الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

إقامَةُ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ.. أَغراضُهُ ووَظائِفُهُ وصُورُهُ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    إقامَةُ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ.. أَغراضُهُ ووَظائِفُهُ وصُورُهُ

    إِقامَةُ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ
    أَغراضُهُ ووَظائِفُهُ وصُورُهُ

    دِراسةٌ فِي إعرابِ القُرآنِ لأبِي جعفر النَّحّاس (ت388هـ)
    د. سعد الدين إبراهيم المصطفى

    ملخص البحث
    يتحدَّثُ هذا البحثُ عن إقامةِ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ في كتابِ ( إعرابِ القرآنِ ) لأبي جعفر النحَّاس (388هـ)، فهو ضَربٌ من التوسِّعِ في العربية وضربٌ من الإيجاز كذلِكَ، ولا يقتصِرُ على القُرآنِ وَحدَهُ بل يمتدُّ لِيَشمَلَ نُصوصاً فَصيحة مِن كَلامِ العربِ شِعرِهِ ونثرِهِ. ولا يَقِفُ الإتيانُ بِهِ عِندَ حُدودِ الَّلفظِ بل يَتَعداهُ إلَى غيرِهِ، فهو يَأتِي أيضاً لأغراضٍ تَتعلَّقُ بِالمَعنى، وبِعلمِ المُخاطبِ بِالموقفِ، ويتَّضِحُ الأَمرُ جليَّاً مِن فَهمِ السِّياقِ، والعلاقاتِ الاجتماعيَّةِ واللغويَّةِ القائِمةِ فِي التركيبِ.
    فَمَجِيءُ المُضافِ إلَيهِ محلَّ المضافِ في الحقيقةِ إنَّما هو تَعبيرٌ مجازيٌّ، يؤدِّي مَعنى لا يُؤدِيهِ المُقدَّرُ، ولِذا نَحنُ لا نَرَى فِي هذا تَقدِيراً لأنَّه لا يُفسِدُ الغَرضَ الفنِيَّ الَّذِي صِيغَ مِن أجلِهِ، لِذلِكَ سَعَى البَحثُ لِبيانِ هذا الجانبِ، ولإفادةِ مَعانٍ جَدِيدةٍ يُستَغنَى بِها عنِ المحذُوفِ، والاختِصارُ هوَ جُزءٌ مِن الكَلامِ الَّذِي أُمكِنَ الاستِغناءُ عنهُ.
    وَوَرَدَ فِي البَحثِ أنَّ إقامةَ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ لا يُصارُ إليهِ، ولا يُستَحسَنُ إلا إذا دَعتْ إلَيهِ ضَرورةٌ فنيَّة، مَفادُها ما اختصَّتْ بِهِ العربيَّةُ من الإيجازِ وطرحِ فُضُولِ الكلامِ، والاكتِفاءِ بالُّلحمةِ، وطلبِ الخفَّةِ واليُسرِ.
    وفي مُعالَجةِ مَسائِلِ إقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ وَجَدْنا سُهُولة في تَذوُّقِ المعنى، وسُرعةً فِي فَهمِ النَّصِّ، وقادَنا المقامُ إلَى تحليلِ وَحداتِ الكَلامِ، وبيانِ وظائِفِها، فالمقامُ هنا يَضُمُّ المتكلِّمَ والسَّامِعَ والظُّروفَ والعلاقاتِ الاجتماعيَّةَ، والأحداثَ الوارِدةَ في الماضِي والحاضِرِ، ولولا هذا المقامُ وما يُقدِّمُهُ العُنصرُ الاجتِماعِيُّ مِن قَرائِنَ حاليَّةٍ حِينَ يَكُونَ المقالُ مَوضُوعاً لِلفَهمِ لما استَطعْنا فهمَ النصِّ.
    وذَهَبَ البحثُ إلى أنَّ المضافَ إليهِ يَقُومُ مُقامَ المضافِ إذا دلَّتْ علَيهِ قَرينةٌ لفظيَّةٌ أو معنَويَّة، وذلِكَ حينَ يَعلمُ المخاطبُ أنَّ هذا لا يَكُونُ إلا بِالفعلِ، وأنَّ المَصدَرَ هُوَ الأَساسُ الَّذِي يَدُلُّ علَى فِعلِهِ، والمَعنَى أيضاً يَدُلُّ علَى ذلِكَ الأَمرِ، فَالمُضافُ إلَيهِ يَأخُذُ عِندئِذٍ حُكمَ المضافِ ويُعرَبُ بإعرابِهِ.

    أهداف البحث
    1- تَتبُّعُ الآراءِ النَّحويَّةِ، وبَيانُ الأوجُهِ المتعدَّدةِ مِن تَعدُّدِ الرِّوايات وخاصَّة في القِراءاتِ القُرآنية، والشواهد الشعريَّة والنثريَّة، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ يُقدِّمُ النحَّاسُ رأيَهُ واضِحاً.
    2- إبرازُ أهميةِ تَحريرِ المسألةِ النَّحويَّةِ، وكَيفَ يُقدِّمُ النُّحاةُ آراءَهُم، وكيفَ يُناقِشُونَها، مَع ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ، وكيفَ يَتِمُّ الخُرُوجُ علَيها، وإبداءُ رأيٍ مُخالِفٍ آخر.
    3- اعتِمادُ الرأيِّ النَّحويِّ الصَّحِيحِ مِن وُجهةِ نَظَرِ النَّحَّاس، وغالباً ما كانَ يَنقُلُ أبُو جعفر النَّحَّاس رأيَ أبِي إسحاق الزَّجاج (ت311هـ).
    4- الاطِّلاعُ علَى مسائِلَ مُتنَوِّعةٍ فِي النَّحوِ والتصرِيفِ والُّلغةِ والقِراءاتِ، وتَدقيقُ النَّظرِ فِيهَا، وكانَتْ مظانُّها كُتبَ أعاريبِ القُرآنِ غالباً.
    منهج البحث
    سَلَكْتُ في هذا البحثِ مَنهَجَيْنِ:
    1- عَمَدْتُ فيهِ إلَى جَمعِ المادَّةِ العلميَّةِ ثمَّ تَفسِيرِها وتَحلِيلِها، واستِقراءِ الآراءِ وتَفصِيلِها تَفصِيلاً مُفهِماً، والاهتمامِ بِوصفِها وَصفاً دَقِيقاً. فَدِراسةُ الظَّاهِرةِ " إقامة المضاف إليهِ مُقامَ المضاف " والبناءُ علَيهِما كانَتْ دِراسةً واقِعيَّة مُجرَّدةً، ويُعبَّرُ عنها كمَّاً وكيفاً، بِطرقٍ مُختلِفةٍ للوصُولِ إلَى النَّتائِجِ الصَّحِيحةِ.
    2- المَنهجَ التَّارِيخيَّ: ذَكَرْتُ فِيهِ آراءَ أبي جعفر الزَّجَّاج، وآراءَ النُّحاةِ القُدماءِ وبَعضَ المُحدَثِينَ عن إقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ، كما ذَكرْتُ آراءَ النُّحاةِ بِحسَبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّةِ، لِلوصُولِ إلَى القاعدة الصحيحة، وتحقيق الفائدة.
    خُطَّةُ البَحثِ
    قَسَمْتُ البَحثَ إلَى :
    1- مقدمة : تحدَّثْتُ فِيها عن أهميةِ إقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ، ودِراسةِ مَواضِعِ وُرُودِهِ فِي كِتابِ إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس ( ت388هـ)، وبيَّنْتُ قِيمةَ البَحثِ، وأَهدافَهُ، ومَنهَجَهُ.
    2- المَوضُوعُ: ويَضُمُّ ثَلاثَةَ مَبَاحِثَ، الأوَّلِ: أغراضُهُ: بَسَطْتُ القَولَ عنِ أغراضِ إقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، وفيهِ اتِّساعُ الكَلامِ، وإيجازُ الكَلامِ واختِصارُهُ، ودلالةُ القرينةِ علَى المضافِ المحذوفِ. والثَّانِي وَظائِفُهُ، ويَشمَلُ الحاجةَ إلَى المعنى، والاهتمامَ بِالمتكلِّمِ والمخاطَبِ ،وتَعدُّدَ أوجُهِ القِراءةِ القرآنيةِ وتوجيهِها بحسبِ المعنى والصناعةِ. وفي المبحثِ الثَّالِثِ تَحدَّثْتُ عن صوره، ومنها: تقديرُ خشيةٍ أو كراهةٍ، وإقامةُ المضافِ إليهِ المصدرِ المؤوَّلِ مُقامَها، والوَصفُ بِالمَصدرِ ووُقُوعُ صِيغةٍ مَوقِعَ أُخرَى.
    3-الخاتمة وأهم ُّ النتائِجِ
    خَتَمْتُ البَحثَ بخاتمة بيَّنْتُ فِيها أغراض إقامة المضاف إليه مُقامَ المضاف، وأَهمِيتَهُ ووَظائِفَهُ وصُورَهُ الَّتِي تَمَّتْ فِي إعرابِ القُرآنِ، وَبعدَ ذلِكَ ذَكَرْتُ أَهمَّ النَّتائِجِ.

    بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
    مقدمة:
    الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيمِ على المبعُوثِ رحمة للعالَمِينَ سيِّدنا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعينَ، وبعد:
    تأتِي أهميةُ المضافِ إلَيهِ والمضافِ كونَهُما يُؤَلِّفانِ جزءاً مُهمَّاً من الترَّكيبِ العربِيِّ، وهما أساسٌ فِي البِناءِ النَّحْويِّ، وإنْ لم يَكونا ركُنَيْنِ أَسَاسِيَينِ كَالمُبتَدأِ والخَبرِ، والفِعلِ والفَاعِلِ أو نائِبِ الفَاعِلِ، ولكنْ لَهُما أَهمِيةٌ فِي الكَلامِ. وتَنبُعُ أَهمِيتُهُما مِن أنَّ أَحدَهُما يَنُوبُ عنِ الآخرِ، ويَحِلُّ مَحلَّهُ، ويأخُذُ حُكمَهُ الإعرابِيَّ.
    وعنايةُ النَّحويينَ بِالمتضايفيْنِ تَقُومُ علَى أساسِ وَظائِفِ الكَلماتِ في التركيبِ النَّحويِّ، فالمضافُ إذا جاءَ مبتدأً يكونُ مُتحدَّثاً بِهِ، ولا يكونُ إلا اسماً، والمضافُ إلَيهِ يَليهِ فِي الكَلامِ، وإذا حُذِفَ المضافُ أُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَهُ، فالعلاقةُ بينَهُما لُزُومِيَّةٌ لإفادةِ المعنَى، فالمعاني النحويَّة لِلكلِماتِ هِيَ تلكَ الوظائِف التي تُؤدِيها فِي الجُملةِ كَالفَاعِليَّة والمَفعُولِيَّة والِإضافةِ وغيرها.
    ويَقُومُ المضافُ إلَيهِ مَقامَ المضافِ إذا دلَّتْ علَيهِ قرينةٌ لفظيَّةٌ أو معنَويَّة، وذلِكَ حينَ يَعلمُ المخاطبُ أنَّ هذا لا يَكُونُ إلا بِالفعلِ، وأنَّ المَصدَرَ هُوَ الأَساسُ الَّذِي يَدُلُّ علَى فِعلِهِ، والمَعنَى أيضاً يَدُلُّ علَى ذلِكَ الأَمرِ، فَالمُضافُ إلَيهِ يَأخُذُ عِندئِذٍ حُكمَ المضافِ ويُعرَبُ إعرابَه.
    وقد يَكونُ المعنى بِحاجةٍ ماسَّةٍ إلَى تقدِيرِ مَحذُوفٍ، وهذا ما نَجِدُهُ كثيراً بينَ المضافِ والمضافِ إلَيهِ، فإقامةُ المضافِ إلَيهِ مقامَ المضافِ في التَّركيبِ يَتَحدَّدُ في ضَوئِهِ المعنى الوَظِيفيُّ لِعناصِرِ الجُملةِ لِوجُودِ صِلةٍ مَعنَويَّةٍ قائِمةٍ بينَ الاسمينِ، لأنَّ الجزأينِ المضافَ والمضافَ إلَيهِ يَعضُدُ بَعضُهما بَعضاً، وَيَظهرُ معنى جديدٌ يعملُ علَى تغييرٍ في الإعرابِ والبناءِ فِي الجُملةِ، إذِ الألفاظُ تَتبَعُ المعانِيَ، فَهُما مركَّبٌ يَتبَعُ بعضُهُ بَعضاً، لِتقوِيَةِ المعنى المقصُودِ من الترَّكيبِ النَّحويِّ في إطارِهِ السِّياقيِّ.
    التعديل الأخير تم بواسطة شمس; الساعة 08-30-2016, 09:12 AM.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    المَبحَثُ الأوَّلُ
    أَغراضُهُ
    1- اتِّساعُ الكَلامِ والتَّجوُّزُ فِيهِ:
    ذَهَبَ جُمهُورُ النَّحويينَ إلَى جَوازِ إقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، واحتجُّوا علَى ذلِكَ بِالقُرآنِ الكريمِ، وبِكلامِ العربِ شِعرِهِ ونَثرِهِ. ورَأى سِيبويهِ أنَّ ذلِكَ ضربٌ من الاتِّساعِ فِي الكَلامِ واختِصارٌ لَهُ، وقدَّم علَى ذلِكَ شواهدَ من القُرآنِ الكَريمِ وكلامِ العَربِ، فقالَ: " وممَّا جاءَ علَى اتِّساعِ الكَلامِ قَولُهُ تعالَى جدُّهُ: (واسألِ القَريةَ الَّتِي كُنَّا فِيها، والعِيرَ الَّتِي أَقبَلْنا فِيها)1 ، إنَّما يُرِيدُ: أَهلَ القَريةِ، فاختَصَرَ، وعَمِلَ الفِعلُ فِي القَريةِ، كما كانَ عامِلاً في الأَهلِ لو كانَ ها هُنا "2 .
    وذُكِرَ أنَّ المُرادَ مِن القَريةِ أهلُها، لأنَّهُ قد عُلِمَ أنَّ القريةَ من حيثُ هِيَ مدرٌ وحجرٌ لا تُسألُ، لأنَّ الغرضَ من السُّؤالِ رَدُّ الجوابِ، وليسَ الحَجَرُ والمدَرُ ممَّا يُجِيبُ واحدٌ منهُما أو يتكلَّم أبداً.
    وأَرَى فِي تَحلِيلِ هذا المَوقفِ أنَّ سُؤالَ القَريةِ أهمُّ في نفيِ التُّهمةِ مِن سُؤالِ أهلِها، إذ إنَّ أخاهم سَرَقَ، فَأُخِذَ بِذنبِهِ، قالَ تعالَى على لِسانِهِم: ( يا أَبانا إنَّ ابنَكَ سَرَقَ، وما شَهِدْنا إلَّا بِما عَلِمْنا وما كُنَّا لِلغيبِ حافِظِين، واسألِ القَريةَ الَّتِي كُنَّا فيها، والعِيرَ الَّتِي أقبَلْنا فيها وإنَّا لَصادِقُونَ)3 وكأنِّي بِهِم يناشِدُونَهُ قائِلينَ: اسألِ القَريةَ كلَّها، نباتَها وحيوانَها وجمادَها وإنسَها وجنَّها وكلَّ شيءٍ فيها يخبرْك بأنَّنا صادِقونَ، واسألِ العِيرَ بما تَحمِلُ وتَشمَلُ فنَحنُ صادِقُونَ، فَكانَ سُؤالُ القَريةِ أبلغَ مِن سؤالِ أهلِها فيما أرى .
    ويَأتِي الإيجازُ لأغراضٍ تَتعلَّقُ بِالمَعنى، وبِعلمِ المُخاطبِ بِالموقفِ، ويتَّضِحُ الأمرُ جليَّاً مِن فَهمِ السِّياقِ، قالَ عزَّ وجلَّ: ( ولكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ)4 ، وإنَّما هُو: ولكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ. فَمَعنى البِرِّ الطاعةُ والعَملُ الصَّالِحُ الخَالِصُ لِوَجهِ اللهِ، وقيل: إنَّ هذا خصوصٌ في الأنبياءِ وَحدَهُم، لأنَّ هذِهِ الأشياءَ التي وَصِفَتْ لا يؤدِّيها بِكُليَّتها بِحقِّ الواجبِ إلا الأنبياءُ علَيهِمُ السَّلامُ5 .
    (ولَكِنَّ البِرَّ)، وقَرَأَ الكُوفيونَ (ولكنِ البِرُّ ) رَفعٌ بالابتداءِ (مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) الخبرُ، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ، يكونُ التَّقديرُ: ولكِنِ البِرُّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ثم حَذَفَ، كما قالَ:
    فإنَّما هِيَ إقبالٌ وإدبارُ 6
    أي: ذاتُ إقبالٍ، ويجوز أن يكونَ التقدير: ولكِنْ ذُو البرِّ مَنْ آمنَ بِاللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البِرُّ بمعنى البارّ، كما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْل7.
    وجاءَ أبو إسحاق الزَّجاج بمعنى مُشابِهٍ لما ورَدَ عندَ أبي جعفرٍ النحَّاس، فقالَ: " إذا شدَّدْتَ لكنَّ نصبْتَ البِرَّ، وإذا خفَّفْتَ رَفَعْتَ البِرَّ، فقلْتَ: ولكنِ البِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ، وكسَرْتَ النُّونَ من التخفيفِ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ، والمعنى: ولِكن ذا البِرّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ، ويجوزُ أنْ تكونَ: ولكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ، كما قالَ الشاعرُ:
    وكَيفَ تُواصِلُ مَنْ أَصبَحَتْ خِلالَتُهُ كأبِي مَرحَبِ
    المعنى: كخلالةِ أبي مرحبِ8 .
    وهنا نَلحَظُ خاصَّة أُخرَى مِن خَصائِصِ الُّلغةِ وهِيَ الإخبارُ بِالذَّاتِ عنِ المَصدرِ وبِالمصدرِ عنِ الذاتِ لِقَصدِ التَّجوُّزِ والمبالغةِ، فمن الأولِ قولُهُ تعالى: ( ولكنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى ) ونحوه، والقَصدُ مِنهُ تَجسيدُ المعانِي وتَحويلُهَا إلَى شُخُوصٍ حيَّةٍ متحرِّكةٍ تراها العُيُونُ، فقولُهُ تعالى: (ولكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) يُفِيدُ أنَّ البِرَّ إذا تَجسَّدَ كانَ شخصاً مُؤمِناً بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، فهو بِذلِكَ جَعَلَ البِرَّ شَخصاً يَمشِي علَى رجلَيْنِ لهُ سِماتُهُ وصِفاتُهُ، وهذا اتِّساعٌ في المعنى، وتحقيقٌ لِسِماتٍ تَبدُو في الأشياءِ مُشبِهةً الإنسانَ فِي أفعالِهِ.
    ومِن ذلِكَ أيضاً قَولُهُ تعالَى: (ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ والبَحرِ بِما كَسَبَتْ أيدِي النَّاسِ)9 . في معناه قولانِ، أحدُهُما: ظَهَرَ الجدَبُ فِي البَرِّ، أي فِي البوادِي وقُراها، وفي البَحرِ أي في مُدُنِ البَحرِ، مثل (واسألِ القَريةَ)، أي ظَهَرَ قِلَّةُ الغَيثِ وغلاءُ السِّعرِ بِما كَسَبَتْ أيدِي النَّاسِ مِن المعاصِي لِنُذِيقَهُم عِقابَ بعضِ الذِي عَمِلُوا ثُمَّ حَذَفَ. والقولُ الآخر: أنَّ معنى " ظَهَرَ الفَسادُ " ظَهَرَتْ المعاصِي مِنْ قَطعِ السَّبِيلِ والظُّلمِ فهذا هوَ الفَسادُ علَى الحقيقةِ. فالأوَّلُ مَجازٌ ،إلا أنَّهُ علَى الجَوابِ الثَّانِي يَكونُ فِي الكلامِ حذْفٌ واختِصارٌ دلَّ علَيهِ ما بَعدَهُ. ويكونُ المعنى: ظَهَرَتِ المعاصِي في البَرِّ والبحرِ، فَحَبَسَ اللهُ عنهُمُ الغيثَ، وأغلَى سِعرَهُم لِيُذِيقَهُم عِقابَ بعضِ ما عَمِلُوا لعلَّهُم يَرجِعُونَ 10.
    إذا تأمَّلْنا المعنى هنا وجدْنا أنَّ ظُهورَ الفَسادِ كانَ بسببِ ذُنُوبِ القَومِ، فانقَطَعَ القَطرُ، وأجدَبَتِ الأرضُ، وزادَتِ السِّعرُ، وتَقديرُ الكَلامِ برأيي المتواضع: ظَهَرَ الفَسادُ في قُرى البرِّ ومُدُنِ البَحرِ لأنَّ المعاصِي كَثُرتْ، وازدادَ السُّوءُ، فَعَجَّلَ اللهُ لَهُمُ العذابَ، وهذا علَى الحقيقةِ، وليسَ علَى المجازِ، فقد أُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ لأنَّ المعنى اقتَضى ذلِكَ.
    ومن هذا البابِ قولُهُ تعالى: (وأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ بِكُفرِهِم)11 ، أي: حُبَّ العِجلِ، لأنَّ العِجلَ لا يُشرَبُ فِي القُلُوبِ. وهنا نَجدُ تَجوُّزاً في التَّعبيرِ، فإنَّ لِكلِّ تعبيرٍ دلالَتَهُ ومَعنَاهُ، ومعنى الآيةِ أنَّ قُلُوبَهُم أُشرِبَتْ عِجلَ الذَّهبِ حَقِيقةً فكانَ فِي تَكوينِها وتَركِيبِها، ولا يؤدِّي هذا المعنى تقديرُ كلمةِ " حبّ ". فإقامةُ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ أبلغُ من وُجُودِه.
    وإذا تأمَّلْنا البُنيةَ اللُّغويَّة في هذا التركيبِ فإنَّنا نَجِدُهُ نِظاماً يتكوَّنُ من عناصِرَ يربِطُ بينَها علاقاتٌ محدَّدةٌ من القرائِنِ والقوانِبنِ، ونظراً للأهميةِ التي تحتَلُّها القَوانِينُ أو العلاقاتُ فإنَّه لا يُمكِنُ فَهمُ أيِّ عنصُرٍ من عناصِرِها دونَ النظرِ إلى المكانِ الذي يشغَلُهُ داخِلَ النظامِ ككلٍّ، فجملة: " وأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ بِكُفرِهِم " يربِطُ بينَ وحداتِها علاقاتٌ أفقيَّةٌ تجعلُ من الترتيبِ السابِقِ للكلِماتِ جُملةً صَحيحةً، وكذلِكَ الأمرُ إذا كانَ الترتيبُ " فِي قُلُوبِهِمُ وأُشرِبُوا العِجلَ " ، بخلافِ الترتيبِ: " وأُشرِبُوا فِي العِجلَ قُلُوبِهِمُ " على سبيل المثال.
    ومِثلُ ذلِكَ مِن كَلامِهِم: بَنُو فُلانٍ يَطؤُهُمُ الطَّرِيقُ، يُرِيدُ: يَطؤُهُم أهلُ الطَّرِيقِ، وقالُوا: صِدْنا قَنَوَينِ، وإنَّما يُرِيدُ صِدْنا وَحشَ قَنَوينِ، إنَّما قَنَوانِ: اسمُ أرضٍ. وقالَ النَّابغةُ الجَعدِيُّ: (من الوافر )
    كأنَّ عذِيرَهُم بِجُنُوبِ سِلَّى ** نَعَامٌ قاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ 12
    إنَّما يُريدُ: عذيرَ نَعامٍ13 ، فقد حَذَفَ المضافَ وأقامَ المضافَ إلَيهِ مُقامَهُ مِن بابِ الاتِّساعِ، والتَّجوُّز تبعاً للمعنى أيضاً.
    وقالَ الشاعر: (من الطويل)
    وشرُّ المَنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أهلِهِ ** كَهُلكِ الفتى قد أسلَمَ الحيَّ حاضِرُه 14
    أي: مَنيَّة مَيِّتٍ.
    فقد أُقِيمَ المضافُ إليهِ مُقامَ المضافِ، فمن ذلِكَ قولُهُم: " هذِهِ الظُّهرُ أو العَصرُ أو المغرِبُ" إنَّما يُرِيدُ: صلاةَ هذا الوقتِ. وقولُهم: "الَّليلةَ الهلالُ " أي: الليلةَ طلُوعُ الهِلالِ، لأنَّ ظروفَ الزَّمانِ لا تكونُ أخباراً عن الجثثِ. وقد علَّقَ الدكتور فاضل السامرائي على هذِهِ الشواهِدِ والأمثلةِ الَّتي أُقيمَ فِيها المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ قائِلاً: " وهذا أيضاً مَجازٌ عقلِيٌّ والمعنى يَطؤهُم أَهلُ الطَّرِيقِ، ولكنَّهُ أسندَ الوطءَ إلى الطريقِ تَجوُّزاً واتِّساعاً ...وهذا في الحقيقةِ تعبيرٌ مجازيٌّ، يؤدِّي مَعنى لا يُؤدِيهِ المُقدَّرِ، ولِذا نَحنُ لا نَرَى فِي هذا تَقدِيراً لأنَّه لا يُفسِدُ الغرضَ الفنِيَّ الَّذِي صِيغَ مِن أجلهِ " 15.
    ومن هذا الباب قولُهُ تعالى: (إنِّي أَرانِي أَعصِرُ خمراً) 16، وفيه لم يَقُلْ: إنِّي أرانِي فِي النَّومِ أَعصِرُ خَمراً، لأنَّ الحالَ تدلُّ علَى أنَّهُ ليسَ يَرى نَفسَهُ في اليقظةِ يَعصِرُ خمراً، وقالَ أهلُ الُّلغةِ: الخَمرُ في لُغةِ عُمانَ اسمٌ للعِنبِ، فكأنَّهُ قالَ: أرانِي أعصِرُ عِنباً، ويَجُوزُ أنْ يكُونَ عنَى الخَمرَ بِعينِها، وكذلِكَ قولُهُ: ( أعصِرُ خَمراً )، أي: أعصِرُ عِنَبَ الخَمرِ، أي: العنَبَ الَّذِي يَكُونُ عَصِيرُهُ خَمراً 17.
    والمعنى الذِي ذَهَبَتْ إلَيهِ الآيةُ يُفيدُ أنَّ صاحِبَ يُوسُفَ رَأى فِي النَّومِ، ولَيسَ فِي اليَقظةِ، أنَّهُ يَعصِرُ الخَمرَ، فصارَ الكَلامُ دالَّاً علَى معنًى جَديدٍ أَبلغَ فِي النَّفسِ، وأَصوبَ فِي الفِعلِ من الحذفِ الموجودِ، فأقامَ المضافَ إلَيهِ، وهو " خمراً " مُقامَ المضافِ، وهو " عِنَباً "، فهو في هذا السياق يدلُّ على صورة جميلة تُسمَّى في البلاغةِ: اعتبارَ ما سَيكُونُ.
    إنَّ بناءَ العبارةِ في الواقِعِ بناءُ خواطِرَ ومشاعرَ واختِلاجاتٍ قبلَ أنْ يكونَ هندسةَ ألفاظٍ وتصميمَ قوالِبَ، وإذا كانَ السِّياقُ سياقاً فيَّاضاً وحافِلاً أبدتْ هذِهِ الزَّخرفاتُ الخفيفةُ للكلِماتِ غنى وفيضاً، وترى هذا يجرِي في جميعِ الأبوابِ النحويّة والبلاغيَّةِ في قصرِ المسند إليهِ والمسندِ، ومتعلَّقاتِ الفعلِ، وتكثُرُ الدِّراسةُ المرتبِطةُ بِمواقِعِ الكلِماتِ كثرة تُلائِمُ حجمَها في الاستِعمالاتِ، وهذا كلُّهُ في إطارِ الجملةِ، فإذا تجاوزناهُ رأينا باباً يَعظُمُ سُلطانُهُ، كما في الآية ( إنِّي أَرانِي أَعصِرُ خمراً ) ولو كانتْ مواقِعُ الكلِماتِ غيرِ قابلةٍ للتغييرِ لكانَ ذلِكَ عيباً في اللُّغةِ وعجزاً قاهراً في اللِّسانِ يحبسُ أنبلَ ما تشعرُ بِهِ النفسُ البشريَّةُ من حسٍّ دقيقٍ واختلاجةٍ خفيفةٍ لا سبيلَ إلَى أنْ تركبَ متنَ الكلِمةِ وأنْ تبتلِعها في داخلِها وتُفصِحَ عنها في الأداءِ 18.
    وقولُهُ تعالى: (سَواءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ القَولَ ومَنْ جَهَرَ بِهِ)19 ،هذه الآية الكريمة ذاتُ معنى مُعبِّر، ففيها حذف وتقدير، فالمعنى فيها: ذُو سَواءٍ، لأنَّ " سواء " مَصدرٌ فلا يَجُوزُ أنْ يرتَفِعَ ما بَعدَهُ إلا إذا حصل الحذفُ، فمثلاً تقول: عدلٌ زيدٌ وعمرٌو، والمعنى: ذَوا عدلٍ زَيدٌ وعَمرٌو، لماذا؟ لأنَّهُ -كما هو معلومٌ- لَيسَتْ المصادر والذَّوات بِأسماءِ الفَاعِلِينَ، فأُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ. وقد أشارَ إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج، فقال: " وإنَّما تَرفَعُ الأسماءُ أوصافَها، فإذا رَفَعَتْها المصادرُ فهي علَى الحذف " 20 والحذْفُ قَصَدَ بِهِ حَذْفَ المضافِ وإقامةَ المضافِ إليهِ مُقامَه، وقد وَردَ ذلِكَ في كلامِ العربِ كثيراً.
    ومِن ذلِكَ قَولُ الخنساءِ: (من البسيط)
    تَرتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكَرَتْ *** فإنَّما هِيَ إقبالٌ وإدبارُ
    فالمعنى هنا: فإنَّما هِي ذاتُ إقبالٍ وذاتُ إدبارٍ، وكذلِكَ قولنا: زَيدٌ إِقبالٌ وإِدبارٌ، وهذا ممَّا كثُرَ في المصدرِ "سواء " فاستُعملَ استِعمالَ أسماء الفاعِلِينَ، وقال أبو إسحاق الزجاج: " ويَجوزُ أنْ يَرتَفِعَ على أنْ يكُونَ: " في مَوضِع مُستَوٍ "، إلا أنَّ سيبويه يستَقبِحُ ذلِكَ، لا يُجِيزُ: مُستوٍ زيدٌ وعمروٌ، لأنَّ أسماء الفاعِلينَ عِندَهُ إذا كانَتْ نَكِرة لا يُبتَدَأُ بِها لِضعفِها عنِ الفِعلِ فلا يُبتَدَأُ بِها، ويُجريها مُجرى الفِعل"21.
    وفي قولِهِ تعالى: ( وجاؤُوا علَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) 22. ويرى أبو جعفر النحاس في التركيبِ إيجازاً، أي ذي كذِبٍ23 . فالدَّمُ دَمٌ كَذِبٌ، أي: ذُو كذِبٍ، فَوَصَفَ الدَّمَ بِالمصدَرِ، فصارَ تَقدِيرُهُ: بِدمٍ ذِي كَذِبٍ، مثل: ( واسألِ القَريةَ )، والفَاعِلُ والمفعُولُ قد يُسمَّيانِ بِالمصدرِ، يُقالُ: هذا ضَرْبُ الأَمِيرِ، أي: مَضرُوبُهُ، وماءٌ سَكْبٌ، أي: مَسكُوبٌ، وماءٌ غَوْرٌ أي: غائِرٌ، ورَجُلٌ عَدْلٌ أي عادِلٌ. والمَعنَى: دَمٌ مَكذُوبٌ فِيهِ. فهذا المَوقِفُ المحزِنُ أثَّرَ علَى نفسِ الأبِ المكلُومِ بِابنِهِ فَجَعلَ التَّعبيرَ أكثرَ قوَّةً وسبكاً، إذْ وُصِفَ الدَّمُ بِالمصدَرِ، وكذلِكَ أُقِيمَ المضافُ إليهِ " دمٍ " مُقامَ المضافِ " ذي " دونَ أنْ يُشعِرَ القارئ بذلك، والتقدير: بِدَمٍ ذِي كَذِبٍ.
    وهناك مَوقِفٌ آخرُ في قِصَّةِ يُوسفَ، علَيهِ السَّلامُ، يزِيدُ النَّصَّ جمالاً علَى جمالِهِ ومتانة فوقَ جودةِ سبكِهِ، إنَّهُ منظرُ النِّسوةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيديَهُنَّ من قولِهِ تعالَى: ( أرسَلَتْ إلَيهِنَّ، وأعتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكأً)24 ففي الكلامِ حذْفٌ، وَتَتِمَّتُهُ: تَدعُوهُنَّ إلَى وَلِيمةٍ لِتُوقِعُهُنَّ فيما وَقَعَتْ فِيهِ، ( وأعتَدَتْ )، والعتادُ هو كلُّ شيءٍ جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيءٍ، و( مُتَّكَأً ) أَصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ المجلِسُ.
    وهناك قَولٌ لِجَماعةٍ مِن أَهلِ التَّفسِيرِ بأنَّهُ الطَّعامُ، فَيَجُوزُ الكلامُ علَى تَقديرِ " طَعَامَ مُتَّكَأٍ "، مثل: (واسأَلِ القَريَةَ)، والدَّلِيلُ علَى هذا الرأي والمعنى قَولُهُ تعالى ( وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّيناً )، لأنَّ حُضُورَ النِّساءِ، ومَعهُنَّ السَّكاكِينُ، إنَّما لأجلِ الطَّعامِ يُقطَعُ بالسَّكاكِينِ. فقد أقامَ المضافَ إليهِ مُقامَ المضاف.وقد ذَكَرَ هذا الرَّأيَ أبو جعفر النحَّاس 25.

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      2-إيجازُ الكَلامِ واختِصارُهُ:
      يَأتِي فِي كَلامِ العربِ كثيراً حذفُ المضافِ وإقامةُ المضافِ إلَيهِ مُقامُهُ، ويُفيدُ مَعانيَ جديدةً يُستَغنَى بِها عنِ المحذُوفِ، والاختِصارُ هوَ جُزءٌ مِن الكَلامِ الَّذِي أُمكِنَ الاستِغناءُ عنهُ، فَمِن ذلِكَ قَولُهُ تَعالَى: ( لِمَنْ كَانَ يَرجُو اللهَ واليَومَ الآخِرَ)26. والمعنى لِمَنْ كانَ يرجُو لِقاءَ اللهِ بإيمانِهِ ويُصدِّقُ بِالبعثِ الَّذِي فيهِ جَزاءُ الأَفعالِ. وقِيلَ: أي لمن كانَ يرجُو ثوابَ اللهِ في اليومِ الآخِر.فذلِكَ اليومُ العَظِيمُ خَيرُ الأيَّامِ علَى المؤمنِ الذي اتخذ من رسولِ اللهِ أُسوة حَسَنة، وهو يرجُو رَحمةَ اللهِ وعفوِهِ، فَكانَ الاختِصارُ والإيجازُ في الكلامِ أبلغَ حِينَ أُقِيمَ المُضافُ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ، فَأُعرِبَ بِإعرابِهِ.
      فإقامة المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ لا يُصارُ إليهِ، ولا يُستَحسَنُ إلا إذا دَعتْ إلَيهِ ضَرورةٌ فنيَّة، مَفادُها على ما اختصَّت بِهِ العربيَّةُ من الإيجازِ وطرحِ فُضُولِ الكلامِ، والاكتِفاءِ باللحمةِ، وطلبِ الخفَّةِ واليسرِ ثمَّ من قبلِ ذلِكَ ومن بعدِهِ إمتاعُ الذِّهنِ بِما تذهبُ إليهِ النفسُ في تقديرِ المحذوفِ المطوي في ثنايا الكلامِ27 .
      وفِي قَولِهِ تَعالَى: ( إنَّ بُيُوتَنا عَورَةٌ )28 فالمعنى: سائِبةٌ ضائِعةٌ لَيسَتْ بحصينةٍ، وهِي ممَّا يَلِي العدوِّ. وقيل: مُمكِنةٌ لِلسرَّاقِ لخُلوِها مِن الرِّجالِ. ويُقالُ: دارٌ مُعوِرَة وذَاتُ عَورةٍ إذا كانَ يَسهُلُ دُخُولُها. ويُقالُ: عَوِرَ المكانُ عَوَراً فهو عَوِرٌ. وبُيوتٌ عَوِرةٌ. وأعورَ فهو مُعوِرٌ. وقيل: عَورةٌ ذاتُ عَورةٌ. وكُلُّ مَكانٍ لَيسَ بِممنُوعٍ ولا مَستورٍ فهو عَورةٌ. وقالَ أبو جعفر النحَّاس: " وهذا اسمُ فاعِلٍ من عَوِرَ يَعوَرُ عورَةً، ويَجُوزُ أنْ يكونَ مصدراً، أي: ذات عورةٍ 29. فالحذْفُ هنا قدَّرناه لصحّةِ المعنى والإعرابِ معاً
      فـ "عورةٌ " كما هو معلومٌ خبر " إنَّ "، وهو مصدرٌ في الأصلِ، وهو بمعنى: " بيوتنا ذاتُ عورةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسمَ فاعِل، أصلُهُ عَوِرَةٌ، ثُمَّ أُسكِنَ تَخفِيفاً، ويجوزُ أنْ يكونَ مصدراً في موضِعِ اسمِ الفاعِلِ، كما تَقُولُ: رَجُلٌ عدْلٌ، أي: عادل30 .
      والإيجازُ يَكثُرُ في مواضِعَ ليبيِّنَ أحياناً أنَّ الكلامَ جاءَ وفقَ المعنى العام، ووفق السياق الذي وَرَدَتْ بِهِ الآيات، ومن ذلك قوله تعالى: ( وأنذِرْهُم يَومَ الحسرةِ ) 31. ويوم الحَسرةِ يومُ القِيامة، ورُويَ في التفسِيرِ أنَّه إذا كانَ يَومُ القِيامةِ، واستَقرَّ أهلُ الجنَّةِ فِي الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ أُتِيَ بِالمَوتِ علَى هيئةِ كَبشٍ أملحَ، فيشرئِبُونَ إلَيهِ، فيُقالُ: أَتَعرِفُونَ هذا، فَيَقُولُونَ: نعم، فَيُقالُ: هذا الموتُ فَيُذبَحُ ويُنادَى بِأهلِ النَّارِ: خُلُودٌ لا مَوتَ بَعدَهُ32، وكذلِكَ يُنادَى بأهلِ الجنَّةِ: خلُودٌ لا موتَ بَعدَهُ.
      فَجَاءَ الإيجازُ في هذِهِ الآيةِ الكريمةِ، والتقديرُ: وأنذِرْهُم خَبَرَ يَومِ الحَسرةِ إذ قُضِيَ الأمرُ، فَخَبَّرَ أنَّهُم مُعذَّبُونَ33 . فجاء حذفُ المضافِ وإقامةُ المضافِ إليهِ يستدعِي معانيَ متعدِّدة، إمَّا لبيانِ النوعِ وهو الحسرة، وإمّا للخوفِ من العقابِ، وهذا الأمرُ يلحقُ كلَّ مكلَّفٍ، لذا قُدِّرَ المضاف: خبرَ أو عذابَ، إمَّا للتعظيمِ، وإمَّا للخوف.
      ومن ذلِكَ قَولُهُ تعالَى: ( والذَّارِياتِ ذَرواً )34 . الواو هنا واو القسمِ، وهي بدلٌ من الباء، و" ذرواً " مصدر، والتقدير: والرِّياحِ الذارياتِ. ويُقالُ: ذَرَتِ الرِّيحُ الشَّيءَ: إذا فَرَّقَتْهُ فهِيَ ذارِية، وأَذرَتْ فَهِيَ مُذرِية.35 . ثم قيل: " والذَّارِياتِ " وما بعدَه أقسامٌ، وإذا أقسَمَ الرَّبُ بشيءٍ أثبتَ لَهُ شرف . وقيل: المعنى وربِّ الذاريات، والجواب إنما توعدون، أي: الَّذِي تُوعدُونَهُ مِن الخَيرِ والشَّرِّ والثَّوابِ والعقابِ لَصادِقٌ لا كَذِبَ فيهِ، ومَعنَى لَصادِقٌ لَصِدقٌ، وَقَعَ الاسمُ مَوقعَ المصدرِ36 .
      " فَالحَامِلاتِ " عَطفٌ علَى الذَّارياتِ، والتَّقديرُ: فالسَّحابِ الحَامِلاتِ المطرَ، وقِيلَ: الحاملاتِ السُّفنَ، وقِيلَ: الرِّياح، لأنَّها تَحمِلُ السَّحابَ، " فالجارِياتِ "، " فالمقَسِماتِ " عَطفٌ أيضاً، أي: فَالملائِكةِ المقسِّماتِ ما أُمِروا بِهِ أمراً. ( والسَّماءِ ذاتِ الحُبكِ ) الواو واو القسم حرف جرٍّ، والتقدير: وربِّ السَّماءِ، فقد أقامَ المضاف إليه مُقامَ المضاف في الآياتِ المذكورةِ، وأَخَذَ حُكمَها الإعرابِيَّ.
      نجدُ في داخِلِ الآيات تماسُكٌ تِلقائِيٌّ، بواسِطةِ العناصِرِ البنائِيَّةِ المكوِّنةِ لَها، ونعني بِهِ الجانبَ النحويَّ أو الوظيفيَّ للتماسُكِ السياقِيِّ، كما أنَّنا الناحيةَ التعبيريَّة الجماليَّة في أنساقِ الخِطاب، فالقسَمُ بالواو، وبعدها المقسَمُ بِهِ لَهُ جانِبٌ دلالِيٌّ فيهِ جنِبٌ جمالِيٌّ، فالرابط بينَهما معنويٌّ، فنسقُ الآيةِ ومثيلاتها يترابطُ ترابُطاً معنويَّاً، وغايةُ ما في الأمرِ أنَّ وجهةَ هذا الترابطِ في تركيبِ الآياتِ، ففيها حَذْفُ مضافٍ، وإقامةُ مضافٍ إليهِ مُقامهُ، والكسرةُ في آخرِ الاسمِ المقسَمِ بِهِ لها إيقاعُ قوَّة.

      وقد يَحِلُّ الاسمُ محلَّ الاسمِ، ويَأخُذُ حُكمَهُ الإعرابيَّ، وموقِعَهُ في التعيين، والإفراد والحكم، من ذلك قولُهُ تعالَى: ( وكأيِّنْ مِنْ قَريَةٍ هِيَ أشدُّ قُوَّة من قريَتِكَ الَّتِي أخرَجَتْكَ )37 . فالإيجاز جاءَ على تقدير: وكأيِّن من أهلِ قَريَةٍ. وقالَ الفرَّاء (ت207هـ): في معنى: " التي أخرجَتْكَ " التي أخرجَكَ أهلُها إلى المدينةِ38.
      ونخلصُ مِن هذهِ الآيةِ إلى أنَّهُ أُقيمَ فيهِا المضافُ إليهِ مُقامَ المضافِ، والتقدير: " التي أَخرجَكَ أَهلُها "، فحذَفَ الأهلَ، وقامَ ضَمِيرُ القريةِ مُقامَهُم، فصارَ ضَميرُ القريةِ مرفوعاً كما كانَ الأهلُ مَرفُوعيْن بـ " أخرجَ "، فاستَترَ ضَميرُ القَريةِ فِي " أخرجَ " ، وجاءَتْ علامةُ التأنيثِ لِتؤنِّثَ القَريةَ، وهذا مِن بابِ الإيجازِ والاختِصارِ فِي الكَلامِ، ومِثلُهُ قولُهُ تَعالَى: ( وَهُوَ واقِعٌ بِهِم )39 . فتقديرُ الكَلامِ: " وعِقابُهُ واقِعٌ بِهِم" ، فقد حُذِفَ المُضافُ، وهو " العِقابُ "، وقامَ الضَّميرُ مُقامَهُ، فأَصبَحَ ضَميراً مَلفُوظاً بِهِ، ولم يَستتِرْ، لماذا ؟ لأنَّ الواوَ معه.
      وأيضاً لأنَّ الفِعلَ " أخرَجَتْكَ " لم يَكُنْ لِلعقابِ، فلم يَستَتِرْ ضَميرُ ما قامَ مُقامَ العقابِ في الفعلِ، واستتَرَ ضميرُ القريةِ في " أخرجَ "، لأنَّه كانَ فِعلاً لـ " الأهل "، فاستَتَرَ الضمير الذي قامَ مقامَ الأهل، في فعلِ الأهل، وجازَ ذلِكَ وحَسُنَ لِتقدُّمِ ذِكرِ القريةِ، ولأنَّ الفِعلَ في صِلةِ التي، و " التي " للقرية، فلم يَكُنْ بُدٌّ مِن ضَميرٍ يَعُودُ علَى " التي "، وضَميرُ المرفوع العائد على اسمي الموصول " التي، والذي " يَستَتِرُ في الفعلِ الذي في الصِّلةِ دائماً حينما يكون الفعل له.

      ومن الإيجاز والاختصار الذي ورد قولُهُ تعالَى: ( فإذا عَزَمَ الأمرُ )40 ، أي عَزَمَ أَصحَابُ الأَمرِ، ثمَّ حُذِفَ المضاف " الأصحابُ " وأُقِيمَ المضافُ إليهِ مُقامَهُ. وذكر أبو جعفر النحاس أنَّ الأمرَ هنا مجازٌ، أي: أصحابُ الأمرِ، " فإذا عَزَمَ النبيُّ، صلَّى الله علَيهِ وسلَّمَ، على الحربِ ( فلو صَدَقُوا لله) في القتالِ (لكانَ خيراً لَهُم ) من التَّعلُّلِ والهربِ، أي: لكانَ صدقُهُم اللهَ وإيمانُهُم بِهِ خيراً لَهُم " 41.
      ومن الإيجاز الذي ورَدَ قولُهُ تعالى: ( وكأينْ مِنْ قَريَةٍ عَتَتْ عن أمرِ رَبِّها )42 ، والمعنى: وكم من أهلِ قريةٍ عَتَوا عن أمرِ ربِّهِم ، ثم أُقِيمَ المضافُ إليهِ " قرية " مُقامَ المضافِ وهو " أهل "، وأخذ حكمه الإعرابي، ومحلَّهُ. وكذلكَ الشأنُ في الآية التي تلتها فإنَّنا نجد الإيجاز في قوله تعالى: ( قد أنزَلَ اللهُ إلَيكُم ذِكراً رسولاً من اللهِ)، قيلَ في تفسيرها، الذكرُ هو القرآنُ، والرَّسُولُ محمد، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتقدير في العربيَّة على هذا ذِكراً ذا رسُولٍ، فحذَفَ المضافَ وأقامَ المضاف إليه مقامه، وهو مثل قوله تعالى: (واسألِ القرية 43) . وأقول: إنَّ ذكراً انتصب بـ " أنزل "، وانتصبَ " رسول " على أنَّه نعت " ذكر "، أو بدل، تقديره: (ذكراً ذا رسولٍ) فحذفَ المضاف " ذا " وأقامَ المضاف إليهِ " رسولاً " مُقامَهُ، وهذا أبلغُ في النفسِ وأَوقَعُ.
      وفي الاختصار والإيجاز نجدُ سهولة في تذوق المعنى، وسرعة في فهم النصِّ، ويقودنا المقام إلى تحليل وحداتِ الكلام، وبيانِ وظائفها، فالمقامُ هنا يَضُمُّ المتكلِّمَ والسامِعَ والظروف والعلاقات الاجتماعيَّة، والأحداث الواردة في الماضي والحاضر، ولولا هذا المقام وما يُقدِّمُهُ العنصرُ الاجتماعيُّ من قرائنَ حاليةٍ حينَ يكونُ المقالُ موضوعاً للفهمِ، لما أمكننا أنْ نتذوقَ معنى الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خلائِفَ الأرضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ )44 .
      فالخَلائِفُ جَمعُ خَليفةٌ، وكَونُ النَّاسِ خلائِفَ فِي الأَرضِ هُوَ قِيامُ كُلِّ لاحِقٍ مِنهُم مقامَ سابِقِهِ وسَلطتهِ علَى التَّصرُّفِ والانتِفاعِ، وهُم إنَّما نالُوا هذِهِ الخِلافةَ مِن جِهةِ نَوعِ الخُلقةِ. فالخلافةُ في الأرض نوعٌ من التَّدبِيرِ مرتبطٌ بِالخَلقِ غَيرُ مُنفكٍّ عنه، فقوله: ( هُو الّذِي جَعَلَكُم خلائِفَ الأرضِ ) حُجَّةٌ علَى تَوحُّدِهِ -تعالى- في رُبوبيَّتهِ، وانتفائِها عن شُركائِهِم، فهو سبحانه- مَنْ جَعَلَ الخِلافةَ الأرضيَّةَ في العالمِ الإنسانِيِّ لأنَّه المدبِّرُ لأمرِهِم لا ينفكُّ عن نوعِ الخِلقةِ، فخالقُ الإنسانِ هو ربُّ الإنسانِ، لكنَّ الخالِقَ هو الله-سبحانَهُ-حتَّى عندَ الخَصمِ فاللهُ هو ربُّ الإنسانِ.
      وقولُهُ: (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ)، أي: فاللهُ -سبحانه- هو ربُّ الإنسانِ، فَمَنْ كَفَرَ وسَتَرَ هذِهِ الحقيقةَ ونسبَ الرُّبوبيَّة إلَى غيرِهِ فعلَى ضرِرِهِ كُفرُهُ. وهنا نجدُ أنَّ المضافَ إليهِ " كُفرُهُ " قد أُقيمَ مُقامَ المضاف، وهو " عقوبة " وأخذ موقعه وإعرابه، وجاء الإيجاز معبِّراً عن الموقف العام، فراعى المقام، وبيَّنَ الأحداث في الماضي ورَبطَها بالحاضر والمستقبل. والتقدير: فَمَنْ كفَرَ فَعَلَيهِ عُقُوبَةُ كُفرِهِ، وهو مثل قوله تعالى: (واسألِ القرية)45 ، وذهَبَ أبو إسحاق الزَّجَّاج (ت 311هـ) إلى تقدير: فَمَنْ كَفَرَ فعلَيهِ جزاءُ كفره، أي أنَّ المضاف إليه هو " كفره " ، والمضاف المحذوف هو " جزاء".
      وقولُهُ تعالَى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فلَّلهِ العزَّةُ جميعاً)46 . نجد أنَّ النحويينَ يتجهون إلى توجيهِ إعرابهِم تَبعاً للمعنى، ويُفسِّرُونَ هذا المعنى ويذكرونَ آراء غيرِهِم، فالفرَّاء (ت 207هـ) يُقدِّرُ في هذِهِ الآيةِ: مَنْ كانَ يُريدُ عِلمَ العزَّةِ، وغيره من أهلِ العلم قالَ: مَنْ كانَ يُرِيدُ عِلمَ العِزَّةِ التي لا ذِلَّةَ مَعها، لأنَّ العِزَّة إذا كانَتْ تُؤدِّي إلَى ذِلَّةٍ فإنَّها هِيَ تُعرِّضُ للذُّلّةِ، والعزَّةُ التي لا ذِلَّةَ مَعَها للهِ جلَّ وعزَّ جميعاً علَى الحالِ. وقَدَّرَ أبو إسحاق معناه: مَنْ كانَ يُرِيدُ بِعِبادةِ الله-جلَّ وعزَّ- فإنَّ اللهَ يَعُزُّهُ في الآخِرةِ والدُّنيا47 .
      وفي قولِهِ تعالى: (تَجعَلُونَهُ قَراطِيسَ ) 48 إيجازٌ واختصارٌ دلَّ علَيهِ المعنى الذي برز من سياق النصِّ، ومعنى الآية الكريمة: قُل مَنْ أنزلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وهُدى للنَّاسِ تَجعَلُونَهُ قراطِيسَ، أي في قراطيس يُبدُونَها ويُخفُونَ كثيراً هذا لليهودِ الذِينَ أخفَوا صِفةَ النَّبِيِّ، صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، وغيرها من الأحكامِ. ونُقدِّر المضاف " ذا " أي ذا قراطيس49، فقد أقامَ المضافَ إليهِ " قراطيس "مُقامَ المضاف.
      وأشارَ العُكبريُّ (ت 616هـ) إلى أنَّ المضافَ إليهِ أُقيمَ مُقامَ المضافِ بناء علَى تقديرِ " ذا " أي: ذا قراطِيسَ. فصارَ المعنى ذا قراطِيسَ أي مَكتُوباً فِي القَراطيسِ تُبدونَها، أي تُبدونَ مَكتُوبَها، والمعنى: ليسَ تخفُونَها إخفاءً كثيراً، ولكنَّ التَّقديرَ: تُخفونَ كثيراً مِن إنكارِ ذِي القَراطِيسِ، فَهُم- أي اليهود- يَكتُمُونَهُ ولا يُظهِرُونَهُ.
      وقولُهُ تعالى: (والَّذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدخِلَّنَّهُم فِي الصَّالِحينَ)50 ومعنى (في الصَّالحين) في جملتهم. ويجوز أن يكونَ التقديرُ: في ثَوابِ الصَّالحِينَ، وهِي الجنَّةُ. ولمَّا ذَكَرَ تَعالَى ما أَعدَّهُ لِلمؤمِنينَ الخُلصِّ، ذَكَرَ حالَ المُنافِقينَ، الذينَ آمنُوا بِألسنتِهِم، فإذا آذاهُمُ الكفَّارُ، جَعَلُوا ذلِكَ الأذى، وهُو فِتنةُ النَّاسِ، صارِفاً لَهُم عنِ الإيمانِ; كما أنَّ عذابَ اللهِ صارِفٌ لِلمُؤمِنينَ عنِ الكُفرِ; وكَونُها نَزَلَتْ فِي المنافِقينَ51 .
      فقد أقامَ المضافَ إليهِ " الصالِحينَ " مُقامَ المضاف إيجازاً، وقدّرَتْ " في مقامِ الصالِحِين "، وهذا حسنٌ في البيانِ والكلامِ. وقيلَ في زمرة الصالِحِينَ.
      وفي قوله تعالى: ( وَوَصَّيْنا الإنسانَ بِوالِدَيهِ حُسناً) 52.حذفٌ وإيجازٌ، فالحذفُ بِتقدِيرِ: وَصَّيْناهُ بِوالِدَيهِ أمراً ذا حُسْنٍ، ثم أقامَ الصفة مُقامَ الموصُوفِ، وأقامَ المُضافِ إليه " حُسْن " مُقامَ المضافِ " ذا "، وهذا من الإيجازِ والاختصار الحسنِ الذي يعطي المعنى جمالاً وتحديداً وقوَّة في السَّبكِ.
      وقَدَّر صاحبُ مشكل إعراب القرآن في الآية: " ووصينا الإنسانَ بوالديه أمراً ذا حُسنٍ " فأقامَ المضاف إليه مقام المضاف، وهو حسن "53 .

      3-دلالة القرينة على المضاف إليه:
      يَقُومُ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ إذا دلَّتْ علَيهِ قرينةٌ لفظيَّةٌ أو معنَويَّة، وذلِكَ حينَ يَعلمُ المخاطبُ أنَّ هذا لا يَكُونُ إلا بِالفعلِ، وأنَّ المصدرَ هو الأساسُ الذِي يَدُلُّ علَى فِعلِهِ، والمعنى أيضاً يَدلُّ علَى ذلِكَ الأمرِ، فالمضافُ إليهِ يأخذُ عندئذٍ حُكمَ المضافِ ويُعرَبُ بإعرابِهِ، وقد بَيَّن ذلِكَ أبو العباس المبرِّد (ت285هـ)، فقالَ فِي بابِ المصاِدرِ في الاستِفهامِ علَى جهةِ التقديرِ: " ما أنتَ إلا سيراً " ، و" ما أنتَ إلا ضرباً "54 .
      وهذا الأمرُ جائزٌ من وجهين وسآخذ الوجه الذي يختصُّ بالبحث، فقولهم أيضاً: " زَيدٌ سَيرٌ يا فتى " وهذا أيضاً كلام أبي العباس، فالتقدير: زَيدٌ صاحبُ سيرٍ، فقد أقمنا المضافَ مُقامَ المضافِ، لأنَّه يدلُّ عليه، أي لأنَّ السيرَ لَهُ.

      تعليق

      • مصطفى شعبان
        عضو نشيط
        • Feb 2016
        • 12782

        #4
        وقول الشاعر: (من المتقارب)
        وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أَصبَحَتْ ** خَلالَتُهُ كأبِي مَرحَبِ 55
        أي: كخَلالةِ أَبِي مَرحبِ. فقد حذف المضاف، وأقامَ المضافَ إلَيهِ مُقامَهُ.
        وقوله تعال: ( ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ)56 .فالوجه: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ. ومثله قول الشاعر: (من الطويل)
        وقد خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مخافَتِي ** علَى وَعِلٍ فِي ذِي الفَقَارةِ عاقِلِ
        والمعنى لَقد خَافَ كثيراً، فلَم يَعدْ مُمكِناً زِيادةُ خَوفِهِ أكثرَ ممَّا هو فيه، كخوفِ تيسِ جبلٍ مُعتصِمٍ بعيداً بجبلِ ذِي الفَقارةِ. فالتقدير هنا: لا تَزيدُ مخافَتِي علَى مخافةِ وعلٍ عاقِلٍ، فقد أقامَ المضاف إليه مُقامَ المضاف، لأنَّ القرينة اللفظية دلَّتْ عليه.
        وكذلِكَ إذا أُمِنَ اللبسُ حُذِفَ المضافُ وأُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَهُ، ويأخذُ حُكمَه الإعرابِيَّ، ومنه قولُ الشاعر: (من الطويل)
        عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعدَما قَضَى نَحبَهُ فِي مُلتَقَى القَومِ هَوبَرُ 57
        ويذكرُ ابن الكلبي كما نقل ابن يعيش في شرح المفصل أنَّ الهوبرَ هو يزيد بن هوبر، وقد قتل في المعركة، فهنا حذف المضافَ " ابن " وأقامَ المضافَ إليه مُقامه وهو " هوبر " لأنَّ المعنى دلَّ على ذلك واللفظ أيضاً.
        وقول حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي (ت 54هـ): (من الكامل)
        يَسقُونَ مَنْ وَرَدَ البرِيصَ علَيهِمُ ** بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلسَلِ 58
        فالقرينة اللفظية في ذِكرِ الضَّمِيرِ في " يصفِّق " حيثُ أرادَ ماءَ بَرَدى، فقد أقامَ المضافَ إلَيهِ "بردى " مُقامَ المضاف المحذوف " ماء " وأخَذَ حكمه أيضاً في الإعراب. ومثله قوله عزَّ وجلَّ: (وكمْ مِنْ قَريَةٍ أهلَكنَاها فَجَاءَها بَأسُنا بياتاً أو هُمْ قائِلُونَ)59 . فقد حَذَفَ المضافَ وأقامَ المضافَ إلَيهِ مُقامَهُ، والمعنى: وكمَ من أهلِ قرية أهلكناها، وقال أبو إسحاق الزَّجاج: "إلا أنَّ أهل حُذِفَ لأنَّ في الكلامِ دلِيلاً علَيهِ "60 .
        وقولُهُ تعالَى: (واسأَلهُم عنِ القَريةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرةَ البَحرِ إذْ يَعدُونَ فِي السَّبْتِ ) 61. فالقَرينةُ المعنَويَّةُ والَّلفظيَّةُ هنا اجتَمعَتا، فالمعنَويَّة أنَّ النَّبيَّ- صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ - يَسأَلُ أهلَ الكِتابِ عن أَهلِ القَريةِ، فأُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ لِدلالةِ المعنَى علَى ذلِكَ، والَّلفظيَّةُ أنَّ القَريةَ بِأحجارِها وأشجارِها وبيوتِها لا تُسأل، وإنَّما يوجَّه السؤالُ لأهلِ القريةِ الَّذينَ يَعيشُونَ فِيها.
        ومنه أيضاً قوله تعالى: (إنَّ الصَّلاةَ تَنهى عنِ الفحشاءِ والمنكَرِ) 62، والمعنى: أمرَ اللهُ نبيَّه بإقامةِ الصلاة لأنَّ الصلاة عملٌ عظيم، وهذا الأمرُ يَشمَلُ الأمَّةَ، وعُلِّلَ الأمرُ بإقامةِ الصلاة إلى ما فيها من الصلاحِ، فموقع إنَّ هنا موقع فاء التعليلِ، ولا شَكَّ أنَّ هذا التعلِيلَ مُوجَّهٌ إلى الأمَّةِ، لأنَّ النَّبِيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم - مَعصُومٌ عن الفحشاء والمنكر، والمقصود أنَّها تنهى المصلِّي.
        والتقدير: على هذا أنَّ تِلاوَةَ الصَّلاةِ مثل " واسأل القَريَةَ" 63. فقد أُقِيمَ المضافُ إليهِ مُقامَ المضاف، وأخذَ حُكمَهُ الإعرابِيَّ. والقرينةُ المعنويَّةُ هي التي دلَّتْ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضاف إليهِ مُقامه.
        ومِن القَرائنِ علَى المضافِ المحذوفِ وإقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامُهُ قَرينةٌ يَدلُّ علَيها العَقلُ، فمنها قولُهُ تعالى: (حُرِّمَتْ علَيكُمُ الميتَةُ)64 .فإنَّ العقل هنا يدلُّ علَى إقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، فإنَّه لا يصحُّ تحريمُ الأجرامِ، لأنَّ شرطَ التكليفِ أنْ يَكُونَ الفعلُ مَقدُوراً عليهِ. ومنه أيضاً قوله تعالى: ( حُرِّمَتْ علَيكُم أمَّهاتِكُم)65 . فالعقل أيضاً يشير إشارة واضِحة إلى الحذفِ، أي حذف المضافِ، وإقامة المضاف إليه مُقامهُ. والأظهرُ يُرشِدُ إلَى أنَّ التقدِيرَ: حَرَّمَ علَيكُم أَكلَ الميتَةِ، وحَرَّمَ علَيكُم نِكاحَ أُمَّهاتِكُم.
        والعَقلُ بِمُجَرَّدِهِ يَدلُّ علَى حذْفِ المُضافِ وإقامةِ المُضافِ إلَيهِ مُقامَهُ. ومِن ذلِكَ قولُهُ تعالَى: (هل يَنظُرُونَ إلا أنْ يأتِيَهُم اللهُ فِي ظُلَلٍ مِن الغَمامِ)66 وقولُهُ تعالَى: (وجاءَ ربُّكَ والملَكُ صَفَّاً صَفَّا)67 . والمعنى: ما ينظُرُونَ إلا أنْ يَأتِيَهُم عذابُ اللهِ أو أَمرُ اللهِ في ظُلَلٍ من الغمامِ. فقد أُقيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ ودلَّ العقل صراحة على ذلك دُونَ لَبسٍ أو تَعطيلٍ. وفي الآية الثانية أيضاً أُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مقامَ المضافِ، والتقدير: وجاءَ أمرُ رَبِّكَ، أو عذابُ ربِّكَ، أو بأسُ رَبِّك.
        وإذا أردْتُ أنْ أقفَ عندَ هذهِ الميزة في القرآنِ ألا وهي إقامة المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ بدليلِ وجودِ قرينة معنوية أو لفظيَّة أو عقليَّة فإنَّنِي وجدْتُ ذلِكَ يأخُذُ أفصحَ الكَلامِ وأكثرَهُ مُوافقة لِلغَرضِ النَّحويِّ، لأنَّ العربَ لا يُقَدِّرُونَ إلا ما لو لَفَظُوا بِهِ لكانَ أحسنَ وأَنسبَ للتركِيبِ العربِيِّ، وهذا ما يَفعَلُونَهُ في الملفُوظِ بِهِ. ومن ذلك قولُهُ تعالى: ( جَعَلَ اللهُ الكَعبَةَ البيتَ الحرامَ قِياماً للنَّاسِ وأَمناً ) 68. والتقدير: جَعَلَ اللهُ حُرمةَ الكَعبةِ، لأنَّ تقدير الحرمةِ في الهدي والقلائِدِ والشَّهرِ الحرامِ لا شَكَّ فِي فَصاحتِهِ، وتقدير النَّصبِ بَعيدٌ عن الفصاحة .
        وأمَّا السِّياقُ الاجتماعِيُّ فهو أيضاً ضرُورِيٌّ في تحديدِ الدِّلالةِ، ويكفي أنْ نُشيرَ إلى أنَّ عبارة " سلامٌ علَيكُم " تَحمِلُ دلالاتٍ تَختَلِفُ باختِلافِ التنغِيمِ في نُطقِها وَفْقاً للمواقفِ الاجتماعيَّةِ المختلفةِ70. وقولُهُ تَعالَى: ( فَمَنْ يَملِكُ مِن اللهِ شيئاً )71 . أي لا أحدَ يملِكُ دَفعَ الضرِّ الذِي أرادَ اللهُ إنزالَهُ بِكُم ولا مَنعَ النَّفعِ الَّذِي أرادَ نفعَكُم بِهِ فلا نَافِعَ إلا هوَ ولا ضارَّ إلَّا هوَ تَعالَى ، ولا يقدرُ أحدٌ علَى دَفْعِ ضُرٍّ أرادَهُ ولا مَنْعَ نَفعٍ أَرادَهُ72 . والتقدير: فَمَنْ يَملِكُ لَكُم مِن دَفعِ مُرادِ اللهِ شيئاً، أو مِن دَفعِ فِتنةِ اللهِ شيئاً.
        وقوله تعالى: ( ومَنْ يُرِدِ اللهُ فِتنَتَهُ فَلَنْ تَملِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شيئاً ) 72. والتقدير: فَلَنْ تملِكَ لَهُ من دَفعِ مُرادِ اللهِ شيئاً، أو مِنْ دَفعِ فِتنَةِ اللهِ شيئاً. وقولُهُ تعالَى: ( فَمَنْ يَملِكُ لَكُم شيئاً إنْ أرادَ أنْ يُهلِكَ المسيحَ ابنَ مريَمَ وأمَّهُ، ومَنْ فِي الأرضِ جميعاً )74. تقديره: فمن يَملِكُ مِن رَدِّ مُرادِ اللهِ شيئاً، أو مِن دَفعِ مُرادِ اللهِ شيئاً. وقولُهُ تعالَى: (إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَومٍ ). أي: تَرَكْتُ اتِّباعَ مِلَّةِ قَومٍ، بدليلِ مقابلَتِهِ (واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي )75 .
        إنَّ السِّياقَ الُّلغويَّ في الآياتِ التي وَرَدَتْ يَكشِفُ عن دورِ الكلمةِ في تحديدِ الدِّلالةِ، وعن نوع العلاقة القائمة بين الكلمات، فمثلاً: " مَنْ يُرِدِ اللهُ فِتنَتَهُ "، و" تركْتُ مِلَّةَ " فالجُملةُ الأولى مُؤلَّفةُ مِن فِعلٍ وفاعِلٍ ومَفعُولٍ بِهِ، والثانية مُولَّفةٌ مِن فِعلٍ وفاعِلٍ، وكما يقولُ باحثُو علم اللغة: فإنَّ العلاقة بين "فتنته " ، و " مِلَّة " مترابطة، فالكلمتانِ يَصلُحُ استعمالُها في الموقِعِ نَفسهِ من الجملة. والفِعلُ " يُرِد " ، و "تركْتُ " العلاقةُ بينهما متبادلةٌ، لأنَّ كُلّاً مِنهُما يَحتاجُ إلَى فاعِلٍ ومَفعُولٍ.
        ولا يَقِلُّ السِّياقُ الاجتماعي في النصِّ أهميةً عنِ السِّياقِ الُّلغويِّ، فأهميتُهُ تَكمُنُ فِي تَحدِيدِ الدِّلالةِ، فَعِبارةُ " تَرَكْتُ مِلَّةَ قَومٍ " فيها دِلالاتٌ عن هجرانِهِ لأولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالآخِرةِ، ولم يتَّبِعُوا طريقَ الهدايةِ، ولا بُدَّ أنْ نَضَعَ الجوانِبَ المختلفةَ المحدِّدة لِطبِيعةِ هذا الموقف، ومنها: الزمن، المخاطب، المتكلم، الحالة النفسية لهما، الموضوع، العناصر المادية المحيطة بالموقف، مكانة ووظيفة كلٍّ من المتكلمِ والسامِعِ .
        فتحليلُ الجُملةِ واستِنباطُ مَعنَاها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن خلالِ مُقتضياتِ سِياقِ الحالِ، وأنْ يُؤخَذَ بعين الاعتبارِ كلُّ عناصِرِ السياقِ، لأنَّ التحلِيلَ النَّحويَّ هنا لِلمَعنى فِي سِياقِ الخَطابِ يَجِبُ أنْ يَتِمَّ من خلالِ الانتِباهِ لِتأثيرِ العَوامِلِ الثقافيَّةِ والاجتِماعيَّة في استعمالِ اللغةِ وتَفسِيرِها لا من خلالِ المتعلَّقاتِ والتركيباتِ اللغويَّة فقط. وعلى هذا الأساسِ مِن التَّرابُطِ بينَ المعنى والَّلفظِ تتَّضِحُ دائِرةُ التركيبِ لِتشمَلَ العِبارةَ كلَّها، لأنَّ ذلِكَ يُؤدِي إلَى تَحدِيدِ علاقاتٍ بينَ عناصِرِ الجملةِ تُسلِمُ إلَى استكناهِ المعنى المراد.

        المبحث الثاني
        وَظائِفُهُ
        1-الحاجة إلى المعنى:
        قد يَكُونُ المعنَى بحاجةٍ إلَى تقديرِ المضافِ، وهذِهِ مَسألةٌ تَشيعُ في التنزيلِ العزيزِ فِي آياتٍ كثيرة ٍكما هو مَعهُودٌ معنا في هذا البحثِ، إذ لا يَصِحُّ فيهِ حملُ النصِّ القُرآنِيِّ علَى ظاهِرِهِ، إذ لَو حُمِلَ لَفَسَدَ المعنى في كثيرٍ منها، أو قُل لم يَتِمَّ، وعِندئذٍ يَنبغِي علَينا أنْ نَدركَ بحسِّنا اللغويِّ هذِهِ الظاهِرةَ، ونبادرَ إلَى التحليلِ والفَهمِ بتقدير المعنى. ففِي قَولِهِ تعالَى مُتحدِّثاً عنِ المنافِقينَ: (مَثَلُهُم كَمَثَلِ الَّذِي استَوقَدَ ناراً فلمَّا أَضاءَتْ ما حولَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِم وتَرَكَهُم فِي ظُلُماتٍ لا يُبصِرُونَ، صُمٌّ بُكمٌ عُميٌّ فَهُم لا يَرجِعُونَ، أو كَصَيِّبٍ مِن السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعدٌ وبرقٌ يَجعلُونَ أصابِعَهُم في آذانِهِم من الصَّواعِقِ حَذَرَ الموتِ، واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرينَ)76 .
        فَقَولُهُ: " أو كَصيِّبٍ " مَعطوفٌ علَى " كَمَثلِ " فَهوَ في محلِّ رفعٍ، ولا بُدَّ من تَقديرِ مُضافَينِ، لِيَصِحَّ المعنى، والتقدير: أو كَمَثلِ ذَوي صَيِّبٍ، والدَّليلُ علَى ذلِكَ رُجوعُ ضمائِرِ الجمعِ علَيهِ في قولِهِ: " يَجعلُونَ أصابِعَهُم في آذانِهِم "، لأنَّ المعنى: تَشبيهُهُم بِأصحابِ الصيِّبِ لا بالصيِّبِ نفسِهِ77.
        أي أنَّ التشبيه في المثلِ الثاني: " أو كصيِّبٍ " لَيسَ بينَ ذاتِ المنافِقينَ والصيِّبِ نفسِهِ، بل بينَ ذواتِهِم، وذواتِ ذوي الصيِّبِ، وهذا يقتضِي تقديرُ مُضافٍ (ذوي) الّذِي هو جمع (ذو) بِمعنى صاحب، محذوف لنون للإضافة، وكذلِكَ اقتَضَى تَقدير: (مثل) قبله للعطفِ السابِقِ (مَثَلُهُم كَمَثَلِ الَّذِي استَوقَدَ ناراً )، لِتتِمَّ الملاءمةُ بينَ المعطُوفِ والمعطُوفِ علَيهِ78 . فيكونُ النَّظمُ: كَمَثلِ ذوي صَيبٍ، وبذلِكَ يَظهرُ مرجِعُ ضمائِرِ الجمعِ: الواو في " يجعلونَ "، و هم في " أصابعهم "، و " آذانِهِم "، إذ بدونِ تقدير " ذوي " لا يكونُ هنا مرجعٌ للضمائِرِ، وبتقدير " مَثَل " بمعنى الحال والقصة تحصلُ الملاءمة للمعطوف عليه والمشبه. وضمائرُ " يجعلون ، وأصابعهم، وآذانِهِم " لا تقتضي إلا تقدير " ذوي " لكنَّ الملاءمةَ للمعطوفِ علَيهِ والمشبه تقتضي تقدير: مَثَل... لأنَّه قد صرَّح في جانبي المشبَّهِ والمشبَّهِ بِهِ بِلفظِ " مثل " بمعنى الحالِ والقصَّةِ، فلا بُدَّ من إضافتِهِ إلى ما يِستَقِيمُ فيهِ أنْ يُقالَ: هذا الحالُ وذاكَ.
        وفي قولِهِ تعالَى: (يسألُونَكَ عنِ الخمرِ والميسِرِ قُلْ فِيهِما إثمٌ كبِيرٌ، ومنافِعُ للنَّاسِ، وإثمُهُما أكبرُ مِن نَفعِهِما)79 . فمنَ الواضِحِ أنَّ السُّؤالَ عن الخمرِ والميسِرِ ليسَ عن ذاتِهما ولا ماهيتهما، بل هو عن حُكمِهِما، ولذلِكَ جاءَ الجوابُ لِيبيِّنَ حُكمَهُما: (قُلْ فِيهِما إثمٌ كبيرٌ ومنافِعُ للناسٍ).
        وقالَ السَّمينُ الحلبِيُّ (ت756هـ) في هذِهِ الآيةِ، وقولُهُ "عنِ الخمرِ والميسِرِ " لا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، إذ السُّؤالُ عن ذاتي الخمرِ والميسِرِ غيرُ مُرادٍ، والتقديرُ: عن حُكمِ الخمرِ والميسِرِ حِلَّاً وحُرمةً، ولذلِكَ جاءَ الجوابُ مُناسِباً لهذا المقدَّر 80. نعم أُقيمَ المضافُ مُقامَ المضافِ إليهِ، لماذا لأنَّ المعنى اقتضى هذا التقدير المناسب، ولولا ذلِك لذهبَ الدارِسُونَ إلى فهمٍ مغاير، وكذلِك الصِّناعةُ اقتضَت هذا التقدير والإعراب معاً.
        وفي قولِهِ تعالى: ( لا يَتَّخِذِ المؤمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المؤمِنِينَ، ومَنْ يَفعَلْ ذلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهُم تُقاةً، ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفسَهُ وإلَى اللهِ المصِيرُ) 81.
        وقالَ السَّمِينُ الحلَبِيُّ قولُهُ: (نَفسَهُ ) مفعولٌ بِهِ ثانٍ لـ " حَذَّرَ "، لأنَّه في الأصلِ مُتعدٍّ بِنفسِهِ لِواحِدٍ، فازدادَ بالتضعِيفِ آخر، وقدَّرَ بَعضُهُم حذفَ مضافٍ، أي: عقابَ نفسِهِ، كذا نَقَلَهُ أبو البقاء عن بعضِهِم 82 . إذ لا بُدَّ من تقديرِ هذا المضافِ لِصحَّةِ المعنى. ألا ترى إلى غيرِ ما نحنُ فيهِ، في قولِكَ: حذَّرْتُكَ نَفسَ زَيدٍ، أنَّهُ لا بُدَّ مِن شَيءٍ تُحذِّرُ مِنهُ، كالعقابِ والسطوةِ، لأنَّ الذَّواتِ لا يتصَوَّرُ الحذرُ منها نفسَها، إنَّما يَتصوَّرُ من أفعالها وما يَصدُرُ عنها.والتقدير في قولِهِ تعالى: ( ويحذِّرُكمُ اللهُ نَفسَهُ ) أي عقابَهُ مثل ( واسألِ القَريَةَ )83 .

        تعليق

        • مصطفى شعبان
          عضو نشيط
          • Feb 2016
          • 12782

          #5
          وفي قولِهِ تعالى: ( ورَفَعْنا فَوقَهُم الطُّورَ بِمِيثاقِهِم، وقُلْنا لَهُمُ ادخُلُوا البَابَ سُجَّداً، وقُلْنا لَهُمُ لا تَعدُوا فِي السَّبتِ، وأَخَذْنا مِنهُم مِيثاقاً غلِيظاً)84 . قالَ السَّمِينُ الحلَبيُّ: " بِمِيثاقِهِم " مُتَعلِّقٌ بالرَّفعِ، أي بقولِهِ: ورَفَعْنا، والباءُ للسببيَّة، وقالُوا : وفي الكلام حذفُ مُضافٍ تَقدِيرُهُ: بِنَقضِ مِيثاقِهِم 85. وهذا يعنِي أنَّهم أقامُوا المضافَ إلَيهِ مُقامَ المضافِ مِن بابِ الحاجةِ إلَى إظهارِ المعنَى.
          وقالَ الزَّمخشرِيُّ (ت538هـ): "بِميثاقِهِم " بِسببِ مِيثاقِهِم ليتحاشوا فلا يَنقُضُوهُ، وظاهِرُ هذِهِ العِبارةِ: أنَّهُ لا يحتاجُ إلى حذفِ مُضافٍ 86، بل أقولُ لا يَجُوزُ تَقدِيرُ هذا المضافِ، لأنَّهُ يَقتَضِي أنَّهُم نَقَضُوا الميثاقَ فَرَفَعَ اللهُ الطُّورَ عليهِم عقُوبَة علَى فِعلِهِمُ النَّقضَ، والقِصَّةُ تَقتَضِي أنَّهُم همُّوا بِنقضِ الميثاقِ، فَرَفَعَ اللهُ علَيهِمُ الطُّورَ، فخافُوا فلم يَنقُضُوهُ، وإنْ كانُوا قد نَقَضُوهُ بَعدَ ذلِكَ، وذَهَبَ أبُو البقاءِ إلَى أنَّهُم نَقَضُوا الميثاقَ، وأنَّه تعالَى رَفَعَ الطُّورَ عُقُوبةً لَهُم، فقالَ: " تقديرُهُ: بِنقضِ مِيثاقِهِم، والمعنى: ورَفَعْنا فَوقَهُم الجبَلَ بِسببِ نَقضِهِم الميثاق"87.
          وإذا أردْنا أنْ نوفِّقَ بين المعنى المرادِ بيانُهُ لإقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضاف فلا بُدَّ من النظرِ إلى الوجوه الأخرى عند أصحابِها.فحاصلُ كلام السَّمينِ أنَّه تعالى رَفَعَ فَوقَهُم الطُّورَ بِميثاقِهِم، وفيه وجوه:
          الأوَّل: أنَّهُم أعطَوا الميثاقَ على ألا يَرجِعُوا عن الدِّينِ ثم هَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَرَفَعَ اللهُ فَوقَهُم الطُّورَ حتَّى يَخافُوا فلا يَنقُضُوا الميثاقَ.
          الثاني: أنَّهُم امتَنَعُوا عن قَبُولِ شَرِيعةِ التوراة فَرَفَعَ اللهُ الجبَلَ فَوقَهُم حتَّى قَبِلُوا، وصارَ المعنى: ورفَعْنا فَوقَهُم الطُّورَ لأجلِ أنْ يَعطُوا الميثاقَ بِقَبُولِ الدِّينَ.
          وعلى هذين الوجهيْنِ لا يَصِحُّ تَقديرُ مُضاف " بِنَقضِ "، لأنَّهُ يُؤدِي إلى فسادِ المعنى، إذ الآية لا تَتحدَّثُ عن رفعِ الطُّورِ علَيهِم بِسبَبِ نَقضِهِم الميثاقَ، بل رُفِعَ علَيهِم لئلا يَنقُضُوهُ.
          الثالث: أنَّهُم أعطَوا الميثاقَ ثم رَجَعُوا عنه فَرَفَعَ اللهُ الطُّورَ علَيهِم عذاباً لَهُم، وبذلِكَ يَصِحُّ إقامة المضاف إليهِ مُقامَ المضافِ كما ذكر أبو البقاء والنحاس.
          وقولُهُ تعالى: ( ولَتَجِدَنَّهُم أحرصَ النَّاسِ علَى حياةٍ)88 . فـ" على حياة " متعلِّق بـ " أحرص "، لأنَّ الفِعلَ يَتَّعدَّى بـ " على " تَقُولُ: حَرَصْتُ علَيهِ، والتَّنكير في "حياة " تنبيه على أنّه أرادَ حياةً مخصوصةً. وقيلَ: إنَّ ذلِكَ على حذفِ مضاف تقديره: على طولِ حياةٍ، والظَّاهِر أنَّه لا يُحتاجُ إلى تقديرِ صِفة.
          وذَهَبَ الآلوسي إلَى أنَّهُ يَجُوزُ حذفُ المضافِ وإقامةُ المضافِ إلَيهِ مُقامَهُ، ونَقَلَ ذلِكَ عن أبي حيَّان الأندلسي (ت745هـ) الَّذِي جَوَّزَ إقامةَ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، والتَّقديرُ بحسبِ المعنى أي: طُولِ حياةٍ 89.
          وقَولُهُ تعالَى: ( وهل أتاكَ نَبأُ الخصمِ إذ تَسَوَّروا المِحرابَ)90 . لأنَّ الخَصمَ يُؤدِي عن الجمعِ، وهو مَصدرُ في الأَصلِ، من خَصَمْتُهُ خَصماً. وحَقِيقتُهُ في العربيَّةِ إذا قُلْتَ: القَومُ خَصمٌ لَهُ، معناهُ ذوو خَصمٍ، ثم أَقِيمَ المضافُ إليهِ مُقامَ المضافِ إليهِ91 . وجاءَ في تفسيرِ القرطبي: الخَصمُ: يَقعُ علَى الواحِدِ والاثنَينِ والجَماعةِ، لأنَّ أَصلَهُ المَصدَرُ. قَالَ الشَّاعِرُ: (من الطويل)
          كَنَفضِ البراذِينِ العِرابِ المخالِيا ** وخَصْمٍ غِضابٍ يَنفُضُونَ لِحاهُمُ
          وقالَ أبُو جعفر النحَّاس: ولا خِلافَ بينَ أهلِ التَّفسيرِ أنَّه يُرادُ بِهِ ها هُنا مَلَكانِ. وقِيلَ: تَسَوَّرُوا، وإنْ كانَ اثنَينِ حَملاً علَى الخَصمِ، إذْ كانَ بِلفظِ الجَمعِ ومُضارِعاً لَهُ، مِثلُ الرَّكبِ والصَّحبِ. تَقديرُهُ للاثنينِ: ذوا خَصمٍ، ولِلجَماعةِ: ذَوُو خصم . ومعنى : تَسَوَّرُوا المحرابَ أَتَوهُ مِن أعلَى سُورِهِ. يُقالُ: تَسَوَّرَ الحائِطَ تَسَلَّقَهُ، والسُّورُ حائِطُ المدينةِ، وهُوَ بِغيرِ هَمزٍ، وكَذلِكَ السُّوَرُ جَمعُ سُورةٍ 92.
          وأودُّ القول هنا: إنَّ الخلفيَّة غير اللغويَّة للنصِّ من خلالِ سياقِ الحالِ يُقدِّمُ لنا مَعلُوماتٍ مهمَّة عن هذهِ الخلفيَّةِ فيتيحُ لنا التعرُّفَ على طبيعةِ الزَّمانِ والمكانِ الَّذِي يَقَعُ فيهِ الحدثُ الكلاميُّ، فالخصمانِ جاءا إلى نبيِّ اللهِ داود عليه السلام وقصَّا عليهِ قصَّتهما، فأحدُهما بغَى علَى الآخر، وهو خائِف من هذا الموقف، وقضى لأحدهما على الآخر، وتبيَّن لنا نوع المشاركة في الحدث معهم، ومدى تأثير ذلك على فهمِ النصِّ ودلالتهِ.
          2- الاهتمام بالمتكلم والمخاطب:
          -تَعدُّدُ أوجُهِ القِراءةِ:
          وحَذْفُ المضافِ وإقامةُ المضاف إليهِ مُقامَهُ جائزٌ في العربيَّةِ وكثيرٌ، إلى أنْ صارَ ذلِكَ معلُوماً عند أهلِ اللغة والنَّحو، وأنَّ ذلك " سائِغٌ فِي سَعَةِ الكلامِ وحالِ الاختيارِ إذا لم يُشكِل، وإنَّما سَوَّغَ ذلِكَ الثِّقةُ بِعِلمِ المخاطَبِ، إذ الغَرضُ مِن الَّلفظِ الدِّلالةُ علَى المعنَى، فإذا حَصَلَ المعنَى بِقرينةِ حالٍ أو لَفظٍ آخر اسَتغنَى من الَّلفظِ الموضُوعِ بإزائِهِ اختِصاراً، وإذا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيهِ مُقامَهُ وأُعرِبَ بِإعرابِهِ"93 .
          وفي قولِهِ تعالى: ( فلمَّا آتَاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عمَّا يُشرِكُونَ)94 . إقامة المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ في قراءة " شِركاً " بِكسرِ الشين والتنوين. وهذه قراءة نافع وأبي بكر شعبة، وأبي جعفر، بكسرِ الشينِ، وإسكانِ الرَّاءِ، وتنوينِ الكاف، من غيرِ همزٍ، اسم مصدر، أي: ذا إشراكٍ، وقيل: بمعنى النصب، وافقهم ابن مُحَيصِن. والباقون بِضمِّ الشين، وفتحِ الرَّاءِ، وبالمدِّ والهمزِ، بلا تنوين، جمع شريك95 .
          وهنا أريد أن أبيِّن كيفَ نَظَرَ النُّحاةُ إلَى الوَصفِ بِالمصدرِ، فكانَ وَجهُ حذفِ المضافِ وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، والتقدير: كأنَّه جَعَلا لَهُ ذا شِركٍ أو ذوي شركٍ، فإذا جَعَلا لَهُ ذوي شِركٍ فيما آتاهُما كان في المعنى كقولِهِ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ. وذهَبَ أبُو علي في ذلِكَ مذهباً لم يَسبِق إليهِ أحدٌ قبله لحذف المضافِ ليخرجَ آدمَ عليه السلام من العُمُومِ الحاصِلِ فِي القِراءةِ، فقالَ: " ويَجوزُ في قوله: (جَعَلا لَهُ شِركاً) جَعَلَ أحدُهُما لَهُ شِركاً، أو ذوي شِركٍ، فحذف المضافَ وأقامَ المضافَ إلَيهِ مُقامَهُ، كما حُذِفَ من قولِهِ تعالى: (وقالُوا لولا نُزِّلَ هذا القُرآنُ علَى رَجُلٍ من القَريَتَينِ عَظِيم) 96، والمعنى: علَى رَجُلٍ من أحدِ رَجُلَي القَريَتَينِ، وكذلِكَ قَولُهُ: (يَخرجُ مِنهُما اللؤلؤُ والمرجانِ)97 عند مَنْ رأى أنَّ اللؤلؤَ يَخرجُ من الماء المِلحِ، تقديرُهُ عندَهُ: يَخرُجُ من أحدِهِما، فَيَكُونُ الذِي جَعَلَ لَهُ شِركاً أحدُهُما، ويَخرُجُ آدمُ إلى هذا من أن يُنسَبَ إليهِ ذلِكَ"98.
          ويَذهَبُ مكي بن أبي طالب القيسيَّ (ت437هـ) مَذهباً قريباً من مذهبِ الفارسيِّ (377هـ)، فقال: " أي: ذا شِركٍ، أو ذَوي شِركٍ، فهو راجعٌ إلى قراءةِ منْ قَرَأَ ( شُركاءَ ) فلَو لم يُقدِّر الحذفَ فيهِ لم يَكُنْ ذلِكَ ذمّاً لَهُما، لأنَّهُ يَصِيرُ المعنَى: أنَّهُما جَعَلا للهِ نَصيباً فيما آتاهُما من مالٍ وزرعٍ وغيرِهِ، وهذا مدحٌ، فإنْ لم تُقَدِّرْ حذفَ مُضافٍ في آخِرِ الكلامِ، قَدَّرْتَهُ في أوَّلِ الكلامِ لا بُدَّ من أحدِ الوجهَينِ في قراءةِ مَنْ قرأَ ( شِركاً ) على وزنِ فِعْل، تقديرُهُ: ( جَعَلا لِغيرِهِ شِركاً )، فإنْ لم تقدِّرْ حذفاً انقلَبَ المعنى"99 .
          وقَولُهُ تعالَى: (ولَقَد نَجَّيْنا بَنِي إسرائِيلَ مِن العَذابِ المُهِينِ، مِن فِرعَونَ إنَّهُ كانَ عالِياً مِن المسرِفِينَ)100 . فهِيَ عِندَ القُرَّاءِ إمَّا أنْ تَكُونَ علَى حذفِ المضافِ، أي: مِن عَذابِ فرعونَ، وإمَّا أنْ تَكُونَ علَى جعلِ فِرعونَ نفسَهُ هو العذابُ مبالغة في إبرازِ عُتُوِّهِ وجَبرُوتِهِ، وعندئذٍ لا يَكُونُ ثمَّة محذوف في الكلامِ101 .
          وذَكَرَ أبُو جعفر النحَّاس أنَّ القِراءَةَ مخالِفةٌ للسَّوادِ، ولو صَحَّتْ كانَ تَقدِيرُها: من عذابِ فرعونَ المهينِ، ثم أقيم النَّعتُ مُقامَ المنعوتِ، ويَكُونُ الدَّلِيلُ على الحذف .أُقِيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، وأُعرِبَ بإعرابِهِ، وهذا من بابِ إبانة المعاني وإظهار الإعراب الذي بُنِيَ علَى تَعدُّدِ أوجه القراءة.

          وفي قولِهِ تعالَى: (وإذْ قالَ الحوارِيُّونَ يا عِيسَى ابنَ مريَمَ هل يِستَطيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ علَينا مائِدةً من السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُم مُؤمِنينَ)103 قراءة الكِسائِيَّ (ت189هـ) " هل تستطيعُ ربَّكَ " بتاء الخطاب، لـ عيسى مع إدغامِ اللام من " هل " في التاء على قاعدته، و" رَبَّكَ " بالنصب على التعظيم، أي هل تستطيع سؤالَ رَبِّكَ.
          والباقون بياء الغيبِ، و( رَبُّكَ ) بالرَّفعِ على الفاعليَّة، أي: " هل يفعلُ بِمسألتِكَ "، أو " هل يُطِيعُ رَبُّكَ "، أي: " هل يُجِيبُكَ " ، و" استطاعَ " بمعنى " أطاعَ "، ويجوزُ أنْ يكونُوا سألُوهُ سُؤالَ مُستَخبِر، هل يُنزِّلُ أم لا، وذلِكَ لأنَّهُم لا يَشكُّونَ في قُدرةِ اللهِ تعالى، لأنَّهُم مُؤمنونَ 104.
          وَتوجيه قراءة الكسائي (تَستَطِيعُ )بالتاء - بحسب ما أشار إليه أبو علي- أنَّ المرادَ: هل تستطيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، من ذَكَرُوا الاستِطاعةَ في سُؤالِهِم لَهُ، لأنَّهُم شَكُّوا في استطاعتِهِ، ولكن كأنَّهُم ذَكَرُوهُ على وجه الاحتجاج عليهِ منهُم، كأنَّهُم قالُوا: إنَّكَ مُستَطِيع فما يَمنَعُكَ؟! ومثلُ ذلِكَ قَولُكَ لِصاحِبِكَ: أتَستَطِيعُ أنْ تذهَبَ عنِّي فإنِّي مَشغُولٌ؟ أي: اذهَبْ لأنَّكَ غيرُ عاجِزٍ عن ذلِك.
          وهنا يحضُرني أن أذهب إلى ما ذَهَبَ إليه علماء اللسانيات المعاصرة أذهبُ إلى البُنيةِ العميقةِ لِلجُملةِ، لنرى تَفسيرَ المحذوفِ فيها، وهو المضافُ وإقامةُ المضافِ إليهِ مُقامَهُ، لأنَّ البُنيةَ العميقةَ، وإنْ لم تَكُنْ ظاهِرةً في الكلام، فإنَّها إلى حدٍّ بَعيدٍ أساسيَّةٌ لِفهمِهِ ولإعطائِهِ التفسيرَ الدلاليَّ المرجوَّ، و" ممَّا لا شكَّ فيهِ أنَّ هذِهِ البنيةَ ضِمنيَّةٌ تتمثَّلُ في ذِهنِ المتكلِّمِ والسَّامِعِ، فهي حقيقيَّة عقليَّة قائِمة يَعكسُها التتابُعُ الكلاميُّ المنطوقُ الذي يكوِّنُ البنية السطحيَّة، فالبنية العميقة هي التي تُحدِّدُ التفسير الدِّلاليَّ للجُملِ"105 .
          وقد كانَ نعوم تشومسكي صاحب نظريَّة النحو التحويلي يؤمِنُ في بداية الأمرِ أنَّ البنيةَ العميقةَ هي التي عليها كلُّ الاعتمادِ في إمدادِ الجملةِ بِمعناها الأساسيِّ، ثمَّ عَدَلَ عن ذلِكَ إلى إعطاءِ البنية السطحيَّةِ والعناصرِ التحويليَّة بعضَ الأهميَةِ في تفسيرِ معنى الجملةِ، وهي تشارِكُ البنيةَ العميقة في تحديدِ الدِّلالةِ، ثم أصبحَ بعد تأثيرِ من زملائِهِ وأتباعِهِ وتلامذتِهِ يرى ضرورةَ الاعتماد على البنية السطحيَّة في التفسيرِ الدِّلاليِّ للجملةِ 106.
          وهُناكَ مِن الأَقدمِينَ مَنْ ذَهَبَ مَذهَبَ أبي عليِّ في تحليلِهِ لِقراءة الكسائيِّ، وهو معاصره ابن خالويه (ت 370هـ)، وذلِكَ لأنَّ المعنى على قراءةَ الجمهورِ لا يحتاجُ إلى تقديرِ محذوفٍ بل تحتاجُهُ القراءة بالتاءِ، ليكتَمِلَ المعنى المقصُود، حيثُ يرى أنَّه جَعَلَ الفِعلَ للهِ تعالى فرفَعَهُ بِهِ، وهم في هذا السؤالِ عالِمُونَ أنَّهُ يَستَطيعُ، فلفظُهُ الاستِفهامُ ومعناهُ معنى الطَّلبِ والسُّؤالِ، أمَّا قراءة الكسائيِّ فقد جاءَتْ علَى حَذْفِ مُضافِ وإقامةِ مُضافٍ إلَيهِ مُقامَهُ، والتقديرُ: " هل تَستَطيعُ سُؤالَ رَبِّكَ؟ ثمَّ حَذَفَ السُّؤالَ، وأقامَ " ربَّكَ " مُقامَهُ، كما قالَ: ( واسأَلِ القَريةَ ) وهو يُريدُ أهلَ القَريةِ " 107.

          تعليق

          • مصطفى شعبان
            عضو نشيط
            • Feb 2016
            • 12782

            #6
            وهنا أقول إنَّ تحويل التركيب في هذه القراءة من الياء إلى التاء في " تستطيع " أزال الإشكال الذي وَقَعَ فيهِ بعض المتأخرين، إضافة إلى أنَّ العالِمَ بأساليبِ البيانِ عند العرب يُدرِكُ أنَّ هذا الوجهَ جاء على طريقة عربيَّة فصيحة لا لبس فيها ولا غموض، وفيها عرض ودعاء مشتمل على تأدُّبٍ ولطفٍ مع الله سبحانه، وإنَّ السائِلَ إذا أراد أنْ يُكلِّفَ المسؤولَ ما يَشقُّ عليهِ طَرَحَ عليهِ الطلبَ بِهذِهِ الصِّيغةِ ونحوها، وإنَّما يَقُولُ الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يُعلَمُ أنَّه مَقدورٌ للمسؤولة، وهي كقولك: أتستطيعُ أنْ تعطيني كذا، وهو مستطيع.
            والحقيقة هنا أنَّ السُّؤالَ إنَّما جاءَ لِطمأنةِ القلبِ بِإيمانِ المعاينة، وليسَ شكَّاً في قدرةِ الله، سبحانه، فهو كسؤالِ إبراهيمَ أنْ يُرِيَهُ كيفَ يُحيي الموتَى معَ إيمانِهِ بِذلِكَ فِي الغيبِ، كما أنَّه سُؤالٌ مِن الفِعلِ، وليسَ سُؤالاً عنِ القُدرةِ. والاستطاعة هنا بمعنى: الإطاعة، كاستجابَ بمعنى أَجابَ، والمعنى: هل يُجِيبُ ربُّكَ دُعاءَكَ إذا سألْتَه ذلِكَ، أو هل يرضى رَبُّكَ ويختارُ أنْ يُنزِّلَ علينا مائِدةً من السَّماءِ إذا نحن سألناه أو سألْتَه ذلِكَ لنا 108.
            ووجهُ قراءةِ الكسائِيِّ على تقديرِ المحذوفِ، وقد قدره أبو عليٍّ وابن خالَوَيهِ مَفعُولاً مُضافاً، ومثل هذا يَكثُرُ فِي كَلامِ العَربِ ويَتَّسِعُ، ومِن قَواعِدِ النَّحو المعلومةِ أنَّ المضافَ حِينَ يُحذَفُ يَخلُفُهُ المضافُ إليهِ فِي المحلِّ والإعراب، وبِهذا يرتفعُ الإشكالُ ويَزُولُ.
            كما أنَّهُ يُوجَدُ تَفاعُلٌ سُلُوكِيٌّ بين المتكلِّمِ والمخاطبِ - على قراءة التاء- في " تستطيع " ، وهذا ما رأيناهُ وفهِمناه، فقد استطاع أبو علي الفارسي أن يُوظِّفَ هذا التفاعُلَ إذ جَعَلَ المتكلِّمَ وهم "الحواريون " يراعونَ حالَ المخاطبِ، وهو " عيسى علَيهِ السَّلامُ "، كأنَّهم قالُوا : إنَّكَ مُستطِيعٌ فما يَمنعُكَ؟ وذلِكَ لأنَّ المتكلِّمَ في نظريَّةِ الاتِّصالِ يُوظِّفُ حالَ المخاطَبِ، وعملَهُ في استِكمالِ عناصِرِ الخِطابِ، ويَتوقَّعُ من المخاطَبِ فَهمَ العلاقاتِ التَّركِيبيَّةِ، حِينَ حُذِفَ مِنهُ بَعضُ العناصِرِ اللغويَّة، وأرادَ معناها، وبَقِيَ كذلِكَ تأثيرُها النَّحويُّ، اعتِماداً على ورودِها في كلامِ الأوَّلِ.
            ونحن نُبرِزُ في قراءتنا لتحليل أبي علي الخلفيَّة المعرفيَّةَ والاتِّصاليَّة للمتكلِمينَ والسامِعينَ، فهم ذكرُوا الاستطاعة في سؤالِهِم لَهُ، لا لأنَّهم شكُّوا في استِطاعتِهِ، ولكِنَّهُم ذَكَرُوهُ علَى وجهِ الاحتِجاجِ علَيهِ مِنهُم، وهذا التحليل يُقلِّلُ من إصرارِ علمِ اللغةِ الاجتماعيِّ التفاعليِّ Interactional Sociolinguistics على أنَّه لا يُوجدُ تناسُقٌ في الخلفيَّة المعرفيَّة الاتِّصالِيَّة عند الاثنين، ممَّا يَجعلُهُم لا يُشارِكونَ في معرفةِ إجراءاتِ الاستدلالِ والإشاراتِ السياقيَّة بنفسٍ القدرِ.
            وأدركْنا تماماً في تحليلنا المعرفي للعناصرِ اللغويَّةِ وغير اللغويَّة التي تَضمَّنَها كلامُ المتكلِّمِ، ومدى تأثير ذلِكَ في المواقِفِ اللغويَّة، وكذلِكَ المخاطَبِ، لذا يُعدُّ التفاعُلُ اللفظيُّ Verbel Interacation نسقاً اجتِماعيَّاً، يتمُّ فيهِ اختيارُ المنطوقات وَفقاً لمعاييرَ وتوقعات معترف بِها اجتِماعيَّاً، وهذا يجعلُ الظَّواهِرَ اللغويَّة قابلة للتحليلِ ليس فقط داخلَ سياقِ اللغة ذاتِها، ولكن أيضاً داخِلَ السياق الأوسع للسلوك الاجتماعيِّ.
            وصَفوةُ القَولِ في هذِهِ المسألةِ أنَّ إقامةَ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ سبيلٌ من سُبلِ العربيَّةِ للاتِّساعِ والإيجازِ. ولا شكَّ أنَّ النظامَ النَّحويَّ جاء للإفادةِ والوضوح والبيانِ، أي لإيصالِ ما في نفسِ المتكلِّمِ للمخاطبِ، فهو آية في التبليغِ، وقد ذَهَبَ النحاةُ في هذا المذهبِ مَذهباً حسناً، كما أنَّهم فَهِمُوا هذِهِ الظاهِرةَ فهماً حقيقيَّاً، إذ بَنَوا قواعدَهُم على أساسِ من التخفيف والبعد عن الاستثقالِ، وهذا ما يسمِّيهِ العلماء اليوم بالاقتِصادِ اللغويِّ، الذي ينادِي بأنَّ الإنسانَ لا يبذُلُ من الجهودِ العلاجيَّةِ أو الذهنِيَّةِ في إعمالِهِ لآلةِ الخِطابِ إلا بِقَدَرِ ما يستطِيعُ أنْ يُفِيدَ بِهِ المخاطب، وأنَّ المتكلِّمَ يسعى ليقدِّمَ الفائدة بأقلِّ عددٍ ممكنٍ من الجُهدِ.

            المَبحثُ الثَّالِثُ
            ثالثاً-صُوَرُهُ
            يَطَّردُ إقامةُ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ في أربعة مواضِعَ، هي:
            1-المُقسَمُ بِهِ: وهذا النوعُ من إقامةِ المضافِ إليهِ مقامَ المضافِ يَكثُرُ في الآياتِ التي أقسَمَ اللهُ بِها، كقولِهِ تعالى: (والشَّمسِ وضُحاها)109 فالتقدير: وربِّ الشَمسِ، أقيمَ المضافُ إليهِ مقامَ المضافِ، وكذلِكَ قولُهُ تعالى: (والعَصرِ)110 والتقدير: ورَبِّ العصرِ، ومنه أيضاً قولُه تعال: ( والذَّارِياتِ ذرواً ، فالحامِلاتِ وِقراً) 111فالمعنى هنا ورَبِّ الرِّياحِ الذَّارياتِ، ورَبِّ السُّفنِ الجارياتِ، ورَبِّ الملائِكةِ المقسِماتِ 112. وهذا اللون من إقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ يَطَّرِدُ قولُهُم بِهِ في كلِّ قَسمٍ للهِ تعالى بشيء من خلقِهِ.
            إنَّ تكرارَ القَسمِ لَهُ جمالياتٌ هنا في هذا النصِّ، كما أنَّ لَهُ قيمةً فنيَّة بخلاف ما يقوله بعض النَّحويينَ والبلاغيينَ الذينَ يرونَ فيهِ خروجاً عن الفَصاحة والبلاغةِ، فربَّما جاءَ هذا التكرارِ، في الآيات السابقةِ على سبيلِ المشاكلةِ فيلطفُ المعنى، ويوضِّحُ المبنى، ويَحسُنُ الكلامُ، ويَزدادُ قَبُولاً وتمكُّناً لدى السامِعِ بعدَ أنْ يَقِفَ على ما كانَ من المعاني ما هو حقيقة وما هو مجاز، وعندئذٍ لزوم المشاكلة في اللفظ مع صحَّةِ المعنى أولى.
            2-جمع أو جميع أو جماعة: وهذا النوع يأتي قبلَ جمع التكسيرِ يهدفُ إلى تحقيقِ المطابَقةِ في النوعِ بين الفعلِ وفاعلِهِ. ومن ذلِكَ قولُهُ تعالى: ( كَذَبَتْ قَومُ نوحٍ المرسَلِينَ )113 فقد دَخَلَتِ التَّاءُ وقوم نوحٍ مذكَّرُونَ، لأنَّ المعنى كذَّبَتْ جماعةُ قومِ نوحٍ114 . وفي قولِهِ تعالى: ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعدُ )115 ففيهِ قراءتانِ: بالتاءِ 116، والياء، فمن قرأ بالتاءِ، فبمعنى جماعة النساء، ومن قرأ بالياء قدَّرَه جمع النِّساءِ 117.
            وقولُهُ تعالى: ( يُجبَى إليها ثَمَراتُ كُلِّ شَيءٍ ) 118 "ففيه قراءتان تُجبَى على تأنيث الجماعة، ويُجبَى على تَذكِيرِ الجمع"119 .
            وأقولُ هنا: إنَّ كُلَّ قراءةٍ لها دلالةٌ مُعتبرةٌ، ومع ذلِكَ فإنَّ إحداها لا تُلغِي الأخرى، فلو اقتَصَرنا على قراءةِ التاء الفوقانية في " يُجبى " التي تدلُّ على حذف " الجمع" المضاف، لفقدنا المعنى الآخر والعكس أيضاً صحيح، فهُما معاً تَدلانِ علَى رحمةِ اللهِ بأهلِ البيتِ الحرامِ وعلى الرزقِ الحلالِ الواسِعِ لهم، وبذلِك يؤدِّي هذا التحوُّلُ في التركيبِ بينَ القراءتينِ إلَى إكمالِ المعنى العام الذي يَبتَغيهِ سياقُ الآياتِ الكريمة.
            وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على اتِّساعٍ في العربيَّة وعناية بالحدث الكلاميِّ والموقف النبويِّ، فالأنبياء-عليهم السلام- وإن كانوا بشراً، فليسُوا ككلِّ البشر، لأنَّهُم مُصطفَونَ بالرسالة أو النُّبوَّة، ولرسولِنا الكريمِ محمدٌ-عليه الصلاة والسلام- خُصوصيّةٌ، فهو سيد الأنبياء جميعاً وخاتمهم، فقد وعده ربُّهُ أن يكونَ البلدُ الأمين مكة آمناً ويأتيه الرزق من كل مكان، وهذهِ دعوة إبراهيم الخليل- عليه السلام -من قبل. فصيغة " تُجبى ويُجبى " عِندَما نتأمَّلُها فإنَّها تُفيدُ ما يُسمِّى بِالقُدرةِ التواصليَّةِ بينَ المتكلِّمِ أي المُرسِل وهو اللهُ سبحانَهُ، أو المتلَّقِي والمخاطب وهو النَّبيُّ وأصحابُهُ المؤمنونَ المتمثِّلةِ فِي الوَعدِ ثم القَبُولِ والتسليمِ بِاجتِباءِ ثَمَراتِ كُلِّ شَيء، لِذلِك فإنَّ هذِهِ القدرةَ تمكِّنُ مُستعمِلي الُّلغةِ من التواصِلِ فيما بينَهُم بِواسطةِ التعبيراتِ اللغويَّةِ، أي ما يُمكِّنُهُم من التَّفاهُمِ والتأثيرِ في لُغتِهِم معَ مُحيطِهِم.
            3- تقدير خشية أو كراهة وإقامة المضاف إليه المصدر المؤول مقامها:
            وهذِهِ من الصور الشائِعةِ لحذفِ المفعول له " خشية أو كراهة " المضافِ إلى المصدرِ المؤولِ من أن وما بَعدَها في نحو قولِهِ تعالى: ( يُبيِّنُ اللهُ لَكُم أنْ تَضِلُّوا )120 فقد حُذِفَت " كراهة " لأنَّ في الكلام دليلاً عليها. وكذلِك قَولُهُ تعالى: ( وَجَعَلْنا على قُلُوبِهِم أكِنَّةً أنْ يَفقَهُوهُ )121 أي كراهة أن يفقهوه، فقد أقيم المصدر المؤول المضاف إليه مقام المضاف " كراهة " المقدَّر المحذوف.
            ومنه قولُهُ تعالى: ( وألقَى فِي الأَرضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُم ) أي: كراهة أنْ تَميدَ بِكُم. ووقوع هذا الحذف أي المضاف وإقامة المضاف إليه هو رأي البصريين، وأمَّا الكوفيون فيقدرون حذف " لا " فالتقدير في قولِهِ تعالى: ( وألقَى فِي الأَرضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُم )122 عند البصريين: كراهة أن تميد بكم، وعند الكوفيين: لئلا تميد بكم، والمعنى - كما يقول الزجاج واحد " غير أنَّ كراهة أجود في العربية"123 .
            4-الوَصفُ بِالمَصدرِ ووُقُوعُ صِيغةٍ مَوقِعَ أُخرَى:
            الوَصفُ بِالمصدرِ إنَّما هُوَ لِلمُبالَغةِ وهُوَ الغَرضُ الَّذِي عُدِلَ مِن أجلِهِ عنِ الأَصلِ إلى الاستِعمالِ، ويَشهَدُ لِلقَولِ بِأنَّ تَقدِيرَ المضافِ هو الأصل، وإقامةُ المضافِ إليهِ مُقامَهُ فرعٌ علَيهِ، كقولِهِ تعالى: (وأشهِدُوا ذَوي عَدلٍ مِنكُم)124 ، أي رَجُلَيْنِ ذَوي عدلٍ، فَتُوصِلَ إلى الوَصفِ بـ " عدل " بـ " ذوي " كما يُتَوصَلُ بِأسماءِ الأجناسِ غير المصادر بـ " ذو " وما تصرَّفَ مِنها، فَيُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ذِي مالٍ، فكما لا يُوصَفُ بِأسماء الأجناسِ لا يُوصَفُ كذلِك بالمصادِرِ، فلمَّا أُرِيدَ الوَصفُ بِهِما تُوصِّلَ إلى ذلِكَ بـ " ذو " وفروعِها، فإذا وَرَدَ الوَصفُ بِالمصدرِ كانَ مَحمُولاً على تقديرِ " ذو " مَعه.
            ويذهَبُ النُّحاةُ إلى افتِراضِ حَذْفِ " ذِي " المُضافةِ إلَى المصدرِ تفسيراً لِعدَمِ تَغيُّرِ صِيغةِ المصدرِ مع المذكَّرِ والمؤنَّثِ، ومعَ المفردِ والمثنَّى والجمعِ. فمن ذلِكَ قولُهُ تعالى: ( وهل أتاكَ نَبَأُ الخَصمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحرابَ)125 فقد أفرَدَ " الخَصمَ "رَغمَ استعمالِهِ مع الجمعِ، لأنَّه مصدرٌ، معناه: ذَوو خَصمٍ، ثمَّ أقمْتَ المضافَ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، وقد يُقالُ: خُصومٌ كما يُقالُ: عُدُول 126.
            وكذلِكَ قولُهُ تعالَى: ( إنَّنِي براءٌ ممَّا تَعبُدُونَ )127 فـ " العَربُ تَقُولُ للواحِدِ فِيها: أنا البَراءُ مِنكَ، وكذلِكَ الاثنانِ والجَماعةُ والذَّكرُ والأُنثَى، يَقُولُونَ: نَحنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ولا يَقُولُونَ: نَحنُ البراءانِ مِنكَ، ولا البَراؤُونَ مِنكَ، وإنَّما المعنى: إنَّا ذَوو البراءِ منكَ، ونحنُ ذوو البراءِ منكَ، كما تقولُ: رَجُلٌ عدلٌ وامرأةٌ عدلٌ، وقَومٌ عدلٌ، والمعنى: ذَوو عدلٍ 128. ومنه أيضاً قولُهُ تعالى: ( سَواءٌ مِنكُم مَنْ أسرَّ القَولَ ومَنْ جَهَرَ بِهِ)129 مَرفُوعٌ يُنوَى بِهِ التأخيرُ. قالَ أبو إسحاق: والتقدير ذُو سَواءٍ، كما يُقالُ: رَجُلٌ عدْلٌ130.
            لأنَّ " سواء " مَصدَرٌ ، فلا يَجوزُ أنْ يرتَفِعَ ما بَعدَهُ إلا علَى الحذفِ، تَقُولُ: عَدْلٌ زَيدٌ وعمرٌو، والمعنى: ذوا عدلٍ زَيدٌ وعمرٌو، لأنَّ المصادرَ لَيسَت بِأسماءِ الفاعلِينَ، وإنَّما تَرفَعُ الأسماءُ أوصافَها، فإذا رَفَعتها المصادرُ فهي على تقدير إقامة المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضاف.وهكذا في كُلِّ مَصدرٍ وَقَعَ خبراً عن جُثَّة، فالمصادِرُ لا تَقَعُ أخباراً عن الجُثَثِ. وكذلِكَ قولُهُ تعالَى: (إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صالِحٍ)131 فالتقديرُ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ، وقولُهُ تعالى أيضاً: ( إذْ هُمْ نَجوَى)132 والمعنى: هم ذَوو نجوى، أي أقيمَ المضافُ إلَيهِ مُقامَ المضاف.
            وجاءَ وُقُوعُ صِيغةٍ صَرفيَّة مَوقعَ أُخرى لِتُفسِّرَ إقامةَ المضافِ إليهِ مُقامَ المضافِ، كأنْ يَقعَ اسمُ الفاعِلِ موقِعَ اسمِ المفعُولِ، أو اسمُ المفعُولِ موقِعَ اسمِ الفاعِلِ فتحتاجُ إلى تقدير " ذي " وإقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَها. ومن ذلِكَ قولُهُ تعالَى: (خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ)133 فالمعنى على مذهبِ سيبويه وأصحابِهِ جاءَ على " النَّسبِ إلى الاندِفاقِ134، أي: مِن ماءٍ ذِي اندِفاقٍ" . وذلِكَ لأنَّ الماءَ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَدفُوقٌ لا دافِقٌ.
            وكذلِكَ قَولُهُ تعالَى: (فِي عِيشَةٍ راضِيةٍ)135 فالمعنى: ذَاتُ رِضًى، أي أُقِيمَ المُضافُ إلَيهِ مُقامَ المُضافِ، وأيضاً قَولُهُ تعالَى: (فِي يَومٍ عاصِفٍ)136 فالتقديرُ عندَ البصريينَ: في يَومٍ ذِي عصفٍ 137.

            تعليق

            • مصطفى شعبان
              عضو نشيط
              • Feb 2016
              • 12782

              #7
              خاتمة وأهمُّ النتائِج
              وَجَدْنا أنَّ إقامةَ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ هو أَحَدُ سُبلِ العربيَّةِ في التعبيرِ والإبداعِ وبيانِ المعاني، وضربٌ من الاتِّساعِ والإيجازِ. ولا شكَّ أنَّ النظامَ النَّحويَّ جاءَ لِتَحقِيقِ الفائِدةِ ، أي لإيصالِ ما في نفسِ المتكلِّمِ للمخاطبِ، فهو آيةٌ في التبليغِ، وقد ذَهَبَ النحاةُ في هذا الاتجاهِ مَذهباً حسناً، كما أنَّهم فَهِمُوا هذِهِ الظاهِرةَ فَهْماً صَحيحاً، فقد بَنَوا قواعدَهُم على أساسِ من التخفيفِ والبعدِ عنِ الاستِثقالِ، وهذا ما يُسَمِّيهِ العلماءُ اليومَ بالاقتِصادِ اللغويِّ، الذي ينادِي بأنَّ الإنسانَ لا يبذُلُ من الجهودِ العلاجيَّةِ أو الذهنِيَّةِ في إعمالِهِ لآلةِ الخِطابِ إلا بِقَدَرِ ما يستطِيعُ أنْ يُفِيدَ بِهِ المُخاطَبَ، وأنَّ المتكلِّمَ يسعى ليقدِّمَ الفائدة بأقلِّ عددٍ ممكنٍ من الجُهدِ.
              وكذلِكَ رَأيْنا أنَّ إقامةَ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ لا يُصارُ إليهِ، ولا يُستَحسَنُ إلا إذا دَعتْ إلَيهِ ضَرورةٌ فنيَّة، مَفادُها ما اختصَّت بِهِ العربيَّةُ من الإيجازِ وطرحِ فُضُولِ الكلامِ، والاكتِفاءِ بالُّلحمةِ، وطلبِ الخفَّةِ واليُسرِ ثمَّ التوجُّهُ إلَى إمتاعُ الذِّهنِ بِما تذهبُ إلَيهِ النَّفسُ في تَقدِيرِ المحذُوفِ المطويِّ فِي ثنايا الكَلامِ.
              وأهمُّ النتائِجِ
              1- إقامةُ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ ضَرُورةٌ فنيَّةٌ مَفادُها اختِصاصُ العرَبيّةِ بالمرُونةِ والسُّهولةِ واليُسرِ، وإمتاعُ الذِّهنِ بِما في العربيَّةِ من تَقدِيرات وحذْفٍ.
              2- الاهتمام بالمتكلِّمُ والمخاطبُ، لأنَّ كُلاً مِنهُما يَطلُبُ المعنى حينَ إقامةِ المضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ، فكان على النُّحاةِ تَوفِيرُ الأَدواتِ مِن أَجلِ الإبانةِ عن المعنى الَّذِي يَحمِلُه التَّركيبُ.
              3-إبرازُ أهميةِ المسألةِ النَّحويَّةِ، مع ذِكرِ القَاعِدةِ النَّحويَّةِ بالتفصيلِ في إقامةِ المُضافِ إلَيهِ مُقامَ المضافِ.
              4-تَتبُّعُ الآراءِ النَّحويَّةِ المتعددة، وبَيانُ الأوجُهِ المختلِفة مِن تَعدُّدِ الرِّوايات، ثُمَّ بَعدَ ذلِكَ مَعرفةُ الرَّأي المُعتَمدِ عِندَ جُمهُورِ النُّحاةِ.

              -----------------------
              المَصادِرُ والمَراجِعُ
              1-إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعِة عشر: أحمد بن محمد بن عبد الغني البنا الدِّمياطي (ت1117هـ)، تحقيق: عبد الرحيم الطرهوني، دار الحديث، 1420هـ-2009م.
              2-أسباب نزول القرآن: الواحدي، مكتبة الجمهورية العربية، القاهرة، 1967م.
              3-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر، دمشق، 1415هـ-1995م.
              4-إعراب القرآن: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت388هـ)، تحقيق: د.زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت، 1405هـ-1985م، 1: 279-280.
              5-الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية: د.ميشال زكريا، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، بيروت، 1986م.
              6-الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت577هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، 1427هـ-2006م.
              7-الأنماط التحويلية في النحو العربي: د. محمد حماسة عبداللطيف، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1990م.
              8-أنوار التنزيل وأسرار التأويل: عبد الله بن عمر بن علي البيضاوي ( ت685هـ) تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1418ه.
              9-البحر المحيط لأبي عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي (ت745هـ)، دار إحياء التراث، القاهرة،
              10-البرهان في علوم القرآن: الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1376هـ.
              11-التبيان في إعراب القرآن: لأبي البقاء عبد الله بن الحسين (ت616هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، 1976م.
              12-الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384هـ -1964م.
              13-الحجة للقراء السبعة: أبو علي الفارسي، الحسن بن عبد الغفار(ت377هـ)، تحقيق: بدر الدين قهوجي، وبشير جويجاتي، مراجعة عبد العزيز رباح، وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، 1407هـ.
              14- دراسات لأسلوبِ القرآن الكريم: محمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث، القاهرة، د. ت.
              15-الدرُّ المصُون في علوم الكتاب المكنون: لأبي العباس أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود المعروف بـ السمين الحلبي (ت756هـ)، تحقيق: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، 1406هـ.
              16-ديوان حسن بن ثابت: تحقيق: د.سيد حنفي، القاهرة، 1983م.
              17-ديوان ذي الرُّمة: تحقيق ودراسة: د.عبد القدوس أبو صالح، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1973م.
              18-روح المعاني: للآلوسي، قرأه وصحَّحه: محمد حسين العرب، المكتبة التجارية، مصر، 1417ه.
              19-شرح المفصل : موفق الدين يعيش بن علي بن أبي السرايا الحلبي النحويّ (ت643هـ)، عالم الكتب، بيروت، لبنان، د.ت.
              20-الكتاب: سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنب‍ر (ت180هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1430هـ-2009م.
              21-مدخل إلى علم اللغة: د. محمود فهمي حجازي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004م.
              22-مشكل إعراب القرآن: لأبي محمد مكيِّ بنِ أبِي طالبٍ القيسيِّ (ت437هـ)، تحقيق: محمد عثمان، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2009م.
              23-معاني القرآن وإعرابه: لأبي إسحاق الزجاج إبراهيم بن السِّرِّيِّ (ت311هـ)، تحقيق د.عبد الفتاح عبده شلبي، دار الحديث، القاهرة، 1426ه، 2005م.
              24-معاني النحو: فاضل صالح السامرائي، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، ط5، 2011م-1432هـ.
              25-مفاتيح الغيب: فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن الرازي (ت603هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ-1990م.
              26-المقتضب: لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)، تحقيق: حسن حمد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420هـ، 1999م.
              28-نظرية العلاقات و النظم بين عبدالقاهر الجرجاني والنقد الغربي الحديث: د. محمد نايل أحمد، دار المنار، القاهرة، 1998م.

              ------------------------
              1 الآية 82 من سورة يوسف.
              2 الكتاب: سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنب‍ر (ت180هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1430هـ-2009م، 1: 212.
              3 الآية 81-82 من سورة يوسف.
              4 الآية 177 من سورة البقرة.
              5 معاني القرآن وإعرابه: لأبي إسحاق الزجاج إبراهيم بن السِّرِّيِّ (ت311هـ)، تحقيق د.عبد الفتاح عبده شلبي، دار الحديث، القاهرة، 1426ه-2005م، 1: 213.
              6 البيت للخنساء ديوانها ص50. وصدره: ترتعُ ما رَتَعتْ حتَّى إذا ادَّكرَتْ . وينظر: المحتسب في تبيين شواذ القراءات والإيضاح عنها: لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف، د. عبد الفتاح شلبي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، 1424هـ-2004م، 2: 43.
              7 إعراب القرآن: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت388هـ)، تحقيق: د.زهير غازي زاهد، عالم الكتب، بيروت، 1405هـ-1985م، 1: 279-280.
              8 معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1: 213-214.
              9 الآية 41 من سورة الروم.
              10 إعراب القرآن 3: 275.
              11 الآية 93 من سورة البقرة.
              12 الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت577هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، 1427هـ-2006م، ص 54.
              13 الكتاب 1: 214. والعذير: الحال. وسِلّى: اسم موضع بالأهواز كثير التمر. وقاق: صوت. وقِفار: أرض موحشة. والشاهد قوله: "نعام " فقد أقام المضاف إليه مقام المضاف، وأصل الكلام: كأنَّ عذِيرَهم عذِيرَ نَعام.
              14 الكتاب 1: 215. والبيت للحطيئة في ديوانه ص 47. والمنايا: جمع منية وهي الموت. والشاهد قوله: " مَيِّتٌ وَسْطَ أهلِهِ " والتقدير: وشرُّ المنايا منية ميت وسط أهله. فقد أقامَ المضاف إليه مقام المضاف فأخذ محله الإعرابي.
              15 معاني النحو: فاضل صالح السامرائي، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، ط5، 2011م-1432هـ، مج 2، ج 3: 124.
              16 الآية 36 من سورة يوسف.
              17 معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3: 88-89. وإعراب القرآن 2: 329.
              18 نظرية العلاقات والنظم بين عبدالقاهر الجرجاني والنقد الغربي الحديث: د. محمد نايل أحمد، دار المنار، القاهرة، 1998م، ص78.
              19 الآية 10 من سورة الرعد.
              20 معاني القرآن وإعرابه 3: 114-115.
              21 معاني القرآن وإعرابه 3: 115. وإعراب القرآن للنحاس 2: 353.
              22 الآية 18 من سورة يوسف.
              23 إعراب القرآن للنحاس 2: 318.
              24 الآية 31 من سورة يوسف.
              25 إعراب القرآن 2: 326.
              26 الآية 21 من سورة الأحزاب.
              27 البرهان في علوم القرآن: الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1376هـ، 3: 104.
              28 الآية 13 من سورة الأحزاب.
              29 إعراب القرآن للنحاس 3: 306.
              30 مشكل إعراب القرآن: لأبي محمد مكيِّ بنِ أبِي طالبٍ القيسيِّ (ت437هـ)، تحقيق: محمد عثمان، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2009م، ص 380.
              31 الآية 39 من سورة مريم.
              32 معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3: 270.
              33 إعراب القرآن 3: 18.
              34 الآية 1 -4 من سورة الذاريات.
              35 إعراب القرآن للنحاس 4: 235.
              36 الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384هـ -1964م، 7: 29. والوقر: كل ما حُمِلَ على الظهر.
              37 الآية 13 من سورة محمد.
              38 إعراب القرآن 4: 182.
              39 الآية 22 من سورة الشورى.
              40 الآية 21 من سورة محمد.
              41 إعراب القرآن 4: 187.
              42 الآية 8 من سورة الطلاق.
              43 إعراب القرآن 4: 455.
              44 الآية 39 من سورة فاطر.
              45 إعراب القرآن للنحاس 3: 375.
              46 الآية 10 من سورة فاطر.
              47 إعراب القرآن للنحَّاس 3: 364.
              48 الآية 91 من سورة الأنعام.
              49 التبيان في إعراب القرآن: لأبي البقاء عبدالله بن الحسين (ت616هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، 1976م، 1 : 518.
              50 الآية 9 من سورة العنكبوت.
              51 البحر المحيط: لأبي حيان محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي(ت745هـ)، تحقيق: عادل عبدالموجود، وعلي محمد معوض، وزكريا عبدالمجيد النوني، وأحمد النخول الجمل، ودار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 7: 143.
              52 الآية 8 من سورة العنكبوت.
              53 مشكل إعراب القرآن ص367.
              54 المقتضب: لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)، تحقيق: حسن حمد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420هـ، 1999م، مج2، ج 3: 189.
              55 الكتاب 1: 215. والخلة: بفتح الحاء أو كسرها أو ضمها. الصداقة. وأبو مرحب: كنية عن الظلِّ. والشاهد فيه: " كأبي مرحب " وأصل الكلام: أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب. فقد أقام المضاف إليه مقام المضاف.
              56 الآية 177 من سورة البقرة.
              57 ديوان ذي الرُّمة: تحقيق ودراسة: د.عبد القدوس أبو صالح، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1973م، 2: 647.
              58 ديوان حسن بن ثابت: تحقيق: د.سيد حنفي، القاهرة، 1983م، 1: 74.
              59 الآية 7 من سورة الأعراف.
              60 معاني القرآن وإعرابه 2: 256.
              61 الآية 163 من سورة الأعراف.
              62 الآية 45 من سورة العنكبوت.
              63 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 3: 257.
              64 الآية 3 من سورة المائدة.
              65 الآية 23 من سورة النساء.
              66 الآية 210 من سورة البقرة.
              67 الآية 22 من سورة الفجر.
              68 الآية 97 من سورة المائدة.
              69 دراسات لأسلوبِ القرآن الكريم: محمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث، القاهرة، د. ت، 3: 320.
              70 مدخل إلى علم اللغة: د. محمود فهمي حجازي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004م، ص 160.
              71 الآية 11 من سورة الفتح.
              72 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الفكر، دمشق، 1415هـ-1995م، 7: 396.
              73 الآية 41 من سورة المائدة.
              74 الآية 17 من سورة المائدة.
              75 الآيتان 37-38 من سورة يوسف.
              76 الآيتان 17-18 من سورة البقرة.
              77 إعراب القرآن للنحاس 1: 194.
              78 ينظر روح المعاني: للآلوسي، قرأه وصحَّحه: محمد حسين العرب، المكتبة التجارية، مصر، 1417ه، 1: 275.
              79 الآية 219 من سورة البقرة.
              80 الدرُّ المصُون في علوم الكتاب المكنون: لأبي العباس أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود المعروف بـ السمين الحلبي (ت756هـ)، تحقيق: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، 1406هـ، 2: 406.
              81 الآية 28 من سورة آل عمران.
              82 التبيان في إعراب القرآن 1: 252.
              83 إعراب القرآن للنحاس 1: 366.
              84 الآية 154 من سورة النساء.
              85 الدر المصون 1: 141.
              86 الكشاف 1: 585.
              87 التبيان في إعراب القرآن 1: 403. وينظر الدر المصون 4: 141.
              88 الآية 96 من سورة البقرة.
              89 روح المعاني 1: 520.
              90 الآية 21 من سورة ص.
              91 إعراب القرآن للنحاس 3: 459.
              92 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15: 149.
              93 شرح المفصل : موفق الدين يعيش بن علي بن أبي السرايا الحلبي النحويّ (ت643هـ)، عالم الكتب، بيروت، لبنان، د.ت، ج3: ص23.
              94 الآية 190 من سورة الأعراف.
              95 إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعِة عشر: أحمد بن محمد بن عبد الغني البنا الدِّمياطي (ت1117هـ)، تحقيق: عبدالرحيم الطرهوني، دار الحديث، 1420هـ-2009م، 1 : 590. وينظر كتاب السبعة ص299، والحجة لأبي علي الفارسي 4: 111،
              96 الآية 31 من الزخرف.
              97 الآية 22 من سورة الرحمن.
              98 الحجة للقراء السبعة: أبو علي الفارسي، الحسن بن عبد الغفار(ت377هـ)، تحقيق: بدر الدين قهوجي، وبشير جويجاتي، مراجعة عبد العزيز رباح، وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، 1407هـ، ج2 ص283.
              99 مشكل إعراب القرآن ص 203.
              100 الآيتان 30-31 من سورة الدخان.
              101 البحر المحيط: لأبي حيان ، 1413هـ-1993م، ج8 ص 37.
              102 إعراب القرآن للنحاس 4: 132.
              103 الآية 112 من سورة المائدة.
              104 إتحاف فضلاء البشر 1: 516.، والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة 1: 310. وينظر كتاب السبعة في القراءات ص 249، والبحر المحيط 4: 54.بقراءة عائشة قرأ الكسائي، وكانت تقول: الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: هل تستطيع ربَّك، إنَّما قالوا: هل تستطيع سؤال رَبِّكَ، كأنَّها رضي الله عنها نزَّهَتهم عن هذه المقالة الشنيعة أن تُنسَبَ إليهِم، وبها قرأ معاذ أيضاً، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، قال معاذ رضي الله عنه: أقرأنِي رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم: " هل تَستَطِيعُ رَبَّكَ " بالتاء.
              105 الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية: د.ميشال زكريا، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، بيروت، 1986م، ص164.
              106 الأنماط التحويلية في النحو العربي: د. محمد حماسة عبداللطيف، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1990، ص18.
              107 إعراب القرآن للنحاس 2: 50، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 2: 178، والحجة في القراءات السبع للفارسي ص15والبحر المحيط 4: 53.
              108 مفاتيح الغيب: للرازي ، 12: 129.
              109 الآية 1 من سورة الشمس
              110 الآية 1 من سورة العصر.
              111 الآيتان 1-2 من سورة الذاريات.
              112 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 4: 234-235.
              113 الآية 105 من سورة الشعراء.
              114 معاني القرآن وإعرابه 4: 73.
              115 الآية 52 من سورة الأحزاب.
              116 إتحاف فضلاء البشر 2: 303. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، بالتاء من فوق، لأنَّ الفاعل حقيقي التأنيث، ووافقهما اليزيدي والحسن. وقرأ الباقون بالياء من تحت للفصل. وينظر البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة 2: 203 وكتاب السبعة ص523، والكشاف 3: 270.
              117 إعراب القرآن لأبي إسحاق الزجاج 3: 322، ومعاني القرآن وإعرابه 4: 177.
              118 الآية 57 من سورة القصص.
              119 إعراب القرآن 3: 240. قرأ نافع ، وأبو جعفر، ورُوَيْس بالتاء الفوقانية، والباقون بالياء التحتانية ينظر البدور الزاهرة 2: 170، و وإتحاف فضلاء البشر 2: 272، وكتاب السبعة ص495، والنشر في القراءات العشر 2: 342.
              120 الآية 176 من سورة النساء.
              121 الآية 25 من سورة الأنعام.
              122 الآية 21 من سورة النَّحل.
              123 معاني القرآن وإعرابه 3: 243 وإعراب القرآن 2: 293.
              124 الآية 2 من سورة الطلاق.
              125 الآية 21 من سورة ص.
              126 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 4: 459.
              127 الآية 26 من سورة الزخرف.
              128 معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق الزجاج 4: 311.
              129 الآية 10 من سورة الرعد.
              130 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 2: 353.
              131 الآية 46 من سورة هود.
              132 الآية 47 من سورة الإسراء.
              133 الآية 6 من سورة الطارق.
              134 معاني القرآن وإعرابه 5: 239.
              135 الآية 7 من سورة القارعة.
              136 الآية 18 من سورة إبراهيم.
              137 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 2: 367.

              تعليق

              يعمل...