجَاني في الدراسات التصريفيّة
للدكتور علي توفيق الحمَد
جامعة اليرموك
جامعة اليرموك
أولاً: الدافع إلى البحث:
ما دفعني إلى هذا البحث هو شهرة عبدالقاهر الجرجاني التي طبّقت الآفاق، وتنوّع مباحثه في علوم العربية المختلفة: أصواتها، وصرفها، ونحوها، وبلاغتها، ونقدها، إضافة إلى جهوده في علم الدلالة وإعجاز القرآن الكريم والدراسات القرآنية.
وقد توالت البحوث والمؤلفات، وتناول كلّ منها جانباً من هذه الجوانب التي برع فيها الرجل، ونظرت في هذه البحوث فوجدتها قد استوفت – أو كادت- الجوانب المختلفة من علمه، وقد أجمعتْ على أنّ لدى الرجل نزعات تجديدية، وأنّه سبق المحدثين في غير قضية من قضايا بحوثه، ولكني وجدت نقصاً في البحوث التي تناولت مكانته وجهوده في الجانب التصريفي.
فاستقرّ في نفسي أن أحاول تتبّع جهوده في هذا الجانب، ورأيت أنّ الأمر سيبقى ناقصاً إن لم أطّلع على مصنفاته فيه، فحصلت على مصوّرة من كتاب صغير له هو "المفتاح في الصرف"، وشغلت نفسي في تحقيقه، وهو الآن قيد الطبع والحمد لله. ثم حصلت على مصوّرة لرسالة أخرى له، وهي العمدة في التصريف، كما اطّلعت على مصورة من كتابه المقتصد في شرح الإِيضاح.
ولفت نظري اقتصاره في بحوثه التصريفية على أبواب مخصوصة، الأمر الذي دعاني إلى بحث هذه الظاهرة.
وكذلك ما أورده في الورقة الأولى (ظ1- و2) من كتابه المفتاح في الصرف، وهو قوله: والتمثيل – ويعني به الوزن الصرفي- وهو أن يقابل حروف الكلمة الثلاثية بالفاء والعين واللّام، وتكرّر اللّام في الرباعي مطلقاً – أي في الاسم والفعل- وكذا في الاسم الخماسي، ... وفي البدل من الأصل جاز فيه المثالان، فمثل كساء: فعال أو فعاء، أصله كساو، قلبت الواو همزة لتطرفها.
ومما دفعني إلى البحث أيضاً ما أورده الرضي عن عبدالقاهر أنه يزن (قالَ) على فالَ، وهو رأي حديث، سبق عبدالقاهر غيرَه إليه، مع مخالفة المحدثين له في أنه يرى أنّ هذا الوزن على البدل، أمّا المحدثون فلم يقرّوا نظرية البدل هذه، ويرون أنّ (قالَ) ومثيلاتها لا بدل فيها.
ومن دواعي هذا البحث أيضاً، أنّ بعض الباحثين الذين كتبوا عن عبدالقاهر لم يستطيعوا تبيّن حقيقة كتابه "المفتاح"، ومنهم من قال: "قد يكون من مصنفاته التي تتصل بمذهبة الفقهي الشافعي، وقد تكون اتجاهاته اللغوية غلبت عليه، فجعلته يصنّفه في بعض المباحث اللغوية".
هذه جملة الدوافع إلى هذا البحث، إذ اطّلعت على كتابه "المفتاح في الصرف"، وتجمّع لديّ بعض الملحوظات والأفكار عن جهوده التصريفية بشكل خاص، فوجدت أنّ الكتابة أصبحت ممكنة، لعلّها تجلو بعض الجوانب والحقائق.
ثانياً: حول المصطلح "أصرْفٌ هو أمْ تصريف"، وموضوعه، وعلاقته بمستويات البحث اللغوي الأخرى:
التصريف أو الصرف: علم بأصول، يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب.
والتصريف عند عبدالقاهر: (تفعيل من الصرف، وهو أن تصرّف الكلمة المفردة فتتولد منها ألفاظ مختلفة ومعان متفاوتة).
وقد اضطرب إطلاق المصطلح بين القدماء من جهة، وبينهم وبين المحدثين من جهة أخرى.
فلو تتبّعنا إطلاقه عند القدماء، لوجدنا الموضوع يرد في نوعين من المؤلفات:
أ- الأول: المؤلفات النحوية بمفهوم النحو الواسع العام الذي يضمّ أبواباً صوتية وصرفية ونحوية، ففي تلك المؤلفات، نجد مصنفيها أطلقوا مصطلح "التصريف" على أبواب مخصوصة تتناول التغير الذي يطرأ على بِنى الكلمات لإِظهار ما في حروفها من أصالة أو زيادة أو حذف، وما يطرأ عليها من إبدال أو إعلال.
ومفهوم النحو بمعناه الواسع العام يشمل مستويات الدراسة اللغوية كلها (أصواتها وبناها وتراكيبها)، فأبو علي الفارسي عرّف النحو بأنه علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: تغيير يلحق أواخر الكلم.
والآخر: تغيير يحلق ذوات الكلم وأنفسها.
وإلى ذلك ذهب أبو حيان؛ فعلم النحو – عنده- مشتمل على أحكام الكلمة، والأحكام على قسمين:
قسم يلحقها حالة التركيب، وهو قسمان: قسم إعرابي وقسم غير إعرابي .
والثاني يلحقها حالة الإِفراد، وهو قسمان أيضاً: قسم تتغير فيه الصيغ لاختلاف المعاني، نحو ضرب وضارب وتضارب واضطراب، وكالتصغير والتكسير وبناء الآلات، وأسماء المصادر وغير ذلك، وهذا جرت عادة النحويين بذكره قبل علم التصريف وإن كان منه.
وقسم تتغير فيه الكلمة لا لاختلاف المعاني كالنقص والإِبدال والقلب والنقل وغير ذلك.
ولحظ عباس حسن أن جمهرة اللغويين العرب القدماء عدّوا التصريف بأنه التغيير الذي يتناول صيغة الكلمة وبنيتها، ذلك التغيير الذي لا يتصل باختلاف المعاني، وقال: فليس من التصريف عند جمهرة النحاة تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لتؤدي معاني مختلفة – كالتصغير والتكسير والتثنية والجمع والاشتقاق وغير ذلك-، فذلك التحويل يدخل في اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة.
أما الفارسي فضمّ كل الأبواب التي يلحق التغيير فيها ذوات الكلم، إن كان ذلك التغيير يسبّب اختلافاً في المعاني أو لا يسبّب، فنجده قد خصّص الجزء الثاني من كتابه (الإِيضاح العضدي)، وهو ما يعرف بالتكملة، فعرض فيه أبواب التثنية والجمع السالم والنسب، وتخفيف الهمزة والمقصور والممدود والعدد والتأنيث والتذكير وجمع التكسير والتصغير والإِمالة والمصادر والمشتقات وغيرها، والتصريف – الذي لا يحدث اختلافاً في المعاني- كالزيادة والإِبدال والقلب والإِدغام وغيرها.
وجاء بعده ابن عصفور في كتابه "المقرّب"، فكان أكثر تنظيماً في منهجه وتبويبه، فخصّص أكثر الجزء الثاني للأبواب التصريفية، فقد ذكر الأحكام التصريفية (الجزء 2/78)، وعرض النوع الأول من التصريف، وفيه: باب التصغير، وجمع التكسر والمصادر والمشتقات والمقصور والممدود والحروف الزوائد، ثم ذكر النوع الثاني من التصريف، وفيه: الإِدغام، وحروف البدل، والقلب والحذف والنقل.
ولكننا نرى أنه لم يدخل بعض الأبواب التصريفية ضمن ما خصّصه لتلك الأبواب، فلم يدخل أبواب النسب والتذكير والتأنيث والتثنية وجمع السلامة، وإنما أدخلها ضمن الأبواب النحوية.
وبإنعام النظر في منهج القدماء وتبويبهم، نتبيّن أنهم خصّصوا – باستثناء الفارسي وابن عصفور- أبواب التصريف لموضوعات صوتية بحته، والبدل والقلب والحذف والإِدغام ألصق بعلم الأصوات.
وربما أحسّوا بارتباط الموضوعات التصريفية بموضوعات النحو، وإن كنت لا أرى ما يقنع في صنيعهم ذلك، لأنهم لو أدركوا تلك الرابطة لقدموا الأبواب التصريفية على مباحث النحو والتراكيب، ولو فعلوا ذلك لكان عملهم متّسقاً إلى حد كبير ووجهة النظر الحديثة، التي تعدّ الصرف مقدمة للنحو أو خطوة تمهيدية له، فهو ليس غاية في ذاته إنما هو وسيلة وطريق من طرق دراسة التركيب والنص.
ويرى د. عبدالصبور شاهين أنه لا يفصل الصرفَ عن النحو خط عريض، بل خط رفيع جداً، بحيث تتداخل الظواهر النحوية والصرفية، فلا يجوز عزل أحد هذين العلمين عن الآخر في النظر والتطبيق، لأنّ مسائلهما متشابكة إلى حدّ كبير.
ب- الثاني: المصنفات التصريفية التخصيصة، التي قصرها مصنفوها على الأبواب التصريفية، فأقدم ما وصل إلينا منها هو كتاب أبي عثمان المازني الذي وسمه بالتصريف، ولو نظرنا في موضوعاته لوجدناها مقتصرة على الأبواب التصريفية بمعنى التصريف الضيق، الذي يتناول الأبواب الأكثر التصاقاً بالدراسات الصوتية، ففي ذلك الكتاب تطالعنا أبواب أبنية الأسماء والأفعال، الأصول والزيادات، حروف الزيادة، باب من مسائل الياء والواو، ومسائل من القلب والتضعيف في بنات الياء والواو وتاء الافتعال، فهذه الأبواب في جملتها من النوع الثاني من التصريف الذي ذكره ابن عصفور وأبو حيان، وهو الذي لا يؤدي التغيير فيه إلى اختلاف في المعنى.
ولم يحد ابن جني في مصنفه على شرح تصريف المازني عن منهجه أو أبوابه.
ووضع ابن جني أيضاً كتابه "الملوكي" في التصريف أيضاً، وقصره على أبواب التصريف الذي هو من النوع الثاني.
وسار على منهجه ابن يعيش أيضاً في شرحه على الملوكي الذي وسمه "شرح الملوكي في التصريف".
وصنّف الميداني كتاباً في التصريف وسمه "نزهة الطرف في علم الصرف"، والتزم فيه منهج السابقين، واقتصر على الأبواب التصريفية بالمفهوم الضيق أيضاً.
كما صنّف ابن عصفور كتاباً متخصصاً في التصريف اسمه "الممتع في التصريف"، فصرّح في مقدمة كتابه أنّ للتصريف قسمين، وهما القسمان اللذان ذكرهما في كتابه "المقرّب"، وذكر أن القسم الأول الذي يتناول جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، ذكر أنّ هذا القسم جرت عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف، فلذلك لم يضمنه كتابه الممتع، مع أنّ أكثره مبني على معرفة الزائد من الأصلي، وقصر موضوعات كتابه على النوع الثاني الذي لا يؤدي تغيير مبنى الكلمة فيه إلى اختلاف في المعنى. ولكنه يؤكد أن التصريف يتناول القسمين، بقوله: "فإذا بيّنا جميع ما ذكرناه في هذين القسمين فقد أتينا على جملة التصريف".
وصنّف عبدالقاهر كتابه الموسوم "المفتاح" الذي خصّصه للتصريف، صنّفه على نهج من ذكرنا، أي أنّه قصره على الأبواب التصريفية التي هي من النوع الثاني.
ولم يخرج عن هذا المنهج في التصنيف من القدماء إلّا ابن الحاجب في "الشافية"، فقد ضمّنها أبواباً تصريفية من النوعين، فالناظر فيها وفي شرح الرضي عليها تطالعه أبواب مفصلة في المصدر والمشتقات والتصغير والنسب وجمع التكسير واسم الجنس واسم الجمع وجمع الجمع والتقاء الساكنين وهمزة الوصل والوقف والمقصور والممدود وحروف الزيادة والإِمالة والإِعلال والإِبدال والإِدغام، ولكني لا أدري لِمَ أغفل ابن الحاجب موضوعات تصريفية أخرى كالمذكر والمؤنث والتثنية والجمع السالم مثلاً.
بعد هذا الاستعراض، فإنني أميل إلى القول إنّ جمهرة القدماء قد فهموا النحو بمعناه الواسع العام وصنّفوا فيه، وهذا الفهم يوافق ما ذكره الدكتور بشر "أن التقليد الغالب الآن جرى على مناقشة هذين العلمين معاً – علم التصريف وعلم النحو-، مع ملاحظة البدء بقضايا الصرف بوصفه مقدمة ضرورة، ويجمع العلمين كليهما في هذا الرأي مصطلح لغوي واحد هو جراماتيكا (Gremmar) الذي يشمل كذلك – طبقاً لبعض الأقوال- علم وظائف الأصوات (Phonology).
صحيح أنّ منهجهم هذا افتقر إلى دقة التصنيف، فكان عليهم أن يعلّموا أوّلاً الأصوات ووظائفها – التي أطلق القدماء على بعضها مصطلح التصريف من النوع الثاني-، لكني أقول: إنهم تنبّهوا إلى هذه القضية، واعتذروا لتأخيرهم الأبواب التصريفية الصوتية، فهذا ابن جني يقول: "التصريف يحتاج إليه جميع أهل العربية أتمّ حاجة، وبهم إليه أشدّ فاقة، لأنه ميزان العربية"، فهذا يدلّ على استشعارهم أهمية هذا العلم، ويقول في موضع لاحق: "... فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف ... إلّا أنّ هذا الضرب من العلم لمّا كان عويصاً صعباً بُدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد، ليكون الارتياض في النحو موطئاً للدخول فيه، ومعيناً على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".
ما دفعني إلى هذا البحث هو شهرة عبدالقاهر الجرجاني التي طبّقت الآفاق، وتنوّع مباحثه في علوم العربية المختلفة: أصواتها، وصرفها، ونحوها، وبلاغتها، ونقدها، إضافة إلى جهوده في علم الدلالة وإعجاز القرآن الكريم والدراسات القرآنية.
وقد توالت البحوث والمؤلفات، وتناول كلّ منها جانباً من هذه الجوانب التي برع فيها الرجل، ونظرت في هذه البحوث فوجدتها قد استوفت – أو كادت- الجوانب المختلفة من علمه، وقد أجمعتْ على أنّ لدى الرجل نزعات تجديدية، وأنّه سبق المحدثين في غير قضية من قضايا بحوثه، ولكني وجدت نقصاً في البحوث التي تناولت مكانته وجهوده في الجانب التصريفي.
فاستقرّ في نفسي أن أحاول تتبّع جهوده في هذا الجانب، ورأيت أنّ الأمر سيبقى ناقصاً إن لم أطّلع على مصنفاته فيه، فحصلت على مصوّرة من كتاب صغير له هو "المفتاح في الصرف"، وشغلت نفسي في تحقيقه، وهو الآن قيد الطبع والحمد لله. ثم حصلت على مصوّرة لرسالة أخرى له، وهي العمدة في التصريف، كما اطّلعت على مصورة من كتابه المقتصد في شرح الإِيضاح.
ولفت نظري اقتصاره في بحوثه التصريفية على أبواب مخصوصة، الأمر الذي دعاني إلى بحث هذه الظاهرة.
وكذلك ما أورده في الورقة الأولى (ظ1- و2) من كتابه المفتاح في الصرف، وهو قوله: والتمثيل – ويعني به الوزن الصرفي- وهو أن يقابل حروف الكلمة الثلاثية بالفاء والعين واللّام، وتكرّر اللّام في الرباعي مطلقاً – أي في الاسم والفعل- وكذا في الاسم الخماسي، ... وفي البدل من الأصل جاز فيه المثالان، فمثل كساء: فعال أو فعاء، أصله كساو، قلبت الواو همزة لتطرفها.
ومما دفعني إلى البحث أيضاً ما أورده الرضي عن عبدالقاهر أنه يزن (قالَ) على فالَ، وهو رأي حديث، سبق عبدالقاهر غيرَه إليه، مع مخالفة المحدثين له في أنه يرى أنّ هذا الوزن على البدل، أمّا المحدثون فلم يقرّوا نظرية البدل هذه، ويرون أنّ (قالَ) ومثيلاتها لا بدل فيها.
ومن دواعي هذا البحث أيضاً، أنّ بعض الباحثين الذين كتبوا عن عبدالقاهر لم يستطيعوا تبيّن حقيقة كتابه "المفتاح"، ومنهم من قال: "قد يكون من مصنفاته التي تتصل بمذهبة الفقهي الشافعي، وقد تكون اتجاهاته اللغوية غلبت عليه، فجعلته يصنّفه في بعض المباحث اللغوية".
هذه جملة الدوافع إلى هذا البحث، إذ اطّلعت على كتابه "المفتاح في الصرف"، وتجمّع لديّ بعض الملحوظات والأفكار عن جهوده التصريفية بشكل خاص، فوجدت أنّ الكتابة أصبحت ممكنة، لعلّها تجلو بعض الجوانب والحقائق.
ثانياً: حول المصطلح "أصرْفٌ هو أمْ تصريف"، وموضوعه، وعلاقته بمستويات البحث اللغوي الأخرى:
التصريف أو الصرف: علم بأصول، يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب.
والتصريف عند عبدالقاهر: (تفعيل من الصرف، وهو أن تصرّف الكلمة المفردة فتتولد منها ألفاظ مختلفة ومعان متفاوتة).
وقد اضطرب إطلاق المصطلح بين القدماء من جهة، وبينهم وبين المحدثين من جهة أخرى.
فلو تتبّعنا إطلاقه عند القدماء، لوجدنا الموضوع يرد في نوعين من المؤلفات:
أ- الأول: المؤلفات النحوية بمفهوم النحو الواسع العام الذي يضمّ أبواباً صوتية وصرفية ونحوية، ففي تلك المؤلفات، نجد مصنفيها أطلقوا مصطلح "التصريف" على أبواب مخصوصة تتناول التغير الذي يطرأ على بِنى الكلمات لإِظهار ما في حروفها من أصالة أو زيادة أو حذف، وما يطرأ عليها من إبدال أو إعلال.
ومفهوم النحو بمعناه الواسع العام يشمل مستويات الدراسة اللغوية كلها (أصواتها وبناها وتراكيبها)، فأبو علي الفارسي عرّف النحو بأنه علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: تغيير يلحق أواخر الكلم.
والآخر: تغيير يحلق ذوات الكلم وأنفسها.
وإلى ذلك ذهب أبو حيان؛ فعلم النحو – عنده- مشتمل على أحكام الكلمة، والأحكام على قسمين:
قسم يلحقها حالة التركيب، وهو قسمان: قسم إعرابي وقسم غير إعرابي .
والثاني يلحقها حالة الإِفراد، وهو قسمان أيضاً: قسم تتغير فيه الصيغ لاختلاف المعاني، نحو ضرب وضارب وتضارب واضطراب، وكالتصغير والتكسير وبناء الآلات، وأسماء المصادر وغير ذلك، وهذا جرت عادة النحويين بذكره قبل علم التصريف وإن كان منه.
وقسم تتغير فيه الكلمة لا لاختلاف المعاني كالنقص والإِبدال والقلب والنقل وغير ذلك.
ولحظ عباس حسن أن جمهرة اللغويين العرب القدماء عدّوا التصريف بأنه التغيير الذي يتناول صيغة الكلمة وبنيتها، ذلك التغيير الذي لا يتصل باختلاف المعاني، وقال: فليس من التصريف عند جمهرة النحاة تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لتؤدي معاني مختلفة – كالتصغير والتكسير والتثنية والجمع والاشتقاق وغير ذلك-، فذلك التحويل يدخل في اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة.
أما الفارسي فضمّ كل الأبواب التي يلحق التغيير فيها ذوات الكلم، إن كان ذلك التغيير يسبّب اختلافاً في المعاني أو لا يسبّب، فنجده قد خصّص الجزء الثاني من كتابه (الإِيضاح العضدي)، وهو ما يعرف بالتكملة، فعرض فيه أبواب التثنية والجمع السالم والنسب، وتخفيف الهمزة والمقصور والممدود والعدد والتأنيث والتذكير وجمع التكسير والتصغير والإِمالة والمصادر والمشتقات وغيرها، والتصريف – الذي لا يحدث اختلافاً في المعاني- كالزيادة والإِبدال والقلب والإِدغام وغيرها.
وجاء بعده ابن عصفور في كتابه "المقرّب"، فكان أكثر تنظيماً في منهجه وتبويبه، فخصّص أكثر الجزء الثاني للأبواب التصريفية، فقد ذكر الأحكام التصريفية (الجزء 2/78)، وعرض النوع الأول من التصريف، وفيه: باب التصغير، وجمع التكسر والمصادر والمشتقات والمقصور والممدود والحروف الزوائد، ثم ذكر النوع الثاني من التصريف، وفيه: الإِدغام، وحروف البدل، والقلب والحذف والنقل.
ولكننا نرى أنه لم يدخل بعض الأبواب التصريفية ضمن ما خصّصه لتلك الأبواب، فلم يدخل أبواب النسب والتذكير والتأنيث والتثنية وجمع السلامة، وإنما أدخلها ضمن الأبواب النحوية.
وبإنعام النظر في منهج القدماء وتبويبهم، نتبيّن أنهم خصّصوا – باستثناء الفارسي وابن عصفور- أبواب التصريف لموضوعات صوتية بحته، والبدل والقلب والحذف والإِدغام ألصق بعلم الأصوات.
وربما أحسّوا بارتباط الموضوعات التصريفية بموضوعات النحو، وإن كنت لا أرى ما يقنع في صنيعهم ذلك، لأنهم لو أدركوا تلك الرابطة لقدموا الأبواب التصريفية على مباحث النحو والتراكيب، ولو فعلوا ذلك لكان عملهم متّسقاً إلى حد كبير ووجهة النظر الحديثة، التي تعدّ الصرف مقدمة للنحو أو خطوة تمهيدية له، فهو ليس غاية في ذاته إنما هو وسيلة وطريق من طرق دراسة التركيب والنص.
ويرى د. عبدالصبور شاهين أنه لا يفصل الصرفَ عن النحو خط عريض، بل خط رفيع جداً، بحيث تتداخل الظواهر النحوية والصرفية، فلا يجوز عزل أحد هذين العلمين عن الآخر في النظر والتطبيق، لأنّ مسائلهما متشابكة إلى حدّ كبير.
ب- الثاني: المصنفات التصريفية التخصيصة، التي قصرها مصنفوها على الأبواب التصريفية، فأقدم ما وصل إلينا منها هو كتاب أبي عثمان المازني الذي وسمه بالتصريف، ولو نظرنا في موضوعاته لوجدناها مقتصرة على الأبواب التصريفية بمعنى التصريف الضيق، الذي يتناول الأبواب الأكثر التصاقاً بالدراسات الصوتية، ففي ذلك الكتاب تطالعنا أبواب أبنية الأسماء والأفعال، الأصول والزيادات، حروف الزيادة، باب من مسائل الياء والواو، ومسائل من القلب والتضعيف في بنات الياء والواو وتاء الافتعال، فهذه الأبواب في جملتها من النوع الثاني من التصريف الذي ذكره ابن عصفور وأبو حيان، وهو الذي لا يؤدي التغيير فيه إلى اختلاف في المعنى.
ولم يحد ابن جني في مصنفه على شرح تصريف المازني عن منهجه أو أبوابه.
ووضع ابن جني أيضاً كتابه "الملوكي" في التصريف أيضاً، وقصره على أبواب التصريف الذي هو من النوع الثاني.
وسار على منهجه ابن يعيش أيضاً في شرحه على الملوكي الذي وسمه "شرح الملوكي في التصريف".
وصنّف الميداني كتاباً في التصريف وسمه "نزهة الطرف في علم الصرف"، والتزم فيه منهج السابقين، واقتصر على الأبواب التصريفية بالمفهوم الضيق أيضاً.
كما صنّف ابن عصفور كتاباً متخصصاً في التصريف اسمه "الممتع في التصريف"، فصرّح في مقدمة كتابه أنّ للتصريف قسمين، وهما القسمان اللذان ذكرهما في كتابه "المقرّب"، وذكر أن القسم الأول الذي يتناول جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، ذكر أنّ هذا القسم جرت عادة النحويين أن يذكروه مع ما ليس بتصريف، فلذلك لم يضمنه كتابه الممتع، مع أنّ أكثره مبني على معرفة الزائد من الأصلي، وقصر موضوعات كتابه على النوع الثاني الذي لا يؤدي تغيير مبنى الكلمة فيه إلى اختلاف في المعنى. ولكنه يؤكد أن التصريف يتناول القسمين، بقوله: "فإذا بيّنا جميع ما ذكرناه في هذين القسمين فقد أتينا على جملة التصريف".
وصنّف عبدالقاهر كتابه الموسوم "المفتاح" الذي خصّصه للتصريف، صنّفه على نهج من ذكرنا، أي أنّه قصره على الأبواب التصريفية التي هي من النوع الثاني.
ولم يخرج عن هذا المنهج في التصنيف من القدماء إلّا ابن الحاجب في "الشافية"، فقد ضمّنها أبواباً تصريفية من النوعين، فالناظر فيها وفي شرح الرضي عليها تطالعه أبواب مفصلة في المصدر والمشتقات والتصغير والنسب وجمع التكسير واسم الجنس واسم الجمع وجمع الجمع والتقاء الساكنين وهمزة الوصل والوقف والمقصور والممدود وحروف الزيادة والإِمالة والإِعلال والإِبدال والإِدغام، ولكني لا أدري لِمَ أغفل ابن الحاجب موضوعات تصريفية أخرى كالمذكر والمؤنث والتثنية والجمع السالم مثلاً.
بعد هذا الاستعراض، فإنني أميل إلى القول إنّ جمهرة القدماء قد فهموا النحو بمعناه الواسع العام وصنّفوا فيه، وهذا الفهم يوافق ما ذكره الدكتور بشر "أن التقليد الغالب الآن جرى على مناقشة هذين العلمين معاً – علم التصريف وعلم النحو-، مع ملاحظة البدء بقضايا الصرف بوصفه مقدمة ضرورة، ويجمع العلمين كليهما في هذا الرأي مصطلح لغوي واحد هو جراماتيكا (Gremmar) الذي يشمل كذلك – طبقاً لبعض الأقوال- علم وظائف الأصوات (Phonology).
صحيح أنّ منهجهم هذا افتقر إلى دقة التصنيف، فكان عليهم أن يعلّموا أوّلاً الأصوات ووظائفها – التي أطلق القدماء على بعضها مصطلح التصريف من النوع الثاني-، لكني أقول: إنهم تنبّهوا إلى هذه القضية، واعتذروا لتأخيرهم الأبواب التصريفية الصوتية، فهذا ابن جني يقول: "التصريف يحتاج إليه جميع أهل العربية أتمّ حاجة، وبهم إليه أشدّ فاقة، لأنه ميزان العربية"، فهذا يدلّ على استشعارهم أهمية هذا العلم، ويقول في موضع لاحق: "... فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف ... إلّا أنّ هذا الضرب من العلم لمّا كان عويصاً صعباً بُدئ قبله بمعرفة النحو، ثم جيء به بعد، ليكون الارتياض في النحو موطئاً للدخول فيه، ومعيناً على معرفة أغراضه ومعانيه وعلى تصرف الحال".

تعليق