ما ينصرف وما لا ينصرف عند النحويين القدامى والمحدثين
م. د. عبد الواحد خلف وساك
جامعة ميسان – كلية التربية
المقدمـــة
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
لقد حظيت لغتنا العربية باهتمام النحويين منذ القدم بعد أن اتسعت رقعة الإسلام ورافقها تعدد الألسنة المختلفة والمنتمية إلى أصول متباينة، فكان ذلك سببا في دفع هؤلاء النحويينٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ إلى تدارك خطورة الموقف ونتائجه على لغتنا العربية التي هي لغةٍ القرآن الكريم، فكانت جهودهم مثمرة من نتائجها تثبيت أصول التعامل باللغة العربية، ومعالجة الاستعمالات الجديدة بالقياس إلى لغة العرب، فكانت ٍالحاجة إلى باب ما لا ينصرف وما لا ينصرف هو الاحتكاك الحضاري والحاجة إلى مصطلحات تتمشى وهذه الحضارة، وكاد النحويون يجمعون على ألفاظ معينة أنها لا تنصرف والقياس عليها، فكان منهجنا هو استطلاع آراء النحويين القدامى والمحدثين في هذا الموضوع، فقسمت البحث على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.
أمّا التمهيد فقد ذكرت فيه أنواع الإعراب والعلامات الإعرابية.
وأمّا الفصل الأول فقد قسمته على مبحثين:
المبحث الأول: التنوين وأنواعه والغرض منه.
المبحث الثاني: لِمَ ينصرف الاسم ولِمَ لا ينصرف.
وأمّا الفصل الثاني فقد ذكرت فيه أنواع ما ينصرف على مبحثين:
المبحث الأول: الأنواع الخمسة التي لا تنصرف في تعريف ولا تنكير.
المبحث الثاني: الأنواع السبعة التي لا تنصرف وهي معرفة ولكنها تنصرف وهي نكرة.
وأمّا الفصل الثالث فقد ضمّ مباحث متفرقة:
المبحث الأول: المنقوص الممنوع من الصرف.
المبحث الثاني: صرف ما لا ينصرف وبالعكس.
وأمّا الخاتمة فقد ضمت أهم نتائج البحث.
وقد اعتمدت في بحثي على جملة من المصادر منها كتاب سيبويه، ومعاني القرآن للأخفش والفراء والمقتضب للمبرد، وما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج، وشرح ابن عقيل، ومن المراجع النحو الوافي لعباس حسن، ومعاني النحو لفاضل السامرائي، وغيرها من المصادر، أرجو أنّي وفقت في بحثي هذا وما التوفيق إلّا من عند الله.
الباحث
التمــهيـد: أنواع الإعراب وعلاماته
يظهر أنّ انصباب النحاة على مباحث الإعراب أكثرمن انصبابهم على مباحث التركيب أنّ طلائع اللحن ظهرت في إعراب اللغة قبل ظهورها في مجاري التأليف(1)، فالكلام لا يتوضح معناه إلّا عن طريق الإعراب وقد ورد ذلك في القرآن الكريم (2)، أمّا أنواع إعراب الاسم فهي ثلاثة: رفع ونصب وجرّ، وعلامة الإعراب فيه إمّا حركة أو حرف، والأصل فيه أن يعرب بالحركات، والمعرب بالحركة من الأسماء ثلاثة: الاسم المفرد، وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم فتكون علامة رفعها الضمة، وعلامة نصبها الفتحة، وعلامة جرها الكسرة إلّا جمع المؤنث السالم علامة نصبه الكسرة بدل الفتحة، والاسم الذي لا ينصرف علامة جره الفتحة بدل الكسرة (3).
والمعرب قسمان لأنه لم يشابه الفعل بجهة من جهات الشبه بالفعل تظهر عليه الحركات الإعرابية وينوّن مثل زيد وعمرو، وإن شابه الفعل لا تطهر عليه كل الحركات الإعرابية بل يرفع بالضمة وينصب ويجرّ بالفتحة مثل أحمد وأحسن(4) أمّا المبني فهو الذي لا ينوّن ولا تظهر عليه الحركات الإعرابية كلفظ (متى) .
ويرى بعض النحاة أنّ بين الجرّ والنصب علامة، وقد سبق أن حُمل النصب على الجرّ في التثنية وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم فسيحق أن يُحمل الجرّ على النصب في موضع التنوين(5).
إنّ الكسرة هي العلامة الأصلية في الاسم في حالة الجرّ وينوب عنها الياء في المثنى وجمع المذكر السالم والأسماء الخمسة والفتحة في الممنوع من الصرف(6).
الفصل الأول: التنوين
المبحث الأول: التنوين أنواعه والغرض منه
جاء قي كتاب العين: ((صرف الكلمة:: إجراؤها بالتنوين))(7)، والتنوين من العلامات التي يعرف بها الاسم فضلا عن الألف واللام والجرّ وغيرها، والتنوين هنا (تنوين الأمكنية) قال سيبويه: ((التنوين علامة الأمكن عندهم والأخف عليهم))(8) نحو: رجل وفرس وزيد ولا يكون ذلك في الأسماء (9)، ويرى المبرد: ((أنّ التنوين في الأصل للأسماء كلها علامة فاصلة بينها وبين غيرها))(10).
ومن التنوين ما هو أصيل وينحصر في أربعة أنواع: تنوين الامكنية وتنوين التنكير وتنوين المقابلة وتنوين العوض، وما هوغير أصيل كتنوين الضرورة الشعرية وتنوين الترنيم والتنوين الغالي(11) ، وهو نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظا وتفارقها خطا ووقعا(12)، ويسمى التنوين صرفا لأنّ رنة زيدا كرنين الدراهم عند الصيارفة(13)، أو أنّ التنوين تصويت في آخر الاسم المنصرف(14).
ويرى د. إبراهيم مصطفى أنّ ((معنى التنوين غير خفي فهو علامة التنكير))(15)، ويفسر لنا المستشرق براجستراسر ذلك بقوله: ((إنّ التنوين إن كان علامة التنكير فربما كان في الأصل علامة التعريف، فقد ذكرنا أنّ أصل التنوين التمييم، وإنّا نرى للتمييم آثارا من معنى التعريف في الأكدية العتقية إن من الممكن أن يكون التنوين قد كان في الأصل للتعريف ثمّ ضعف معناه المعرف فقام مقامه الألف واللام، فصار علامة للتنكير فإذا كان كذلك فهمنا سبب وجود التنوين في كثير من الأعلام القديمة نحو عمرو وزيد، ونفهم أيضا سبب إنعدامه في بعضها نحو عُمر وطلحة وهند فإنّ العلم معرف في نفسه لا يحتاج إلى علامة للتعريف وإن أمكن أن تلحق به، ولو كان التنوين علامة لتنكير في الأصل لكان إلحاقه ببعض الأعلام صعب الفهم جدا))(16).
ويردّ د. فاضل السامرائي على د. إبراهيم مصطفى بقوله: ((من أسماء الصدر الأول على سبيل المثال، محمد وعُمر و عثمان وعليّ، فمحمد وعلي منصرفان وعُمر وعثمان ممنوعان من الصرف، فهل معنى ذلك أنّ محمدا وعليّا نكرتان بخلاف عُمر وعثمان ؟ وهل يمكن أن يقال: أنّ محمدا أوعليا غير معين بخلاف عُمر وعثمان ؟))(17).
فالتنوين ربما كان في الأصل علامة تعريف وبقيت هذه العلامة في قسم من الأعلام تشير إلى أصلها القديم، لكنّ وجود التنوين أو عدمه له أغراض معينة وهي ملخصة من كتاب معاني النحو(18):
1ـ أنه يميز بين المعرفة والنكرة، فإنه إذا لحق علما حقه إلّا ينون أفاد أنه نكرة نحو: رأيتُ اسماعيلا والمعنى رأيت شخصا ما اسمه إسماعيل بخلاف قولك: رأيتُ إسماعيلَ فإنه يعني شخصا معلوما.
2ـ يبين لنا أصل الكلمة وذلك نحو: حسّان فإنه إذا نوّن العلم أفاد أنّ النون من أصل الكلمة، وإن لم ينوّن أفاد أنها زائدة، فحسان إذا نوّن كان من الحسن وإن لم ينون فهو من الحسّ.
3ـ يبين لنا المقصود بالاسم أ هو معناه الوضعي أم يراد به العلمية ؟ وذلك نحو صفوان فإنه إذا نوّن أريد معناه الوضعي فصفوان هو الحجر الأملس وإذا لم ينوّن أريد به العلمية.
4ـ يميز لنا بين الوصف وغيره نحو (أول) فإذا نونتها لم تكن وصفا نحو: أفعل هذا أولا وإذا لم تنوّن كانت وصفا نحو جئتُ عام أول.
5ـ يدلنا على هوية الكلمة فقد تكون الكلمة ذات مادة اشتقاقية ذلت معنى معين في العربية وهي موافقة لكلمة أعجمية في لفظها، والذي يقطع بأصلها ومعناها في الاستعمال التنوين وذلك نحو(يعقوب) فإنّ معناها في العربية ذكر الحجل وهو منصرف علما وغير علم، وقد ورد علما غير منصرف في القرآن الكريم وغيره فدلّ ذلك أنه ليس منقولا عن هذا المعنى وإنما هو أعجمي.
6ـ يبين لنا الكلمة أ مؤنثة هي أم مذكرة ؟ فإذا قلت مثلا: أقيل اليوم صباحُ بلا تنوين كان علما لأنثى، وإذا نونتها كان مذكرا.
7ـ النصّ على معنى معين وذلك نحو(ندمان) فهي بالتنوين من المنادمة ومؤنثها ندمانة وبالمنع من الصرف هي من الندم ومؤنثها ندمى.
المبحث الثاني: لِمَ ينصرف الاسم ولِمَ لا ينصرف
الاسم المعرب إذا لم يشابه الحرف قسمان لأنه إن لم يشابه الفعل بجهة من جهات الشبه بالفعل فهو الاسم (المتمكن الأمكن) وهو الذي تظهر عليه الحركات الإعرابية وينوّن (19) مثل زيد وعَمرو وأمثالها، وإن شابه الفعل فهو الاسم (المتمكن غير الأمكن)، وهو الممنوع من الصرف لا ينون، يقول المبرد ((لا ينصرف أي لا يدخله تنوين))(20)، والشبه عند النحويين أربعة أضرب: الشبه الوضعي والمعنوي والافتقاري الملازم، والشبه ألاستعمالي(21).
وعند الزجاج معنى ينصرف ومعنى التمام أن يدخله مع الرفع والنصب الخفض ومع الحركات التنوين(22)، ويقول: ((وذلك كل ما ينصرف غير منون ليفصل بين المستوفي المتمكن وبين الناقص المتمكن))(23).
وعند بعض النحاة الاسم الداخل عليه التنوين هو المنصرف واشتقاقه من الصريف يقال: صرف البعير وصريفه بغتة كالتنوين، وقيل: مأخوذ من الانصراف يقال: صرفت الناقة إذا صوتت بأنيابها(24).
ويرى النحاة أنّ الاسم لا ينصرف إذا كان هناك موضع يستثقل به التنوين(25) وهو بذلك بكون مشابه للفعل لأنّ الأفعال لا تخفض ولا تنون وهذا الشبه يكون في اللفظ ويكون في المعنى لأنّ هناك فرعيتين في الفعل عن الاسم: إحداهما: أنّ الاسم وهو المصدر أصل الاشتقاق والفعل فرع منه وهي فرعية راجعة إلى اللفظ وثانيهما: إنّ الفعل لابدّ له من الفاعل ولا يكون إلّا اسما وهذه فرعية راجعة إلى المعنى فإذا وُجدت هاتان الفرعيتان في الاسم فقد أشبه الفعل فيثقل ويمنع من الصرف، فلو اختلت هذه الشروط لم يمنع من الصرف(26)، يقول الزجاج:((إنّ جميع ما لا ينصرف من الأسماء فإنما امتنع من الصرف لشيئين من الفرع يدخلانه فيخرجانه من أصل التمكن وأصول الأسماء))(27) وقولـه في
موضع آخر: ((فإذا اجتمعت جهتان من الفرع غلبتا جهة واحدة من الأصل فصار الفرع أملك فعلى هذا قياس كل ما لا ينصرف))(28).
وعدّ براجستراسر عدم الانصراف في بعض الأسماء من غرائب اللغة العربية وحديث العهد إذ يقول: ((أمّا عدم انصراف بعض الأسماء نحو يغوث وعُمر وطلحة وهند وأبيض وبيضاء وكثير من أبنية جمع التكسير فهو من غرائب اللغة العربية، ومما يدل على حداثته أنّ كل الأسماء غير المنصرفة يمكن انصرافها في الشعر، والشعر كثيرا ما يحافظ على القديم بخلاف الحديث ومعلوم أنّ الانصراف مقصور على حالة التنكير فإنّا نرى (الأبيض) مثلا جره (الأبيض) بالكسرة و(ابيض) منكرا جره (أبيض) بالفتحة، وذلك يدل على أنه كانت بين عدم الانصراف والتنكير علامة أصلية، وكثرة وقوع عدم الانصراف في الأعلام يدلّ على ضد ذلك في الظاهر))(29).
والاسم غير المنصرف فيه علتان تمنعانه من الصرف أو علة واحدة تقوم مقامهما(30)، وإنّ وجود العلل أو عدمها يصرف الاسم أو لا يصرفه ونعني بذلك دخول بعض جهات الفروع لإخراج الاسم من أصل التمكن التي إذا اجتمع منها اثنان على الاسم منعا الصرف ومن هذه الجهات:
أولا: الصفة، فالصفة فرع لأنّ الموصوف قبل الصفة.
ثانيا: التأنيث لأنّ التذكير قبل التأنيث فإنك تقول: (قائم) ثمّ تقول: (قائمة) فيدخل التأنيث على التذكير.
ثالثا: المعرفة لأنّ الاسم يكون نكرة ثمّ يعرّف كقولك: رجل والرجل.
رابعا: شبه لفظ الفعل لأنّ الفعل فرع من الاسم، وأنّ ما لا ينصرف فرع من الأسماء، وإنه بذلك يشبه الفعل الذي هو فرع من الأسماء نحو: يزيد.
خامسا: الجمع لأنّ الواحد أول العدد فالجمع فرع.
سادسا: العدل أي: عدل الاسم عن جهته لأنّ عدلك إياه عن أصله هي إزالة عن الأصل.
سابعا: من الفروع أن يكون الاسم أعجميا فالعجمة فرع في العربية (31).
ولا يختلف ابن جني عمّا أوردناه إذ يقول: ((إنّ علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل، فأمّا السبب الواحد فيقل على أن يتمّ علة بنفسه حتى ينظم إليه الشبه الآخر من الفعل))(32).
جامعة ميسان – كلية التربية
المقدمـــة
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
لقد حظيت لغتنا العربية باهتمام النحويين منذ القدم بعد أن اتسعت رقعة الإسلام ورافقها تعدد الألسنة المختلفة والمنتمية إلى أصول متباينة، فكان ذلك سببا في دفع هؤلاء النحويينٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ إلى تدارك خطورة الموقف ونتائجه على لغتنا العربية التي هي لغةٍ القرآن الكريم، فكانت جهودهم مثمرة من نتائجها تثبيت أصول التعامل باللغة العربية، ومعالجة الاستعمالات الجديدة بالقياس إلى لغة العرب، فكانت ٍالحاجة إلى باب ما لا ينصرف وما لا ينصرف هو الاحتكاك الحضاري والحاجة إلى مصطلحات تتمشى وهذه الحضارة، وكاد النحويون يجمعون على ألفاظ معينة أنها لا تنصرف والقياس عليها، فكان منهجنا هو استطلاع آراء النحويين القدامى والمحدثين في هذا الموضوع، فقسمت البحث على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.
أمّا التمهيد فقد ذكرت فيه أنواع الإعراب والعلامات الإعرابية.
وأمّا الفصل الأول فقد قسمته على مبحثين:
المبحث الأول: التنوين وأنواعه والغرض منه.
المبحث الثاني: لِمَ ينصرف الاسم ولِمَ لا ينصرف.
وأمّا الفصل الثاني فقد ذكرت فيه أنواع ما ينصرف على مبحثين:
المبحث الأول: الأنواع الخمسة التي لا تنصرف في تعريف ولا تنكير.
المبحث الثاني: الأنواع السبعة التي لا تنصرف وهي معرفة ولكنها تنصرف وهي نكرة.
وأمّا الفصل الثالث فقد ضمّ مباحث متفرقة:
المبحث الأول: المنقوص الممنوع من الصرف.
المبحث الثاني: صرف ما لا ينصرف وبالعكس.
وأمّا الخاتمة فقد ضمت أهم نتائج البحث.
وقد اعتمدت في بحثي على جملة من المصادر منها كتاب سيبويه، ومعاني القرآن للأخفش والفراء والمقتضب للمبرد، وما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج، وشرح ابن عقيل، ومن المراجع النحو الوافي لعباس حسن، ومعاني النحو لفاضل السامرائي، وغيرها من المصادر، أرجو أنّي وفقت في بحثي هذا وما التوفيق إلّا من عند الله.
الباحث
التمــهيـد: أنواع الإعراب وعلاماته
يظهر أنّ انصباب النحاة على مباحث الإعراب أكثرمن انصبابهم على مباحث التركيب أنّ طلائع اللحن ظهرت في إعراب اللغة قبل ظهورها في مجاري التأليف(1)، فالكلام لا يتوضح معناه إلّا عن طريق الإعراب وقد ورد ذلك في القرآن الكريم (2)، أمّا أنواع إعراب الاسم فهي ثلاثة: رفع ونصب وجرّ، وعلامة الإعراب فيه إمّا حركة أو حرف، والأصل فيه أن يعرب بالحركات، والمعرب بالحركة من الأسماء ثلاثة: الاسم المفرد، وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم فتكون علامة رفعها الضمة، وعلامة نصبها الفتحة، وعلامة جرها الكسرة إلّا جمع المؤنث السالم علامة نصبه الكسرة بدل الفتحة، والاسم الذي لا ينصرف علامة جره الفتحة بدل الكسرة (3).
والمعرب قسمان لأنه لم يشابه الفعل بجهة من جهات الشبه بالفعل تظهر عليه الحركات الإعرابية وينوّن مثل زيد وعمرو، وإن شابه الفعل لا تطهر عليه كل الحركات الإعرابية بل يرفع بالضمة وينصب ويجرّ بالفتحة مثل أحمد وأحسن(4) أمّا المبني فهو الذي لا ينوّن ولا تظهر عليه الحركات الإعرابية كلفظ (متى) .
ويرى بعض النحاة أنّ بين الجرّ والنصب علامة، وقد سبق أن حُمل النصب على الجرّ في التثنية وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم فسيحق أن يُحمل الجرّ على النصب في موضع التنوين(5).
إنّ الكسرة هي العلامة الأصلية في الاسم في حالة الجرّ وينوب عنها الياء في المثنى وجمع المذكر السالم والأسماء الخمسة والفتحة في الممنوع من الصرف(6).
الفصل الأول: التنوين
المبحث الأول: التنوين أنواعه والغرض منه
جاء قي كتاب العين: ((صرف الكلمة:: إجراؤها بالتنوين))(7)، والتنوين من العلامات التي يعرف بها الاسم فضلا عن الألف واللام والجرّ وغيرها، والتنوين هنا (تنوين الأمكنية) قال سيبويه: ((التنوين علامة الأمكن عندهم والأخف عليهم))(8) نحو: رجل وفرس وزيد ولا يكون ذلك في الأسماء (9)، ويرى المبرد: ((أنّ التنوين في الأصل للأسماء كلها علامة فاصلة بينها وبين غيرها))(10).
ومن التنوين ما هو أصيل وينحصر في أربعة أنواع: تنوين الامكنية وتنوين التنكير وتنوين المقابلة وتنوين العوض، وما هوغير أصيل كتنوين الضرورة الشعرية وتنوين الترنيم والتنوين الغالي(11) ، وهو نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظا وتفارقها خطا ووقعا(12)، ويسمى التنوين صرفا لأنّ رنة زيدا كرنين الدراهم عند الصيارفة(13)، أو أنّ التنوين تصويت في آخر الاسم المنصرف(14).
ويرى د. إبراهيم مصطفى أنّ ((معنى التنوين غير خفي فهو علامة التنكير))(15)، ويفسر لنا المستشرق براجستراسر ذلك بقوله: ((إنّ التنوين إن كان علامة التنكير فربما كان في الأصل علامة التعريف، فقد ذكرنا أنّ أصل التنوين التمييم، وإنّا نرى للتمييم آثارا من معنى التعريف في الأكدية العتقية إن من الممكن أن يكون التنوين قد كان في الأصل للتعريف ثمّ ضعف معناه المعرف فقام مقامه الألف واللام، فصار علامة للتنكير فإذا كان كذلك فهمنا سبب وجود التنوين في كثير من الأعلام القديمة نحو عمرو وزيد، ونفهم أيضا سبب إنعدامه في بعضها نحو عُمر وطلحة وهند فإنّ العلم معرف في نفسه لا يحتاج إلى علامة للتعريف وإن أمكن أن تلحق به، ولو كان التنوين علامة لتنكير في الأصل لكان إلحاقه ببعض الأعلام صعب الفهم جدا))(16).
ويردّ د. فاضل السامرائي على د. إبراهيم مصطفى بقوله: ((من أسماء الصدر الأول على سبيل المثال، محمد وعُمر و عثمان وعليّ، فمحمد وعلي منصرفان وعُمر وعثمان ممنوعان من الصرف، فهل معنى ذلك أنّ محمدا وعليّا نكرتان بخلاف عُمر وعثمان ؟ وهل يمكن أن يقال: أنّ محمدا أوعليا غير معين بخلاف عُمر وعثمان ؟))(17).
فالتنوين ربما كان في الأصل علامة تعريف وبقيت هذه العلامة في قسم من الأعلام تشير إلى أصلها القديم، لكنّ وجود التنوين أو عدمه له أغراض معينة وهي ملخصة من كتاب معاني النحو(18):
1ـ أنه يميز بين المعرفة والنكرة، فإنه إذا لحق علما حقه إلّا ينون أفاد أنه نكرة نحو: رأيتُ اسماعيلا والمعنى رأيت شخصا ما اسمه إسماعيل بخلاف قولك: رأيتُ إسماعيلَ فإنه يعني شخصا معلوما.
2ـ يبين لنا أصل الكلمة وذلك نحو: حسّان فإنه إذا نوّن العلم أفاد أنّ النون من أصل الكلمة، وإن لم ينوّن أفاد أنها زائدة، فحسان إذا نوّن كان من الحسن وإن لم ينون فهو من الحسّ.
3ـ يبين لنا المقصود بالاسم أ هو معناه الوضعي أم يراد به العلمية ؟ وذلك نحو صفوان فإنه إذا نوّن أريد معناه الوضعي فصفوان هو الحجر الأملس وإذا لم ينوّن أريد به العلمية.
4ـ يميز لنا بين الوصف وغيره نحو (أول) فإذا نونتها لم تكن وصفا نحو: أفعل هذا أولا وإذا لم تنوّن كانت وصفا نحو جئتُ عام أول.
5ـ يدلنا على هوية الكلمة فقد تكون الكلمة ذات مادة اشتقاقية ذلت معنى معين في العربية وهي موافقة لكلمة أعجمية في لفظها، والذي يقطع بأصلها ومعناها في الاستعمال التنوين وذلك نحو(يعقوب) فإنّ معناها في العربية ذكر الحجل وهو منصرف علما وغير علم، وقد ورد علما غير منصرف في القرآن الكريم وغيره فدلّ ذلك أنه ليس منقولا عن هذا المعنى وإنما هو أعجمي.
6ـ يبين لنا الكلمة أ مؤنثة هي أم مذكرة ؟ فإذا قلت مثلا: أقيل اليوم صباحُ بلا تنوين كان علما لأنثى، وإذا نونتها كان مذكرا.
7ـ النصّ على معنى معين وذلك نحو(ندمان) فهي بالتنوين من المنادمة ومؤنثها ندمانة وبالمنع من الصرف هي من الندم ومؤنثها ندمى.
المبحث الثاني: لِمَ ينصرف الاسم ولِمَ لا ينصرف
الاسم المعرب إذا لم يشابه الحرف قسمان لأنه إن لم يشابه الفعل بجهة من جهات الشبه بالفعل فهو الاسم (المتمكن الأمكن) وهو الذي تظهر عليه الحركات الإعرابية وينوّن (19) مثل زيد وعَمرو وأمثالها، وإن شابه الفعل فهو الاسم (المتمكن غير الأمكن)، وهو الممنوع من الصرف لا ينون، يقول المبرد ((لا ينصرف أي لا يدخله تنوين))(20)، والشبه عند النحويين أربعة أضرب: الشبه الوضعي والمعنوي والافتقاري الملازم، والشبه ألاستعمالي(21).
وعند الزجاج معنى ينصرف ومعنى التمام أن يدخله مع الرفع والنصب الخفض ومع الحركات التنوين(22)، ويقول: ((وذلك كل ما ينصرف غير منون ليفصل بين المستوفي المتمكن وبين الناقص المتمكن))(23).
وعند بعض النحاة الاسم الداخل عليه التنوين هو المنصرف واشتقاقه من الصريف يقال: صرف البعير وصريفه بغتة كالتنوين، وقيل: مأخوذ من الانصراف يقال: صرفت الناقة إذا صوتت بأنيابها(24).
ويرى النحاة أنّ الاسم لا ينصرف إذا كان هناك موضع يستثقل به التنوين(25) وهو بذلك بكون مشابه للفعل لأنّ الأفعال لا تخفض ولا تنون وهذا الشبه يكون في اللفظ ويكون في المعنى لأنّ هناك فرعيتين في الفعل عن الاسم: إحداهما: أنّ الاسم وهو المصدر أصل الاشتقاق والفعل فرع منه وهي فرعية راجعة إلى اللفظ وثانيهما: إنّ الفعل لابدّ له من الفاعل ولا يكون إلّا اسما وهذه فرعية راجعة إلى المعنى فإذا وُجدت هاتان الفرعيتان في الاسم فقد أشبه الفعل فيثقل ويمنع من الصرف، فلو اختلت هذه الشروط لم يمنع من الصرف(26)، يقول الزجاج:((إنّ جميع ما لا ينصرف من الأسماء فإنما امتنع من الصرف لشيئين من الفرع يدخلانه فيخرجانه من أصل التمكن وأصول الأسماء))(27) وقولـه في
موضع آخر: ((فإذا اجتمعت جهتان من الفرع غلبتا جهة واحدة من الأصل فصار الفرع أملك فعلى هذا قياس كل ما لا ينصرف))(28).
وعدّ براجستراسر عدم الانصراف في بعض الأسماء من غرائب اللغة العربية وحديث العهد إذ يقول: ((أمّا عدم انصراف بعض الأسماء نحو يغوث وعُمر وطلحة وهند وأبيض وبيضاء وكثير من أبنية جمع التكسير فهو من غرائب اللغة العربية، ومما يدل على حداثته أنّ كل الأسماء غير المنصرفة يمكن انصرافها في الشعر، والشعر كثيرا ما يحافظ على القديم بخلاف الحديث ومعلوم أنّ الانصراف مقصور على حالة التنكير فإنّا نرى (الأبيض) مثلا جره (الأبيض) بالكسرة و(ابيض) منكرا جره (أبيض) بالفتحة، وذلك يدل على أنه كانت بين عدم الانصراف والتنكير علامة أصلية، وكثرة وقوع عدم الانصراف في الأعلام يدلّ على ضد ذلك في الظاهر))(29).
والاسم غير المنصرف فيه علتان تمنعانه من الصرف أو علة واحدة تقوم مقامهما(30)، وإنّ وجود العلل أو عدمها يصرف الاسم أو لا يصرفه ونعني بذلك دخول بعض جهات الفروع لإخراج الاسم من أصل التمكن التي إذا اجتمع منها اثنان على الاسم منعا الصرف ومن هذه الجهات:
أولا: الصفة، فالصفة فرع لأنّ الموصوف قبل الصفة.
ثانيا: التأنيث لأنّ التذكير قبل التأنيث فإنك تقول: (قائم) ثمّ تقول: (قائمة) فيدخل التأنيث على التذكير.
ثالثا: المعرفة لأنّ الاسم يكون نكرة ثمّ يعرّف كقولك: رجل والرجل.
رابعا: شبه لفظ الفعل لأنّ الفعل فرع من الاسم، وأنّ ما لا ينصرف فرع من الأسماء، وإنه بذلك يشبه الفعل الذي هو فرع من الأسماء نحو: يزيد.
خامسا: الجمع لأنّ الواحد أول العدد فالجمع فرع.
سادسا: العدل أي: عدل الاسم عن جهته لأنّ عدلك إياه عن أصله هي إزالة عن الأصل.
سابعا: من الفروع أن يكون الاسم أعجميا فالعجمة فرع في العربية (31).
ولا يختلف ابن جني عمّا أوردناه إذ يقول: ((إنّ علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل، فأمّا السبب الواحد فيقل على أن يتمّ علة بنفسه حتى ينظم إليه الشبه الآخر من الفعل))(32).

تعليق