أدب الأطفال من منظور إسلامي
(إبراهيم شعراوي نموذجًا)
محيي الدين صالح
المنهج والتطبيق في أدب الطفل
من أهم السِّمَات التي تميِّز أدبَ الطفل - خاصَّة الأدب العربي منه - عن غيرِه من فنون الأدب الموجَّه إلى الكبار:
أنَّه يكاد يخلو تمامًا من السَّقطات والتجاوزات، فالمُبْدِعون في هذا اللَّون يضعون نُصْب أعينهم أنَّهم يكتبون للبَراعم الذين لم يَظْهَروا على عورات الحياة، فنَأَوْا بكتاباتهم عن الفُحْش في القول أو الفكرة أو الهدف؛ ولِهذا فإنَّ هذا اللَّون من الأدب - في أغلَبِه الأعمِّ - خالٍ من البذاءة وما يَخْدش الحياء، مِمَّا يجعل له ميزةً قد لا تتوافر في كثيرٍ من وسائل التَّثقيف الأخرى.
وهذا هو المنهج الذي وضَعَه الله - سبحانه وتعالى - فيما يتعلَّق بالأطفال في كلِّ أشكال التعامل بينهم وبين الكبار، فليس كلُّ الأمور التي يتمُّ مداولتها بين الكبار صالحةً لِمُداولتها مع الصِّغار، أو تحت سمعهم وبصرهم؛ ولذلك أرى أن الذين يُنادون بتدريس الجنس للأطفال - بحجَّة أنَّها من وقائع الحياة اليوميَّة - مُخطئون في التصوُّر والفهم؛ على افتراض حُسن النية!
والقرآن الكريم وضع إطارًا واضحًا حول ما لا ينبغي للصِّغار أن يعرفوه في السنِّ المبكرة من الطُّفولة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ )[النور: 58]، وهذه العورات الثلاث التي حددها الله - سبحانه وتعالى - تحتوي في مضامينها الكثيرَ من المعاني والمفاهيم والدِّلالات والأخلاقيَّات التي يجب ألا تغيب عن الأُدَباء عمومًا، وعن الذين يتصدَّرون لكتابة أدب الطِّفل على وجهٍ أخصَّ.
وإذا كانت الآية صريحة جدًّا بما لا يحتمل التَّأويل في تنظيم أصول الأدب التربوي للطفل المسلم، فإن كلَّ ما يتعلق بوسائل تأديب الطِّفل من قولٍ أو فعل، لا بُدَّ أن يستلهم خُطَاه من هذا النَّبع الإلهيِّ المتدفِّق عبر القرآن الكريم الذي وصفه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأنَّه مأدبة الله للعالَمين.
وظهور مصطلح "أدب الطِّفل" في الساحة الأدبيَّة العربية متأخرًا، لا يعني عدمَ وجود هذا اللَّون من الأدب في العصور السابقة للمصطلح، وهذا هو شأنُ كثيرٍ من المصطلحات التي وفدَتْ بعد سنواتٍ عديدة من ميلاد أصولها، فأغاني التَّرقيص، وكتابات "كليلة ودمنة"، ما هي إلاَّ مدارس تربويَّة بأسلوب أدبي بليغٍ، ومن قبل ذلك،فإنَّ حديثَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لسيدنا عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - يعدُّ من أسمى وأرقى الأساليب الأدبيَّة؛ من حيث سهولةُ الكلمات، وجزالة الألفاظ، وخلُوُّه من الكلمات المعجميَّة، كل ذلك مع المُحتوى الواضح المفهوم، والأسلوب السهل الميسَّر، ونص الحديث معروف بحيث يعفيني من سردِه كاملاً، بدايته: ((يا غلام، إنِّي أعلِّمُك كلمات؛ احفَظِ الله يحفَظْك...)).
وقد قام الخُبَراء في مجال أدب الطِّفل بوضع الإطار الذي ينبغي على كلِّ من يتصدَّى للكتابة في هذا المجال الالتزامُ به، وهذا الإطار أو المنهج يجب أن يكونَ مناسبًا للمرحلة العمريَّة التي تتَّجه إليه الإبداعات، وكما يقول الأستاذ "عبدالتواب يوسف": "من الضروريِّ أن تكون الفكرةُ واضحةً، ويكون الموضوع مما يهمُّ الطِّفل، وأغنية الطِّفل يجب ألا تتناول أكثر من فكرة واحدة، وألاَّ تدور حول أكثرَ من موضوع، وتأتي بعد ذلك بساطةُ الكلمات وحُسْن اختيارها، بحيث لا تخرج كثيرًا عن قاموسه، ولا بأس من التَّكرار هنا، كما أنَّ الأغنية إذا ما صُنِعَت في قالبٍ درامي أو قصصي، فسوف تَلْقى المزيد من الإقبال من جانب الأطفال، واختيار بحر الأغنية ووَزْنها يقف وراء نجاحها، والبحور الطويلة لا تَصْلُح لهم"[1].
ولقد شارك عددٌ من الأدباء من مختلف الأقطار العربيَّة في وضع منهج الكتابة في أدب الأطفال - ولا أقول: صياغة المنهج - بشكلٍ يتناسب مع خصوصيَّة الزَّمان والمكان، ويتَّفِق مع الهوية العربيَّة والإسلاميَّة، وأنا لا أغفل أو أتَجاهل الدَّور الرئيسَ لعلماء النَّفْس والتربية في هذا المَجال، كما لا أغفل عن معطياتهم الهامَّة فيما يتعلَّق بكل شؤون الطِّفل - والأدب من هذه الشؤون - ولكن لأنَّ الأدباء الذين تصدَّروا للكتابة للطِّفل استعانوا بكلِّ المعطيات العلميَّة، رأيتُ ألا أخوض مرَّةً أخرى في تلك التفاصيل.
والدكتور "هادي الهيتي" يرى أنَّ الطفل يأنس بطبعه إلى الإيقاعات المتكرِّرة خلال سنوات نموِّه، ويقول: "إذا ما نما إحساس الطفل الإيقاعي نموًّا سويًّا - فإنه يلعب دورًا مهمًّا في حياته؛ لأنَّ الإيقاع يسهِّل له حركاته حتَّى يجعلها آليَّة، وهو من ناحيةٍ أخرى يبعث فيه القوة"؛ لعلَّه يقصد القوَّة الذهنية[2].
وعند الحديث عن شعر الأطفال بالتحديد يقول: "ومع أنَّ شعر الأطفال يتناول كلَّ ما يمكن لألوان أدب الأطفال الأخرى أن تتناوله، إلاَّ أنه يتَّخِذ صيغةً أدبية متميِّزة، حيث يمكن أن يجد الأطفالُ أنفُسَهم من خلال هذا اللَّون الفنِّي"[3].
وأوَّل ما يبثُّ في وجدان الطِّفل مع مراحله الأولى هو التفاعل الإيجابيُّ مع بيئته؛ لأنَّ الطفل يَنْمو، وتنمو حوله زهورٌ يأنس لها، وأشجار يستظلُّ بها، ونباتاتٌ وحقول تأسر خياله البِكْر، وخضرةٌ رائعة تبعث السُّرور في أعماقه، وكلُّ هذه الجماليَّات من حوله، يحبُّ الطفل أن يسمع عنها كثيرًا، ولقد بذل الشُّعراء جهدًا طيبًا في هذا الاتِّجاه، وقصيدة "إبراهيم شعراوي" "حماية الأشجار"[4] تعدُّ من النماذج التي توثِّق المنهجيَّة الواضحة المناسبة لاهتمامات الطفل، يقول فيها:
فِي الرَّاحَتَيْنِ تَنْبُتُ الأَصَابِعْ
وَتَنْبُتُ الأَشْجَارُ فِي الْمَزَارِعْ
وَخَمْسَةٌ أَصَابِعِي، فَعُدُّوا
فِي كُلِّ كَفٍّ... ثُمَّ مَاذَا بَعْدُ؟
ثم يسترسل الشاعرُ بين المعاني السَّهلة التي تجد طريقَها إلى خيال الطِّفل بِيُسر، ويَخْتتم قصيدته بالغاية التي ينشدها من وراء هذه الرِّحلة الشيقة في صحبة الطفل، قائلاً:
فَلْتَحْفَظُوا الأَشْجَارَ يَا صِغَارِي
مَصُونَةً مِنْ عَبَثِ الأَشْرَارِ
ونَفْس الهدف النَّبيل سار إليه الشاعرُ السكندريُّ "أحمد فضل شبلول"، ووضع ديوانًا خاصًّا للعلاقة بين الطِّفل والبيئة من حوله، وبخاصَّة الأشجار، وسمَّى ديوانه "أشجار الشارع أخواتي"، وفي القصيدة التي تحمل نفس الاسم يقول "شبلول"[5]:
تَمْنَحُنِي اللَّوْنَ الأَخْضَرْ
وَأَشَمُّ هَوَاهَا الأَعْطَرْ
أَسْقِيهَا الْمَاءَ الأَوْفَرْ
تَنْمُو، تَتَرَعْرَعُ، تَكْبَرْ
والشاعر "عبدالمنعم عواد" ما كان له أن يتخلَّف في هذا المِضْمار، فكتب قصيدة جميلة، نيابةً عن الزُّهور الجميلة التي تَمْنح الأطفال حُبَّ الجمال، فقال "عواد" في قصيدة عنوانها "الطفل والزَّهرة" على لسان الزهرة[6]:
مَا أَجْمَلَنِي.. مَا أَجْمَلَنِي
وَأَنَا أَبْدُو فِي بُسْتَانِي
أَرْقُصُ زَهْوًا فَوْقَ الفَنَنِ
بَيْنَ فَرِيقٍ مِنْ خِلاَّنِي
ويردُّ الطفل على الزهرة قائلاً:
هَذِي الزَّهْرَةُ مَا أَبْدَعَهَا
تَبْدُو فِي ثَوْبٍ فَنَّانِ
مَا أَجْمَلَهَا مَا أَرْوَعَهَا
بَيْنَ النَّرْجِسِ وَالرَّيْحَانِ
وبمثل هذه المُحادثة بين الزَّهرة والطفل، وما سبقَتْها من نماذِجَ تطبيقيَّة للمنهج الصحيح لأدب الطِّفل، شارك الأدباء في وضع اللَّمسة الفنِّية الرقيقة للخطوات الأولى للطِّفل مع البيئة.
ويعدُّ الأديب الإسلامي الدكتور "نجيب الكيلاني" من الرُّواد الأوائل الذين اهتمُّوا بوضع منهج أدب الطفل، مع تقديم النَّماذج التطبيقيَّة لما يَدْعون إليه، مؤكِّدًا على "أهمِّية اللغة الشِّعرية لفظًا وعبارة وصورة، مع الاهتمام بالبحور ذات الإيقاع السَّاحر الجذَّاب، والبُعْد عن التعقيدات البلاغيَّة والبيانيَّة، واختيار موضوعاتٍ تُناسب الطِّفل واهتماماته"[7].
وقد أفرد الدكتور "عبدالقدوس أبو صالح" محاضرةً ألقاها في نادي القُصَيم منذ سنوات، ونشرها في مجلة "الأدب الإسلاميِّ"، ركَّز فيها على المنهج الإسلاميِّ لأدب الطفل، وقسَّم "الشِّعر الذي يدور في عالَمِ الطفل إلى ثلاثة أقسام:
أوَّلُها: الشِّعر الذي يُؤلَّف للأطفال.
ثانيها: الشِّعر الذي يُختار لهم.
ثالثها: الشعر الذي يتَحدَّث عنهم.
والنَّوع الأول هو أهمُّ ما يقدَّم للطِّفل، وأشدُّه تأثيرًا فيه"[8].
وبالنسبة لتصنيف مؤلَّفات "شعراوي" للأطفال من خلال هذا التقسيم، أو حسب هذه المنهجيَّة فإنَّ كتاب "حكايات وأغانٍ على حروف الهجاء" يعدُّ نموذجًا للشعر الذي يؤلَّف للأطفال، وتحديدًا المرحلة السنِّية من 6 إلى 9 سنوات، وكذلك فإنَّ قصائده للطفل المسلم المنشورة في كتاب "إبراهيم شعراوي متصوفًا" تعدُّ مناسبة للمرحلة السنية من 9 إلى 13 سنة، وبالنسبة للقسم الثَّاني "الشعر الذي يُختار لهم" فإنَّ "شعراوي" قد مارس هذا الاختيار؛ وذلك عندما اختار قصيدة "حكاية شعريَّة" للشاعر العماني "محمد بن شيخان السالمي"، وضمَّنَها في كتابه "حكايات أسد عجوز"، بالإضافة إلى اختياره مقطوعة نثريَّة من كتاب "ملامح عمانيَّة" للشيخ "حفيظ الغساني"، ووضعها على سبيل الإهداء في بداية كتابه "الطِّفل الذي رأى الدُّنيا كلها".
والقسم الثالث حسب تصنيف "د. عبدالقدوس أبو صالح" لمناهِج الكتابة لأدب الطِّفل، وهو "الشعر الذي يتحدَّث عنهم"، فإن كثيرًا من إبداعات "شعراوي" في القسم الأول، ينطبق عليها هذا الوصف، فهي تتحدَّث عن الطفل بشكل مباشر أحيانًا، وبشكل غير مباشر أحيانًا أخرى، والشواهد على ذلك كثيرة، ومنثورة في فصول هذه الدراسة.
وفي سبيل وضع المنهج القويم لأدب الطفل؛ نادى بعض المختصِّين "بالمعادلة الجميلة بين الشِّعر ووظيفته، والفنِّ وغايته، وبين الصُّعوبة والسهولة، وبين القريب من المعاني والبعيد"[9]، والسهولة تلك التي تجعل الأطفال الصِّغار يفهمون ويَحْفظون في الحال، أمَّا الصعوبة فهي التي تجعل بعضَ الصُّور الشعرية غامضةً، وبعيدة عن مدارك الأطفال، وهناك دعواتٌ إلى الاهتمام بالبيئة أكثر عند كتابة أدب الطِّفل؛ لأنَّ علاقة الطفل تتوطَّد بالمكان توطدًا خاصًّا، على العكس من الزمان الذي لا يُشَكَّل في فكر الأطفال إلا حينًا من الدهر.
وكثرة الأطروحات والرُّؤى في مجال الكتابة عمومًا تعتبر من الظَّواهر الصحِّية المُثْمِرة، كما أن مداولة الأمر الواحد بأكثرَ من أسلوب، ولأكثر من كاتب، يعدُّ إثراءً للمتلقِّي، وكما يقول "عباس العقاد"[10]: "لا أظنُّ أن هناك كتبًا مكرَّرة لأخرى؛ لأنِّي أعتقد أن الفكرة الواحدة إذا تناولها ألفُ كتاب، أصبحت ألفَ فكرة، ولم تعد فكرة واحدة"، وأنا أظنُّ أن هذا الكلام ينطبق على أدب الطفل أكثرَ منه في مجالات الكتابة الأخرى.
وهذا يتَّضِح أكثر عند تناوُلِ القصص الشعبيَّة أو التُّراثية المعروفة في صياغات متعدِّدة تكتب للطِّفل، سواء كان الهدف هو مجرَّدَ الترويح عن نَفْس الطفل بالفكاهة وما إلى ذلك، أم كان بثَّ المثُلِ العليا، والطُّموح والجماليَّات، والمعارف والحِكَم، وتقوية الخيال، حيث إنَّ هذه الأمور تعدُّ من أساسيات أدب الأطفال، في حين نجد أنَّ ما عداه من فنون الأدب تعبِّر عن الآلام والآمال والتَّجارب والذِّكريات والإحباطات، وكثيرٍ من التراكمات.
(إبراهيم شعراوي نموذجًا)
محيي الدين صالح
المنهج والتطبيق في أدب الطفل
من أهم السِّمَات التي تميِّز أدبَ الطفل - خاصَّة الأدب العربي منه - عن غيرِه من فنون الأدب الموجَّه إلى الكبار:
أنَّه يكاد يخلو تمامًا من السَّقطات والتجاوزات، فالمُبْدِعون في هذا اللَّون يضعون نُصْب أعينهم أنَّهم يكتبون للبَراعم الذين لم يَظْهَروا على عورات الحياة، فنَأَوْا بكتاباتهم عن الفُحْش في القول أو الفكرة أو الهدف؛ ولِهذا فإنَّ هذا اللَّون من الأدب - في أغلَبِه الأعمِّ - خالٍ من البذاءة وما يَخْدش الحياء، مِمَّا يجعل له ميزةً قد لا تتوافر في كثيرٍ من وسائل التَّثقيف الأخرى.
وهذا هو المنهج الذي وضَعَه الله - سبحانه وتعالى - فيما يتعلَّق بالأطفال في كلِّ أشكال التعامل بينهم وبين الكبار، فليس كلُّ الأمور التي يتمُّ مداولتها بين الكبار صالحةً لِمُداولتها مع الصِّغار، أو تحت سمعهم وبصرهم؛ ولذلك أرى أن الذين يُنادون بتدريس الجنس للأطفال - بحجَّة أنَّها من وقائع الحياة اليوميَّة - مُخطئون في التصوُّر والفهم؛ على افتراض حُسن النية!
والقرآن الكريم وضع إطارًا واضحًا حول ما لا ينبغي للصِّغار أن يعرفوه في السنِّ المبكرة من الطُّفولة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ )[النور: 58]، وهذه العورات الثلاث التي حددها الله - سبحانه وتعالى - تحتوي في مضامينها الكثيرَ من المعاني والمفاهيم والدِّلالات والأخلاقيَّات التي يجب ألا تغيب عن الأُدَباء عمومًا، وعن الذين يتصدَّرون لكتابة أدب الطِّفل على وجهٍ أخصَّ.
وإذا كانت الآية صريحة جدًّا بما لا يحتمل التَّأويل في تنظيم أصول الأدب التربوي للطفل المسلم، فإن كلَّ ما يتعلق بوسائل تأديب الطِّفل من قولٍ أو فعل، لا بُدَّ أن يستلهم خُطَاه من هذا النَّبع الإلهيِّ المتدفِّق عبر القرآن الكريم الذي وصفه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بأنَّه مأدبة الله للعالَمين.
وظهور مصطلح "أدب الطِّفل" في الساحة الأدبيَّة العربية متأخرًا، لا يعني عدمَ وجود هذا اللَّون من الأدب في العصور السابقة للمصطلح، وهذا هو شأنُ كثيرٍ من المصطلحات التي وفدَتْ بعد سنواتٍ عديدة من ميلاد أصولها، فأغاني التَّرقيص، وكتابات "كليلة ودمنة"، ما هي إلاَّ مدارس تربويَّة بأسلوب أدبي بليغٍ، ومن قبل ذلك،فإنَّ حديثَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لسيدنا عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - يعدُّ من أسمى وأرقى الأساليب الأدبيَّة؛ من حيث سهولةُ الكلمات، وجزالة الألفاظ، وخلُوُّه من الكلمات المعجميَّة، كل ذلك مع المُحتوى الواضح المفهوم، والأسلوب السهل الميسَّر، ونص الحديث معروف بحيث يعفيني من سردِه كاملاً، بدايته: ((يا غلام، إنِّي أعلِّمُك كلمات؛ احفَظِ الله يحفَظْك...)).
وقد قام الخُبَراء في مجال أدب الطِّفل بوضع الإطار الذي ينبغي على كلِّ من يتصدَّى للكتابة في هذا المجال الالتزامُ به، وهذا الإطار أو المنهج يجب أن يكونَ مناسبًا للمرحلة العمريَّة التي تتَّجه إليه الإبداعات، وكما يقول الأستاذ "عبدالتواب يوسف": "من الضروريِّ أن تكون الفكرةُ واضحةً، ويكون الموضوع مما يهمُّ الطِّفل، وأغنية الطِّفل يجب ألا تتناول أكثر من فكرة واحدة، وألاَّ تدور حول أكثرَ من موضوع، وتأتي بعد ذلك بساطةُ الكلمات وحُسْن اختيارها، بحيث لا تخرج كثيرًا عن قاموسه، ولا بأس من التَّكرار هنا، كما أنَّ الأغنية إذا ما صُنِعَت في قالبٍ درامي أو قصصي، فسوف تَلْقى المزيد من الإقبال من جانب الأطفال، واختيار بحر الأغنية ووَزْنها يقف وراء نجاحها، والبحور الطويلة لا تَصْلُح لهم"[1].
ولقد شارك عددٌ من الأدباء من مختلف الأقطار العربيَّة في وضع منهج الكتابة في أدب الأطفال - ولا أقول: صياغة المنهج - بشكلٍ يتناسب مع خصوصيَّة الزَّمان والمكان، ويتَّفِق مع الهوية العربيَّة والإسلاميَّة، وأنا لا أغفل أو أتَجاهل الدَّور الرئيسَ لعلماء النَّفْس والتربية في هذا المَجال، كما لا أغفل عن معطياتهم الهامَّة فيما يتعلَّق بكل شؤون الطِّفل - والأدب من هذه الشؤون - ولكن لأنَّ الأدباء الذين تصدَّروا للكتابة للطِّفل استعانوا بكلِّ المعطيات العلميَّة، رأيتُ ألا أخوض مرَّةً أخرى في تلك التفاصيل.
والدكتور "هادي الهيتي" يرى أنَّ الطفل يأنس بطبعه إلى الإيقاعات المتكرِّرة خلال سنوات نموِّه، ويقول: "إذا ما نما إحساس الطفل الإيقاعي نموًّا سويًّا - فإنه يلعب دورًا مهمًّا في حياته؛ لأنَّ الإيقاع يسهِّل له حركاته حتَّى يجعلها آليَّة، وهو من ناحيةٍ أخرى يبعث فيه القوة"؛ لعلَّه يقصد القوَّة الذهنية[2].
وعند الحديث عن شعر الأطفال بالتحديد يقول: "ومع أنَّ شعر الأطفال يتناول كلَّ ما يمكن لألوان أدب الأطفال الأخرى أن تتناوله، إلاَّ أنه يتَّخِذ صيغةً أدبية متميِّزة، حيث يمكن أن يجد الأطفالُ أنفُسَهم من خلال هذا اللَّون الفنِّي"[3].
وأوَّل ما يبثُّ في وجدان الطِّفل مع مراحله الأولى هو التفاعل الإيجابيُّ مع بيئته؛ لأنَّ الطفل يَنْمو، وتنمو حوله زهورٌ يأنس لها، وأشجار يستظلُّ بها، ونباتاتٌ وحقول تأسر خياله البِكْر، وخضرةٌ رائعة تبعث السُّرور في أعماقه، وكلُّ هذه الجماليَّات من حوله، يحبُّ الطفل أن يسمع عنها كثيرًا، ولقد بذل الشُّعراء جهدًا طيبًا في هذا الاتِّجاه، وقصيدة "إبراهيم شعراوي" "حماية الأشجار"[4] تعدُّ من النماذج التي توثِّق المنهجيَّة الواضحة المناسبة لاهتمامات الطفل، يقول فيها:
فِي الرَّاحَتَيْنِ تَنْبُتُ الأَصَابِعْ
وَتَنْبُتُ الأَشْجَارُ فِي الْمَزَارِعْ
وَخَمْسَةٌ أَصَابِعِي، فَعُدُّوا
فِي كُلِّ كَفٍّ... ثُمَّ مَاذَا بَعْدُ؟
ثم يسترسل الشاعرُ بين المعاني السَّهلة التي تجد طريقَها إلى خيال الطِّفل بِيُسر، ويَخْتتم قصيدته بالغاية التي ينشدها من وراء هذه الرِّحلة الشيقة في صحبة الطفل، قائلاً:
فَلْتَحْفَظُوا الأَشْجَارَ يَا صِغَارِي
مَصُونَةً مِنْ عَبَثِ الأَشْرَارِ
ونَفْس الهدف النَّبيل سار إليه الشاعرُ السكندريُّ "أحمد فضل شبلول"، ووضع ديوانًا خاصًّا للعلاقة بين الطِّفل والبيئة من حوله، وبخاصَّة الأشجار، وسمَّى ديوانه "أشجار الشارع أخواتي"، وفي القصيدة التي تحمل نفس الاسم يقول "شبلول"[5]:
تَمْنَحُنِي اللَّوْنَ الأَخْضَرْ
وَأَشَمُّ هَوَاهَا الأَعْطَرْ
أَسْقِيهَا الْمَاءَ الأَوْفَرْ
تَنْمُو، تَتَرَعْرَعُ، تَكْبَرْ
والشاعر "عبدالمنعم عواد" ما كان له أن يتخلَّف في هذا المِضْمار، فكتب قصيدة جميلة، نيابةً عن الزُّهور الجميلة التي تَمْنح الأطفال حُبَّ الجمال، فقال "عواد" في قصيدة عنوانها "الطفل والزَّهرة" على لسان الزهرة[6]:
مَا أَجْمَلَنِي.. مَا أَجْمَلَنِي
وَأَنَا أَبْدُو فِي بُسْتَانِي
أَرْقُصُ زَهْوًا فَوْقَ الفَنَنِ
بَيْنَ فَرِيقٍ مِنْ خِلاَّنِي
ويردُّ الطفل على الزهرة قائلاً:
هَذِي الزَّهْرَةُ مَا أَبْدَعَهَا
تَبْدُو فِي ثَوْبٍ فَنَّانِ
مَا أَجْمَلَهَا مَا أَرْوَعَهَا
بَيْنَ النَّرْجِسِ وَالرَّيْحَانِ
وبمثل هذه المُحادثة بين الزَّهرة والطفل، وما سبقَتْها من نماذِجَ تطبيقيَّة للمنهج الصحيح لأدب الطِّفل، شارك الأدباء في وضع اللَّمسة الفنِّية الرقيقة للخطوات الأولى للطِّفل مع البيئة.
ويعدُّ الأديب الإسلامي الدكتور "نجيب الكيلاني" من الرُّواد الأوائل الذين اهتمُّوا بوضع منهج أدب الطفل، مع تقديم النَّماذج التطبيقيَّة لما يَدْعون إليه، مؤكِّدًا على "أهمِّية اللغة الشِّعرية لفظًا وعبارة وصورة، مع الاهتمام بالبحور ذات الإيقاع السَّاحر الجذَّاب، والبُعْد عن التعقيدات البلاغيَّة والبيانيَّة، واختيار موضوعاتٍ تُناسب الطِّفل واهتماماته"[7].
وقد أفرد الدكتور "عبدالقدوس أبو صالح" محاضرةً ألقاها في نادي القُصَيم منذ سنوات، ونشرها في مجلة "الأدب الإسلاميِّ"، ركَّز فيها على المنهج الإسلاميِّ لأدب الطفل، وقسَّم "الشِّعر الذي يدور في عالَمِ الطفل إلى ثلاثة أقسام:
أوَّلُها: الشِّعر الذي يُؤلَّف للأطفال.
ثانيها: الشِّعر الذي يُختار لهم.
ثالثها: الشعر الذي يتَحدَّث عنهم.
والنَّوع الأول هو أهمُّ ما يقدَّم للطِّفل، وأشدُّه تأثيرًا فيه"[8].
وبالنسبة لتصنيف مؤلَّفات "شعراوي" للأطفال من خلال هذا التقسيم، أو حسب هذه المنهجيَّة فإنَّ كتاب "حكايات وأغانٍ على حروف الهجاء" يعدُّ نموذجًا للشعر الذي يؤلَّف للأطفال، وتحديدًا المرحلة السنِّية من 6 إلى 9 سنوات، وكذلك فإنَّ قصائده للطفل المسلم المنشورة في كتاب "إبراهيم شعراوي متصوفًا" تعدُّ مناسبة للمرحلة السنية من 9 إلى 13 سنة، وبالنسبة للقسم الثَّاني "الشعر الذي يُختار لهم" فإنَّ "شعراوي" قد مارس هذا الاختيار؛ وذلك عندما اختار قصيدة "حكاية شعريَّة" للشاعر العماني "محمد بن شيخان السالمي"، وضمَّنَها في كتابه "حكايات أسد عجوز"، بالإضافة إلى اختياره مقطوعة نثريَّة من كتاب "ملامح عمانيَّة" للشيخ "حفيظ الغساني"، ووضعها على سبيل الإهداء في بداية كتابه "الطِّفل الذي رأى الدُّنيا كلها".
والقسم الثالث حسب تصنيف "د. عبدالقدوس أبو صالح" لمناهِج الكتابة لأدب الطِّفل، وهو "الشعر الذي يتحدَّث عنهم"، فإن كثيرًا من إبداعات "شعراوي" في القسم الأول، ينطبق عليها هذا الوصف، فهي تتحدَّث عن الطفل بشكل مباشر أحيانًا، وبشكل غير مباشر أحيانًا أخرى، والشواهد على ذلك كثيرة، ومنثورة في فصول هذه الدراسة.
وفي سبيل وضع المنهج القويم لأدب الطفل؛ نادى بعض المختصِّين "بالمعادلة الجميلة بين الشِّعر ووظيفته، والفنِّ وغايته، وبين الصُّعوبة والسهولة، وبين القريب من المعاني والبعيد"[9]، والسهولة تلك التي تجعل الأطفال الصِّغار يفهمون ويَحْفظون في الحال، أمَّا الصعوبة فهي التي تجعل بعضَ الصُّور الشعرية غامضةً، وبعيدة عن مدارك الأطفال، وهناك دعواتٌ إلى الاهتمام بالبيئة أكثر عند كتابة أدب الطِّفل؛ لأنَّ علاقة الطفل تتوطَّد بالمكان توطدًا خاصًّا، على العكس من الزمان الذي لا يُشَكَّل في فكر الأطفال إلا حينًا من الدهر.
وكثرة الأطروحات والرُّؤى في مجال الكتابة عمومًا تعتبر من الظَّواهر الصحِّية المُثْمِرة، كما أن مداولة الأمر الواحد بأكثرَ من أسلوب، ولأكثر من كاتب، يعدُّ إثراءً للمتلقِّي، وكما يقول "عباس العقاد"[10]: "لا أظنُّ أن هناك كتبًا مكرَّرة لأخرى؛ لأنِّي أعتقد أن الفكرة الواحدة إذا تناولها ألفُ كتاب، أصبحت ألفَ فكرة، ولم تعد فكرة واحدة"، وأنا أظنُّ أن هذا الكلام ينطبق على أدب الطفل أكثرَ منه في مجالات الكتابة الأخرى.
وهذا يتَّضِح أكثر عند تناوُلِ القصص الشعبيَّة أو التُّراثية المعروفة في صياغات متعدِّدة تكتب للطِّفل، سواء كان الهدف هو مجرَّدَ الترويح عن نَفْس الطفل بالفكاهة وما إلى ذلك، أم كان بثَّ المثُلِ العليا، والطُّموح والجماليَّات، والمعارف والحِكَم، وتقوية الخيال، حيث إنَّ هذه الأمور تعدُّ من أساسيات أدب الأطفال، في حين نجد أنَّ ما عداه من فنون الأدب تعبِّر عن الآلام والآمال والتَّجارب والذِّكريات والإحباطات، وكثيرٍ من التراكمات.

تعليق