سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية
(3) معجم تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري
[IMG][/IMG]هذا هو ثالث المعاجم التي اتخذت التقليب كأساس في ترتيب المفردات، أو بعبارة أخرى اتبعت ترتيب الخليل. وهو تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري المتوفى سنة 370 هجرية.
والأزهري معدود من بين اللغويين الذين اعتمد عليهم المتأخرون في تأليف معاجمهم، وعلى الأخص ابن منظور في لسان العرب.
وقد تمتع الأزهري بشهرة كبيرة في علوم اللغة والفقه، وكان يميل إلى المذهب الشيعي الذي لم يكن يستطيع أن يتخلص منه حتى في مؤلفاته اللغوية، وقد تعلم على أيدي أساتذة مشهورين أمثال المنذري، ونفطويه وهذا الأخير قد أورثه خصومة ابن دريد ومهاجمته، وعند رحيل الأزهري إلى بغداد شأن كل العلماء في عصره قابل ابن دريد، وابن السراج وقد ذكرت كتب الطبقات أنه رغم مقابلته لهما لم يرو عنهما، ولكن كتابه التهذيب ينكر هذا. فنجد بين طيات الكتاب اقتباسات كثيرة عن ابن دريد، وابن السراج لا تقل عن اقتباساته عن غيرهما من اللغويين.
ولكن الأخذ عن الرواة السابقين لم يكن بدعًا من الأزهري في ذلك الوقت، فقد كان طابع العصر كله، ومن اللغويين من أتيحت له فرصة السماع من العرب فسجل ما سمع في كتبه، وكان للأزهري من هذا حظ كبير عندما وقع أسيرًا في أيدي القرامطة. فسنحت له الفرصة بالاختلاط بالبدو، والعرب الخلص الذين كانوا يتكلمون كما يخبرنا هو بالعربية الفصحى.
ولنستمع إلى الأزهري يخبرنا أنباء رحلته حيث أسره القرامطة مدة طويلة.
"وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا نشأوا في البادية يتتبعون ساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطبائعهم البدوية، ولا يكاد يوحد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرًا طويلًا، وكنا نشتي بالدهناء، ونرتبع بالصمان، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضًا".
ولعل رسوخ قدم الأزهري في علوم الفقه بجانب علوم اللغة هو الذي دفعه إلى تأليف كتاب "مصطلحات الفقهاء" شرح فيه من الناحية اللغوية بعض الاصطلاحات الفقهية التي كانت مستعملة إلى عصره، واهتم بإيضاح الصلة بين المعنى الفقهي، والمعنى اللغوي لهذه المصطلحات. أما عقيدته الشيعية ومناصرته لأهل البيت، فقد سجلها في التهذيب في أكثر من موضع فمثلًا في المادة "جعجع" تحت المجموعة ع ج نجد أنه في شرحه لهذه الكلمة قد حمل على منافس العلويين في عبارته إذ قال: "كتب عبد الله بن زياد اللعين إلى عمرو بن سعيد أن جعجع بالحسين".
وإذا قارنا التهذيب بالعين فنجد أنهما يتفقان في نظام التقليبات، ومراعاة الأبجدية الصوتية، وتقسيم الكلمات بحسب الكلمة من الثنائي إلى الخماسي، ويزيد الأزهري على الخليل بالإكثار من الروايات والنقل عن اللغويين. وهذا الأمر طبيعي حيث تأخر الزمن بالأزهري مما حتم عليه النقل عن الأقدمين.
وكنا قد توقعنا أن يكون أغلب كتاب الأزهري من حيث ذكر المفردات، وشرحها منقولًا عن أفواه العرب الذين شافههم أثناء مدة أسره، ولكنه نادرًا ما فعل ذلك حتى إن تعبيره الذي يستشف منه النقل المباشر عن البدو، وهو "قالت العرب": هذا التعبير موجود بكثرة حتى في كتب اللغة المتأخرة مما لا يدل دلالة على قاطعة على أن المقصود هو مشاقة الأعراب للنقل عنهم.
ومهما يكن من أمر فإن التهذيب يعد ضمن المصادر اللغوية للمعاجم المتأخرة. وإننا ليسترعينا في كتاب التهذيب طريقة نقله من العين، فقد وعد الأزهري في المقدمة أنه سوف لا ينقل عن الليث الذي ألف -في رأيه- كتاب العين ونحله للخليل. إلا أنه اعتمد أولًا على كتاب العين دون أن يصرح بذكر اسم الكتاب، أو اسم المؤلف حتى التعبيرات التي رواها عن علماء آخرين متأخرين عن الخليل تتفق في أكثر الأحيان مع تعبير كتاب العين.
كما أن الأزهري أيضًا ناقض نفسه حين ذكر في المقدمة أنه سوف لا ينقل من الليث في العين، ولا عن ابن دريد في الجمهرة إلا للرد عليهما ومناقشتهما. وبالرجوع للتهذيب نجد أنه قد نقل عنهما وصرح بذكرهما تحت تعبير "قال الليث، قال ابن دريد" شأنهما في ذلك شأن غيرهما من الرواة الذين اعتمد عليهم الأزهري، وعدهم من الثقاة كأبي عبيدة واللحياني.
وهذه المسألة أيضًا اتبعها مع الخزرنجى الذي ذكره في مقدمة التهذيب، وأطال الكلام عنه ووصفه بأنه ليس ثقة ولا ثبتًا في حين أن الأزهري اقتبس كثيرًا من كتاب الخزرنجي "تكملة العين" إذ ينقل عنه كثيرًا جدًّا في أول كل مادة خصوصًا المواد النادرة الاستعمال التي تصل في ندرتها إلى درجة المهمل.
وعلى العموم، فإن الأزهري رغم حملته على أكثر معاصريه من اللغويين، فإنه قد حفظ لنا بقدر الإمكان صورة عن تنظيم هذا الكتاب، وتبويبها واستطعنا أن نعرف شيئًا عنها رغم ضياعها. ولندع الأزهري الآن حتى تعود إليه مرة أخرى لننتصف منه للغويين الذين هاجمهم، وتعصب ضدهم.
وقد ذكر الأزهري في مقدمة معجمه أن من الروافد التي أمدت معجمه:
1- تقييد نكت حفظها ووعاها من أفواه الأعراب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سنيات. إذ كان ما أثبته كثير من أئمة اللغة في الكتب لا ينوب مناب المشاهدة، ولا يقوم مقام الدربة والعادة.
2- المادة التي جمعها حين وقع في أسر القرامطة. وكان القوم الذين وقع في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد. وقد كانوا قومًا "لا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش". وقد أقام بينهم -على حد تعبيره- دهرًا طويلًا واستفاد من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة أوقع أكثرها مواقعها في الكتاب.
ومن يراجع "تهذيب اللغة" بأجزائه الخمسة عشر يجد مئات الأمثلة لهذه المادة التي رواها الأزهري عن طريق المشافهة والنقل المباشر. ولهذا فنحن لا نقر الدكتور عبد الله درويش على تشككه في قيمة المادة المسجلة من هذا الطريق، ووصفه لها بالندور.
ومهما يكن من شيء فإن "تهذيب اللغة" يعد تابعًا في منهجه "للعين" تبعية كاملة، بل بلغ من اتخاذه نموذجًا له أن نقل مقدمة العين في مقدمته نقلًا يكاد يكون حرفيًّا، بعد أن اعترف أن هذه المقدمة -بإجماع اللغويين- من عمل أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد.
أما من ناحية المادة اللغوية فحجم التهذيب ضخم جدًّا بالنسبة لحجم العين. وقد أبدى الأزهري كذلك اهتمامًا كبيرًا بأسماء البلدان والأماكن والمياه. واهتم بإيراد الشواهد من القرآن والحديث بالإضافة إلى الشعر، كما عني بإيراد القراءات المختلفة في مكانها المناسب.
___________________
المصادر:
(1) البحث اللغوي عند العرب د أحمد مختار عمر ص193.
(2) المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم "العين" للخليل بن أحمد د. عبد الله درويش ص26
والأزهري معدود من بين اللغويين الذين اعتمد عليهم المتأخرون في تأليف معاجمهم، وعلى الأخص ابن منظور في لسان العرب.
وقد تمتع الأزهري بشهرة كبيرة في علوم اللغة والفقه، وكان يميل إلى المذهب الشيعي الذي لم يكن يستطيع أن يتخلص منه حتى في مؤلفاته اللغوية، وقد تعلم على أيدي أساتذة مشهورين أمثال المنذري، ونفطويه وهذا الأخير قد أورثه خصومة ابن دريد ومهاجمته، وعند رحيل الأزهري إلى بغداد شأن كل العلماء في عصره قابل ابن دريد، وابن السراج وقد ذكرت كتب الطبقات أنه رغم مقابلته لهما لم يرو عنهما، ولكن كتابه التهذيب ينكر هذا. فنجد بين طيات الكتاب اقتباسات كثيرة عن ابن دريد، وابن السراج لا تقل عن اقتباساته عن غيرهما من اللغويين.
ولكن الأخذ عن الرواة السابقين لم يكن بدعًا من الأزهري في ذلك الوقت، فقد كان طابع العصر كله، ومن اللغويين من أتيحت له فرصة السماع من العرب فسجل ما سمع في كتبه، وكان للأزهري من هذا حظ كبير عندما وقع أسيرًا في أيدي القرامطة. فسنحت له الفرصة بالاختلاط بالبدو، والعرب الخلص الذين كانوا يتكلمون كما يخبرنا هو بالعربية الفصحى.
ولنستمع إلى الأزهري يخبرنا أنباء رحلته حيث أسره القرامطة مدة طويلة.
"وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا نشأوا في البادية يتتبعون ساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطبائعهم البدوية، ولا يكاد يوحد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرًا طويلًا، وكنا نشتي بالدهناء، ونرتبع بالصمان، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضًا".
ولعل رسوخ قدم الأزهري في علوم الفقه بجانب علوم اللغة هو الذي دفعه إلى تأليف كتاب "مصطلحات الفقهاء" شرح فيه من الناحية اللغوية بعض الاصطلاحات الفقهية التي كانت مستعملة إلى عصره، واهتم بإيضاح الصلة بين المعنى الفقهي، والمعنى اللغوي لهذه المصطلحات. أما عقيدته الشيعية ومناصرته لأهل البيت، فقد سجلها في التهذيب في أكثر من موضع فمثلًا في المادة "جعجع" تحت المجموعة ع ج نجد أنه في شرحه لهذه الكلمة قد حمل على منافس العلويين في عبارته إذ قال: "كتب عبد الله بن زياد اللعين إلى عمرو بن سعيد أن جعجع بالحسين".
وإذا قارنا التهذيب بالعين فنجد أنهما يتفقان في نظام التقليبات، ومراعاة الأبجدية الصوتية، وتقسيم الكلمات بحسب الكلمة من الثنائي إلى الخماسي، ويزيد الأزهري على الخليل بالإكثار من الروايات والنقل عن اللغويين. وهذا الأمر طبيعي حيث تأخر الزمن بالأزهري مما حتم عليه النقل عن الأقدمين.
وكنا قد توقعنا أن يكون أغلب كتاب الأزهري من حيث ذكر المفردات، وشرحها منقولًا عن أفواه العرب الذين شافههم أثناء مدة أسره، ولكنه نادرًا ما فعل ذلك حتى إن تعبيره الذي يستشف منه النقل المباشر عن البدو، وهو "قالت العرب": هذا التعبير موجود بكثرة حتى في كتب اللغة المتأخرة مما لا يدل دلالة على قاطعة على أن المقصود هو مشاقة الأعراب للنقل عنهم.
ومهما يكن من أمر فإن التهذيب يعد ضمن المصادر اللغوية للمعاجم المتأخرة. وإننا ليسترعينا في كتاب التهذيب طريقة نقله من العين، فقد وعد الأزهري في المقدمة أنه سوف لا ينقل عن الليث الذي ألف -في رأيه- كتاب العين ونحله للخليل. إلا أنه اعتمد أولًا على كتاب العين دون أن يصرح بذكر اسم الكتاب، أو اسم المؤلف حتى التعبيرات التي رواها عن علماء آخرين متأخرين عن الخليل تتفق في أكثر الأحيان مع تعبير كتاب العين.
كما أن الأزهري أيضًا ناقض نفسه حين ذكر في المقدمة أنه سوف لا ينقل من الليث في العين، ولا عن ابن دريد في الجمهرة إلا للرد عليهما ومناقشتهما. وبالرجوع للتهذيب نجد أنه قد نقل عنهما وصرح بذكرهما تحت تعبير "قال الليث، قال ابن دريد" شأنهما في ذلك شأن غيرهما من الرواة الذين اعتمد عليهم الأزهري، وعدهم من الثقاة كأبي عبيدة واللحياني.
وهذه المسألة أيضًا اتبعها مع الخزرنجى الذي ذكره في مقدمة التهذيب، وأطال الكلام عنه ووصفه بأنه ليس ثقة ولا ثبتًا في حين أن الأزهري اقتبس كثيرًا من كتاب الخزرنجي "تكملة العين" إذ ينقل عنه كثيرًا جدًّا في أول كل مادة خصوصًا المواد النادرة الاستعمال التي تصل في ندرتها إلى درجة المهمل.
وعلى العموم، فإن الأزهري رغم حملته على أكثر معاصريه من اللغويين، فإنه قد حفظ لنا بقدر الإمكان صورة عن تنظيم هذا الكتاب، وتبويبها واستطعنا أن نعرف شيئًا عنها رغم ضياعها. ولندع الأزهري الآن حتى تعود إليه مرة أخرى لننتصف منه للغويين الذين هاجمهم، وتعصب ضدهم.
وقد ذكر الأزهري في مقدمة معجمه أن من الروافد التي أمدت معجمه:
1- تقييد نكت حفظها ووعاها من أفواه الأعراب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سنيات. إذ كان ما أثبته كثير من أئمة اللغة في الكتب لا ينوب مناب المشاهدة، ولا يقوم مقام الدربة والعادة.
2- المادة التي جمعها حين وقع في أسر القرامطة. وكان القوم الذين وقع في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد. وقد كانوا قومًا "لا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش". وقد أقام بينهم -على حد تعبيره- دهرًا طويلًا واستفاد من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة أوقع أكثرها مواقعها في الكتاب.
ومن يراجع "تهذيب اللغة" بأجزائه الخمسة عشر يجد مئات الأمثلة لهذه المادة التي رواها الأزهري عن طريق المشافهة والنقل المباشر. ولهذا فنحن لا نقر الدكتور عبد الله درويش على تشككه في قيمة المادة المسجلة من هذا الطريق، ووصفه لها بالندور.
ومهما يكن من شيء فإن "تهذيب اللغة" يعد تابعًا في منهجه "للعين" تبعية كاملة، بل بلغ من اتخاذه نموذجًا له أن نقل مقدمة العين في مقدمته نقلًا يكاد يكون حرفيًّا، بعد أن اعترف أن هذه المقدمة -بإجماع اللغويين- من عمل أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد.
أما من ناحية المادة اللغوية فحجم التهذيب ضخم جدًّا بالنسبة لحجم العين. وقد أبدى الأزهري كذلك اهتمامًا كبيرًا بأسماء البلدان والأماكن والمياه. واهتم بإيراد الشواهد من القرآن والحديث بالإضافة إلى الشعر، كما عني بإيراد القراءات المختلفة في مكانها المناسب.
___________________
المصادر:
(1) البحث اللغوي عند العرب د أحمد مختار عمر ص193.
(2) المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم "العين" للخليل بن أحمد د. عبد الله درويش ص26


تعليق