سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية
(5) معجم الصحاح للجوهري
[IMG][/IMG]يعد الجوهري تابعًا لطريقة الفارابي، ولكنه أدخل تعديلًا جوهريًّا عليها إذا طرح الخطوات الكثيرة التي سارت عليها معاجم الأبنية، واختار من منهج الفارابي المعقد فكرة الباب والفصل وحدها وأدار عليها معجمه. ولذا فإن مزيته -على حد تعبير المستشرق الألماني كرنكو- "تنحصر في أنه رتب المادة اللغوية برمتها في ترتيب هجائي واحد".
والاسم الكامل لمعجم الجوهري هو "تاج اللغة وصحاح العربية" ولكنه اشتهر باسم "الصحاح". وتضبط إما بكسر الصاد جمع صحيح وإما بفتح الصاد فتكون مفردًا بمعنى صحيح مثل براء وبريء. وأفضل طبعة للصحاح تلك التي حققها الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار.
وقد سار كتاب "الصحاح" في الآفاق وبلغ في الشهرة مبلغًا عظيمًا، ويقول القفطي: إنه لما دخلت نسخة منه مصر نظرها العلماء فاستجودوا قرب مأخذها. ويقول: إن أهل مصر يروون كتاب "الصحاح" عن ابن القطاع الصقلي متصل الطريق إلى الجوهري، ولا يرويه أحد من أهل خراسان.
وفي رأيي أن كتاب "الصحاح" نال من الشهرة أكثر مما يستحق، وأن الجهد الحقيقي يعود إلى الفارابي لا إلى الجوهري، وأن أصابع الاتهام تشير إلى الجوهري بالأخذ والاغتراف من "ديوان الأدب" بدون أن يشير إلى ذلك أو يلمح حتى إليه.
ولما كانت هذه التهمة خطيرة وتمس مكانة الجوهري العلمية فسنعطيها شيئًا من البسط حتى يتضح فيها وجه الحق بين "الصحاح" و"ديوان الأدب":
إن كرنكو أول من تنبه إلى العلاقة بين الصحاح وديوان الأدب، وأشار إلى وجود التشابه بل التماثل بينهما ولكنه تحدث عن ذلك في إيجاز شديد وسطحية ظاهرة، إذ قال: إنه عقد مقارنة بين المعجمين "وكم كانت دهشتي أن أكتشف أن الجوهري لم يكتف بأن عب من ديوان الأدب، بل وجدت -قدر ما استطعت الاستقراء والمقابلة- أن "الصحاح" لا يحتوي على أي شيء لا يوجد في ديوان الأدب".
ولم يحاول أحد من الباحثين منذ نشر المقال "عام 1924" حتى الآن أن يتوفر على درس القضية ويناقشها مناقشة واعية فكل ما وجه إليها ما قاله الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار: "ولقد أسرف كرنكو في دعواه ولا سند له. فديوان الأدب للفارابي وصحاح الجوهري موجودان ... والفارق بين المعجمين كبير. وبعد كل هذا نجد عمل الجوهري أصح وأكمل وأعظم من عمل خاله الفارابي"، وما قاله: "والتقاء الفارابي والجوهري في نقطة أو نقاط ليس دليلًا على أن الثاني سطا على الأول". وحاول الدكتور عبد السميع محمد في أسطر قليلة أن ينفي عن الجوهري دعوى السرقة من خاله الفارابي، وكان أهم ما اعتمد عليه عدم تحدث أحد من العماء عن دعوى النقل هذه.
أما نحن فليتلخص رأينا فيما يأتي:
1- هناك اتفاق بين المؤرخين على أن هناك صلة نسب بين الجوهري والفارابي. فمعظم المؤرخين على أن الفارابي خال الجوهري، وروى بعضهم رواية أخرى ضعيفة تقول: إن الجوهري هو خال الفارابي.
2- كما أن من المتفق عليه تاريخيًّا وجود صلة علمية بين الفارابي والجوهري، فقد ذكر المؤرخون أن الجوهري تتلمذ على خاله الفارابي، بل منهم من ذهب إلى تعميق هذه الصلة، وقال: إنها هي السبب في تسمية الجوهري بالفارابي، وأنه سمى بذلك نسبة إلى خاله وأصله هو من فارس.
3- من الروايات التاريخية الموثقة أن الجوهري قرأ ديوان الأدب على خاله، وأنه كان يحتفظ بنسخة منه عنده كتبها بخطه. بل أكثر من هذا يقول ياقوت: إنه بعد أن قرأه على مؤلفه بفاراب أعاد قراءته على أبي السري محمد بن إبراهيم الأصبهاني بأصبهان، ثم عرضه على أستاذه أبي سعيد السيرافي ببغداد فقبله ولم ينكره فصار عنده من صحاح اللغة.
فكل هذه العوامل تجعلنا نقول: إن الجوهري قد استفاد ولا شك من ثقافة خاله وعلمه، وأنه تأثر بشخصيته اللغوية، واستعان بكتاب "ديوان الأدب" في تأليف معجمه "الصحاح".
ولكن إلى أي حد بلغ هذا التأثر؟
وإلى أي مدى استفاد الجوهري من ديوان الأدب؟
هذا ما سنحاول أن نجيب عنه الآن:
1- وأول شيء ثابت لا يقبل النقاش أن الجوهري أخذ عن "ديوان الأدب" نظام الباب والفصل. وهذه قضية لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو ينكرها. فأمامنا ديوان الأدب وأمامنا الصحاح. ولا شك أن ديوان الأدب أسبق في التأليف من الصحاح، ولا شك أن الفارابي هو السابق بهذا النظام.
وهذه نقطة التقاء هامة لأنها النقطة الجوهرية التي حققت للصحاح الشهرة وأنزلته من المعاجم منزلًا حسنًا. ومعظم صفات المدح التي وصف بها الصحاح ترجع إلى هذا النظام، مثل وصفه بأنه قريب التناول - حسن الترتيب - سهل المطلب لما يراد منه.
ولا أظن أن الأستاذ العطار على حق حين يصر على نسبة الفضل في هذا النظام للجوهري مع اعترافه بأن الفارابي هو السابق. ولا أفهم كيف يمكن التوفيق بين قوله: "ولعل من الحق والإنصاف أن نذكر أن بين الفارابي والجوهري نقطة التقاء وهي تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول". وقوله: "والذي نراه أن منهج الجوهري في ترتيب صحاحه باعتبار أواخر الكلمات غير مقصود منه تيسر الأمر على الشعراء والكتاب ... أما المنهج الذي اتبعه فهو من ابتكاره وهداه إليه علمه الواسع بالصرف واشتغال به.
من كتاب البحث اللغوي عند العرب د. أحمد مختار عمر ص(224).
والاسم الكامل لمعجم الجوهري هو "تاج اللغة وصحاح العربية" ولكنه اشتهر باسم "الصحاح". وتضبط إما بكسر الصاد جمع صحيح وإما بفتح الصاد فتكون مفردًا بمعنى صحيح مثل براء وبريء. وأفضل طبعة للصحاح تلك التي حققها الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار.
وقد سار كتاب "الصحاح" في الآفاق وبلغ في الشهرة مبلغًا عظيمًا، ويقول القفطي: إنه لما دخلت نسخة منه مصر نظرها العلماء فاستجودوا قرب مأخذها. ويقول: إن أهل مصر يروون كتاب "الصحاح" عن ابن القطاع الصقلي متصل الطريق إلى الجوهري، ولا يرويه أحد من أهل خراسان.
وفي رأيي أن كتاب "الصحاح" نال من الشهرة أكثر مما يستحق، وأن الجهد الحقيقي يعود إلى الفارابي لا إلى الجوهري، وأن أصابع الاتهام تشير إلى الجوهري بالأخذ والاغتراف من "ديوان الأدب" بدون أن يشير إلى ذلك أو يلمح حتى إليه.
ولما كانت هذه التهمة خطيرة وتمس مكانة الجوهري العلمية فسنعطيها شيئًا من البسط حتى يتضح فيها وجه الحق بين "الصحاح" و"ديوان الأدب":
إن كرنكو أول من تنبه إلى العلاقة بين الصحاح وديوان الأدب، وأشار إلى وجود التشابه بل التماثل بينهما ولكنه تحدث عن ذلك في إيجاز شديد وسطحية ظاهرة، إذ قال: إنه عقد مقارنة بين المعجمين "وكم كانت دهشتي أن أكتشف أن الجوهري لم يكتف بأن عب من ديوان الأدب، بل وجدت -قدر ما استطعت الاستقراء والمقابلة- أن "الصحاح" لا يحتوي على أي شيء لا يوجد في ديوان الأدب".
ولم يحاول أحد من الباحثين منذ نشر المقال "عام 1924" حتى الآن أن يتوفر على درس القضية ويناقشها مناقشة واعية فكل ما وجه إليها ما قاله الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار: "ولقد أسرف كرنكو في دعواه ولا سند له. فديوان الأدب للفارابي وصحاح الجوهري موجودان ... والفارق بين المعجمين كبير. وبعد كل هذا نجد عمل الجوهري أصح وأكمل وأعظم من عمل خاله الفارابي"، وما قاله: "والتقاء الفارابي والجوهري في نقطة أو نقاط ليس دليلًا على أن الثاني سطا على الأول". وحاول الدكتور عبد السميع محمد في أسطر قليلة أن ينفي عن الجوهري دعوى السرقة من خاله الفارابي، وكان أهم ما اعتمد عليه عدم تحدث أحد من العماء عن دعوى النقل هذه.
أما نحن فليتلخص رأينا فيما يأتي:
1- هناك اتفاق بين المؤرخين على أن هناك صلة نسب بين الجوهري والفارابي. فمعظم المؤرخين على أن الفارابي خال الجوهري، وروى بعضهم رواية أخرى ضعيفة تقول: إن الجوهري هو خال الفارابي.
2- كما أن من المتفق عليه تاريخيًّا وجود صلة علمية بين الفارابي والجوهري، فقد ذكر المؤرخون أن الجوهري تتلمذ على خاله الفارابي، بل منهم من ذهب إلى تعميق هذه الصلة، وقال: إنها هي السبب في تسمية الجوهري بالفارابي، وأنه سمى بذلك نسبة إلى خاله وأصله هو من فارس.
3- من الروايات التاريخية الموثقة أن الجوهري قرأ ديوان الأدب على خاله، وأنه كان يحتفظ بنسخة منه عنده كتبها بخطه. بل أكثر من هذا يقول ياقوت: إنه بعد أن قرأه على مؤلفه بفاراب أعاد قراءته على أبي السري محمد بن إبراهيم الأصبهاني بأصبهان، ثم عرضه على أستاذه أبي سعيد السيرافي ببغداد فقبله ولم ينكره فصار عنده من صحاح اللغة.
فكل هذه العوامل تجعلنا نقول: إن الجوهري قد استفاد ولا شك من ثقافة خاله وعلمه، وأنه تأثر بشخصيته اللغوية، واستعان بكتاب "ديوان الأدب" في تأليف معجمه "الصحاح".
ولكن إلى أي حد بلغ هذا التأثر؟
وإلى أي مدى استفاد الجوهري من ديوان الأدب؟
هذا ما سنحاول أن نجيب عنه الآن:
1- وأول شيء ثابت لا يقبل النقاش أن الجوهري أخذ عن "ديوان الأدب" نظام الباب والفصل. وهذه قضية لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو ينكرها. فأمامنا ديوان الأدب وأمامنا الصحاح. ولا شك أن ديوان الأدب أسبق في التأليف من الصحاح، ولا شك أن الفارابي هو السابق بهذا النظام.
وهذه نقطة التقاء هامة لأنها النقطة الجوهرية التي حققت للصحاح الشهرة وأنزلته من المعاجم منزلًا حسنًا. ومعظم صفات المدح التي وصف بها الصحاح ترجع إلى هذا النظام، مثل وصفه بأنه قريب التناول - حسن الترتيب - سهل المطلب لما يراد منه.
ولا أظن أن الأستاذ العطار على حق حين يصر على نسبة الفضل في هذا النظام للجوهري مع اعترافه بأن الفارابي هو السابق. ولا أفهم كيف يمكن التوفيق بين قوله: "ولعل من الحق والإنصاف أن نذكر أن بين الفارابي والجوهري نقطة التقاء وهي تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول". وقوله: "والذي نراه أن منهج الجوهري في ترتيب صحاحه باعتبار أواخر الكلمات غير مقصود منه تيسر الأمر على الشعراء والكتاب ... أما المنهج الذي اتبعه فهو من ابتكاره وهداه إليه علمه الواسع بالصرف واشتغال به.
من كتاب البحث اللغوي عند العرب د. أحمد مختار عمر ص(224).
منهج الصحاح:
أ- لقد كان الجوهري أول من استعمل نظام "القافية" في ترتيب الكلمات في كتابه. ولقد فسر هذا بعض المعاصرين المحدثين.
2 بأنه يساعد المتأدبين على الكتابة التي كان من أهم خصائصها السجع في تلك الأيام. كما أن من شأنه أن يساعد على وحدة القافية في القصيدة العربية التي قد تبلغ أحيانًا المائة من الأبيات.
ولعلنا في حل من أن نضيف إلى هذا سببًا آخر، وهو أن أي ترتيب لا بد أن يخضع لنظام الزوائد والأصول من الحروف في المفردات. ولقد أدى هذا إلى الارتباك أحيانًا خصوصًا في الرباعي، والخماسي حيث يختلف موضع الكلمة.
في القاموس تبعًا لاعتبار أي الحروف يكون الزائد وما موضعه. وأنه قد يكون من الصعب تمييز ذلك أول الكلمة، ووسطها في بعض الأحيان على حين أن الزوائد في الآخر تكاد تكون محصورة في:
1- علامتي التثنية والجمع.
2- علامة التأنيث من تاء أو ألف.
ولقد سار الجوهري في ترتيب الأبجدية على النظام المعروف لنا اليوم فيما عدا حرفًا واحدًا هو الواو إذ وضعه بين النون والهاء، فأصبحت الحروف آخر الأبجدية هكذا: ل، م، ن، و، هـ، ي.
وقد اتبع هذا النظام في الأبواب التي رتب فيها الكلمات حسب أواخرها وطبعًا تحت كل باب ذكر حروف الهجاء، ثم بعد ذلك قسم ذلك الحروف إلى فصول كل فصل تبدأ فيه الكلمة بحرف من حروف الهجاء. ولكنا فوجئنا أنه في الفصول استعمل الترتيب العادي المألوف اليوم.
وتوضيحًا لهذا نذكر بعض الكلمات على سبيل المثال نجد أن ذكر كلمة وجد قبل كلمة هجد.
ب- لقد أراد الجوهري أن يتغلب على مسألة التشكيل التي أتعبت المتقدمين قبله. فنجد مثلًا معاجم الأزهري، وابن دريد وابن فارس قد شكلت فيها الكلمات بالضمة، والفتحة والكسرة في بعض المواضع. ولسنا نعرف ما إذا كان هذا التشكيل من وضع هؤلاء اللغويين أم من وضع من أتى بعدهم من الرواة والعلماء. ثم إن التصحيف قد لعب دورًا كبيرًا في هذا فنجد أن النساخين قد خلطوا بين الضمة والفتحة، وأحيانًا يتركون كتابة الحركة اعتمادًا على أن الذوق يدركها، ثم يأتي من بعدهم فيضع حركة مغايرة ظانًّا أنها الحركة الصحيحة، وأحيانًا يكون رأي المؤلف الأصلي أن يكون حرف ما مفتوحًا، فيأتي من بعده ويرى أن هذا خطأ أو غير صحيح، فيضع ضمة بدلًا منها، ويأتي ثالث فينقل لنا الضمة. ونأخذها منه على أنها تمثل رأي المؤلف الأصلي. لعل هذا أو ما يماثله قد دار بخلد الجوهري فأراد أن يخلصنا منه فوضع نظامًا جديدًا.
يتلخص هذا النظام في أنه لا يضع الحركة على الكلمة بل يذكر نوع الحركة كتابة بعد الكلمة، وقد اقتضاه هذا أن يقتصر على ذكر حركة الحرف المحتمل أكثر من وجه واحد، فمثلًا يقول: "الحباب بالضم"، وهذا يعني أن الحاء مضمومة أما الباء الثانية، فلا بد أنها مفتوحة لورود الألف بعدها. وأما الحرف الأخير فقد ترك للإعراب. وحيث إن هذا التطبيب كان أول محاولة من نوعها لذلك النظام، فمن الإنصاف أننا لا نؤاخذ الجوهري على بعض الهفوات في محاولته. وإنه ليكفيه أن يضع اللبنة الأولى في حل هذه المشكلة. وعلى المتأخرين أن يكملوا هذا البناء. ولقد حقق لنا الفيروزآبادى أخيرًا ما كنا نتوقع فاقتبس هذا النظام وأكمله وطبقه بدقة وعناية. ولنعد لنظام الجوهري الآن فنرى أنه أيضًا عند الكلام على الفعل الماضي قد ذكر نوع حركة عينه فقط؛ لأنها هي التي تحتاج إلى تبيان. وفي بعض الأحيان قد يذكر مصدر الفعل بجانبه ليدل على التشديد. فإذا قال لنا مثلًا: "قطع تقطيعًا" فإن معنى هذا أن عين الفعل وهي الطاء تكون مشددة.
هذا هو المنهج العام للجوهري في ترتيب المفردات في كتابه، أما من حيث تعريف المفردات، فلم يأت فيه بجديد فقد اقتبس عمن سبقوه أحيانًا مع التصريح بالمصدر الذي أخذ عنه، وأحيانًا يغفل ذلك.
وبمقارنة بعض العبارات بكتاب العين نجد اتفاقًا كبيرًا بين التعبيرين، وهذا يدل في رأينا على أنه نقل عن العين، وإن لم يكن بطريق مباشر بل بواسطة بعض من أخذ عنهم، وصرح بأسمائهم مثل الأزهري، وابن دريد وابن فارس.
أما من حيث المواد التي تركها فقد ذكر الشدياق أن الجوهري ترك كثيرًا من المفردات التي تدخل في باب الصحيح، ولعل هذا في نظر الشدياق يرجع إلى السهو، ولعلنا ندهش إذ نرى أن كثيرًا مما أغفله الجوهري قد ذكره الخليل في العين، وإن المتتبع لحاشية ابن بري أو تكملة الصاغاني ليرى كيف أنهما استدركا على الجوهري كثيرًا من الصحيح الذي تركه مما نجده مدونًا في كتاب العين.
2 بأنه يساعد المتأدبين على الكتابة التي كان من أهم خصائصها السجع في تلك الأيام. كما أن من شأنه أن يساعد على وحدة القافية في القصيدة العربية التي قد تبلغ أحيانًا المائة من الأبيات.
ولعلنا في حل من أن نضيف إلى هذا سببًا آخر، وهو أن أي ترتيب لا بد أن يخضع لنظام الزوائد والأصول من الحروف في المفردات. ولقد أدى هذا إلى الارتباك أحيانًا خصوصًا في الرباعي، والخماسي حيث يختلف موضع الكلمة.
في القاموس تبعًا لاعتبار أي الحروف يكون الزائد وما موضعه. وأنه قد يكون من الصعب تمييز ذلك أول الكلمة، ووسطها في بعض الأحيان على حين أن الزوائد في الآخر تكاد تكون محصورة في:
1- علامتي التثنية والجمع.
2- علامة التأنيث من تاء أو ألف.
ولقد سار الجوهري في ترتيب الأبجدية على النظام المعروف لنا اليوم فيما عدا حرفًا واحدًا هو الواو إذ وضعه بين النون والهاء، فأصبحت الحروف آخر الأبجدية هكذا: ل، م، ن، و، هـ، ي.
وقد اتبع هذا النظام في الأبواب التي رتب فيها الكلمات حسب أواخرها وطبعًا تحت كل باب ذكر حروف الهجاء، ثم بعد ذلك قسم ذلك الحروف إلى فصول كل فصل تبدأ فيه الكلمة بحرف من حروف الهجاء. ولكنا فوجئنا أنه في الفصول استعمل الترتيب العادي المألوف اليوم.
وتوضيحًا لهذا نذكر بعض الكلمات على سبيل المثال نجد أن ذكر كلمة وجد قبل كلمة هجد.
ب- لقد أراد الجوهري أن يتغلب على مسألة التشكيل التي أتعبت المتقدمين قبله. فنجد مثلًا معاجم الأزهري، وابن دريد وابن فارس قد شكلت فيها الكلمات بالضمة، والفتحة والكسرة في بعض المواضع. ولسنا نعرف ما إذا كان هذا التشكيل من وضع هؤلاء اللغويين أم من وضع من أتى بعدهم من الرواة والعلماء. ثم إن التصحيف قد لعب دورًا كبيرًا في هذا فنجد أن النساخين قد خلطوا بين الضمة والفتحة، وأحيانًا يتركون كتابة الحركة اعتمادًا على أن الذوق يدركها، ثم يأتي من بعدهم فيضع حركة مغايرة ظانًّا أنها الحركة الصحيحة، وأحيانًا يكون رأي المؤلف الأصلي أن يكون حرف ما مفتوحًا، فيأتي من بعده ويرى أن هذا خطأ أو غير صحيح، فيضع ضمة بدلًا منها، ويأتي ثالث فينقل لنا الضمة. ونأخذها منه على أنها تمثل رأي المؤلف الأصلي. لعل هذا أو ما يماثله قد دار بخلد الجوهري فأراد أن يخلصنا منه فوضع نظامًا جديدًا.
يتلخص هذا النظام في أنه لا يضع الحركة على الكلمة بل يذكر نوع الحركة كتابة بعد الكلمة، وقد اقتضاه هذا أن يقتصر على ذكر حركة الحرف المحتمل أكثر من وجه واحد، فمثلًا يقول: "الحباب بالضم"، وهذا يعني أن الحاء مضمومة أما الباء الثانية، فلا بد أنها مفتوحة لورود الألف بعدها. وأما الحرف الأخير فقد ترك للإعراب. وحيث إن هذا التطبيب كان أول محاولة من نوعها لذلك النظام، فمن الإنصاف أننا لا نؤاخذ الجوهري على بعض الهفوات في محاولته. وإنه ليكفيه أن يضع اللبنة الأولى في حل هذه المشكلة. وعلى المتأخرين أن يكملوا هذا البناء. ولقد حقق لنا الفيروزآبادى أخيرًا ما كنا نتوقع فاقتبس هذا النظام وأكمله وطبقه بدقة وعناية. ولنعد لنظام الجوهري الآن فنرى أنه أيضًا عند الكلام على الفعل الماضي قد ذكر نوع حركة عينه فقط؛ لأنها هي التي تحتاج إلى تبيان. وفي بعض الأحيان قد يذكر مصدر الفعل بجانبه ليدل على التشديد. فإذا قال لنا مثلًا: "قطع تقطيعًا" فإن معنى هذا أن عين الفعل وهي الطاء تكون مشددة.
هذا هو المنهج العام للجوهري في ترتيب المفردات في كتابه، أما من حيث تعريف المفردات، فلم يأت فيه بجديد فقد اقتبس عمن سبقوه أحيانًا مع التصريح بالمصدر الذي أخذ عنه، وأحيانًا يغفل ذلك.
وبمقارنة بعض العبارات بكتاب العين نجد اتفاقًا كبيرًا بين التعبيرين، وهذا يدل في رأينا على أنه نقل عن العين، وإن لم يكن بطريق مباشر بل بواسطة بعض من أخذ عنهم، وصرح بأسمائهم مثل الأزهري، وابن دريد وابن فارس.
أما من حيث المواد التي تركها فقد ذكر الشدياق أن الجوهري ترك كثيرًا من المفردات التي تدخل في باب الصحيح، ولعل هذا في نظر الشدياق يرجع إلى السهو، ولعلنا ندهش إذ نرى أن كثيرًا مما أغفله الجوهري قد ذكره الخليل في العين، وإن المتتبع لحاشية ابن بري أو تكملة الصاغاني ليرى كيف أنهما استدركا على الجوهري كثيرًا من الصحيح الذي تركه مما نجده مدونًا في كتاب العين.
تعليقات ومختصرات للصحاح:
لقد كان للصحاح أهمية كبيرة في عالم اللغة، فتناوله العلماء بالتعليق والشرح والاختصار والترجمة، ولعلنا نوفي الجوهري حقه حين ننوه فقط ببعض منها لأهميته1.
1- التكملة. ألفها الصاغاني المتوفى عام 660هـ، وفيها يذكر المؤلف بعض المواد التي تركها الجوهري مع التعليق الموجز على ما ذكره الجوهري من معاني المفردات، أو نسبة الآراء إلى قائليها.
2- حاشية ابن بري. وهي أشهر الحواشي التي كتبت على الصحاح. ويزيد في أهميتها أن مؤلفها كان تلميذ الجوهري. وقد اعتنى ابن بري في الحاشية بأن ينبه على الكلمات التي وضعت خطأ في غير موضعها. كما أنه أضاف بعض الشواهد التي لم يذكرها الجوهري.
3- ولقد جرد السيوطي كل الأحاديث التي وردت في الصحاح، ووصفها في كتاب منفرد لشرحها وبيان معانيها.
4- أما المختصرات فتقصر منها على ذكر اثنين:-
أولًا:
مختار الصحاح الذي وضعه الرازي المتوفى عام 780هـ، ولقد رتب الرازي مختاره كترتيب الصحاح. وقد كان من المتوقع -كما يوحي بذلك عنوان الكتاب أنه سيتخير بعض المفردات التي يراها ملائمة لغرضه في الكتاب، ويقتصر عليها فقط. ولكنه فعل أكثر من هذا. إذ أضاف إلى ما انتقاه من الصحاح بعض مفردات أخرى نقلها عن تهذيب الأزهري وغيره من المعاجم.
وفي طليعة القرن الحالي تخيرت وزارة المعارف المصرية هذا الكتاب ليكون قاموسًا مدرسيًّا، فطبع مرة أخرى بعد أن عدل ترتيبه من نظام القافية إلى النظام المألوف العادي.
ثانيًا:
تهذيب الصحاح، وقد طبع حديثًا في مصر، ويسير على نظام القافية أيضًا. وقد ذكر لنا محققًا الكتاب أن مخطوطته قد اكتشفها في مكة المكرمة العلامة الشيخ محمد سرور الصبان1. وقد أمكن لمحققي الكتاب أن يهتديا إلى اسم المؤلف، وأن يختارا عنوانًا مناسبًا للكتاب: إذ لم يكن مسجلًا على المخطوطة شيء من هذا أما المؤلف فهو الزنجاني، وقد اعتمد المحققان في هذا على كشف الظنون. وأما عنوان الكتاب فقد اختصره من عنوان لمؤلف آخر للزنجاني باسم "ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح".
من كتاب: المعاجم العربية، د. عبد الله درويش ص(91).
1- التكملة. ألفها الصاغاني المتوفى عام 660هـ، وفيها يذكر المؤلف بعض المواد التي تركها الجوهري مع التعليق الموجز على ما ذكره الجوهري من معاني المفردات، أو نسبة الآراء إلى قائليها.
2- حاشية ابن بري. وهي أشهر الحواشي التي كتبت على الصحاح. ويزيد في أهميتها أن مؤلفها كان تلميذ الجوهري. وقد اعتنى ابن بري في الحاشية بأن ينبه على الكلمات التي وضعت خطأ في غير موضعها. كما أنه أضاف بعض الشواهد التي لم يذكرها الجوهري.
3- ولقد جرد السيوطي كل الأحاديث التي وردت في الصحاح، ووصفها في كتاب منفرد لشرحها وبيان معانيها.
4- أما المختصرات فتقصر منها على ذكر اثنين:-
أولًا:
مختار الصحاح الذي وضعه الرازي المتوفى عام 780هـ، ولقد رتب الرازي مختاره كترتيب الصحاح. وقد كان من المتوقع -كما يوحي بذلك عنوان الكتاب أنه سيتخير بعض المفردات التي يراها ملائمة لغرضه في الكتاب، ويقتصر عليها فقط. ولكنه فعل أكثر من هذا. إذ أضاف إلى ما انتقاه من الصحاح بعض مفردات أخرى نقلها عن تهذيب الأزهري وغيره من المعاجم.
وفي طليعة القرن الحالي تخيرت وزارة المعارف المصرية هذا الكتاب ليكون قاموسًا مدرسيًّا، فطبع مرة أخرى بعد أن عدل ترتيبه من نظام القافية إلى النظام المألوف العادي.
ثانيًا:
تهذيب الصحاح، وقد طبع حديثًا في مصر، ويسير على نظام القافية أيضًا. وقد ذكر لنا محققًا الكتاب أن مخطوطته قد اكتشفها في مكة المكرمة العلامة الشيخ محمد سرور الصبان1. وقد أمكن لمحققي الكتاب أن يهتديا إلى اسم المؤلف، وأن يختارا عنوانًا مناسبًا للكتاب: إذ لم يكن مسجلًا على المخطوطة شيء من هذا أما المؤلف فهو الزنجاني، وقد اعتمد المحققان في هذا على كشف الظنون. وأما عنوان الكتاب فقد اختصره من عنوان لمؤلف آخر للزنجاني باسم "ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح".
من كتاب: المعاجم العربية، د. عبد الله درويش ص(91).


تعليق