قِراءةٌ مُعاصِرةٌ
لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التُّراثِ والدَّرسِ المُعاصِرِ
د. سعد الدين إبراهيم المصطفى
مُلخَّصُ البَحثِ
يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ من وجهةِ نَظرِ القُدماءِ والمحدثِينَ، فالقُدماءُ لم يُصرِّحُوا بِها وإنَّما كانَتْ مُستَقِرَّةً فِي أذهانِهِم فِي كثيرٍ مِن الآراءِ النَّحوِيَّة، التي بَثُّوها فِي ثَنايا مُؤلَّفاتِهِم، وكانَتْ ظاهِرةً في كُلِّ مَسائِلِ الُّلغةِ والنَّحو والتَّصرِيفِ والأَصواتِ وغَيرِها مِن العُلُومِ العربِيَّةِ وفُنُونِها، وهذِهِ الظَّاهِرةُ مُكوَّنةٌ مِن أنظِمةٍ وقوانِينَ تَحكُمُها لا تنتظِمُ في قاعِدةٍ واحدِةٍ بل في قَواعِدَ مُتنوعةٍ مُختَلِفةٍ أحياناً ومُؤتلِفةٍ فِي كثيرٍ من الأحيانِ.
والظاهِرةُ النَّحويَّةُ تَبحَثُ فِي العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وتُبيِّنُ وظائِفَها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحو تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فهِيَ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً ربَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو.
ولِتَحدِيدِ الجَانِبِ العَملِيِّ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ كانَ لِزاماً علَى النُّحاةِ أنْ يَفهَمُوا جيِّداً العَامِلَ بِاعتِبارِهِ تَفسِيراً لِلعَلاقاتِ النَّحويَّةِ أو بِاعتِبارِهِ مَناطَ التّعلِيقِ، وجَعَلُوهُ تَفسِيراً لِاختِلافِ العَلاماتِ الإِعرابِيَّة، وبَنَوا علَى القَولِ بِهِ فِكرَتَي التَّقدِيرِ والإِعرابِ المحلِيِّ.
وعَلاقةُ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ بِالعِلمِ عَلاقةٌ جَدَليّةً تَتَلَخَّصُ فِي اشتِمالِ العِلمِ علَيها لأنَّهُ يسعى إلى ضبط حدودها ودراستها، ، وقَد يُصرَفُ هذا التَّصوُّرُ إلَى أنَّ ضَبطَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المدرُوسةِ تَذهَبُ إلَى بَيانِ الصُّورةِ القائِمةِ فِي أَذهانِ العُلماءِ عنها، الَّتي تَتَمثَّلُ فِي النَّظريَّاتِ الَّتِي يُقدِّمُونَها لِضَبطِ الظَّاهِرةِ وَوَصفِها ضِمنَ إمكاناتِ العلمِ وحدودهِ.
أَهدافُ البَحثِ
1- عِنايةُ النُّحاةِ والُّلغويينَ بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ واللغويَّةِ، مِن خلالِ دِراسةِ المبانِي والمعانِي والعلاقاتِ القائِمةِ بينَهُما.
2- إبرازُ أَهميةِ تَحريرِ المَسأَلةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، والتَّصوُّرِ الصَّحِيحِ.
3- دِراسةُ ظَواهرِ النَّحوِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ أي: الأحكامُ والأُصُولُ والقَواعِدُ الَّتِي تَحكُمُ الكلامَ العربِيَّ.
مَنهجُ البَحثِ
سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها. وهذا المَنهَجُ هو السَّائِدُ فِي الدِّراساتِ الُّلغويَّةِ والنَّحويَّةِ المُعاصِرةِ.
2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ النُّحاةِ القُدماءِ وبَعضَ آراءِ المُحدَثِينَ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، ومعانِي العَلاقاتِ الَّتِي تحكُمُ التركِيبَ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ مِنها، وشَرحِ معانِيها.
خُطَّةُ البَحثِ
يتألَّفُ هذا البَحثُ مِن:
مُقدِّمةٍ وثَلاثةِ فُصُولٍ وخاتمةٍ وأهمِّ النتائِجِ والتوصِياتِ، ففِي المقدمةِ تكلَّمْتُ عنِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ وتَعرِيفِها.
وفِي الفَصلِ الأوَّلِ تَحدَّثْتُ عن الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التراثِ، وكيفَ فَهِمَها القُدماءُ وفسَّرُوها، وفِي الفَصلِ الثَّانِي تَكَلَّمْتُ عن مَوقِفِ أشهرِ النَّحويينَ والَّلغَويينَ المُعاصِرِينَ مِنها، وكيفَ نَظَرُوا إلَيها، وطَبَّقُوا ذلِكَ فِي دراساتِهِم ومؤلَّفاتِهِم.
وفِي الفَصلِ الثَّالِثِ تَكَلَّمْتُ عن خَصائِصِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المُمثَّلةِ فِي الوَحَداتِ النَّحوِيَّةِ والمَعانِي النَّحويَّةِ والعَلاقَاتِ الَّتِي تَكونُ بَينَ الوَحدَاتِ النَّحويَّةِ والقَرائِنِ اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ وأنواعِ الإعرابِ ومعانِيهِ، وخاتمة وأهمّ النتائج والتوصِياتِ.
مُقدِمة
الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ هِيَ الَّتي تَملِكُ النِّظامَ النَّحويَّ الَّذِي يَدعُو الدَّارسِينَ إلَى استِنباطِ نَظريَتِهِ، حَيثُ تَهدُفُ هنا إلَى التَّوجِيهِ لِغَرضِ الدِّراسةِ والتَّحلِيلِ بِصُورةٍ حاسِمةٍ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والنِّظامِ النَّحويِّ، والنَّظريَّةِ النَّحويَّةِ والمناهِجِ النَّحويَّةِ.
ويُمكِنُ لنا أنْ نَلتَمِسَ تَرَدُّدَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والجُهُودِ المُقَدَّمةِ حَولَها فِي تَعرِيفاتِ العُلمَاءِ، فَنَنظُرُ ما قَالَهُ الكَفَويُّ (ت1094هـ) عن ضَبطِ العِلمِ: " والمعَنَى الحَقيقِيُّ لِضَبطِ العِلمِ هُوَ الإِدراكُ، ولِهذا المعَنَى مُتَعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ وَسِيلةً إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ الملَكَةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفيَّةً أو اصطِلاحِيَّةً أو مَجَازاً مَشهُوراً "1 .
ونُشِيرُ إلَى أنَّ استِمدادَ تَصَوُّرِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن تَعرِيفِ النَّحو ومَفهُومِهِ فِي تُراثِنا الَّذِي يُعدُّ تَصَوُّراً قَاصِراً يَقتَضِي أنْ يَتبَعَهُ استِمدَادٌ لِتَصوُّراتِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن خِلالِ المَوضُوعاتِ الَّتِي يُقَدِّمُها الدَّرسُ النَّحويُّ، وجِهَاتُ الُّلغةِ الَّتِي يَتَكفَّلُ بِها هذا الدَّرسُ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ
الظَّاهِرَةُ النَّحويَّةُ
أولاً-في التراث:
إنَّ مُقابَلةَ النَّحوِ بِالإعرابِ مَرَّةً وبِالعَربيَّةِ أُخرَى تَجعَلُنا نُعِيدُ مَفهُومُ النَّحوِ فِي تُراثِنا، فَمُرادفةُ النَّحو لِلإعرابِ لَيسَتْ سِوَى بَيانِ جانِبٍ مِنهُ، كَمَا أنَّ مُرَادفَةَ النَّحوِ لِلعَرَبِيَّةِ لَيسَتْ أَكثَرَ مِن بَيَانِ قِيمةِ النَّحوِ، ويُقَالُ لِلنَّحوِ عِلمُ العَربَيَّة لِأَهمِيَتهِ فِي ذاتِهِ، ولِأَهمِيَتِهِ لِغَيرِهِ مِن بَقِيَّةِ عُلُومِ العَرَبِيَّةِ.
فالنَّحو يَستغنِي بِالكلامِ فِي الأصنافِ عنِ الكلامِ فِي المفرداتِ فَيَكُونُ ذلِكَ مَظهراً مِن مَظاهِرِ الاقتِصادِ، ومن الواضِحِ أنَّ التَّقعيدَ بِدورهِ هُو الاستِغناءُ بِالكلامِ فِي الحُكمِ الشامِلِ وهو القاعِدةُ عنِ الكلامِ فِي أحكامِ المفرداتِ كلٌّ مِنها علَى حِدة، وإثباتُ ما لا يَدخُلُ تحتَ الحَصرِ بِطريقِ النَّقلِ محالٌ، وإذا تحقَّقَت للنَّحو الموضوعيَّةُ والشُّمُولُ والتَّماسُكُ والاقتِصادُ كانَ النَّحو مَضبُوطاً، فالنَّحو كما يَروي السيوطيُّ(ت911هـ) عن صاحِبِ البديع: " النَّحو صِناعةٌ علميَّةٌ يُعرَفُ بِها أَحوالُ كَلامِ العربِ مِن جِهةِ ما يَصِحُّ وما يَفسُدُ فِي التَّألِيفِ لِيُعرَفَ الصَّحِيحَ مِن الفاسِدِ" 2.
وتَقُومُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِبَحثِ العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وبَيانِ وظائِفِها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحوَ تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فالظَّاهِرةُ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً رَبَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو وبِنائِها.
ويَجِبُ أَنْ نُفرِّقَ بَينَ حُدودِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ ومَفهُومِ النَّحو، إذ لا تُطابِقُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِالضَّرُورةِ مَفهُومَ النَّحو، وقد لا يَتَّصِلُ مَفهُومُ النَّحو بِها، فضَبطُ العُلُومِ عامَّةً يَتردَّدُ بَينَ ضَبطِ الظَّاهِرةِ الَّتِي تُدرَسُ، وبَينَ بيانِ الجُهُودِ التي يُقدِّمها العُلماء لِضبطِ هذِهِ الظَّاهِرةِ.
وحَدُّ العِلمِ الذِي يُفهَمُ من كلامِ العُلماءِ عنهُ هو ما تَضَمَّنَ الأصُولَ والقواعِدَ الكليَّةَ وما يَتفرَّعُ عَنها مِن جُزئياتٍ وفُروعٍ ومسائِلَ كثيرةٍ، ويُلخِّصُ بَعضُهُم هذِهِ الدِّلالاتِ بِقَولِهِ: " وذلِكَ أنَّهُ قَد تَقَرَّرَ عِندَ العُلماءِ أنَّ لَفظَ العِلمِ يُطلَقُ إطلاقاً حَقِيقيَّاً علَى الأُصُولِ والقَواعِدِ، وهيَ القضايَا الكُلِيَّةُ التِي يُتَعرَّفُ مِنها أحكامُ جُزئِيَّاتِ مَوضُوعِها، وعلَى التَّصدِيقِ بِهذِهِ الأُصُولِ والقَواعِدِ، وعلَى مَلَكةِ استِحضارِها الحاصِلةِ مِن تَكرِيرِ التَّصدِيقِ بِها"3 .
ويُمكِنُ أنْ نتعرَّفَ مَفهُومَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النحويَّةِ والجُهُودِ المُقدَّمةِ في شرحِها مِن خِلالِ تَعرِيفاتِ العُلَماءِ، وهذا ما نَراهُ عندَ صاحِبِ ( الكلِيَّاتِ ) في ضبطِ العلمِ، فقالَ: " والمعنى الحقِيقيُّ لِلفظِ العِلمِ هُوَ الإدراكُ، ولِهذا المَعنَى مُتعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ بِهِ وَسِيلةٌ إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ المَلَكةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفِيَّةً أوِ اصطِلاحِيَّةً، أو مَجازاً مَشهُوراً "4 .
ويَعنِي ذلِكَ أنَّ العِلمَ قد يَكُونُ هوَ الظَّاهِرةُ نَفسُها، أو بِتعبِيرِ العُلماءِ المعلُومُ أو المعلُماتُ نَفسُها، وهو الَّذِي قُصِرَ علَى الأصُولِ والقَواعدِ الخاصَّةِ بِالظَّاهِرةِ الَّتِي يُرادُ دَرسُها، ويمكِنُ أنْ يَكُونَ الجُهدُ الَّذِي يُقَدَّمُ في الظَّاهِرةِ ذاتِها، قد يُطلَقُ علَى الصُّورةِ المتخيَّلةِ في العَقلِ أو الذِّهنِ، وقد يَكُونُ المَلكةَ التي تُستَحضَرُ بِها الظاهِرةُ نفسُها.
وَقَد أَثبَتَ بَعضُ الدَّارِسِينَ تَردُّدَ ضَبطِ النَّحو بينَ الظَّاهِرةِ وبينَ الجُهدِ المُقَدَّمِ فِيها، إذ يُشيرُ إلَى مَوقِفَينِ فِي ضَبطِ النَّحو، يَرجِعُ أوَّلُهُما إلَى ضَبطِ شَيءٍ مُتَّصِلٍ بالظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، كما يَرجِعُ ثانِيهِما إلَى ضَبطِ الجُهُودِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِضَبطِ هذِهِ الظاهِرةِ، وقد ذكر أستاذنا فخر الدين قباوة شَيئاً عن تِلكَ الجُهودِ فقالَ: " والحقُّ أنَّ أعمالَ القُدماءِ ومَنْ بَعدَهُم كانَتْ تُسيِّرُها فِكرةُ الوظائِفِ النَّحويَّةِ، وظَواهِرِ الإعرابِ المشتَرَكةِ ودِلالاتِها، وقد تَتَرَدَّدُ مَسأَلةُ العَملِ ضِمنَ ذلِكَ المَيدانِ فِي المَساربِ الَّتِي يَقتَضِيها البَحثُ مِن دُونِ هَيمنةٍ أو تَحكُّمٍ"5 .
لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التُّراثِ والدَّرسِ المُعاصِرِ
د. سعد الدين إبراهيم المصطفى
مُلخَّصُ البَحثِ
يَتحدَّثُ هذا البَحثُ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ من وجهةِ نَظرِ القُدماءِ والمحدثِينَ، فالقُدماءُ لم يُصرِّحُوا بِها وإنَّما كانَتْ مُستَقِرَّةً فِي أذهانِهِم فِي كثيرٍ مِن الآراءِ النَّحوِيَّة، التي بَثُّوها فِي ثَنايا مُؤلَّفاتِهِم، وكانَتْ ظاهِرةً في كُلِّ مَسائِلِ الُّلغةِ والنَّحو والتَّصرِيفِ والأَصواتِ وغَيرِها مِن العُلُومِ العربِيَّةِ وفُنُونِها، وهذِهِ الظَّاهِرةُ مُكوَّنةٌ مِن أنظِمةٍ وقوانِينَ تَحكُمُها لا تنتظِمُ في قاعِدةٍ واحدِةٍ بل في قَواعِدَ مُتنوعةٍ مُختَلِفةٍ أحياناً ومُؤتلِفةٍ فِي كثيرٍ من الأحيانِ.
والظاهِرةُ النَّحويَّةُ تَبحَثُ فِي العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وتُبيِّنُ وظائِفَها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحو تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فهِيَ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً ربَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو.
ولِتَحدِيدِ الجَانِبِ العَملِيِّ لِلظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ كانَ لِزاماً علَى النُّحاةِ أنْ يَفهَمُوا جيِّداً العَامِلَ بِاعتِبارِهِ تَفسِيراً لِلعَلاقاتِ النَّحويَّةِ أو بِاعتِبارِهِ مَناطَ التّعلِيقِ، وجَعَلُوهُ تَفسِيراً لِاختِلافِ العَلاماتِ الإِعرابِيَّة، وبَنَوا علَى القَولِ بِهِ فِكرَتَي التَّقدِيرِ والإِعرابِ المحلِيِّ.
وعَلاقةُ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ بِالعِلمِ عَلاقةٌ جَدَليّةً تَتَلَخَّصُ فِي اشتِمالِ العِلمِ علَيها لأنَّهُ يسعى إلى ضبط حدودها ودراستها، ، وقَد يُصرَفُ هذا التَّصوُّرُ إلَى أنَّ ضَبطَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المدرُوسةِ تَذهَبُ إلَى بَيانِ الصُّورةِ القائِمةِ فِي أَذهانِ العُلماءِ عنها، الَّتي تَتَمثَّلُ فِي النَّظريَّاتِ الَّتِي يُقدِّمُونَها لِضَبطِ الظَّاهِرةِ وَوَصفِها ضِمنَ إمكاناتِ العلمِ وحدودهِ.
أَهدافُ البَحثِ
1- عِنايةُ النُّحاةِ والُّلغويينَ بِتَتبُّعِ الآراءِ النَّحويَّةِ واللغويَّةِ، مِن خلالِ دِراسةِ المبانِي والمعانِي والعلاقاتِ القائِمةِ بينَهُما.
2- إبرازُ أَهميةِ تَحريرِ المَسأَلةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكَيفَ يُناقِشُونَها، مَعَ ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، والتَّصوُّرِ الصَّحِيحِ.
3- دِراسةُ ظَواهرِ النَّحوِ وتَدقِيقُ النَّظرِ فِيهَا، وتَقدِيمُ الرَّأي الصَّحيحِ أي: الأحكامُ والأُصُولُ والقَواعِدُ الَّتِي تَحكُمُ الكلامَ العربِيَّ.
مَنهجُ البَحثِ
سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
1- المنهجَ الوصفِيَّ: عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ وتَفسِيرِها وتَحلِيلِها، وتَفصِيلِ الآراءِ النَّحويَّة فيها. وهذا المَنهَجُ هو السَّائِدُ فِي الدِّراساتِ الُّلغويَّةِ والنَّحويَّةِ المُعاصِرةِ.
2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ النُّحاةِ القُدماءِ وبَعضَ آراءِ المُحدَثِينَ عنِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، ومعانِي العَلاقاتِ الَّتِي تحكُمُ التركِيبَ، لِلوصُولِ إلَى فوائِدَ مُستنبَطةٍ مِنها، وشَرحِ معانِيها.
خُطَّةُ البَحثِ
يتألَّفُ هذا البَحثُ مِن:
مُقدِّمةٍ وثَلاثةِ فُصُولٍ وخاتمةٍ وأهمِّ النتائِجِ والتوصِياتِ، ففِي المقدمةِ تكلَّمْتُ عنِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ وتَعرِيفِها.
وفِي الفَصلِ الأوَّلِ تَحدَّثْتُ عن الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ فِي التراثِ، وكيفَ فَهِمَها القُدماءُ وفسَّرُوها، وفِي الفَصلِ الثَّانِي تَكَلَّمْتُ عن مَوقِفِ أشهرِ النَّحويينَ والَّلغَويينَ المُعاصِرِينَ مِنها، وكيفَ نَظَرُوا إلَيها، وطَبَّقُوا ذلِكَ فِي دراساتِهِم ومؤلَّفاتِهِم.
وفِي الفَصلِ الثَّالِثِ تَكَلَّمْتُ عن خَصائِصِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ المُمثَّلةِ فِي الوَحَداتِ النَّحوِيَّةِ والمَعانِي النَّحويَّةِ والعَلاقَاتِ الَّتِي تَكونُ بَينَ الوَحدَاتِ النَّحويَّةِ والقَرائِنِ اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ وأنواعِ الإعرابِ ومعانِيهِ، وخاتمة وأهمّ النتائج والتوصِياتِ.
مُقدِمة
الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ هِيَ الَّتي تَملِكُ النِّظامَ النَّحويَّ الَّذِي يَدعُو الدَّارسِينَ إلَى استِنباطِ نَظريَتِهِ، حَيثُ تَهدُفُ هنا إلَى التَّوجِيهِ لِغَرضِ الدِّراسةِ والتَّحلِيلِ بِصُورةٍ حاسِمةٍ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والنِّظامِ النَّحويِّ، والنَّظريَّةِ النَّحويَّةِ والمناهِجِ النَّحويَّةِ.
ويُمكِنُ لنا أنْ نَلتَمِسَ تَرَدُّدَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ والجُهُودِ المُقَدَّمةِ حَولَها فِي تَعرِيفاتِ العُلمَاءِ، فَنَنظُرُ ما قَالَهُ الكَفَويُّ (ت1094هـ) عن ضَبطِ العِلمِ: " والمعَنَى الحَقيقِيُّ لِضَبطِ العِلمِ هُوَ الإِدراكُ، ولِهذا المعَنَى مُتَعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ وَسِيلةً إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ الملَكَةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفيَّةً أو اصطِلاحِيَّةً أو مَجَازاً مَشهُوراً "1 .
ونُشِيرُ إلَى أنَّ استِمدادَ تَصَوُّرِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن تَعرِيفِ النَّحو ومَفهُومِهِ فِي تُراثِنا الَّذِي يُعدُّ تَصَوُّراً قَاصِراً يَقتَضِي أنْ يَتبَعَهُ استِمدَادٌ لِتَصوُّراتِ الظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ مِن خِلالِ المَوضُوعاتِ الَّتِي يُقَدِّمُها الدَّرسُ النَّحويُّ، وجِهَاتُ الُّلغةِ الَّتِي يَتَكفَّلُ بِها هذا الدَّرسُ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ
الظَّاهِرَةُ النَّحويَّةُ
أولاً-في التراث:
إنَّ مُقابَلةَ النَّحوِ بِالإعرابِ مَرَّةً وبِالعَربيَّةِ أُخرَى تَجعَلُنا نُعِيدُ مَفهُومُ النَّحوِ فِي تُراثِنا، فَمُرادفةُ النَّحو لِلإعرابِ لَيسَتْ سِوَى بَيانِ جانِبٍ مِنهُ، كَمَا أنَّ مُرَادفَةَ النَّحوِ لِلعَرَبِيَّةِ لَيسَتْ أَكثَرَ مِن بَيَانِ قِيمةِ النَّحوِ، ويُقَالُ لِلنَّحوِ عِلمُ العَربَيَّة لِأَهمِيَتهِ فِي ذاتِهِ، ولِأَهمِيَتِهِ لِغَيرِهِ مِن بَقِيَّةِ عُلُومِ العَرَبِيَّةِ.
فالنَّحو يَستغنِي بِالكلامِ فِي الأصنافِ عنِ الكلامِ فِي المفرداتِ فَيَكُونُ ذلِكَ مَظهراً مِن مَظاهِرِ الاقتِصادِ، ومن الواضِحِ أنَّ التَّقعيدَ بِدورهِ هُو الاستِغناءُ بِالكلامِ فِي الحُكمِ الشامِلِ وهو القاعِدةُ عنِ الكلامِ فِي أحكامِ المفرداتِ كلٌّ مِنها علَى حِدة، وإثباتُ ما لا يَدخُلُ تحتَ الحَصرِ بِطريقِ النَّقلِ محالٌ، وإذا تحقَّقَت للنَّحو الموضوعيَّةُ والشُّمُولُ والتَّماسُكُ والاقتِصادُ كانَ النَّحو مَضبُوطاً، فالنَّحو كما يَروي السيوطيُّ(ت911هـ) عن صاحِبِ البديع: " النَّحو صِناعةٌ علميَّةٌ يُعرَفُ بِها أَحوالُ كَلامِ العربِ مِن جِهةِ ما يَصِحُّ وما يَفسُدُ فِي التَّألِيفِ لِيُعرَفَ الصَّحِيحَ مِن الفاسِدِ" 2.
وتَقُومُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِبَحثِ العَلاقاتِ الَّتِي تَربُطُ بَينَ الكَلماتِ فِي الجُملةِ الواحِدةِ وبَيانِ وظائِفِها إذ إنَّها وَسِيلةٌ نَحوَ تَفسِيرِ التَّراكِيبِ الُّلغويَّةِ، والدِّلالةُ هِيَ الَّتِي تُبرِزُ الاختِلافَ بينَ التراكِيبِ المُختَلِفةِ، فالظَّاهِرةُ تَجمَعُ بينَ النَّحو والدِّلالةِ من أجلِ تَوضِيحِ النصِّ وتَفسِيرِهِ، والدِّراساتُ النَّحويَّةُ قدِيماً وحَدِيثاً رَبَطَتْ بينَ المَبنَى والمَعنى، وأَلحَّتْ علَى صِحَّةِ المَعنَى فِي نَظمِ قَواعِدِ النَّحو وبِنائِها.
ويَجِبُ أَنْ نُفرِّقَ بَينَ حُدودِ الظاهِرةِ النَّحويَّةِ ومَفهُومِ النَّحو، إذ لا تُطابِقُ الظَّاهِرةُ النَّحويَّةُ بِالضَّرُورةِ مَفهُومَ النَّحو، وقد لا يَتَّصِلُ مَفهُومُ النَّحو بِها، فضَبطُ العُلُومِ عامَّةً يَتردَّدُ بَينَ ضَبطِ الظَّاهِرةِ الَّتِي تُدرَسُ، وبَينَ بيانِ الجُهُودِ التي يُقدِّمها العُلماء لِضبطِ هذِهِ الظَّاهِرةِ.
وحَدُّ العِلمِ الذِي يُفهَمُ من كلامِ العُلماءِ عنهُ هو ما تَضَمَّنَ الأصُولَ والقواعِدَ الكليَّةَ وما يَتفرَّعُ عَنها مِن جُزئياتٍ وفُروعٍ ومسائِلَ كثيرةٍ، ويُلخِّصُ بَعضُهُم هذِهِ الدِّلالاتِ بِقَولِهِ: " وذلِكَ أنَّهُ قَد تَقَرَّرَ عِندَ العُلماءِ أنَّ لَفظَ العِلمِ يُطلَقُ إطلاقاً حَقِيقيَّاً علَى الأُصُولِ والقَواعِدِ، وهيَ القضايَا الكُلِيَّةُ التِي يُتَعرَّفُ مِنها أحكامُ جُزئِيَّاتِ مَوضُوعِها، وعلَى التَّصدِيقِ بِهذِهِ الأُصُولِ والقَواعِدِ، وعلَى مَلَكةِ استِحضارِها الحاصِلةِ مِن تَكرِيرِ التَّصدِيقِ بِها"3 .
ويُمكِنُ أنْ نتعرَّفَ مَفهُومَ العِلمِ بَينَ الظَّاهِرةِ النحويَّةِ والجُهُودِ المُقدَّمةِ في شرحِها مِن خِلالِ تَعرِيفاتِ العُلَماءِ، وهذا ما نَراهُ عندَ صاحِبِ ( الكلِيَّاتِ ) في ضبطِ العلمِ، فقالَ: " والمعنى الحقِيقيُّ لِلفظِ العِلمِ هُوَ الإدراكُ، ولِهذا المَعنَى مُتعلَّقٌ وهُوَ المَعلُومُ، ولَهُ تابِعٌ فِي الحُصُولِ يَكُونُ بِهِ وَسِيلةٌ إلَيهِ فِي البَقاءِ وهُوَ المَلَكةُ، فَأُطلِقَ لَفظُ العِلمِ علَى كُلٍّ مِنها، إمَّا حَقِيقةً عُرفِيَّةً أوِ اصطِلاحِيَّةً، أو مَجازاً مَشهُوراً "4 .
ويَعنِي ذلِكَ أنَّ العِلمَ قد يَكُونُ هوَ الظَّاهِرةُ نَفسُها، أو بِتعبِيرِ العُلماءِ المعلُومُ أو المعلُماتُ نَفسُها، وهو الَّذِي قُصِرَ علَى الأصُولِ والقَواعدِ الخاصَّةِ بِالظَّاهِرةِ الَّتِي يُرادُ دَرسُها، ويمكِنُ أنْ يَكُونَ الجُهدُ الَّذِي يُقَدَّمُ في الظَّاهِرةِ ذاتِها، قد يُطلَقُ علَى الصُّورةِ المتخيَّلةِ في العَقلِ أو الذِّهنِ، وقد يَكُونُ المَلكةَ التي تُستَحضَرُ بِها الظاهِرةُ نفسُها.
وَقَد أَثبَتَ بَعضُ الدَّارِسِينَ تَردُّدَ ضَبطِ النَّحو بينَ الظَّاهِرةِ وبينَ الجُهدِ المُقَدَّمِ فِيها، إذ يُشيرُ إلَى مَوقِفَينِ فِي ضَبطِ النَّحو، يَرجِعُ أوَّلُهُما إلَى ضَبطِ شَيءٍ مُتَّصِلٍ بالظَّاهِرةِ النَّحويَّةِ، كما يَرجِعُ ثانِيهِما إلَى ضَبطِ الجُهُودِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِضَبطِ هذِهِ الظاهِرةِ، وقد ذكر أستاذنا فخر الدين قباوة شَيئاً عن تِلكَ الجُهودِ فقالَ: " والحقُّ أنَّ أعمالَ القُدماءِ ومَنْ بَعدَهُم كانَتْ تُسيِّرُها فِكرةُ الوظائِفِ النَّحويَّةِ، وظَواهِرِ الإعرابِ المشتَرَكةِ ودِلالاتِها، وقد تَتَرَدَّدُ مَسأَلةُ العَملِ ضِمنَ ذلِكَ المَيدانِ فِي المَساربِ الَّتِي يَقتَضِيها البَحثُ مِن دُونِ هَيمنةٍ أو تَحكُّمٍ"5 .

تعليق