الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

قِراءةٌ مُعاصِرةٌ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التُّراثِ والدَّرسِ المُعاصِرِ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    قِراءةٌ مُعاصِرةٌ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التُّراثِ والدَّرسِ المُعاصِرِ

    قِراءةٌ مُعاصِرةٌ
    لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التُّراثِ والدَّرسِ المُعاصِرِ

    د. سعد الدين إبراهيم المصطفى

    مُلخَّصُ البَحثِ
    يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ من وجهةِ نَظرِ القُدماءِ والمحدثِينَ، فالقُدماءُ لم يُصرِّحُوا بِها وإنَّما كانَتْ مُستَقِرَّةً فِي أذهانِهِم فِي كثيرٍ مِن الآراءِ النَّحوِيَّة، التي بَثُّوها فِي ثَنايا مُؤلَّفاتِهِم، وكانَتْ ظاهِرةً في كُلِّ مَسائِلِ الُّلغةِ والنَّحو والتَّصرِيفِ والأَصواتِ وغَيرِها مِن العُلُومِ العربِيَّةِ وفُنُونِها، وهذِهِ الظَّاهِرةُ مُكوَّنةٌ مِن أنظِمةٍ وقوانِينَ تَحكُمُها لا تنتظِمُ في قاعِدةٍ واحدِةٍ بل في قَواعِدَ مُتنوعةٍ مُختَلِفةٍ أحياناً ومُؤتلِفةٍ فِي كثيرٍ من الأحيانِ.
    والظاهِرةُ النَّحويَّةُ تَبحَثُ فِي العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وتُبيِّنُ وظائِفَها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحو تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فهِيَ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً ربَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو.
    ولِتَحدِيدِ الجَانِبِ العَملِيِّ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ كانَ لِزاماً علَى النُّحاةِ أنْ يَفهَمُوا جيِّداً العَامِلَ بِاعتِبارِهِ تَفسِيراً لِلعَلاقاتِ النَّحويَّةِ أو بِاعتِبارِهِ مَناطَ التّعلِيقِ، وجَعَلُوهُ تَفسِيراً لِاختِلافِ العَلاماتِ الإِعرابِيَّة، وبَنَوا علَى القَولِ بِهِ فِكرَتَي التَّقدِيرِ والإِعرابِ المحلِيِّ.
    وعَلاقةُ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ بِالعِلمِ عَلاقةٌ جَدَليّةً تَتَلَخَّصُ فِي اشتِمالِ العِلمِ علَيها لأنَّهُ يسعى إلى ضبط حدودها ودراستها، ، وقَد يُصرَفُ هذا التَّصوُّرُ إلَى أنَّ ضَبطَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المدرُوسةِ تَذهَبُ إلَى بَيانِ الصُّورةِ القائِمةِ فِي أَذهانِ العُلماءِ عنها، الَّتي تَتَمثَّلُ فِي النَّظريَّاتِ الَّتِي يُقدِّمُونَها لِضَبطِ الظَّاهِرةِ وَوَصفِها ضِمنَ إمكاناتِ العلمِ وحدودهِ.
    أَهدافُ البَحثِ
    1- عِنايةُ النُّحاةِ والُّلغويينَ بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ واللغويَّةِ، مِن خلالِ دِراسةِ المبانِي والمعانِي والعلاقاتِ القائِمةِ بينَهُما.
    2- إبرازُ أَهميةِ تَحريرِ المَسأَلةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، والتَّصوُّرِ الصَّحِيحِ.
    3- دِراسةُ ظَواهرِ النَّحوِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ أي: الأحكامُ والأُصُولُ والقَواعِدُ الَّتِي تَحكُمُ الكلامَ العربِيَّ.
    مَنهجُ البَحثِ
    سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
    1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها. وهذا المَنهَجُ هو السَّائِدُ فِي الدِّراساتِ الُّلغويَّةِ والنَّحويَّةِ المُعاصِرةِ.
    2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ النُّحاةِ القُدماءِ وبَعضَ آراءِ المُحدَثِينَ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، ومعانِي العَلاقاتِ الَّتِي تحكُمُ التركِيبَ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ مِنها، وشَرحِ معانِيها.

    خُطَّةُ البَحثِ
    يتألَّفُ هذا البَحثُ مِن:
    مُقدِّمةٍ وثَلاثةِ فُصُولٍ وخاتمةٍ وأهمِّ النتائِجِ والتوصِياتِ، ففِي المقدمةِ تكلَّمْتُ عنِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ وتَعرِيفِها.
    وفِي الفَصلِ الأوَّلِ تَحدَّثْتُ عن الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التراثِ، وكيفَ فَهِمَها القُدماءُ وفسَّرُوها، وفِي الفَصلِ الثَّانِي تَكَلَّمْتُ عن مَوقِفِ أشهرِ النَّحويينَ والَّلغَويينَ المُعاصِرِينَ مِنها، وكيفَ نَظَرُوا إلَيها، وطَبَّقُوا ذلِكَ فِي دراساتِهِم ومؤلَّفاتِهِم.
    وفِي الفَصلِ الثَّالِثِ تَكَلَّمْتُ عن خَصائِصِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المُمثَّلةِ فِي الوَحَداتِ النَّحوِيَّةِ والمَعانِي النَّحويَّةِ والعَلاقَاتِ الَّتِي تَكونُ بَينَ الوَحدَاتِ النَّحويَّةِ والقَرائِنِ اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ وأنواعِ الإعرابِ ومعانِيهِ، وخاتمة وأهمّ النتائج والتوصِياتِ.

    مُقدِمة
    الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ هِيَ الَّتي تَملِكُ النِّظامَ النَّحويَّ الَّذِي يَدعُو الدَّارسِينَ إلَى استِنباطِ نَظريَتِهِ، حَيثُ تَهدُفُ هنا إلَى التَّوجِيهِ لِغَرضِ الدِّراسةِ والتَّحلِيلِ بِصُورةٍ حاسِمةٍ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والنِّظامِ النَّحويِّ، والنَّظريَّةِ النَّحويَّةِ والمناهِجِ النَّحويَّةِ.
    ويُمكِنُ لنا أنْ نَلتَمِسَ تَرَدُّدَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والجُهُودِ المُقَدَّمةِ حَولَها فِي تَعرِيفاتِ العُلمَاءِ، فَنَنظُرُ ما قَالَهُ الكَفَويُّ (ت1094هـ) عن ضَبطِ العِلمِ: " والمعَنَى الحَقيقِيُّ لِضَبطِ العِلمِ هُوَ الإِدراكُ، ولِهذا المعَنَى مُتَعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ وَسِيلةً إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ الملَكَةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفيَّةً أو اصطِلاحِيَّةً أو مَجَازاً مَشهُوراً "1 .
    ونُشِيرُ إلَى أنَّ استِمدادَ تَصَوُّرِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن تَعرِيفِ النَّحو ومَفهُومِهِ فِي تُراثِنا الَّذِي يُعدُّ تَصَوُّراً قَاصِراً يَقتَضِي أنْ يَتبَعَهُ استِمدَادٌ لِتَصوُّراتِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن خِلالِ المَوضُوعاتِ الَّتِي يُقَدِّمُها الدَّرسُ النَّحويُّ، وجِهَاتُ الُّلغةِ الَّتِي يَتَكفَّلُ بِها هذا الدَّرسُ.

    الفَصْلُ الأَوَّلُ
    الظَّاهِرَةُ النَّحويَّةُ
    أولاً-في التراث:

    إنَّ مُقابَلةَ النَّحوِ بِالإعرابِ مَرَّةً وبِالعَربيَّةِ أُخرَى تَجعَلُنا نُعِيدُ مَفهُومُ النَّحوِ فِي تُراثِنا، فَمُرادفةُ النَّحو لِلإعرابِ لَيسَتْ سِوَى بَيانِ جانِبٍ مِنهُ، كَمَا أنَّ مُرَادفَةَ النَّحوِ لِلعَرَبِيَّةِ لَيسَتْ أَكثَرَ مِن بَيَانِ قِيمةِ النَّحوِ، ويُقَالُ لِلنَّحوِ عِلمُ العَربَيَّة لِأَهمِيَتهِ فِي ذاتِهِ، ولِأَهمِيَتِهِ لِغَيرِهِ مِن بَقِيَّةِ عُلُومِ العَرَبِيَّةِ.
    فالنَّحو يَستغنِي بِالكلامِ فِي الأصنافِ عنِ الكلامِ فِي المفرداتِ فَيَكُونُ ذلِكَ مَظهراً مِن مَظاهِرِ الاقتِصادِ، ومن الواضِحِ أنَّ التَّقعيدَ بِدورهِ هُو الاستِغناءُ بِالكلامِ فِي الحُكمِ الشامِلِ وهو القاعِدةُ عنِ الكلامِ فِي أحكامِ المفرداتِ كلٌّ مِنها علَى حِدة، وإثباتُ ما لا يَدخُلُ تحتَ الحَصرِ بِطريقِ النَّقلِ محالٌ، وإذا تحقَّقَت للنَّحو الموضوعيَّةُ والشُّمُولُ والتَّماسُكُ والاقتِصادُ كانَ النَّحو مَضبُوطاً، فالنَّحو كما يَروي السيوطيُّ(ت911هـ) عن صاحِبِ البديع: " النَّحو صِناعةٌ علميَّةٌ يُعرَفُ بِها أَحوالُ كَلامِ العربِ مِن جِهةِ ما يَصِحُّ وما يَفسُدُ فِي التَّألِيفِ لِيُعرَفَ الصَّحِيحَ مِن الفاسِدِ" 2.
    وتَقُومُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِبَحثِ العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وبَيانِ وظائِفِها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحوَ تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فالظَّاهِرةُ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً رَبَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو وبِنائِها.
    ويَجِبُ أَنْ نُفرِّقَ بَينَ حُدودِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ ومَفهُومِ النَّحو، إذ لا تُطابِقُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِالضَّرُورةِ مَفهُومَ النَّحو، وقد لا يَتَّصِلُ مَفهُومُ النَّحو بِها، فضَبطُ العُلُومِ عامَّةً يَتردَّدُ بَينَ ضَبطِ الظَّاهِرةِ الَّتِي تُدرَسُ، وبَينَ بيانِ الجُهُودِ التي يُقدِّمها العُلماء لِضبطِ هذِهِ الظَّاهِرةِ.
    وحَدُّ العِلمِ الذِي يُفهَمُ من كلامِ العُلماءِ عنهُ هو ما تَضَمَّنَ الأصُولَ والقواعِدَ الكليَّةَ وما يَتفرَّعُ عَنها مِن جُزئياتٍ وفُروعٍ ومسائِلَ كثيرةٍ، ويُلخِّصُ بَعضُهُم هذِهِ الدِّلالاتِ بِقَولِهِ: " وذلِكَ أنَّهُ قَد تَقَرَّرَ عِندَ العُلماءِ أنَّ لَفظَ العِلمِ يُطلَقُ إطلاقاً حَقِيقيَّاً علَى الأُصُولِ والقَواعِدِ، وهيَ القضايَا الكُلِيَّةُ التِي يُتَعرَّفُ مِنها أحكامُ جُزئِيَّاتِ مَوضُوعِها، وعلَى التَّصدِيقِ بِهذِهِ الأُصُولِ والقَواعِدِ، وعلَى مَلَكةِ استِحضارِها الحاصِلةِ مِن تَكرِيرِ التَّصدِيقِ بِها"3 .
    ويُمكِنُ أنْ نتعرَّفَ مَفهُومَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النحويَّةِ والجُهُودِ المُقدَّمةِ في شرحِها مِن خِلالِ تَعرِيفاتِ العُلَماءِ، وهذا ما نَراهُ عندَ صاحِبِ ( الكلِيَّاتِ ) في ضبطِ العلمِ، فقالَ: " والمعنى الحقِيقيُّ لِلفظِ العِلمِ هُوَ الإدراكُ، ولِهذا المَعنَى مُتعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ بِهِ وَسِيلةٌ إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ المَلَكةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفِيَّةً أوِ اصطِلاحِيَّةً، أو مَجازاً مَشهُوراً "4 .
    ويَعنِي ذلِكَ أنَّ العِلمَ قد يَكُونُ هوَ الظَّاهِرةُ نَفسُها، أو بِتعبِيرِ العُلماءِ المعلُومُ أو المعلُماتُ نَفسُها، وهو الَّذِي قُصِرَ علَى الأصُولِ والقَواعدِ الخاصَّةِ بِالظَّاهِرةِ الَّتِي يُرادُ دَرسُها، ويمكِنُ أنْ يَكُونَ الجُهدُ الَّذِي يُقَدَّمُ في الظَّاهِرةِ ذاتِها، قد يُطلَقُ علَى الصُّورةِ المتخيَّلةِ في العَقلِ أو الذِّهنِ، وقد يَكُونُ المَلكةَ التي تُستَحضَرُ بِها الظاهِرةُ نفسُها.
    وَقَد أَثبَتَ بَعضُ الدَّارِسِينَ تَردُّدَ ضَبطِ النَّحو بينَ الظَّاهِرةِ وبينَ الجُهدِ المُقَدَّمِ فِيها، إذ يُشيرُ إلَى مَوقِفَينِ فِي ضَبطِ النَّحو، يَرجِعُ أوَّلُهُما إلَى ضَبطِ شَيءٍ مُتَّصِلٍ بالظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، كما يَرجِعُ ثانِيهِما إلَى ضَبطِ الجُهُودِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِضَبطِ هذِهِ الظاهِرةِ، وقد ذكر أستاذنا فخر الدين قباوة شَيئاً عن تِلكَ الجُهودِ فقالَ: " والحقُّ أنَّ أعمالَ القُدماءِ ومَنْ بَعدَهُم كانَتْ تُسيِّرُها فِكرةُ الوظائِفِ النَّحويَّةِ، وظَواهِرِ الإعرابِ المشتَرَكةِ ودِلالاتِها، وقد تَتَرَدَّدُ مَسأَلةُ العَملِ ضِمنَ ذلِكَ المَيدانِ فِي المَساربِ الَّتِي يَقتَضِيها البَحثُ مِن دُونِ هَيمنةٍ أو تَحكُّمٍ"5 .
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    وذَهَبَ الدكتور نهاد الموسى إلَى أنَّ ضَبطَ النَّحوِ تمثَّلَ مرَّة في نِظامِ الأحكامِ، ومرَّةً أخرى تمثَّلَ فِي النظريَّةِ التِي يُقدِّمُها الُّلغويُونَ، وهذا ما يُفيدُ التردُّدَ فِي ضَبطِ النَّحوِ بَينَ ظاهِرتِهِ وبَينَ الجُهدِ المقدَّمِ عنها أو العِلمِ الَّذِي يَقُومُ بِدراستِها، فَوَصَفَ النَّحوَ بِأنَّهُ النَّظريَّةُ يَتَّجهُ إلَى العِلمِ الَّذِي يَدرُسُ الظاهِرةَ لا إلَى الظَّاهِرةِ الَّتي يَتَكفَّلُ بِها العِلمُ. وهُناكَ أَحكامٌ قائِمةٌ فِي أفهامِ أهلِ النَّحوِ قَديماً عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، فالنَّحو يُكتسَبُ منذُ الطُّفولةِ فِي أذهانِهِم، ويُسَخَّرُ لِضَبطِ شَيءٍ عن تِلكَ الظَّاهِرةِ والجُهدِ المبذُولِ أيضاً فِي ضَبطِها، وقد قِيلَ عن ذلِكَ في أمرَيْنِ:" أوَّلُهُما: أنَّ النَّحو نِظامٌ مِن الأحكامِ قائِمٌ فِي عقلِ أهلِ الُّلغةِ يُكتَسَبُ فِي الطفُولةِ المبَكِّرَةِ عادةً، ويُسخَّرُ لِوَضعِ أمثِلةِ الكَلامِ المنطُوقِ وفَهمِهِ، والثاني: أنَّ النَّحوَ نَظريَّةٌ يُقيمُها الُّلغويُّ مُقترِحاً بِها وَصفاً لِسَلِيقةِ Competence المتكلِّم"6.
    وخُلاصَةُ القَولِ فِي عَلاقةِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ بِالعِلمِ أنَّ هُناكَ عَلاقةً جَدَليّةً تَتَلَخَّصُ فِي اشتِمالِ العِلمِ علَى الظَّاهِرةِ النَّحويَّة الَّتِي يَدرُسُها هذا العِلمُ، وقَد يُصرَفُ هذا التَّصوُّرُ إلَى أنَّ ضَبطَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المدرُوسةِ يَذهَبُ إلَى بَيانِ الصُّورةِ القائِمةِ فِي أَذهانِ العُلماءِ عنِ الظاهِرةِ، الَّتي تَتَمثَّلُ فِي النَّظريَّاتِ الَّتِي يُقدِّمُونَها لِضَبطِ الظَّاهِرةِ وَوَصفِها.
    والحَقِيقةُ أنَّ فَهمَ الظَّاهرةِ النَّحويَّةِ مِن خلالِ تَعرِيفِ النَّحوِ ومَفهُومِهِ فِي التُّراثِ يُعدُّ فَهماً قاصِراً لا يَفِي بِالحاجةِ الَّتِي نَبحَثُ عنها، فلا بدَّ إذاً من النَّظرِ إلى مُعطياتِ الدَّرسِ النَّحويِّ وجِهاتِ الُّلغةِ التي تُكوِّنُ مُجتمِعةً أُسسَ الظاهرةِ النحويَّةِ، فعُلماءُ الُّلغةِ أطلقُوا علَى دِراسةِ بُنيةِ الُّلغةِ مِن جَوانبِها الصوتيَّةِ والصرفيَّةِ والنَّحويَّةِ فِي التُّراثِ العربيِّ اسمَينِ اثنَينِ، هما: النَّحو وعِلمُ العرَبِيَّة.
    وقد ذَكَرَ بَعضُ المُعاصِرِينَ أنَّ الظاهِرةَ النحويَّةَ تحتاجُ فِي تفسيرِها إلَى التَّحلِيلِ فِي التُّراثِ النَّحويِّ وإلَى فَهمِ المُستَوياتِ الُّلغويَّةِ لِلشَّواهِدِ النَّحويَّةِ الَّتِي ارتَبَطَتْ بِنَظريَّةِ الفَصاحةِ، ويَذكُرُ الدكتور محمود فهمي حجازي أنَّ : " المَستويَاتِ الُّلغويَّةَ للشواهدِ النحويَّةِ ارتبَطَتْ بِنظَرِيَّةِ الفَصاحةِ، فهُناكَ مُستَوياتٌ يُوثَقُ بِها وأُخرى لا يُوثقُ بِفصاحتِها، وتُستَبعَدُ عِندَ البحثِ وعِندَ استِخراجِ القاعِدةِ النَّحويَّةِ، وأوَّلُ هذِهِ المستوياتِ الُّلغويَّةِ الَّتِي يُوثَقُ بِفَصاحتِها وسَلامتِها النَّصُّ القُرآنِيُّ"7.
    ولقد لاحظَ أوائِلُ النُّحاةِ في ظاهِرةِ العملِ النَّحويِّ ألوانَ ذلك التَّأثُرِ، وتتَّبَعُوا أمواجَهُ ومنعطفاتِهِ ومصادرَهُ، فتبيَّنَ لَهُم أنَّ التركيبَ النَّحويَّ في لُغةِ القرآنِ الكريمِ ليسَ جمعاً للمفرداتِ، بل هو تَشكيلُ تَعبيرٍ مُتفاعِلٍ يُؤثِّرُ بَعضُهُ في بعضٍ، قبلَ أنْ يُؤثِّرَ في المتلقِي، وتتسرَّبَ بينَ عناصرِهِ التركيبيَّةِ ومضاتٌ من التجاوبِ والتعاطف، حتَّى يُكوِّنَ وَحدةً مُتكامِلةً لِلدِّلالةِ علَى المرامِي المقصُودةِ.
    وحينَ تُدخِلُ في العبارةِ المقصُودةِ عنصراً لُغويَّاً جديداً، أو تُبدِّلَ لَفظاً بِغيرِهِ فإنَّ أمواجاً انفعاليَّة تتشكَّلُ لِتُناسِبَ التركِيبَ الجديدَ، وتأتِي الألفاظُ من مُفرداتٍ جدِيدةٍ لِتُعبِّرَ عن الوظائِفِ والعلاماتِ المستَجدَّةِ التي طرأَ علَيها التغييرُ.
    وفي مقابلِ هذا التَّشكِيلِ التعبيرِيِّ لاحظَ النُّحاةُ أيضاً أنَّ تَغيُّراً ما في لفظِ من التركيبِ يُصاحبُهُ تَبدُّلٌ في الدِّلالاتِ المعنويّةِ من جهة، وتأثيرُ الوظائفِ والعلاقاتِ بينَ المفرداتِ والجملِ من جهةٍ أخرى، وحضُورُ عناصرَ جديدةٍ لم يَكُنْ لها وجُود، فمثلاً قول الشاعر النُّميريّ: ( من الطويل )
    فَأَوقَدْتُ نارِي، ثمَّ أثقَبْتُ ضَوءَها *** وأخرَجْتُ كلبِي، وهو في البيتِ داخِلُهْ8
    تراه، إذا تجاهلْتَ ما قبلَهُ في العَجزِ، يحتَملُ أنْ يكونَ الدُّخُولُ حاصِلاً فيما مَضَى، أو أنَّهُ جارٍ حِينَذاكَ، ولكن إذا راعيْتَ قوله: " في البيت "، وأضفتَ إليه ملاحظة " أخرجتُ كلبي " تعيَّن المعنى الأول، وأصبحَ الثاني قصِيَّاً مردوداً، ولو استخدمْنا مصطلحاتِ النحويينَ والبلاغيينَ لقلْنا: إنَّ " داخل " خبر ثانٍ للضمير "هو "، والخبر الأول هو متعلَّق الجار والمجرور " في البيت "، تلاه الثاني لإفادةِ التوكيدِ، وقد يكونُ " داخل " بدلاً من الخبر المحذوف، جِيء بِهِ للبيانِ والتحقيق.
    وهذا خِلافُ ما ذَهبَ إليهِ بعضُ العلماءِ القُدامى، فابن جنيّ (ت392هـ)، يرى أنَّ " داخل " بدلٌ من الظرف " في البيت " حتى كأنّ الشاعرَ قالَ: وهو بداخلِ البيت. إذ ليسَ يَحسُنُ أنْ يكونَ الظرفُ لغواً، أي: متعلِّقاً بـ " داخل "، الذي تَعدَّى في المعنى إلى الظرفِ نفسه، لأنَّ الهاء المضاف إليها هي ضمير البيت، وهي في المعنى ظرف. أل ترى أنَّ أصلَ المعنى: داخلٌ فيهِ، ولا يجوزُ أنْ يَعملَ عاملٌ واحدٌ في ظرفين، من جنس واحد. وقد تابع المرزوقيُّ (ت 421هـ)، ابنَ جنِّي في هذا، إذ أجازَ أنْ يكونَ الظرفُ " في البيت " خبراً لِلمُبتَدأ لا لغواً، و " داخل " في موضعِ البدل من " البيت " أيضاً، وكذلِكَ قالَ التبريزيُّ (ت502هـ)9 .
    ودِراسةُ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ ينبَغِي أنْ تَكُونَ تحليليَّةً لا تركِيبيَّةً، أي أنَّها تُعنى بِمُكوِّناتِ التَّركِيبِ، أي بِالأجزاءِ التَّحلِيليَّةِ فِيه أكثرَ من عنايتها بالتَّركِيبِ نفسِهِ. فالنَّحويُونَ لم يُعطُوا عِنايةً كافِيةً لِلجانِبِ الآخرِ مِن دراسةِ النَّحوِ ذاتِهِ وهوَ الجَانبُ الَّذِي يَشتَملُ علَى طائِفةٍ مِن المعانِي التركِيبيَّةِ والمبانِي الَّتِي تدلُّ علَيها، فمِن ذلِكَ مثلاً الإسنادُ بِاعتِبارِهِ وَظِيفةً، ثمَّ بِاعتبارِهِ علاقةً، ثمَّ تَفصِيلِ القَولِ في تَقسيمِهِ إلَى إِسنادٍ خبريٍّ وإسنادٍ إنشائيٍّ، وتَقسِيمِ الخبَرِيِّ إلَى مُثبتٍ ومَنفِيٍّ ومؤكَّدٍ، وتَقسِيمِ الإنشائِيّ إلَى طلَبِيٍّ وغيرِ طلَبيٍّ...ممَّا يَتَّصِلُ بِتَحدِيدِ التركِيبِ المناسِبِ لِكُلِّ إسنادٍ من حيثُ الأداةُ والرُّتبةُ والصِّيغةُ والعلاقةُ.
    ولِتَحدِيدِ الجَانِبِ العَملِيِّ مِن الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ كانَ لِزاماً علَيهِم أنْ يَفهَمُوا جيِّداً العامِلَ بِاعتِبارِهِ تَفسِيراً لِلعَلاقاتِ النَّحويَّةِ أو بِاعتِبارِهِ مَناطَ التّعلِيقِ، وجَعَلُوهُ تَفسِيراً لِاختِلافِ العَلاماتِ الإِعرابِيَّة، وبَنَوا علَى القَولِ بِهِ فِكرتَي التَّقدِيرِ والإِعرابِ المحلِيِّ، وقَد فَسَّرَ أستاذنا الدكتور فخر الدين قباوة أثرَ العَامِلِ فِي تَوضِيحِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ خَيَر تَوضِيحٍ، فقَالَ: " إنَّ العامِلَ هوَ لَفظُ هذِهِ المُفرداتِ نَفسَهُ مُجرَّداً مِن مَعنَاهُ، لأنَّ المعانِي -كما قالُوا - إنَّما تَعمَلُ في المُبتَدأِ والمُضافِ إلَيهِ والتَّابعِ مثلاً "10 ، وقد سَبَقَ إلَى ذلِكَ العبقريُّ الُّلغويُّ ابنُ جنيّ حِينَ تكلَّمَ عنِ العامِلِ النَّحويِّ ورأَى فِيهِ وَجهاً مِن وُجُوهِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّة، فتَناوَلَ النَّحويُونَ تِلكَ العِباراتِ وأمثالَها بِالبحثِ والتأويلِ، فكانَ أنْ حدَّدُوا مرامِيَها بِالقَولِ: " إنَّ العامِلَ هو المفرداتُ من اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ، لكأنَّهُم يُرِيدُونَ ما فِي هذِهِ المُفرداتِ مِن مَعنى لِلمَصدَرِ مُضَمَّن "11 .
    ولَقَد رَأَى النُّحويُونَ القُدامَى أنَّ سِماتِ الرَّتبةِ والعَددِ والمَعنَى والإشارةِ والحَالِ تَسُدُّ فِي بَيانِ المَعنَى النَّحويِّ مَسدَّ الإعرابِ إذا ما غَابَ وتُغنِي غَناءَهُ، وفِي: " بابِ القَولِ علَى الإعرابِ" " قالَ ابنُ جنيّ: " هُوَ الإبانةُ عنِ المَعانِي بِالأَلفاظِ، ألا تَرَى أنَّك إذا سَمِعْتَ أَكرَمَ سَعِيدٌ أباهُ، وشَكَرِ سَعيداً أَبُوهُ، علِمْتَ بِرفعِ أحدِهِما، ونَصبِ الآخرِ الفاعِلَ من المفعُولِ، ولو كانَ الكلامُ شَرحاً واحِداً لاستَبهَمَ أحدُهُما مِن صاحِبِهِ، فإنْ قُلْتَ فقد تَقُولُ: ضَرَبَ يحيى بشرى، فلا تَرَى هناكَ إعراباً فاصِلاً، وكذلِكَ نحوهُ، قِيلَ: إذا اتَّفقَ ما هذِهِ سبيلُهُ ممَّا يَخفَى فِي اللفظِ حالُهُ أُلزِمَ الكَلامُ مِن تَقديمِ وتَأخيرِ المفعولِ ما يَقُومُ مُقامَ بيانِ الإعرابِ، فإنْ كانَتْ هناكَ دِلالةٌ أخرى مِن قِبَلِ المعنى وقعَ التَّصرُّفُ فيهِ بِالتَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ، نحو: أَكَلَ يحيى كُمثرى، لكَ أنْ تُقدِّمَ وأنْ تُؤَّخِرَ كيفَ شِئْتَ، وكذلِكَ: ضَرَبَتْ هذا هذِهِ، وكلَّمَ هذِهِ هذا، وكذلكَ إنْ وضُحَ الغرضُ من التثنِيةِ أو الجمعِ جازَ لكَ التَّصرُّفُ، نحو: أكرَمَ اليَحيانِ البُشرَيينِ، وضَرَبَ البُشرَيَيْنِ اليَحيَونَ، وكذلِكَ لو أومَأتَ إلَى رَجُلٍ وفرسٍ، فقُلْتَ: كَلَّمَ هذا هذا، فلم يُجِبْهُ، لَجَعَلْتَ الفاعِلَ المفعُولَ أيُّهُما شِئْتَ، لأنَّ في الحالِ بياناً لما تَعنِي، وكذلكَ قولُكَ: وَلَدَتْ هذِهِ هذِهِ، من حيثُ كانَتْ حالُ الأمِّ مِن البِنتِ مَعرُوفةً غيرَ مَنكُورةٍ، وكذلِكَ إذا ألحَقْتَ الكَلامَ ضَرباً مِن الإتباعِ جازَ لَكَ التَّصرُّفُ لِما تُعقِبُ من البيانِ، نحو: ضَرَبَ يَحيى نَفسَهُ بشرى، أو كلَّمَ بشرى العاقِلَ مُعلَّى، أو كلَّمَ هذا وزيداً يَحيَى، ومن أجازَ: قامَ وزَيدٌ عمرٌو لم يَجُزْ ذلِكَ في نحو: كلَّمَ هذا وزيدٌ يَحيَى، وهو يريدُ كلَّمَ هذا يحيى وزيدٌ، كما يُجِيزُ: ضَرَبَ زيداً وعمرٌو جعفرٌ " 12 .

    وإنَّ المُتتبِّعَ لآراءِ ابن جنيّ يلحظُ أنَّ الظاهِرةَ النحويَّة تَعتَمدُ عِندَ النَّحويِّينَ على المعانِي التي تُبينُ عنها الألفاظُ، وليسَ بِعلامةِ الإعرابِ وحدَها، وهذا يدلُّ من كلامِهِ: " الإعرابُ هو الإبانةُ عن المعانِي بالألفاظِ "، أنَّ جَعَلَ الإبانةَ بِتَرتيبِ عَناصِرِ الجُملةِ مِن الفِعلِ والفَاعِل ومُتمِّماتِها، أو مِن المُبتَدأِ والخَبرِ وبِعلاماتِ الإعرابِ والنَّوعِ ودِلالاتِ المَعنَى والحَالِ والإشارةِ. ويُثبِتُ أنَّ سِماتٍ لُغويّةً مُشترَكةً تَضافرَتْ فِي تَحدِيدِ مَلامِحِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ.
    ولم يَقتَصِرِ الأمرُ علَى علاماتِ الإعرابِ وَحدَها بل تَعدَّاها إلَى التَّمييزِ بَينَ ثَلاثةِ أنواعٍ مِن الخَصائِصِ النَّحويَّةِ، فالأوَّلُ: الإِبانةُ أَصلُ الإعرابِ، والثَّانِي: العَددُ والنَّوعُ والمَعنَى والإشارةُ والحَالُ، والثَّالثُ: تَأتِي بَعدَهما الرُّتبةُ، وذَهَبَ ابنُ جنيٍّ إلَى أبعدَ مِن ذلِكَ فَرَأَى أنَّ الإعرابَ والمَعنَى مُتجاذِبَانِ، هذا يَدعُو إلَى أمرٍ، وهذا يَمنَعُكَ مِنهُ، ومتى اعتَوَرا فِي كَلامٍ ما صارَ المَعنَى دَلِيلاً علَى الإعرابِ، وظهرَ جليَّا.
    ومِن المكوِّناتِ التي ارتكَزَتْ عليها الظاهِرةُ النحويَّة عند القدماء هي فكرة " النظم والتعليق " التي أوردهما عبدالقاهر الجرجاني (ت437هـ) في كتابِهِ ( دلائل الإعجاز ) إذْ إنَّهُ أوردَ أربعةَ مصطلحاتٍ عُني المتأخرونَ بدراستِها، وهي: النَّظمُ، والبِناءُ، والتَّرتيبُ، والتَّعليقُ.
    فالنَّظم كما يتصوَّره عبدالقاهر هو العلاقات النحويَّة بين أبوابِ النَّحو كفهم علاقة الإسناد بين المسندِ والمسندِ إليه، وفهم علاقة التعدية بين الفعلِ ومفعوله، وفهمِ علاقةِ السببيةِ بينَ الفعلِ والمفعولات الأخرى، فقال عبدالقاهر موضِّحاً ذلك: " وإذا عرفْتَ أنَّ مَدارَ أمرِ النَّظمِ على معانِي النَّحو، وعلى الوجوهِ والفرُوقِ التي مِن شأنِها أنْ تَكونَ فاعلَمْ أنَّ الوجُوهَ والفُرُوقَ كثيرةٌ ليسَ لَها غايةٌ تَقِفُ عندَها ونِهايةٌ لا نَجِدُ لَها ازدِياداً بعدها..... ثمَّ اعلمْ أنَّها لَيسَتِ المزيةُ بِواجِبةٍ لها في نفسِها، ومن حيثُ هي على الإطلاق، ولكنْ تُعرَضُ بِسببِ المعانِي والأغراضِ التي يُوضَعُ لها الكلامُ ثم بحسَبِ مَوقِعِ بعضِها من بعض واستِعمال بعضِها مع بَعض"13 .
    فالنظمُ كما فهمَهُ عبدالقاهر الجرجاني هو نظمُ معاني النحو في نفس المتكلِّمِ، وليسَ يعني بناء الجملة في صورة الجملة المعروفة، ثمَّ أبرز كلمة الفروق، وتعني فيما تعنيه: التقابل بين المعنى والمعنى أو بين المبنى والمبنى، وأشار أيضاً في كلمة " موقع بعضها من بعض إلى أنَّ هذه الإشارة تدلُّ على سمَّاه النحاة: الرتبة، وفي قوله: استعمال بعضها موضع بعض دلالة على ما يُسمَّى عند النحاة التضام، ويعني أنَّ إحدى الكلمتَينِ تَطلُبُ إحداهُما الأخرى، وهذا من القرائنِ اللفظيَّة.
    ويعني الترتيبُ عند عبدالقاهر أن تُوضَعَ العلاماتُ المنطوقةُ أو المكتوبةُ في سياقِها الاستعمالِيِّ حسبَ رتبٍ خاصةٍ تَظهرُ فيها فوائِدُ التقديمِ والتأخيرِ والذكرِ والحذفِ، وكانَ اهتمامُ عبدالقاهر بها اهتماماً كبيراً، وكذلك يظهرُ بِهذا الترتيب ما كانَ من الرُّتبِ محفوظاً أو غير محفوظ.
    وأهمُّ الأفكار التي أورَدَها عبدالقاهِرُ كانت فكرة التعليق، وتعني إنشاءَ العلاقاتِ بينَ المعانِي النحويَّة أو ما سمَّاه أستاذنا الدكتور تمام حسان بالقرائنِ اللفظيَّة والمعنويَّة والحاليَّة، وهو لم يُصرِحْ بذلِك أي عبدالقاهر، وإنَّما من فهم هذا المصطلح، ومن الإشاراتِ البليغةِ التي ورَدَتْ في النصِّ. فمن ذلك عبارتُهُ المشهورةُ التي تدلُّ صراحة على الكلماتِ المنسوقةِ: " يأخُذُ بَعضُها بِحُجَزِ بَعض "، وكذلك قوله: " هذا هو السَّبيلُ"14.
    فالتَّعليقُ هو الفكرةُ الأساسيَّة التي يقومُ عليها النَّحو العربيُّ، فهو يُحدِّدُ بواسطةِ القرائِنِ معانيَ الأبوابِ في السياقِ، ويُفسِّرُ العلاقاتِ بينها على أحسن حالٍ وأفضلِ صورة في التحليلِ اللغويِّ لهذه المعاني الوظيفيَّة النَّحويَّة.
    فالتعليقُ هو الذي يجمع بين العلاقاتِ السياقيَّة أو ما يسميه علماء اللغة في الغربِsyntagmatic relation وبين الثاني وهو القرائن اللفظيَّة. ونعلم أنَّ العلاقات السياقيَّة هي التي تربِطُ بين الأبواب، وتَظهرُ الأبوابُ بِها ،إنَّما هي في الحقيقة قرائنُ معنويَّةٌ، فهذانِ العنوانانِ يتناولانِ بِالدَّرسِ والاستقصاءِ القَرائنَ من النَّاحيةِ اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ، وهما مَناطُ التعليقِ مع الاستغناءِ عن القرينةِ الحاليَّةِ.
    فالظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ هنا في فَهمِنا لَها عِندَ القُدماءِ: هِيَ التَّعبيرُ عنِ الوظائِفِ التركِيبيَّةِ والمعانِي النَّحويَّةِ، والعَلاقاتِ والدَّلالاتِ لِعناصِرِ الكَلامِ، بِالنَّسقِ والنَّمطِ والصَّوتِ صِياغةً وأَداءً بِالاعتِمادِ علَى أدِلَّةِ المقامِ والمقالِ، وظَواهِرِ الصَّوتِ والشَّكلِ والتركِيبِ، وتَحديدِ أنساقِها وأنماطِها، وخصائِصِها ووظائِفِها، وما بينَها مِن عَلاقاتٍ، وتَبادُلٍ لِلمَعانِي الإعرابيَّةِ والصَّرفِيَّةِ خاصَّة والنَّحويَّة عامَّة، وما فِيها مِن تَبَدُّلٍ فِي الَّلفظِ والصِّيغةِ والدِّلالةِ والوَظِيفةِ.
    وفِي الظَّاهِرةِ النَّحويّةِ نَجِدُ الوظِيفةَ الَّتِي تَقُومُ بِها الكَلِمةُ أو الجُملةُ مُحدَّدةً بِما حَولَها مِن المَعانِي والأنساقِ، لِلمُفرداتِ والجُملِ، فإذا حَصَلَ لإحدَى هذِهِ الوظائِفِ أو الدِّلالاتِ أو الصِّيغِ أو الرُّتبِ تَبدُّلٌ، انعكَسَتْ آثارُهُ علَى عناصِرَ مَعدودةٍ من الكَلماتِ والتراكِيبِ.
    وصَفوةُ القَولِ فِي الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ -كما فَهِمْناهُ- عِندَ النَّحويِّينَ القُدماءِ أنَّها هِيَ الَّتي تَملِكُ النِّظامَ النَّحويَّ الَّذِي يَدعُو الدَّارسِينَ إلَى استِنباطِ نَظريَتِهِ، إذ تَهدُفُ هنا إلَى التَّوجِيهِ لِغَرضِ الدِّراسةِ والتَّحلِيلِ بِصُورةٍ حاسِمةٍ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والنِّظامِ النَّحويِّ، والنَّظريَّةِ النَّحويَّةِ والمناهِجِ النَّحويَّة، وهذا يعني أنَّها تَوظِيفُ الأحكامِ النَّحويّةِ فِي دِراسةِ النُّصُوصِ، وتَبيينُ ارتباطِ الأُصُولِ والقَواعِدِ بِأنماطِ القَولِ والتَّعبيرِ، فهِيَ تَحلِيلٌ لِصُورِ العِباراتِ اللغويَّة، وَرَصدُ خصائِصِ الجزئيَّاتِ، وسُلوُكُها في إطارِ الوَحدةِ الكليَّةِ، مِن البَيانِ والقَواعدِ والأَحكامِ، وبِذلِكَ يَتَحقَّقُ أنَّها بِأشكالِها المُختلِفةِ، عمليَّةٌ متكامِلةٌ، تَتَساوَقُ فِيها خُطواتُ الإعرابِ متكاتِفةً، ودِلالاتُ الأدواتِ مُتعاوِنةً، وتجليَّاتُ الصَّرفِ مُتسانِدةً، وكُلٌّ من هذِهِ الصُّورِ والأحكامِ تَتَبادلُ التأثُّرَ والتأثِيرَ، وتَستَعينُ بِما حَولَها مِن الدِّلالاتِ الُّلغويَّةِ، والمعاِني الخاصَّةِ، والظروفِ النَّفِسيَّة والاجتِماعيَّةِ للنصِّ لِتَأخُذَ أبعادَها الدَّقيقةَ، وتَعِيشُ عُنصراً مُكوِّناً لِنَسقٍ لُغويّ.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      الفَصلُ الثَّانِي
      ثانياً-في الدرس المعاصر:
      ناقَشَ الُّلغَويُونَ العربُ المعاصِرونَ ما رأَوهُ من حَصرِ النُّحاةِ للنَّحوِ فِي العلامةِ الإعرابيَّةِ، وقدَّمَ الرُّواد مِنهُم تَصوُّراً شامِلاً مُخالفاً لما رَأَوهُ مِنِ انحِصَارِ النَّحو العَربيِّ فِي تُراثِنا فِي العَلامةِ الإعرابيَّةِ، وَقَد كانَ تَصَوُّرُ القَرائِنِ النَّحويَّةِ أَبرَزَ هذِهِ التَّصَوُّراتِ الَّتِي قَدَّمَها أُستاذُنا الدكتور تمام حسان، رحمه الله، وأستاذِي الدكتور فخر الدين قباوة وغيرهم، في إطارِ تَجدِيدِ الدرسِ النَّحويِّ.ومنها:
      1-المعانِي النَّحويَّة العامَّة الَّتي يسمُّونها مَعانِي الجُملِ أو الأساليبِ.
      2-مَجمُوعة مِن المَعانِي النَّحويَّة الخاصَّةِ أو معانِي الأبوابِ المفردة كالفاعليَّة والمفعوليَّة والإضافةِ...ففي المُستَوى الإعرابِيِّ نَرصُدُ علاقاتِ الإسنادِ والشَّرطِ، والتَّعاقُبِ والتَّرابُطِ والاقتِضاءِ والتَّرتِيبِ والتأثُّرِ والتَّأثيرِ، والانفصالِ والاتِّصالِ، والتَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ، والاعتراضِ والإقحامِ، والنِّيابةِ والتَّعويضِ، والتَّنازُعِ والاشتِغالِ، والتضايُفِ والتَّبعيةِ15 .....
      3- مَجمُوعةٌ مِن العَلاقاتِ الَّتِي تَربِطُ بَينَ المَعانِي الخَاصَّةِ حتَّى تَكُونَ صَالِحةً فِي تَركيبِها لِبَيانِ المُرادِ مِنهَا. وذلِكَ كَعَلاقةِ الإِسنادِ والتَّخصِيصِ، وتَحتَها فُرُوعٌ، والنِّسبَةُ وتَحتَها أَيضاً فُرُوعٌ، وهذِهِ العَلاقاتُ أَيضاً تُعَدُّ فِي الحَقِيقَةِ قَرائِنَ مَعنَويَّةً علَى مَعانِي الأَبوابِ الخَاصَّةِ كَالفَاعِلِيَّةِ والمَفعُولِيَّةِ والحَالِيَّةِ والابتِداءِ.
      4-ما يُقدِّمُهُ عِلمُ الأصواتِ والصَّرفِ لِعِلمِ النَّحو مِن قرائنَ صوتيَّةٍ أو صَرفيَّةٍ كالحركاتِ والحروفِ، ومَبانِي التَّقسيمِ، ومَبانِي التَّصرِيفِ، وما اصطُلِحَ علَى تَسمِيتهِ مَبانيَ القرائنِ اللفظيَّة.
      5-القِيَمُ الخِلافِيَّةُ أو المُقابَلاتُ بَينَ أَحدِ أَفرادِ كُلِّ عُنصُرٍ ممَّا سَبَقَ وبَينَ بَقِيَّةِ أَفرَادِهِ16.
      فالظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ لَها خَمسةُ جوانِبَ، ثلاثةٌ منها تَتَّصلُ بِالدِّلالةِ، وهِي المعانِي النَّحويَّةُ العامَّةُ، والمعانِي النَّحويَّةُ الخاصَّةُ، والعلاقاتُ التي تَكونُ بينَ العلاقاتِ الخاصَّة، ويَتَّصِلُ الجانِبُ الرَّابِعُ مِنها بِالجانِبِ الَّلفظِيِّ لِلغةِ، إذ يَتَمثَّلُ فِي القرائِنِ الَّلفظِيَّةِ، وأمَّا الجانبُ الخامسُ فيجعلُهُ لِلتقابلِ الَّذِي يَقُومُ بينَ فردٍ يَنتمِي إلَى أحدِ الجوانبِ الأربعةِ السَّابِقةِ.
      ولا يَخفَى ما فِي هذا التَّصَوُّرِ مِن مُخَالَفَةٍ لِلتُّراثِ النَّحويِّ العَرَبيِّ، وَتَرِدُ المُخالَفَةُ فِي الَمقَامِ الأَوَّلِ مِن غِيابِ التَّصَوُّرِ العَامِّ فِي حَدِيثِ النُّحاةِ العَرَبِ ونُصُوصِهِم، فَلَيسَ ثَمَّةَ مَنْ نَصَّ مِنهُم علَى جَوانِبِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ علَى الرُّغمِ مِن إِحاطَتِهِم بَجَمِيعِ جَوانِبِها فِي دَرسِهِم لِلترَّكِيبِ النَّحوِي لِلعَربِيَّةِ، ما يَجعَلُ الدَّارِسَ المُعاصِرَ يُؤمِنُ بِأَنَّهُم قَدْ صَدَرُوا عَنْ تَصَوُّرٍ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ وَاضِحٍ فِي أَذهانِهِم، ودَقِيقٍ فِي أَحكَامِهِ، ومُتَكامِلٍ فِي بِنائِهِ، علَى الرَّغمِ مِن عَدَمِ نَصِّهِم علَيهِ.
      أي: أنَّ المخالفةَ لا تَقعُ في إطارِ وجودِ هذِهِ الجوانبِ وغيابِها فِي التُّراثِ النَّحويِّ، وإنَّما تَتَّصِلُ بِالإطارِ الَّذِي وَضَعَهُ النُّحاةُ فِيها، فإنَّ التُّراثَ النَّحويَّ إذا كانَ يَعرِفُ قيمةَ العلامةِ الإعرابيَّةِ، والصِّيغةِ الصَّرفيَّةِ، والرُّتبةِ والمُطابَقةِ17 ، وغَيرِ ذلِكَ ممَّا لَهُ دَورٌ فِي الترَّكِيبِ النَّحويِّ لِلعربِيَّة، وإذا كانَ يُسجِّلُ العلاقاتِ النحويَّة العامَّة والخاصَّة، فإنَّهُ لا يُرتِّبُها علَى هذِهِ الصُّورةِ التي ظَهَرَتْ عِندَ أستاذنا الدكتور تمام حسان، رحمه الله.
      والرُّؤيةُ المُعاصِرةُ الأُخرى لِلظاهِرةِ النَّحويَّة ظَهَرَتْ من خلالِ دراساتِ علم اللغةِ، فأصحابُها يرونَ أنَّ النَّحوَ يَبحثُ في أربعةِ جوانبَ مُتَّصلةٍ، هي :
      1-الاختيارُ أو الانتقاءُ ( choice أو selection )
      2-الموقِعيَّةُ (word-order )
      3-المطابَقةُ أو الارتباطُ الدَّاخِليُّ (concord )
      4-الإعرابُ 18
      الاختيارُ أو الانتقاءُ يرجِعُ إلَى فكرةِ العلاقاتِ الرأسيَّةِ للكلماتِ التي قال بها دو سوسير Saussure في تصنيفهِ لعلاقاتِ الكلماتِ إلَى علاقاتٍ رأسيةٍ وأخرى أفقيّةٍ. وهذا الجانِبُ يُعطِي للتركيبِ بُعداً رأسيَّاً يُضافُ إلى بُعدِهِ الأفقِيِّ المتعارفِ علَيهِ. وهو يتَّصِلُ بِعملِ المتكلِّمِ الذي يَقُومُ بِالاختِيارِ، ويبقَى عَملُ النَّحويِّ مَعَهُ مُتَمثِّلاً فِي رَصدِ العلاقةِ الكائِنةِ بينَ الَّلفظِ الذِي اختارَهُ المتكلِّمُ وبينَ غيرِهِ مِن الألفاظِ الَّتي يُمكِنُ أنْ تَشغَلَ الموقِعَ، وأمَّا الرُّتبةُ أو الموقِعيَّةُ والمطابقَةُ والإعرابُ فهِيَ مِن السِّماتِ الُّلغويَّة الَّتِي يَلزمُ رَصدَها فِي أثناءِ رَصدِنا لجوانبِ التركيبِ المختَلفةِ.
      إنَّ أهمَّ المعاييرِ التي يَجِبُ أنْ نلمَّ بِها أو أنْ نَعلمَها عِندَ تَقديمِ تَصوُّرٍ عامٍّ للظاهِرةِ النَّحويَّة، هي:
      1-جَمعُ أطرافِ الظاهِرةِ النَّحويَّة بِصورةٍ كامِلةٍ ومُنتَظَمةٍ.
      2-مُراعاةُ أوجُهِ الشَّبهِ والاختلافِ معاً وعدمُ الاقتِصارِ علَى تَسجيلِ أوجُهِ الاختِلافِ، إذ يُؤدِّي ذلِكَ إلَى تَشقيقِ الجوانِبِ الرَّئيسةِ، وتَقديمِ أقسامِها الفرعيَّةِ جَنباً إلَى جَنبٍ مَعَ الجوانبِ الفَرعيَّة.
      وأهمُّ الخطواتِ التي ينبغِي أنْ نتمثَّلها بخصوصِ بِناءِ تَصوُّرٍ عامٍّ للظَّاهِرةِ النَّحويَّة، هِيَ:
      1-العَلاقاتُ لا تَعنِي شيئاً مُخالِفاً لِلمعانِي كَعلاقةِ الإسنادِ بَينَ كَلِمَتيْنِ تَعنِي ما يَعنيهِ الإسنادُ الَّذِي استُفِيدَ مِن ترَكِيبِ الكَلمَتَيْنِ معاً علَى جِهةِ الإسنادِ، كما تَعنِي علاقةُ الإضافةِ معنى الملكيَّةِ أو الجِنسِيَّةِ أو الظَّرفِيَّةِ تَبعاً لِعَلاقةِ الاسمِ المضافِ بِالمضافِ إليه.
      ولا تَنفَصِلُ دِلالةُ الفَاعِليَّةِ عن دِلالةِ الإسنادِ، فالفاعلية ناتجة عن علاقةِ إسنادِ فعلٍ أو ما يَعمَلُ عَمَلَ الفِعلِ، ولولا علاقةُ الاسمِ بِالفِعلِ أو ما يَعملُ عَملَهُ لَمَا كانَتِ الفَاعِليَّةُ. وكلُّ ما هنالكَ من فروقٍ بينَ الفاعليَّة والإسنادِ هو أنَّ الإسنادَ علاقةٌ تتمثَّلُ فِي علاقةِ الفِعلِ المَبنيِّ لِلمَعلُومِ بِالفَاعِلِ، أو فِي عَلاقةِ الفِعلَ المَبنِي لِلمَجهُولِ بِنائِبِ الفَاعلِ، أو فِي علاقةِ الخَبرِ بِالمَبتدأِ، أي: أنَّ الفَاعِلَ لَيسَ أكثرَ مِن تَطبيقٍ من تَطبِيقاتِ الإسنادِ.
      وبِناءً علَى ذلِكَ نَستَنتِجُ: أنَّ العَلاقاتِ النَّحويَّة هِي المعانِي النَّحويَّة، وأنَّها ، مِن ثَمَّ، لا تَحتاجُ أنْ تُفرَدَ، وأنْ تُجعَلَ أَحدَ جَوانِبِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ.
      2-القِيمُ الخِلافيَّةُ أو التَّقابُلُ بَينَ العَناصِرِ يَتَّصِلُ بِالمعنَى إذا لم يَكُنْ هُوَ مَعنَاها عِندَ كَثيرٍ مِن الوَصفِيِّينَ، فَقَد رَأَى سوسير Saussure مَثلاً بخُصُوصِ دِلالةِ الوَحداتِ أنَّ الوَحداتِ نَفسَها لَيسَ لَها دِلالةٌ أو قِيمةٌ إيجابيَّة، بل تَتَولَّدُ قِيمتُها من مُخالفةِ الوَحدةِ لِغيرِها، فَالوَحدةُ النَّحويَّةُ تَكتَسِبُ قِيمتَها من علاقتِها بالوَحَداتِ أو الأَصنافِ الأَخرَى.
      وهذا يَعنِي تَماماً أنَّ القِيمَ الخِلافِيَّةَ أوِ التَّقابُلَ بينَ العناصِرِ صُورةٌ مِن صُورِ الحديثِ عنِ المعنَى النَّحويِّ ولا شَيءَ مُنفَصِلٌ عنهُ.
      3- تَشقُّقِ المَعنَى: وهذا يُؤدِي بِدَورِهِ إلَى معانٍ نحويَّة عامَّة، وأخرى خاصَّة، لأنَّنا لَسْنا بِصَدَدِ تَصنيفِ المعانِي النَّحويَّة، وإنَّما بِصددِ تَقدِيمِ العناصِرِ أو الجوانِبِ العامَّةِ للظَّاهِرةِ النَّحويَّة التي يُمثِّلُ المعنَى النَّحويُّ أحدَها.
      والحَقِيقةُ أنَّ الحَديثَ عن نَوعَينِ مِن المعنى النَّحويِّ نَذكُرُهما مَعاً مَعَ غيَرِهِما مِن جَوانِبِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّة يَعنِي أنَّنا رَفَعْنا القِسمَيْنِ الفرعِيَيْنِ للمَعنَى ووضَعناهُما جَنباً إلَى جَنبٍ مَعَ الجَوانبِ الرئِيسةِ الأُخرى. وهو أمرٌ يَتَّصِلُ بِأساسٍ مُهِمٍّ لِلتَّصنِيفِ، فقد قامَ بَينَهُما شَبَهٌ يَقتَضِي جَمعُهُما معاً، وهوَ كونُهُما مَعنَيَيْنِ نَحويَّيْنِ، كما قَامَ اختِلافٌ بَينَهُما يَتَمَثَّلُ فِي أنَّ أحدَهُما عامٌّ والآخرُ خاصٌّ، وهذا لا يَسمَحُ بِأكثَرَ مِنْ جَعلِهِما قِسمَيْنِ فَرعِيَيْنِ لِلمَعنَى النَّحويِّ.
      وإنَّ مُراعاةَ الفَرقِ بَينَهُما تَجعلُ مِنهُما شَيئَينِ مُختَلِفَيْنِ، كما أنَّ مُراعاةَ الشَّبَهِ تَجعَلُ مِنهُما شَيئاً واحِداَ، أمَّا مُراعاةُ الأَمرَينِ معاً فَتَجعَلُهما قِسمينِ فَرعِيَينِ لشيءٍ واحِدٍ، وبناء علَى ذلكَ أنَّه يَنبَغِي أنْ يُذكَرا عِندَ تَقدِيمِ التَّصنِيفِ العامِّ لِجوانِبِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّة، إذ يَندَرِجانِ مَعاً تَحتَ جانِبٍ واحِدٍ هُوَ جانِبُ المعنَى النَّحويِّ.
      ويَعنِي ما سَبَقَ أنَّنا نَرَى اندِماجَ الجوانِبِ الأَربعةِ المتمثِّلةِ فِي المعنَى النَّحويِّ الخاصِّ والمعنَى النَّحويِّ العامّ والعلاقاتِ النَّحويَّةِ والقِيمِ الخِلافِيَّةِ فِي جَانبٍ وَاحِدٍ هُوَ جَانِبُ المَعنَى النَّحويّ، إذ هِي مُتَّصِلةٌ بِهِ لا تَخرُجُ عنهُ، وتُقابلُ الجانِبَ الآخِرَ الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي الوَحداتِ النَّحويَّة بِسماتِها المُختلِفةِ.
      وبِناءً علَى ذلِكَ فإنَّ الظَّاهرةَ النَّحويَّةَ بِبِساطةٍ شَدِيدةٍ هِيَ التَّركِيبُ النحوي لِلُّغةِ، إذ إنَّ التركِيبَ هوَ الطَّارِئُ الجدِيدُ علَى الكَلِماتِ، حيثُ تمَّ تركِيبُ الكَلِماتِ معاً نحويَّاً بَعدَ بنائِها صرفِيَّاً مِن أجزائِها الدَّالةِ علَى المُستَوى الصَّرفِيِّ.
      والتَّركِيبُ النَّحويُّ يَقُومُ علَى جانِبينِ اثنَيْنِ هما: وحداتُ هذا التركيبِ والعلاقاتُ التي تَقُومُ بينَها إلَى أنْ يتَشكَّلَ هذا التركيبُ، إذ لا بُدَّ لِقِيامِ التركيبِ مِنْ وحداتٍ يَتِمُّ تركِيبُها معاً كما لا يَتِمُّ حتَّى تُرصَفَ هذِهِ الوَحداتُ معاً من خلالِ علاقاتٍ تربِطُ بينَها19 .
      ويُمكنُ أنْ نتحقَّقَ ذلِكَ مِن خلالِ تأمُّلِ تراكِيبَ مثل: " كِتابُ مُحمَّدٍ "، و" في البيتِ "، و" صدِيقٌ وَفِيٌّ "، ومقارنتُها بنحو: " مُحمَّدٌ كِتابٌ "، و" في يَخرجُ "، و" طالبٌ وَفِيٌّ "، فقد تمَّ تركِيبُ الأمثِلةِ الأولى من علاقاتٍ نحويَّةٍ مقررةٍ في الإضافةِ والظرفيَّةِ والنَّعتِ، علَى حينَ غابَتْ مثلُ هذِهِ العلاقاتِ لأمرٍ أو لآخرَ عن الأَمثلةِ التي تَلَتْ، ممَّا يَعنِي أنَّنا نَملِكُ فِي الأمثلةِ الأولَى ما يُمكِنُ تَسمِيتُهُ بِالتَّركِيبِ، ولا نَملِكُ في الأمثلةِ الثانِيَةِ أكثرَ من وحدَتَينِ غيرِ مُركَّبَتَينِ.
      ويَعنِي مِمَّا سَبَقَ أنَّ الظَّاهِرَةَ النَّحويَّةَ لا تَخرُجُ عنِ الوَحداتِ وعلاقاتِها الَّتِي تَصنَعُ مِنها تركِيباً نحويَّاً، وأنَّ النَّحويَّ مُطالَبٌ بِبيانِ الوَحداتِ النَّحويَّةِ وتَصنيفِها، ثُمَّ بِبيانِ الأَنظِمةِ الَّتِي تَحكُمُ التَّراكِيبَ أو العَلاقاتِ الَّتِي تَقُومُ بَينَ الوَحداتِ، وتَجعلُ مِنها تراكيبَ نحويَّةً صَحِيحةً. ويُبنَى ذلِكَ مِن خلالِ النَّظرِ الدَّقيقِ والفَهمِ العَميقِ لِلظَّاهِرةِ فِي التُّراثِ وفِي الدَّرسِ المُعاصِرِ والعَلاقةِ بَينَ عِلمِ الأَصواتِ وعِلمِ الصَّرفِ وما يُقَدمانِه مِن قرائنَ صَوتيَّةٍ أو صرفيةٍ كالحركاتِ والحرُوفِ ومَبانِي التَّقسِيمِ ومَبانِي التَّصريفِ، وما اصطُلِحَ علَيهِ عندَ المعاصِرينَ تَسميتُهُ مَبانِي القَرائنِ اللفظيَّة.
      وقد عُنِيَتِ الدِّراساتُ اللغويَّة المعاصرةُ بالظاهِرةِ النَّحويَّةِ عناية خاصَّة وذلك بدراسةِ المعنى، لأنَّ اللغة ظاهرة اجتماعيَّة يُوجِدُها المجتمع ويُبيِّنُ سُبُلَ استعمالها، ويَضعُها موضِعَ الظاهِرةِ الاجتماعيَّةِ، فينطبقُ علَيها ما يَنطبقُ على كلِّ ظاهِرةٍ اجتِماعيَّةٍ أخرى من النظُمِ والقواعدِ، ولقد كانَتِ العنايةُ بِهذا الجانِبِ الاجتماعِيِّ للغةِ سبباً في اعتِبارِ المقال جزءاً لا يتجزَّأُ من مكوِّناتِ الدِّلالةِ ، ويستَعينُ بالمقامِ الاجتماعِيِّ الذي جاء بِهِ المقالُ، كي يُصبحَ المعنى مفهوماً في منظومةِ العلاقاتِ الاجتماعية، لذلكَ رأينا كيف قسَّم أستاذنا تمام حسان المعنى إلى: " ثلاثة معانٍ فرعية أحدها المعنى الوظيفي وهو وظيفة الجزيء التحليلي في النظامِ أو في السياقِ على حدٍّ سواء، والثَّاني المعنى المعجمي للكلمة وكلاهما مُتعدِّدٌ ومحتَملٌ خارجَ السياق، وواحد في السياق، والثالثُ المعنى الاجتِماعيّ أو معنى المقام، وهو أشملُ من سابقيه، ويتَّصِلُ بِهِما عن طريقِ المكامنة" 20.
      ومن القرائن اللفظية التي تدلُّ على الظاهرة النحويَّة وتفسِّرُها : السياق، فهو طريقٌ يبيِّنُ معالمَ حدودها، ولا بُدَّ من ظواهرَ تُوجِهُهُ وتُوضِحهُ، فمباني التقسيم وأقصِدُ بِها هنا الاسمَ والصفةَ والفعلَ والضميرَ والخالفةَ ( التعجب، واسم الفعل، والمدح والذم) والأداة والظرف، وما تحويهِ من صيغٍ صرفية، وما في هذه المباني من لواصق مختلفة تُقدِّمُ قرائِنَ تُفيدُ في فَهمِ الظاهرة النحويَّةِ، والسياقُ مع هذه المباني مجتمعة يبقى محتاجاً إلى قرائنَ أخرى تَظهرُ بها العلاقاتُ العضويَّةُ فِي السياقِ بينَ المفرداتِ.
      ومِن هذِهِ المبانِي ما تَتَّضِحُ بِهِ أنواعٌ مِن المُكوِّناتِ فِي مَنظُومةِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّة كحركاتِ الإعرابِ، والرُّتبةِ والمطابقةِ في الحركةِ أو فِي المبنى التصرِيفيِّ، أو رَبط بِصُورةٍ مِن صُورِ الكَلماتِ بِبَعضِها بَعضاً نحو: الهَمزِ أو التَّضعيفِ أو الإدغامِ أو غَيرِها مِن المبانِي الدَّالةِ علَى العلاقاتِ النَّحويَّة. ويَحسُنُ بنا الكلامُ هُنا إلَى أنَّ الصلةَ وَثيقةٌ بَينَ المعنَى والمبنَى والعَلامةِ، ويدلُّ عليها السِّياقُ، حيثُ إنَّ المعانِي بحاجة إلى المبانِي سواء أكانت دلالةُ المبنى على المعنى موجودة أم غير موجودة بالحذف والاستتار.
      فمن مباني القرائن الاسمُ مثلاً فحين يأتي مرفوعاً فهو مبنى صالحٌ لأنْ يكونَ فاعلاً أو نائب فاعل أو مبتدأ أو خبراً أو تابعاً مرفوعاً أو أحد مفعولين أو من المنصوبات أو غيرها، وهذا من التعدُّدِ والاحتمالِ، ونجده أيضاً في الجملِ، فمبنى الجملة المثبتة يأتي للإثباتِ ، نحو: قامَ محمدٌ، ويأتي للدعاء، نحو: رحم الله محمداً، ويأتي لصلة الموصول وللصفة وللحال ومفعولاً بِهِ بعد فعل القول، ويأتي مبنى جملة الشرط لصدر الكلام ولجواب الشرط بنوعيه الجازم وغير الجازم وتحدده الأداة.
      فالمبنى الواحِدُ له عدَّة معانٍ، ويحتَملُ كلُّ معنى ما نُسِبَ إليهِ، وهو خارج السباق، أمَّا إذا تحقَّقَ المبنى بِعلامةٍ في سياقٍ فإنَّ العلامةَ لا تُفيدُ إلا معنى واحداً تُحدِّدُه القرائِنُ اللفظيَّة والمعنوية والحاليَّة، وهذا التعدُّد والاحتمال في المعنى الوظيفي يقف بإزائهِ تعدُّدُ في المعنى المعني واحتماله21 ليرى أنَّ المعانيَ المتعدِّدةَ لهذا المبنى هو المقصود.
      ومَهَما يَكُنْ مِن أمرٍ فإنَّ الظَّاهِرةَ النَّحويَّةَ قائمة علَى مراعاةِ البُنيَةِ الأَساسِيَّةِ لِلكَلامِ العربِيِّ، ومُراعاةِ كُلِّ القَواعِدِ الفَرعِيَّةِ الَّتِي تَتَطلَّبُها هذِهِ البُنيةُ أو تِلكَ في سبيلِ تَحقِيقِ خصائِصِها عن طريقِ الإسنادِ أو التَّبَعيَّةِ أو المتمِّماتِ أو سواها.









      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        الفَصلُ الثَّالِثُ
        خَصائِصُ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ:
        تَتَمَثَّلُ خصائِصُ الظَّاهِرةِ النَّحوِيَّةِ فِي الحالاتِ الآَتِيةِ:
        الوَحَداتُ النَّحوِيَّةُ
        المَعانِي النَّحويَّةُ أو العَلاقَاتُ الَّتِي تَكُونُ بَينَ الوَحدَاتِ النَّحويَّةِ
        جِهاتُ القَرائِنِ اللفظيَّة والمعنويَّة
        أنواعُ الإعرابِ ومعانِيهِ
        ولا يَنبَغي أنْ نَنظُرَ إلَى الإعرابِ والمطابَقَةِ والرُّتبةِ والتَّضامِّ بِوَصفِها قَرائِنَ علَى المعنَى النَّحويِّ، فهذا اختزالٌ لوظِيفَتها فِي الُّلغةِ، فهِيَ فِي الحَقيقةِ أنظِمةٌ لا تَردُّ بِوَصفِها قرائِنَ علَى نحوٍ مُطَّرِدٍ، فإنَّ الإعرابَ علامةٌ علَى المعنى النَّحويِّ، وليسَ قَرينةً لَهُ أبداً.
        1-الوحداتُ النحويَّةُ:
        ويُقصَدُ بِالوَحداتِ النَّحويَّةِ هنا الكلمةَ والسِّمةَ والجُملةَ، فالجُملةُ كما يَرى بَعضُ النَّحويينَ المعاصِرين هيَ وحدةُ الكلامِ الصُّغرى مُتأثرينَ بِعلماءِ الُّلغةِ المُحدَثينَ، يَقُولُ سِيمون بوتر: " الجُملةُ هِي الوَحدةُ الأساسيَّةُ لِلكلامِ، وقد تُعرَفُ بِأنَّها الحدُّ الأدَنى مِن الَّلفظِ المُفيدِ، كما أنَّ الكلِمةَ تُعرَفُ بِأنَّها الحدُّ الأدنى من الصِّيغةِ الحرَّةِ" 22. ففِي العَصرِ الحاضِرِ استُخدِمَ مُصطَلحُ الجُملةِ بِوصفِها الخليَّةَ الحيَّةَ لِجسمِ الُّلغةِ، عِندَما تَبرُزُ إلى حيِّزِ الوُجُودِ.
        فالنَّحويونَ يَهدِفُونَ بِصنيعِهِم هذا إلَى تَحلِيلِ بِناءِ الترَّكِيبِ الُّلغَويِّ ومَعرِفةِ نِظامِهِ، لأنَّ نِظامَ التركِيبِ مِن أهمِّ ما يُميِّزُ خَصائِصَ الظَّاهِرة النَّحويَّةِ، فالنَّتائِجُ الَّتي يُتَوصَّلُ إلَيها بِواسِطةِ التَّحلِيلِ تَفرِضُ دِراسَةَ الوظائِفِ الَّتي تَتَأتَّى مِن أَنواعِ الكَلمِ مِن الاسمِ والفِعلِ والحَرفِ، وهذِهِ الوظائِفُ هِيَ الأبوابُ النَّحويَّةُ. وبُنيةُ الجُملةِ فِي العربيَّةِ تَقُومُ علَى وظيفَتَيْنِ، هُما الدَّعامةُ الأصلِيَّةُ فِي الجُملةِ: المسندُ والمسندُ إلَيهِ.
        والسِّمةُ هي وحدةٌ نحويَّةٌ، فعَلامةُ الإعرابِ إحدى السِّماتِ اللغويَّةِ الَّتِي تَقُومُ في الكلِماتِ، فلا تَخفَى أهميتُها بالنِّسبةِ لِلترَّكيبِ النَّحويِّ، فالعَناصِرُ الُّلغَويَّةُ المُكوِّنةُ لِلسِّمةِ تَتمثَّلُ فِي العَددِ والنَّوعِ، وقد جاءَتْ هذِهِ العناصِرُ في التُّراثِ العربِيِّ بِصفتِها جُزءاً في تكوينِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، وهيَ سِماتٌ لُغويّةٌ، وقد سمَّاها أستاذنا الدكتور تمام حسان-رحمه الله- " القَرائِنَ المَعنَويَّةَ كالإسنادِ والتَّخصِيصِ والنِّسبةِ والتَّبعيَّةِ والمخالَفةِ، والقَرائِنَ الَّلفظِيَّةَ كالإعرابِ والرُّتبةِ والصِّيغةِ والمُطابَقةِ والرَّبطِ والتَّضامِّ والأَداءِ والتَّنغيمِ"23 .

        2-المَعانِي النَّحويَّةُ أو العَلاقَاتُ الَّتِي تَكُونُ بَينَ الوَحدَاتِ النَّحويَّةِ:
        الأصلُ في الكلامِ أن يُوضَعَ لِمعنى، والإعرابُ إنَّما دَخَلَ الكلامَ أصلاً لمعنى، وجَعَلَ الإبانةَ عنِ المَعانِي بِالأَلفاظِ لا بِعَلامَةِ الإِعرابِ فقط، وقَد نَصَّ علَى ذلِكَ ابن جنيِّ (392هـ)، فَقالَ: "الإعرابُ هو الإبانَةُ عن المعانِي"24 .وفَرَّقَ بَينَ ثلاثةِ أنواعٍ من السِّماتِ النَّحويَّةِ، فَجَعَل أَصلَ الإبانَةِ للإعرابِ، ومِن ورائِهِ سِماتُ العَددِ والنَّوعِ والإشارةِ والحَالِ، ومِن ورائِها سِمةُ الرُّتبةِ.
        وفي المعنى النَّحويِّ لا بُدَّ من التمييز بين ثلاثة أشياء، الموقع الإعرابي، والحالة الإعرابيّة، والعلامة الإعرابِيَّة. أمَّا الموقِعُ الإعرابِيُّ فهو الوظيفة النّحويَّة المعينة، والَّذِي يُحدِّدُ الوظيفة النَّحويَّة هو نِظامُ بناءِ الجُملةِ وعلاقة الإسنادِ وعلاقةُ العناصِر الإسنادِيَّةِ بِغيرِها.
        أمَّا الموقِعُ الإعرابِيُّ فهُوَ الوَظيفةُ النَّحويَّةُ المعيَّنةُ. والَّذِي يُحدِّدُ الوَظيفةَ النَّحويَّةَ هو نِظامُ بِناءِ الجُملةِ وعَلاقةُ الإسنادِ وعلاقةُ العناصِرِ الإسناديَّةِ بِغيرِها. فالفاعليَّةُ وَظيفةٌ نحويَّةٌ تُكوِّنُ معَ الفِعلِ جُملةً مُعيَّنة. وكلٌّ موقِعٍ إعرابِيٍّ مُعيَّن لَهُ حالةٌ إعرابِيَّةٌ خاصَّة بِهِ، فالفاعِلِيَّةُ وظِيفةٌ نحويَّةٌ تُشكِّلُ مع الفِعلِ جملةً مُعيَّنة. وكُلٌّ مِن الموقِعٍ الإعرابِيِّ والحالة الإعرابِيَّةُ جانِبٌ تجرِيديٌّ تَصطَنِعُهُ الدِّراسةُ، لِتَفسِيرِ بِناءِ الظَّاهِرةِ والكَشفِ عَن علاقاتِها، وهِيَ فِي الوَقتِ نَفسِهِ نابِعةٌ مِن فَهمِ مَعنَى العَلاقةِ بَينَ الأجزاءِ 25.

        والعَلامةُ الإعرابيَّةُ حَمَلَتْ مَعانِيَ ودِلالاتٍ جَعلَتْ النُّحاةَ قديماً وحديثاً يَتَحَّدثُونَ عنِ العَامِلِ، وعنِ الحَركاتِ والحُرُوفِ ونِيابَتِها، ثُمَّ تَكَلَّمُوا عنِ الإعرابِ الظَّاهِرِ والتَّقدِيريِّ والمحلِّ الإعرابِيِّ، وقَد كانَ خِلافٌ بَينَ القُدماءِ والمُحدَثينَ فِي " هذا الإعرابِ هلْ كانَ فِي كَلامِ العَربِ أم لم يَكُنْ، وهل كان لقطرب (ت207هـ) ومنْ تَبِعَهُ مِن القُدماءِ والمُحدَثِينَ كَلامٌ فِي إِنكارِ أنْ تِكُونَ الُّلغةُ العَربِيَّةُ قدِ اعتَمدَتْ حَقِيقةً علَى هذِهِ العَلاماتِ فِي تَعيينِ المَعانِي النَّحويَّةِ"26 .
        واتّجهَ علماءُ النَّحو العربُ منذُ القرنِ الأوَّلِ نحوَ المعنَى، فالجُملةُ تتكوَّنُ مِن مَجمُوعةٍ مِن العَلاقاتِ السِّياقيَّةِ الَّتِي تَقُومُ كلُّ علاقةٍ مِنها عِندَ وُضُوحِها مُقامَ القَرِينةِ المَعنويَّةِ، وتَعتَمِدُ التآخِي بينَها وبينَ القرائِنِ الَّلفظِيَّةِ فِي السِّياقِ. فَقَد خَرَجَ النَّحو مِن إطارِ الكلمةِ ووَظِيفتِها فِي التَّركِيبِ إلَى نِطاقِ السِّياقِ، بلِ امتدَّ النَّحو إلَى دِراسةِ النَّصِّ جَميعِهِ، فلَقَد تَخَطَّى دَورُ النَّحو الإعرابَ وتَفرِيعاتِهِ علِى مُستَوى الكَلمةِ، وتَعدَّاهُ إلَى مُستَوى التَّركِيبِ، وما يَتَعلَّقُ بِهِ مِن وظائِفِ الكَلماتِ والعلاقةِ المَعنويَّةِ الَّتِي تَربِطُ مُفرداتِهِ ومَسائِلِ نَظْمِ الكَلامِ وتَألِيفِهِ27.

        3- جِهاتُ القَرائِنِ اللفظيَّة والمعنويَّة:
        تَتَمثَّلُ سِماتُ المَعانِي فِي علاماتِ الإعرابِ والعَددِ والنَّوعِ، وقد جَاءَتْ هذِهِ العناصِرُ فِي التُّراثِ العربِيِّ بِوَصفِها جُزءاً فِي تَكوِينِ التَّركِيبِ الُّلغويِّ فِي العربيَّةِ. وقد وردَتْ هذهِ السِّماتُ عند أستاذنا تمام حسان، رحمه الله بِعنوانِ: القرائن التي تدلُّ علَى الدِّلالةِ النَّحويَّةِ، أو تُشارِكُها فِي ذلِكَ علَى أقلِّ تقدير.
        والحَقيقةُ أنَّ وَصفَ هذِهِ العناصِرِ أو السِّماتِ الُّلغويَّةِ -كما ذكرنا الآن- بِالقَرينةِ قد وَرَدَ فِي التُّراثِ بِقَدرٍ، أي في مَواضِعَ أخرى، والكَشفِ عن هذِهِ القَرينةِ هُوَ الغايةُ من التَّحليلِ الإعرابِيِّ، ونَلجَأُ أيضاً إلَى مَبانِي التَّصريِفِ لِنلمَحَ الشَّخصَ والنَّوعَ والعَددَ والتَّعيينَ وإلَى العلامةِ الإعرابيَّةِ لِنَرى ما إذا كانَتِ الأسماءُ مَرفُوعةً أو مَنصوبةً أو مَجرُورةً، وإلَى الرُّتبةِ لِنَعلَمَ مِن أيِّ نَوعٍ هِي وإلَى المُطابَقةِ بَينَ الجُزأَينِ ما نَوعُها، وهكذا ممَّا يُعدُّ قرائنَ لَفظِيَّة، وذلِكَ إيضاحٌ لِظاهِرةٍ هامَّةٍ في التَّعلِيقِ هِيَ ظاهرةُ تضافُرِ القرائِنِ لِبيانِ المَعنَى الوَاحِدِ.
        وقد عُنِيَ القُدماءُ عِنايةً كَبيرةً بِعلاقةِ الإِسنادِ بِاعتِبارِها قَرِينةً مَعنَويَّةً لِتَمييزِ المُسندِ إلَيهِ مِن المُسندِ فِي الجُملةِ فِي ظِلِّ الظَّاهرةِ النَّحويَّةِ الَّتي تَحكُمُ استِعمالِ القرائِنِ جميعاً، وهِي مِن مَبدأِ تَضافُرِ القَرائِنِ، وتَعُودُ فِي أساسِها إلَى أنَّه لا يُمكنُ لِظاهِرةٍ واحِدةٍ أنْ تَدُلَّ بِمُفردِها علَى معنَى بِعينهِ، ولَو صارَ ذلِكَ لَأَصبَحَ عَدَدُ القَرائِنِ بِعَددِ المَعانِي النَّحويَّةِ.
        ومن القرائِنِ المعنويَّةِ المعيَّةُ التي نَستفيدُ منها المصاحبةَ دونَ استِعمالِ العطفِ أو الملابسةِ الحاليَّة، والعطفُ والحاليَّةُ معنيانِ آخرانِ يعبَّرُ عنهما بِالواو، كما يُعبَّر عنها بالواو. والمعيَّةُ يُقصَدُ بها الدِّلالةُ علَى المفعولِ مَعهُ، والمضارعُ بعدَ الواو أي أنَّه خاصٌّ بهذينِ البابينِ، ومن أمثلةِ المضارعِ المذكُورِ، نحو: " لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ الَّلبنَ "، ومع أنَّ معنى الواو هنا هو نفسه معنى الواو التي في المفعولِ معه، كما يتشابَهُ المعنى فِي المَوضِعينِ.وهُناكَ مِن القَرائِنِ المعنويَّةِ الظَّرفيَّةُ والمخالفَةُ والنِّسبَةُ، والتَّبعِيَّةُ وغيرها.
        ومِن القرائِنِ اللفظيَّةِ الرُّتبةُ الَّتي إذا اختلَّتْ فِي النَّحو لاختَلَّ الترَّكيبُ بِاختِلالِها، ومِن هنا تَكُونُ الرُّتبةُ المحفُوظةُ قَرِينةً لَفظِيَّةً تُحدِّدُ مَعنى الأبوابِ المرَتَّبةِ بِحسبِها، ومِن الرُّتبِ المحفوظَةِ فِي العربِيَّةِ أنْ يَتَقدَّمَ الموصُولُ علَى الصَّلةِ والموصُوفُ علَى الصَّفةِ والمُضافُ علَى المَضافِ إلَيهِ والمتبُوعُ علَى التَّابِعِ والفِعلُ علَى الفَاعلِ والمبتَدأُ علَى الخَبرِ، وصَدارةُ أسماءِ الاستِفهامِ والشَّرطِ والعَرضِ والتَّحضِيضِ وغَيرِها.
        وتَأتِي أهميةُ الرُّتبةِ النَّحويَّةِ كونَها صِلةَ وَصلٍ مَعَ الموقعِ الإعرابِيِّ ، لأنَّ الرتبةَ تَحفَظُ المَوقِعَ والظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ تُحقِّقُ مَطلَبَ المَوقِعِ، فهِيَ تَتناسَبُ مَعَ الترَّكيبِ أَكثرَ ممَّا تَتَناسَبُ مَعَ الإعرابِ، وقد يَحدُثُ لِلرُّتبةِ غَيرِ المحفوظةِ مِن دَواعِي أَمنِ الَّلبْسِ ما يَدعُو إلَى حِفظِها. فالرُّتبةُ قرينةٌ لَفظِيَّةٌ وعلاقةٌ بينَ جُزأينِ مُرتَّبينِ مِن أجزاءِ الترَّكيبِ، يَدلُّ مَوقِعُ كُلٍّ مِنهُما علَى الآخِرِ.
        والصِّيغةُ فرَعٌ علَى المَبنَى، فالأسماءُ لهَا صِيغٌ تختلِفُ عن صِيغِ الصِّفاتِ والأفعالِ، والمعلومُ عِندَنا أنَّ الفاعِلَ والمبتدأَ ونائبَ الفاعِلِ تكونُ أسماءً، والفِعلَ نواةُ الجملةِ الفعليَّةِ والوَصفِ أو الصِّفةِ نواةُ الجُملةِ الوصفيَّةِ التي تكونُ بِوصفٍ مُعتَمدٍ علَى نَفيٍ أو استِفهامٍ أو مبتدأٍ أو مَوصُوفٍ. عِلماً أنَّ الصِّيغَ الصَّرفِيَّةَ تَكُونُ وَثِيقةَ الصِّلةِ بِالعَلاقَاتِ السِّياقِيَّةِ، فَالفِعلُ الَّلازِمُ لا يَصِلُ إلَى المَفعُولِ بِهِ بِغَيرِ وَاسِطةٍ، وبعضُ الصِّيغِ مَعنَاهَا الُّلزُومُ، فَمَعنَى الصِّيغةِ الصَّرفِيَّةِ يُنبِئُ عَن عَلاقاتِها السِّياقِيَّةِ.
        وخُلاصةُ القَولِ أنَّ القرائنَ تَتَضافَرُ فِيما بَينَها لإِظهارِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ وبَيانِ علاقاتِها الدِّلالِيَّةِ والسِّياقِيَّةِ، والقَرِينَةُ تَذهَبُ عِندَما يُغنِي عنها دَالٌّ، ونَعلَمُ مِن خِلالِ فَهمِنا لِلقَرائِنِ أنَّ بعضَها يُغنِي عن بَعضٍ، وتَأخُذُ المُناسَبةُ الصَّوتِيَّةُ مِن نَبرٍ وتَنغِيمٍ وَوقْفٍ دَوراً فَاعِلاً فَتَستَغنِي عنِ العَلاماتِ الإعرابِيَّةِ، وتَلجَأُ إلَى فَهمِ المَعانِي الوَظِيفيَّةِ.
        4-أنواعُهُ الإعرابِ ومعانيه: هناك عدَّةُ أنواعٍ للإعرابِ، مِنها:
        إعرابُ التَّركِيبِ الَّذِي يُطلقُ علَى عِلمِ الإعرابِ بِالذَّاتِ، وقد يُطلَقُ علَى عِلمِ النَّحوِ وأعنِي بِهِ الأُصُولَ الَّتِي تُعرفُ بِها أَحوالُ الكَلِم وتركيبُ كلامِ العربِ، وهُوَ يَقُومُ علَى استِقراءِ الكَلامِ عامَّة، وملاحظةِ سلوكِهِ وخصائصِهِ في الجُملِ والعباراتِ، واستخلاصِ القواعِدِ والأحكامِ الضابطةِ لأدائِهِ، ويقول أستاذنا الدكتور فخر الدين قباوة: " فَهُوَ يَضُمُّ في طَيَّاتِهِ جميعَ مُفرداتِ الُّلغةِ ولم يخصَّ المعرباتِ فحسب، رَغمَ أنَّ ظاهِرَهُ الاهتمامُ بِالإعرابِ، بل لَقَد شَملَ الجُملَ بأنواعِها ومواقعِها، معَ أنَّها بعيدةٌ جدّاً عن علاماتِ الإعرابِ الظَّاهرة والمقدَّرةِ وعن دِلالاتِها الَّلفظيَّةِ "28 .
        وهناكَ أيضاً الإعرابُ التَّحليليُّ ويَعنِي فِيما يَعنيهِ تَمييزُ العَناصرِ الَّلفظِيَّةِ لِلعِبارةِ، وتَحدِيدُ وَظائِفِها الترَّكيبيَّةِ ومَعانِيها النَّحويَّةِ وعلاقاتِها الإعرابيَّةِ، وذِكْرُ الأدلَّةِ علَى ذلِكَ بِالنَّسقِ والنَّمطِ والصَّوتِ لَفظاً أو تَقدِيراً أو محلَّاً. وأشارَ إلَى ذلِكَ أستاذنا الدكتور قباوة بقولِهِ: " وهذا الضَّربُ مِن الإعرابِ لا يقتَصِرُ علَى مُعربِ الكَلماتِ، بل يَضُمُّ المبنيَّاتِ مِنها، ويَتناولُ أشباهَ الجُملِ، ثم يَستَغرِقُ الجُملَ والمصادِرَ المؤولةَ، وهي مُركَّباتٌ تَعبيريَّةٌ ولا تَحمِلُ شيئاً مِن رُمُوزِ الإعرابِ"29 .
        وكذلِكَ الإعرابُ الصَّوتِيُّ الذي يدلُّ عن إبانةِ المعانِي بِالألفاظِ كما أشارَ ابنُ جِنيّ، وقد ذكرْت ذلَكَ فيما مضَى، أي تَلوينُ أواخرِ الكَلماتِ المعربةِ بِما يُناسِبُ الترَّكِيبَ مِن رَفعٍ ونَصبٍ وجرٍّ وجزمٍ، أو تَغييرُ هذِهِ الأواخِرِ لِلدِّلالةِ علَى الوَظائِفِ الترَّكِيبيَّةِ لَها تَبعاً لِمُتطلَباتِ التَّعبيرِ.وقد اختلَفَ النُّحاةُ فِي هذا التَّلوينِ الصَّوتِيِّ الإعرابِيِّ أهوَ لفظيٌّ أم مَعنَويٌّ، وأشارَ شيخُنا الجليلُ الدكتور فخر الدين قباوة إلَى رَأيٍ تفرَّد بِهِ بينَ النُّحاةِ المعاصِرينَ: " وعِندِي أنَّه يَضُمُّ الجانِبيْنِ، لأنَّهُ لَفظٌ مخصوصٌ يَدلُّ علَى وَظِيفةٍ تركِيبيٍّ ومَوقِعٍ نحوي"30.
        نَخلُصُ مِن هذا العَرضِ لأنواعِ الإعرابِ إلَى أنَّ هذهِ الأنواعَ إنَّما هِيَ تَفسِيرٌ لِجِهاتِ الظَّاهِرة النَّحويَّةِ، ومَعرفتُها فِي ذَاتِها، وبَعدَ ذلِكَ قد يَختَلِفُ التفسِيرُ ولا تَختَلِفُ الظَّاهِرةُ نَفسُها، وإنَّ اختلافَ التَّفسِيرِ يَفتَحُ البابَ واسِعاً أمامَ الآراءِ الاجتِهاديّةِ.

        أَهَمُّ النَّتائِجِ والتَّوصِياتُ:
        نستنتِجُ ممَّا سبقَ أنَّ الظَّاهِرةَ تحتاج إلى تَصوُّرٍ لازمٍ لفَهمِ نِظامِها المكوَّنِ مِن مَفهُومِ النحو والإعرابِ والأصواتِ والقرائِنِ المعنويَّةِ والصَّوتِيَّةِ، ومِن العلاقاتِ الَّتي تَحكُمُ أجزاءَ الكَلامِ وتَربِطُهُ رَبطاً مُحكَماً، فهِيَ الَّتي تَملِكُ النِّظامَ النَّحويَّ الَّذِي يَدعُو الدَّارسِينَ إلَى استِنباطِ نَظريَتِهِ، حَيثُ تَهدُفُ هنا إلَى التَّوجِيهِ لِغَرضِ الدِّراسةِ والتَّحلِيلِ بِصُورةٍ حاسِمةٍ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والنِّظامِ النَّحويِّ، والنَّظريَّةِ النَّحويَّةِ والمناهِجِ النَّحويَّةِ.
        فالنَّحاةُ يّهدِفُونَ بِصنيعِهِم هذا إلَى تَحلِيلِ بِناءِ التركِيبِ الُّلغَويِّ ومَعرِفةِ نِظامِهِ، لأنَّ نِظامَ التركِيبِ مِن أهمِّ ما يُميِّزُ خَصائِصَ الظَّاهِرة النَّحويَّةِ، فالنَّتائِجُ التي يُتَوصَلُ إليها بواسطةِ التحلِيلِ تَفرِضُ دِراسةَ الوظائِفِ التي تَتأتَّى من أنواعِ الكلمِ من الاسمِ والفِعلِ والحرفِ، وهذهِ الوظائف هِيَ الأبوابُ النَّحويَّةُ.
        وأهمُّ التوصيات:
        1-الدِّراساتُ النَّحويَّةُ والُّلغويَّةُ في الدَّرسِ المُعاصِرِ لا يَنهَضُ بِها عالِمٌ وَاحِدٌ فَهِيَ جُهُودٌ مُتَواصِلةٌ يَبنِي بَعضُها علَى بَعضٍ .
        2-الظَّاهِرة النَّحويَّةُ مَحكُومةٌ بِمعطياتِ الدَّرسِ اللغويِّ المعاصرِ وتفاعلِهِ معَ أساسِيَّاتِ علومِ اللغةِ العربيَّةِ قَدِيماً وحَدِيثاً.
        3-الظاهِرةُ النَّحويَّةُ تحتاجُ إلَى تضافُرِ الجُهودِ في بحث الجوانِبِ اللغويَّة والنحويَّةِ التي تملك النظامَ الممثَّلِ في الأحكامِ والقواعِدِ والأُصُولِ المدرُوسةِ كالقَرائِنِ المعنويَّةِ والَّلفظِيَّةِ، وأنواعِ الإعرابِ، والبَناءِ الُّلغويِّ، والترَّكيبِ وسِماتِهِ.

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5
          المصادر والمراجع:
          1-الاقتراح في علم أصول النحو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تحقيق وتعليق: د.حمدي عبد الفتاح مصطفى خليل، مكتبة الآداب، القاهرة، ط5، 1434هـ-2013م.
          2-بناء الجملة العربية: محمد حماسة عبد اللطيف، دار غريب، القاهرة،2003م.
          3-الخصائص: ابن جني، أبو الفتح عثمان (ت392هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1952م.
          4-دراسات في علم اللغة: د.كمال بشر، دار المعارف، القاهرة، 1969م.
          5-دلائل الإعجاز: عبدالقاهر الجرجاني، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1412هـ.
          6-شرح شافية ابن الحاجب: رضي الدين محمد بن الحسن الأستراباذي النحوي (ت686هـ)، حققه وشرح غريبه: محمد نور الحسن وزميلاه، بيروت، دار الكتب العلمية، 1975م.
          7-شرح حماسة أبي تمام: لأبي الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم الشنتمري (686هـ)، تحقيق: علي المفضل حمودان، مطبوعات جمعة الماجد بدبي، 1413هـ-1992م.
          8-شرح الحماسة: للمرزوقي، شرح أحمد أمين، و عبدالسلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1411هـ-1991م.
          9-شرح الحماسة للتبريزي، يحيى بن علي بن محمد بن حسن (ت502هـ)، تحقيق: غريد الشيخ، دار الكتب العلمية، بيروت،1420م.
          10-الكليات: الكفوي، أبو البقاء: (ت1094هـ)، تحقيق: د.عدنان درويش، ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1998م.
          11-اللغة العربية معناها ومبناها: د.تمام حسان، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1973م.
          12-مدخل إلى علم اللغة: د.محمود فهمي حجازي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004م.
          13-مشكلة العامل النحوي ونظرية الاقتضاء: د. فخر الدين قباوة، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002م.
          14-المورد النحوي الكبير: د.فخر الدين قباوة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط4، دمشق، 1407هـ-1987م.
          15-النظرية اللغوية في التراث العربي: د.محمد عبد العزيز عبد الدايم، دار السلام، القاهرة، ط1، 1427هـ-2006م، ص205.
          16-نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث: د.نهاد الموسى، دار البشير، عمان، 1987م.

          --------------------------------
          1 الكليات: الكفوي، أبو البقاء: (ت1094هـ)، تحقيق: د.عدنان درويش، ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1998م، ص611.
          2 الاقتراح في علم أصول النحو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تحقيق وتعليق: د.حمدي عبد الفتاح مصطفى خليل، مكتبة الآداب، القاهرة، ط5، 1434هـ-2013م، ص14.
          3 شرح شافية ابن الحاجب: رضي الدين محمد بن الحسن الأستراباذي النحوي (ت686هـ)، حققه وشرح غريبه: محمد نور الحسن وزميلاه، بيروت، دار الكتب العلمية، 1975م، 1: 2 في الحاشية 1.
          4 الكليات للكفوي ص 611.
          5 مشكلة العامل النحوي ونظرية الاقتضاء: د. فخر الدين قباوة، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002م، ص8.
          6 نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث: د.نهاد الموسى، دار البشير، عمان، 1987م، ص53.
          7 مدخل إلى علم اللغة: د.محمود فهمي حجازي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004م، ص111.
          8 شرح حماسة أبي تمام: لأبي الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم الشنتمري (686هـ)، تحقيق: علي المفضل حمودان، مطبوعات جمعة الماجد بدبي، 1413هـ-1992م، ص 978.وأثقبتُ ضوءها: أثرته حتى سطع ولاح. وإنَّما أخرج كلبه لينبح فيستدلُّ الضيف بنباحه.
          9 شرح الحماسة: للمرزوقي، شرح أحمد أمين، و عبدالسلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1411هـ-1991م، ص 1697-1698. وشرح الحماسة للتبريزي، يحيى بن علي بن محمد بن حسن (ت502هـ)، تحقيق: غريد الشيخ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420هـ 4: 227-228.
          10 مشكلة العامل النحوي ونظرية الاقتضاء، ص71.
          11 الخصائص: عثمان بن جني (ت392هـ)، تحقيق محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت، 2004م، 2: 277.
          12 الخصائص ص68-69.
          13 دلائل الإعجاز: عبدالقاهر الجرجاني، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، 1412هـ ، ص69.
          14 دلائل الإعجاز ص 65.
          15 المورد النحوي الكبير: د.فخر الدين قباوة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط4، دمشق، 1407هـ-1987م، ص9.
          16 اللغة العربية معناها ومبناها: د.تمام حسان، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1973م، ص178.
          17 النظرية اللغوية في التراث العربي: د.محمد عبد العزيز عبد الدايم، دار السلام، القاهرة، ط1، 1427هـ-2006م، ص205.
          18 دراسات في علم اللغة: د.كمال بشر، دار المعارف، القاهرة، 1969، 2: 139.
          19 النظرية اللغوية في التراث العربي ص 207.
          20 اللغة العربية معناها ومبناها ص28.
          21 اللغة العربية معناها ومبناها ص165.
          22 Modern Linguistics: Simon Potter- London 1987 P 104
          23 اللغة العربية معناها ومبناها ص 190.
          24 الخصائص: ابن جني، ص34.
          25 بناء الجملة العربية: محمد حماسة عبد اللطيف، دار غريب، القاهرة،2003 م، ص88.
          26 اللغة العربية معناها ومبناها ص205.
          27 دراسات في علم اللغة: د.كمال بشر، ص64.
          28 العامل النحوي ونظرية الاقتضاء ص46.
          29 المصدر نفسه ص51-52.
          30 المصدر نفسه ص61.

          تعليق

          يعمل...